قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب السادس و مائتان في حال التجلي بالجيم»

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
للغيب نور على البصائريظهر ما كان في السرائر
لكل قلب من كل شخصأحضره الحق في المحاضر
فشاهد الأمر كيف يجريو عاين الحكم في المقادر
فعنده أول و ظاهرو عندنا باطن و آخر
قسمه كالصلاة فيناعينا لعين فاشكر و بادر
ما بين عبد حبيس عجزو بين رب عليه قادر
بفضله قد سرى إليناما يحمد الله في الضمائر

اعلم أن التجلي عند القوم ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب و هو على مقامات مختلفة فمنها ما يتعلق بأنوار المعاني المجردة عن المواد من المعارف و الأسرار و منها ما يتعلق بأنوار الأنوار و منها ما يتعلق بأنوار الأرواح و هم الملائكة و منها ما يتعلق بأنوار الرياح و منها ما يتعلق بأنوار الطبيعة و منها ما يتعلق بأنوار الأسماء و منها ما يتعلق بأنوار المولدات و الأمهات و العلل و الأسباب على مراتبها فكل نور من هذه الأنوار إذا طلع من أفق و وافق عين البصيرة سالما من العمي و الغشي و الصدع و الرمد و آفات الأعين كشف بكل نور ما انبسط عليه فعاين ذوات المعاني على ما هي عليه في أنفسها و عاين ارتباطها بصور الألفاظ و الكلمات الدالة عليها و أعطته بمشاهدته إياها ما هي عليه من الحقائق في نفس الأمر من غير تخيل و لا تلبيس فمنها أنوار نسعى بها و منها أنوار نسعى إليها و منها أنوار نسعى منها و منها أنوار تسعى بين أيدينا و منها أنوار تكون خلفنا يسعى بها من يقتدي بنا و منها أنوار تكون عن إيماننا تؤيدنا و منها أنوار تكون عن شمائلنا تقينا و منها أنوار تكون فوقنا تنزل علينا لتفيدنا و منها أنوار تكون تحتنا نملكها بالتصرف فيها و منها أنوار نكونها هي أبشارنا و في أبشارنا و أشعارنا و في أشعارنا و هي غاية الأمر فأما أنوار المعاني المجردة عن المواد فكل علم لا يتعلق بجسم و لا جسماني و لا متخيل و لا بصورة و لا نعلمه من حيث تصوره بل نعقله على ما هو عليه و لكن بما نحن عليه و لا يكون ذلك إلا حتى أكون نورا فما لم أكن بهذه المثابة فلا أدرك من هذا العلم شيئا و هو قوله‏ في دعائه صلى الله عليه و سلم و اجعلني نورا و الله يقول الله نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ فما أنارت إلا به كما قال وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها يعني أرض المحشر يقول ما ثم شمس و عدم النور ظلمة و لا بد من الشهود فلا بد من النور و هو يوم يأتي فيه الله للفصل و القضاء فلا يأتي إلا في اسمه النور فتشرق الأرض بنور ربها و تعلم كل نفس بذلك النور ما قَدَّمَتْ وَ أَخَّرَتْ لا بها تجده محضرا يكشفه لهاذلك النور و لو لا ما هي النفوس عليه من الأنوار ما صحت المشاهدة إذ لا يكون الشهود إلا باجتماع النورين و من كان له حظ في النور كيف يشقى شقاء الأبد و النور ليس من عالم الشقاء و ما من نفس إلا و لها نور تكشف به ما عملت فما كان من خير سرت به و ما كان من سوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً و لهذا ختم الآية بقوله وَ الله رَؤُفٌ بِالْعِبادِ حيث جعل لهم أنوارا يدركون بها و قد علموا أن النور لا حظ له في الشقاء فلا بد أن يكون المال إلى الملائم و حصول الغرض و ذلك هو المعبر عنه بالسعادة لأنه قال كل نفس فعم و ما خص نفسا من نفس و ذكر الخير و الشر فالوجود نور و العدم ظلمة فالشر عدم و نحن في الوجود فنحن في الخير و إن مرضنا فإنا نصح فإن الأصل جابر و هو النور و هكذا صفة كل نور إنما جاء ليظهر ما طلع عليه فلا تدرك الأشياء إلا بك و به فلهذا لا يصح نتيجة أي لا تكون إلا بين اثنين أصلها