قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الحادي و الثمانون في ترك العزلة)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
لا تفرحن بالاعتزال فإنه جهل و أين الله و الأرواح‏
نور الإله أجل منك نفاسة و مع الجلال جليسه المصباح‏
لم يعتزل عن نور كون حادث و إلى التعلق ذاته ترتاح‏
لو أن نور الحق معتزل لما ظهر الوجود و دامت الأفراح‏
بالنور من فلك البهاء إذا بدا للناظرين أضاءت الأشباح‏

اعلم أيدنا الله و إياك أن مثير العزلة إنما هو خوف القواطع عن الوصلة بالجناب الإلهي أو رجاء الوصلة بالعزلة به لما كان في حجاب نفسه و ظلمة كونه و حقيقة ذاته يبعثها على طلب الوصلة ما هي عليه من الصورة الإلهية كما يطلب الرحم الوصلة ثم إن العبد رأى ارتباط الكون بالله ارتباطا لا يمكن الانفكاك عنه لأنه وصف ذاتي له و تجلى له في هذا الارتباط و عرف من هذا التجلي وجوبه به و أنه لا تثبت لمطلوبه هذه الرتبة إلا به و أنه سرها الذي لو بطل لبطلت الربوبية و رآه في كل شي‏ء مثل ما هو عنده و نسبة كل شي‏ء إليه كنسبته هو إليه فلم يتمكن له الاعتزال‏ فتأدب مع قوله تعالى مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ أي صفة نوره صفة المصباح و لم يقل صفة الشمس فإن الإمداد في نور الشمس يخفى بخلاف المصباح فإن الزيت و الدهن يمده لبقاء الإضاءة فهو باق بإمداد دهني من شجرة نسبة الجهات إليها نسبة واحدة منزهة عن الاختصاص بحكم جهة و هو قوله لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ و هذا الإمداد من نور السبحات الظاهرة من وراء سبحات العزة و الكبرياء و الجلال فما ينفذ من نور سبحات هذه الحجب هو نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و مثله كمثل المصباح و النور الذي في الدهن معلوم غير مشهود وضوء المصباح من أثره يدل عليه و على الحقيقة ما هو نور و إنما هو سبب لبقاء النور و استمراره فالنور العلمي منفر ظلمة الجهل من النفس فإذا أضاءت ذات النفس أبصرت ارتباطها بربها في كونها و في كون كل كون فلم تر عمن تعتزل‏ و جعل هذا النور في مشكاة و زجاجة مخافة الهواء أن يجيره و يشتد عليه فيطفيه فكان مشكاته و زجاجته نشأته الظاهرة و الباطنة فإنهما من حيث هما عاصمان فإنهما من الذين يُسَبِّحُونَ بحمد الله اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ و هما اللذان يشهدان على النفس المدبرة إذا أنكرت بين يدي الله فهما أهل عدالة قال تعالى شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصارُهُمْ و هما من النشأة الباطنة و جلودهم و هي من النشأة الظاهرة فما من شخص يروم مخالفة حق إلا و نشأتاه تقولان له لا تفعل أيها الملك و لا تحوجنا أن نكون سببا في إهلاكك فإن الله إن استشهدنا شهدنا أ لا ترى الرسول صلى الله عليه و سلم لما بلغ و أنذر و وعد و أوعد قال لقومه إنكم لتسئلون عني فما أنتم قائلون قالوا نشهد أنك بلغت و نصحت و أديت فقال اللهم اشهد و قد سأل هود قومه مع شركهم فقال اشْهَدُوا أَنِّي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ فاستشهدهم لعلمه أنهم لا بد أن يسألهم و نحن رعيتك و لا حركة لنا إلا بك فلا تحركنا إلافي أمر يكون لك لا عليك و المحجوب غافل عن هذا غير سامع لصمم قام به من شدة الهواء الذي أصمه فالله يجعلنا ممن سمع نطق جوارحه بالموعظة قبل سماعه إياها بالشهادة إنه ولي جواد كريم ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ‏