قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الثامن و مائتان في حال الانزعاج»

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
إذا انتبه القلب السليم من النومتحرك تحريك انزعاج من الوجد
إلى طلب الأنس الذي قد أقامهفأول ما يلقي التحقق بالزهد
فيدعي بعبد و هو سيد وقتهو شتان ما بين السيادة و العبد
فيفني به عنه ليبقى بربهنزيها عن الفصل المقوم و الحد
مع الحد للعهد الذي كان بينهمو ذلك برهان على كرم الود

اعلم أن الانزعاج عند الطائفة حال انتباه القلب من سنة الغفلة و التحرك للانس و الوجد فالانزعاج حكم العلة على هذا أي العلة أورثته هذا الانزعاج و هو اندفاع النفس من حال صح لها إلى أصلها الذي خرجت عنه لأنه من ذلك الأصل دعاها و الأصل طاهر فهو اندفاع بشهوة شديدة و قوة و لهذا الانزعاج أسباب مختلفة فمنهم من تزعجه الرغبة و منهم من تزعجه الرهبة و منهم من يزعجه التعظيم فأما انزعاجه للانس و الوجد فقد يكون فهما و قد يكون لقاء و قد يكون إلقاء و قد يكون تلقيا فمن ذلك ما يكون عن خاطر إلهي و عن خاطر ملكي و عن خاطر شيطاني و عن خاطر نفسي و لكن لا يكون لهذا الولي عن النفس و الشيطان إلا بفهم يرزقه الله فيه عناية من الله لا إن الشيطان له عليه سلطان بل الشيطان في خدمته و هو لا يشعر و ساع بما يلقي إليه في سره في ارتقاء درجة هذا الولي من حيث لا يعلم الشيطان و هذا من مكر الله الخفي بإبليس لأنه يسعى في ترقي درجات العارفين من حيث يتخيل أنه ينزلهم عنها و إذا كان الأمر على هذا فلنقل إن حال العلة إذا تحقق في العبد أظهر في النفس انزعاجا و لا بد و انزعاجه أولا إنما هو ليفارق الحال التي كان عليها لما كشف الله عن بصيرته بالعلة فرأى نفسه في محل البعد فانزعج لذلك رغبة في مفارقة ذلك الموطن من غير تعيين حضرة من حضرات القرب فإذا فارق ذلك الموطن بقدم واحدة و زال عن شهوده أخذ نفسه ساعة و استراح و هو ما يجده المريد من اللذة و حلاوة التوبة التي تهون عليه ركوب الشدائد و تسهل عليه صعوبة طريقه يجد كل أحد هذا من نفسه في هذا الحال لا يقدر على إنكاره فإذا فارق موطن المخالفة بانزعاجه و استراح حينئذ يتهدى على نفسه و يفتح عينيه و يعلم أنه قد تخلص مما كان فيه فحينئذ يقوم له ما يؤثر عنده الانزعاج إليه فأول الانزعاج أبدا في هذا الطريق إنما هو منه و في ثاني حال يظهر حكم الانزعاج إليه فإن أقيم له في أول نظرة ما يستحقه جلال الله من التعظيم أو كان هذا الرجل ممن تقدم له العلم بالله من حيث الأدلة النظرية فيكون انزعاجه تعظيما لله لا رغبة فيما عنده بل ينزعج لأداء حق ما تعين عليه لله تعالى و ما تعطيه مرتبة العبد من سيده فما هو مشغول بما ينعم عليه و يرغبه فيه من لذات نفسه بل يرى ما لله عليه من الحقوق فيجهد نفسه في أداء ذلك و هو قوله اتَّقُوا الله حَقَّ تُقاتِهِ‏فيعلم أن أحدا لا يطيق ذلك و أن قدر الله أجل و أعلى و أنزه أن يقدره أحد فيؤديه ذلك إلى النظر في نفسه و ما آتاه الله من القوة في ذلك لما علم أن قدر الله ليس في وسع المخلوق القيام به و سمع الله يقول لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا وُسْعَها و قال إِلَّا ما آتاها و قال ما اسْتَطَعْتُمْ فانزعج إلى القيام بحق الله على قدر الاستطاعة و ما في وسعه و يتفاضل عباد الله في ذلك على نوعين على قدر ما يكشف لهم من جلال الله و على قدر أمزجتهم فإن