الاقتدار الإلهي و قبول الممكن للانفعال لو نقص واحد من هاتين الحقيقتين لما ظهر للعالم عين فقد أعطيناك أمرا كليا في هذه الأنوار فلا نتكلف بسطها مخافة التطويل و الأحوال لا تحتمل الإسهاب فلنذكر مبهمات الأنوار فأما النور الذي نسعى به فهو ما تقدم ذكره من أنوار المعلومات التي اكتفينا بذكر واحد منها ليكون تنبيها و أنموذجا لما سكتنا عنه و أما النور الذي بين أيدينا فهو نور الوقت و الوقت ما أنت به فنوره ما أنت به فانظر فيه كيفما كان فهو مشهودك الحاكم عليك و القائم بك و هو عين الاسم الإلهي الذي أنت به قائم في الحال لا حكم له في ماض و لا مستأنف و أما النور الذي عن يمينك فهو المؤيد لك و المعين على ما يطلبه منك النور الذي بين يديك و هو الذي طلبت من الله في حال صلاتك في قولك وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ و الصلاة نور و هي النور الذي بين يديك فهو وقتك الذي أنت به فلما قلت وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ أيدك بالنور من عن يمينك فإن اليمين القوة يقول الشاعر

إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين‏

و أما النور الذي عن يسارك فهو نور الوقاية و الجنة من الشبه المضلة المؤثرة في النفوس الجهالات و الالتباس و التشكيك الذي يخطر للناظر الباحث في الاعتقاد في الله و فيما أخبر به عن نفسه و هو على نوعين نور إيمان و نور دليل و نور الدليل على نوعين نور نظر فكري و نور نظر كشفي فيعلم الأمر على ما هو عليه في نفسه فهذا فائدة النور الذي يأتي عن الشمال و أما النور الذي خلفنا فهو النور الذي يَسْعى‏ بين يدي من يقتدي بنا و يتبعنا على مدرجتنا فهو لهم من بين أيديهم و هو لنا من خلفنا فيتبعنا على بصيرة من أجل ذلك النور الذي يخرجهم عن التقليد قال أَدْعُوا إِلَى الله عَلى‏ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ من اتَّبَعَنِي فهو بالنور الذي بين يديه يدعو على بصيرة و الداعي المتبع له يدعو بالنور الذي خلفه ليكون هذا المتبع أيضا على بصيرة فيما يدعو إليه مثل من اتبعه و بذلك النور يرى من خلفه مثل ما يرى من بين يديه و هذا مقام نلته سنة ثلاث و تسعين و خمسمائة بمدينة فاس في صلاة العصر و أنا أصلي بجماعة بالمسجد الأزهر بجانب عين الجبل فرأيته نورا يكاد يكون أكشف من الذي بين يدي غير أني لما رأيته زال عني حكم الخلف و ما رأيت لي ظهرا و لا قفا و لم أفرق في تلك الرؤية بين جهاتي بل كنت مثل الأكرة لا أعقل لنفسي جهة إلا بالفرض لا بالوجود و كان الأمر كما شاهدته مع أنه كان قد تقدم لي قبل ذلك كشف الأشياء في عرض حائط قبلتي و هذا كشف لا يشبه هذا الكشف و أما النور الذي من فوقي فهو تنزل نور إلهي قدسي بعلم غريب لم يتقدمه خبر و لا يعطيه نظر و هذا النور هو الذي يعطي من العلم بالله ما ترده الأدلة العقلية إذا لم يكن لها إيمان فإن كان لها إيمان نوراني قبلته بتأويل لتجمع بين الأمرين و أما النور الذي من تحتنا فهو النور الذي يكون تحت حكمنا و تصريفنا لا يقترن معه فينا أمر إلهي نقف عنده فلا نصرفه إلا فيه و أما الأنوار التي نسعى بها فهي أنوار المعية من جانب الحق في قوله وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ لذلك قلنا من جانب الحق فإنه لا يختص بهذه المعية شي‏ء من خلق الله دون غيره و لها الاسم الحفيظ و المحيط فإن لله مع بعض عباده معية اختصاص مثل معيته مع موسى و هارون في قوله إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَ أَرى‏ فهذه بشرى لهما حتى لا يخافا فإنهما قالا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى‏ أي يتقدم و يرتفع بالحجة إذ له الملك و السلطان فآمنهما الله مما خافا منه و من هنا تعرف مرتبة محمد صلى الله عليه و سلم و علوها على رتبة غيره من الرسل فإن الله أخبر عن محمد صلى الله عليه‏و سلم في حال خوف الصديق عليه و على نفسه فقال لصاحبه يؤمنه و يفرحه إِذْ هُما في الْغارِ و هو كنف الحق عليهما لا تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنا فقام النبي صلى الله عليه و سلم في هذا الإخبار مقام الحق في معيته لموسى و هارون و ناب منابه هكذا تكون العناية الإلهية فهذا هو النور الذي يسعى به و هو لا يزال ساعيا فلا يزال الحق معه حافظا و ناصرا لا خاذلا و لهذا وقع الإخبار لنا من الله على لسان رسوله صلى الله عليه و سلم أنا إذا أتينا بنوافل الخيرات لا بفرائضها أحبنا الحق فكان سمعنا الذي نسمع به و رجلنا التي نسعى بها إلى جميع قوانا و أعضائنا فهذا ما أعطت النوافل فينا من الحق فأين أنت مما تعطيه الفرائض فكم بين عبودية الاضطرار و عبودية الاختيار تقع المشاركة مع الحق في عبودة الاختيار في أحاديث نزوله في الخطاب إلى عبده مثل الشوق و الجوع و العطش و المرض و أشباه ذلك و عبودة الاضطرار لا تقع فيها مشاركة فهي مخلصة للعبد فمن أقيم فيها فلا مقام فوقها يقول الله لأبي يزيد تقرب إلي بما ليس لي الذلة و الافتقار فعين القربة هنا هو عين البعد من المقام فافهم و أما النور الذي نسعى منه فهو نور الحقيقة سواء علمها أو لم يعلمها فيكشفها بهذا النور و يكشف أنه سعى منه ثم ينكشف له النور الذي يسعى إليه و هو الشريعة فصاحب هذا المقام هو المعصوم المحفوظ المعتنى به العالم الذي لا يجهل لاتصافه بالعلم الذي لا جهل فيه فإن ثم عبيدا يسعون من نور الشريعة إلى نور الحقيقة و يخاف عليهم و هؤلاء الذين يسعون على كشف من نور الحقيقة إلى نور الشريعة آمنون من هذا المكر الإلهي فهم على بصيرة من أمرهم و هؤلائك تحت خطر عظيم يمكن أن يعصموا فيه و يمكن أن يخذلوا فاعلم ذلك و أما أنوار المولدات فهي أنوار تعطيه بذاتها علما صحيحا من العلم بالله يكشف بها نسبة الحق و صورته في صور أعيان المعادن و النبات و الحيوان و هم لا يعلمون و ما زاد الإنسان على هؤلاء إلا بكشفه ذلك فالمولدات في هذا المقام بمنزلة قوله وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ و الإنسان فيه بمنزلة لا تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنا و إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَ أَرى‏ فإنه صورة كل شي‏ء في نفس الأمر فمن علمه و كشفه بهذا النور كان من أهل الاختصاص فهو يرى الأشياء أعيانا بصورة حقية و أخبرني من أثق بنقله في هذه المسألة إن شخصا كان بدمشق له هذا المقام لا يزال رأسه بين ركبتيه فإذا نظر إلى الأشياء في رفع رأسه لا يزال يقول أمسكوه أمسكوه و الناس لا يعلمون ما يقول فيرمونه بالتوله و أما أنا فذقته لله الحمد على ذلك‏ و أما أنوار الأسماء فهي التي تظهر مسمياتها حقا و خلقا مما يتعلق بالذات و الصفات و الأفعال في الإلهيات منها ما يتعلق بأجناس الممكنات و أشخاصها منها من الأسماء التي وضعها الحق لها و بلغتها الرسل لا ما وقع عليه الاصطلاح و هذه الأنوار التي كانت لآدم عليه السلام حين علم جميع الأسماء بالوضع الإلهي لا بالاصطلاح و في ذلك تكون الفضيلة و الاختصاص فإن لله أسماء أوجد بها الملائكة و جميع العالم و لله أسماء أوجد بها جامع حقائق الحضرة الإلهية و هو الإنسان الكامل ظهر ذلك بالنص في آدم و خفي في غيره فقال للملائكة في فضل آدم و في فضل هذا المقام و قد أحضر للملائكة المسميات أعني أعيانهم أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي بالأسماء الإلهية التي صدروا عنها فلم يعلموا ذلك ذوقا فإن علوم الأكابر ذوقا فإنه عن تجل إلهي فقال الله يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فأنبأهم آدم بأسمائهم الإلهية التي أوجدتهم و أسندوا إليها في إيجاد أعيانهم لا أسماء الاصطلاح الوضعي الكوني فإنه لا فائدة فيه إلا بوجه بعيد أضربنا عن ذكره حين علمنا أنه لم يكن المقصود فإنا ما نتكلم و لا نترجم إلا عما وقع من الأمر لا عما يمكن فيه عقلا و هذا الفرق بين أهل الكشف فيما يخبرون به و هم أهل البصائر و بين أهل النظر العقلي و الفائدة إنما هي فيما وقع لا فيما يمكن فإن ذلك علم لا علم و ما وقع فهو علم محقق‏ و أما أنوار الطبيعة فهي أنوار يكشف بها صاحبها ما تعطيه الطبيعة من الصور في الهباء و ما تعطيه من الصور في الصورة العامة التي هي صورة الجسم الكل و هذه الأنوار إذا حصلت على الكمال تعلق علم صاحبها بما لا يتناهى و هو عزيز الوقوع عندنا و أما عند غيرنا فهو ممنوع الوقوع عقلا حتى إن ذلك في الإله مختلف فيه عندهم و ما رأينا أحدا حصل له على الكمال و لا سمعنا عنه و لا حصل لنا و إن ادعاها إنسان فهي دعوى لا يقوم عليها دليل أصلا مع إمكان حصول ذلك و أنوار الطبيعة مندرجة في كل ما سوى الحق و هي نفس الرحمن الذي نفس الله به عن الأسماء الإلهية و أدرجها الله في الأفلاك و الأركان و ما يتولد من الأشخاص إلى ما لا يتناهى‏ و أما أنوار الرياح فهي أنوار عنصرية أخفاها شدة ظهورها فغشيت الأبصار عن إدراكها و ما شاهدتهاإلا في الحضرة البرزخية و إن كان الله قد أتحفنا برؤيتها حسا بمدينة قرطبة يوما واحدا اختصاصا إلهيا و ورثا نبويا محمديا و هذه الأنوار الرياحية لها سلطان و قوة على جميع بنى آدم إلا أهل الله فإن هذه الأنوار تندرج في أنوارهم اندراج أنوار الكواكب في نور الشمس و ذلك لضعف نور البصر و إذا غشيت هذه الأنوار من شاء الله من العامة لا تغشاه إلا كالسحاب المظلم و إذا غشيت أهل الله لا تغشاهم إلا و هي أنوار على هيأتها و أما أنوار الأرواح فمنا من يجعلها أنوار العقول و منا من يجعلها أنوار الرسل و لها القوة و السلطان و النفوذ في الكون لا يقف لها شي‏ء غير أن لها حدودا تقف عندها لا تتعداها إذا شاهدها العبد يكشف بها ما غاب من العلوم المضنون بها على غير أهلها و هي أنوار سبوحية قدوسية تنزل من الحق المخلوق به إلى سدرة المنتهى و تطرح شعاعاتها على قلوب العارفين أهل الشهود التام فقلوبهم مطارح شعاعات هذه الأنوار و ليس في هذا الصنف الإنساني أكمل منهم في العلم فإن هذه الأنوار لا يقف لها حجاب إلا المشيئة الإلهية خاصة و قليل من عباد الله من تطرح على قلبه هذه الأنوار شعاعاتها على الكشف و هي مجالي الصادقين من عباد الله تعالى‏ و أما أنوار الأنوار فهي السبحات التي لو كشف الحق الحجاب الذي يسترها عنا لاحترقنا هي أشعة ذاتية إذا انبسطت ظهرت أعيان الممكنات فالممكنات هي الحجاب بيننا و بينها و هذا هو النور العظيم لا الأعظم إليه الإشارة بقوله تعالى في حق أهل الكتب الإلهية المنزلة بالأعمال المشروعة بقوله وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ و هم الموسويون وَ الْإِنْجِيلَ و هم العيسويون وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ من رَبِّهِمْ و هم أصحاب الصحف و ما بقي من الكتب لَأَكَلُوا من فَوْقِهِمْ و هي علوم خارجة عن الكسب وَ من تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ و هي علوم دخلت تحت الكسب فهي من علوم التحت و الفوق و إنه إذا كان النور بهذه الصفة لم يكن من تحتنا بل يكون هو الذي يصرفنا و أما النور الذي يكون من تحتنا فهو الذي نحكم عليه و هو المعبر عنه بالأكل من تحت الأرجل و أما النور الذي هو عين ذاتنا فهو كما دعا فيه صلى الله عليه و سلم و اجعلني نورا فهو عين ذاته و رواية و اجعل لي نوراهو جميع ما ذكرنا من الأنوار و أما قوله اجعلني نورا فهو مشاهدة نور ذاته إذ لا يشهد إلا به فإن ذاته ما قبلت هذه الأنوار من هذه الجهات الست إلا لعدم إدراكها نور نفسها الذي‏ قال في ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم من عرف نفسه عرف ربه‏ و الله نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و مثله بما مثله و هو أنت عين ذلك الممثل و المثل فتشاهد الأنوار منفهقة منك يتنور بذاتك عالم سماواتك و أرضك فما تحتاج إلى نور غريب تستضي‏ء به فأنت المصباح و الفتيلة و المشكاة و الزجاجة و إذا عرفت هذا عرفت الزيت و هو الإمداد الإلهي و عرفت الشجرة و إذا كانت الزجاجة كالكوكب الدري و هو الشمس هنا فما ظنك بالمصباح الذي هو عين ذاتك فلا يكن يا أخي دعاؤك أبدا إلا أن يجعلك الله نورا و هنا سر عجيب أنبهك عليه من غير شرح لأنه لا يحتمل الشرح و هو أن الله يضرب الأمثال لنفسه و لا تضرب له الأمثال فيشبه الأشياء و لا تشبهه الأشياء فيقال مثل الله في خلقه مثل الملك في ملكه و لا يقال مثل الملك في ملكه مثل الله في خلقه فإنه عين ما ظهر و ليس ما ظهر هو عينه فإنه الباطن كما هو الظاهر في حال ظهوره فلهذا قلنا هو مثل الأشياء و ليست الأشياء مثله إذ كان عينها و ليست عينه و هذا من العلم الغريب الذي تغرب عن وطنه و حيل بينه و بين سكنه فأنكرته العقول لأنها معقولة غير مسرحة و هذا انموذج من تجلى أنوار الأنوار و أما أنوار المعاني المجردة عن المواد فلا تنقال فإنه لو انقالت لدخلت في المواد لأن العبارات من المواد و قد قلنا إنها مجردة لذاتها عن المواد لا إنها تجردت لأنها لو تجردت لكسوناها المواد إذا شئنا و لم تمتنع لأنها قد كانت فيها فهي تعلم خاصة و لا تقال و لا تحكي و لا تقبل التشبيه و لا التمثيل‏ و أما أنوار الأرواح فهي أنوار روح القدس الجامع فمن أرسل من هذه الأرواح كان ملكا و من لم يرسل بقي عليه اسم الروح مع الاسم الخاص به العلم في الطائفتين المرسلين و غير المرسلين فهو روح خالص لم يشبه ما يخرجه عن نفسه و هو روح ذو روح في روحيته و ليس إلا الأرواح المهيمة و أرواح الأفراد منا تشبهها بعض شبه فلا يقع التجلي في أنوار أرواح إلا للافراد و لهذا قال الخضر لموسى ما لَمْ تُحِطْ به خُبْراً لأنه من الأفراد و إن الأنبياء يقع لهم التجلي في أنوار الأرواح الملائكة و ليس للافراد هذا التجلي بل هو مخصوص بالأنبياء و الرسل و هو قول خضر أنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا لأنه ليس له هذا التجلي‏الملكي ثم نبهه على أنه ما فعل الذي فعل عن أمره فإنه ليس له أمر و ما هو من أهل الأمر و هو مقام غريب في المقامات لو أن الله تعالى يبيح لنا كشفه للخلق لظهر علم لا يقوم له كون هذا قد ظهر من أثره ثلاث مسائل من شخص قد شهد الله عند نبيه بعدالته و زكاه و صار تبعا له و بين له ما قد سمعت و أدخل نفسه في أتباعه تحت شرطه و هو مثل موسى كليم الله و نجيه و أين كلامه مع ربه من كلامه مع الخضر فاختلف التجلي في الكلام و مع هذا لم يصبر لأنه قدم الاستثناء و لم يقدمه لما أنكر عليه فإنه من شأن النبي أن يكون متبعا كما هو متبع سواء و كذلك قال إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى‏ إِلَيَّ ما قال أن أفعل أو أقول إلا ما أشهد ما قال هكذا فكل مقام له مقال و لسان‏ و أما أنوار الرياح فهي تجليات الاسم البعيد و هي تجليات لا ينبغي أن يذكر اسمها و لا تكون إلا لأهل الإلهام و للتجلي في أنوار الملائكة في هذا مدخل و لكن في الباطن لا في الظاهر خاصة و هم ملائكة اللمات و الإلهام خاصة و الإلقاء في هذا التجلي على النفوس و من هذا التجلي تكون الخواطر و هي رياحية كلها لأن الرياح تمر و لا تثبت فإن قال أحد بثبوتها فليست ريحا و لذلك توصف بالمرور و تسمى بالخواطر و هي من راح يروح و الرائح ما هو مقيم و أما التجلي في الأنوار الطبيعية فهو التجلي الصوري المركب فيعطي من المعارف بحسب ما ظهر فيه من الصور و هو يعم من الفلك إلى أدنى الحشرات و هو السماء و العالم فهو تجل في السماء و العالم و من هذا التجلي تعرف المعاني و اللغات و صلاة كل صورة و تسبيحها و هو كشف جليل نافع مؤيد فيه يرى المكاشف موافقة العالم و أنه ما ثم مخالفة و من هنا يرى كل شي‏ء يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ و صاحب هذا المقام يرى على الشهود صور أعماله تكون حية مسبحة لله ذات روح ينفخ فيها صاحب هذا المقام و إن كانت في ظاهر الكون مخالفة و معصية فإنها مخالفة صحيحة إلا أنها حية ناطقة تستغفر لصاحبها لأنه سوى نشأتها مخلقة و قد تمدح الله بأنه خلق فسوى و من تسوية نشأتها مخلقة إنه لم يخرجها عن كونها معصية فلو أخرجها عن كونها معصية كانت غير مخلقة و شقي صاحبها و كان تسبيحها لعنة صاحبها فإنه أباح ما حرم الله فخرج عن الايمان بذلك فلا حظ له في الإسلام إلا أن يجدد إسلامه و يتوب و هذا تنبيه لم يزل أصحابه يكتمونه غيرة منهم و ضعفا و التنبيه عليه أولى لأنها نصيحة لله و لرسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم فلا توجد أبدا معصية مخلقة إلا من مؤمن و من أعطى الشي‏ء خلقه فقد جرى على السنن الإلهي فإن الله أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ فأعطى المعصية خلقها و الطاعة خلقها فهكذا تكون صفة المؤمن‏ و أما أنوار الأسماء فإنها تعين أسماء المعلومات فهو نور ينبسط على المعدومات و الموجودات فلا يتناهى امتداد انبساطها و تمشي العين مع انبساطها فينبسط نور عين صاحب هذا المقام فيعلم ما لا يتناهى كما لا يجهل ما لا يتناهى بتضاعف الأعداد و هذا علامة من يكون الحق بصره فالأسماء كلها موجودة و المسميات منها ما هي معدومة العين لذاتها و منها ما هي متقدمة العدم لذاتها و هي التي تقبل الوجود و الأحوال لا تقبل الوجود مع إطلاق الاسم على كل ذلك فللأسماء الإحاطة و الإحاطة لله لا لغيره فمرتبة الأسماء الإلهية و ما فضل آدم الملائكة إلا بإحاطته بعلم الأسماء فإنه لو لا الأسماء ما ذكر الله شيئا و لا ذكر الله شي‏ء فلا يذكر إلا بها و لا يذكر و يحمد إلا بها فما زاحم صفة العلم في الإحاطة إلا القول و القول كله أسماء ليس القول غير الأسماء و الأسماء علامات و دلائل على ما تحتها من المعاني فمن ظهر له نور الأسماء فقد ظهر له ما لا يمكن ذكره لا أقول غير ذلك و لو لا أن الحق أطلق لفظة الكل على الأسماء في صفة علم آدم لقلنا من المحال أن يظهر انبساط نور الأسماء على المسميات لعين و لكن من فهم قول الله تعالى ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ و أشار علم ما التزمناه من الأدب و ما أراد الله بلفظة كل في هذا التشريف‏ و أما أنوار المولدات و الأمهات و العلل و الأسباب فهو تجل إلهي من كونه مؤثرا و من كونه مجيبا إذا سئل و غافرا إذا استغفر و معطيا إذا سئل و بهذا التجلي و هذه الأنوار تعلم قوله إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ الله و قوله أيضا عز و جل من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله و قوله تبارك و تعالى إن الصدقة تقع بيد الرحمن‏ و قوله وَ أَقْرِضُوا الله قَرْضاً حَسَناً و قوله عليه السلام إن الله يفرح بتوبة عبده‏ فافهم‏

( «بسم الله الرحمن الرحيم»)