الله قد جعل نفس الإنسان و عقله بحكم مزاج جسده فإن نفس الإنسان لا تدرك شيئا إلا بوساطة هذه القوي التي ركب الله في هذه النشأة فهي للنفس كالآلة فإن كانت الآلة مستقيمة على الوزن الصحيح ظهر حسن الصنعة بها إذا كانت النفس عالمة بالصنعة و علمهم على قدر ما يكشف لهم الحق من ذلك في سرائرهم فمنهم من يكشف له فيما تطلبه الذات و منهم من يكشف له فيما تطلبه الأسماء من حيث الدلالات النظرية و منهم من يكشف له فيما تطلبه الأسماء من حيث ما جاءت به الشرائع من المقابل و المقارن فمنهم من يقام على رأس الستين ألفا من المنازل الإلهية و منهم من يقام على رأس مائة ألف و عشرين ألفا من هذه المنازل و منهم من يقام على رأس تسعين ألفا منحصرة في ستة مقامات لا سابع لها و لا يشارك عبد في شي‏ء من هذه المنازل بل يكون فيها كل إنسان منفردا و هو قول الطائفة إن الله لا يتجلى في صورة واحدة لشخصين قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ فهم و إن اجتمعوا في العدد فما لهم اجتماع في الذوق لأنهم لم يجتمعوا في المزاج و لو اجتمعوا في المزاج و هو محال ما تميزوا و لكان العين واحدة و ثم موطن يعطي الظهور في صاحب المنزل الذي كان على رأس الستين ألفا خلاف هذا و هو في تلك الدرجة عينها فيكون له بدل الستين ألفا عدد آخر يكون مبلغه ثلاثة آلاف ألف و بكون لصاحب التسعين ألفا أربعة ألف ألف و خمسمائة ألف و يكون لصاحب المائة ألف و عشرين ألفا ستة آلاف ألف و هذا لا يكون إلا لأهل الصعود الذين قال الله فيهم إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ و كل من أسرى به سواء كان إسراء روحانيا أو بالجسم فإن له من المنازل هذا العدد الكثير و أما العدد الذي هو أقل منه فذلك للمريدين الذين هم في مقام التربية لا غير و أما حصرهم في ستة لا غير فمن طريقين الطريقة الواحدة نشأتهم القائمة على ست جهات يأتي الشيطان من الأربعة منها و تبقي الاثنان لا سبيل للشيطان عليهما و من هناك يكون مال الناس إلى عموم الرحمة و شمولها لهاتين الجهتين و أما الستة المعنوية فالصفات الستة التي هي النسب الإلهية التي يتعلق الممكن بها و النسبة السابعة ما هي متوجهة على الممكن و إنما ظهرت لصحة هذه الستة خاصة لا لأمر آخر و هي نسبة كونه حيا إذ بهذه النسبة ثبتت الستة و لما كانت الحدود تحفظ الأشياء و لا سيما الحدود الذاتية جعلت خمسة لما كانت الخمسة لها الحفظ فاتسعت الحدود فأعطيت الحدود مقام الخمسة و لتكون الأعيان تامة كاملة النشأة ما فيها نقص و هذا كله إذا لاح للعبد على بعد انزعج إلى طلبه ليحصله إذ كان فيه تعظيم جناب الحق الذي هو مقصود هذا العبد فهذا حكم من أزعجه التعظيم و أما حكم من أزعجته الرغبة فيما عند الله فإن مشهده وَ ما عِنْدَ الله خَيْرٌ وَ أَبْقى‏ و مشهد صاحب التعظيم وَ الله خَيْرٌ وَ أَبْقى‏ فاعلم أن انزعاج الرغبة بحسب ما تعشق به و رغب فيه و هو على نوعين متخيل و غير متخيل و المتخيل على نوعين النوع الواحد ما أدركه ببعض حواسه أو بجملتها أو أدركه من طريق الخبر فحمله على المعهود من صفة الجنة و ما فيها و غير المتخيل هو ما رغبة فيه من حيث الإجمال و هو ما تحوي عليه الجنة أو تتضمنه مما لا عين رأته و لا أذن سمعته و لا خطر على قلب بشر فقد سمع أن فيها هذا فمثل هذا لا يمكن تخيله فكلما تخيله فقد خطر على قلب بشر فليس ذلك و من طبع النفس إنها تحب أن تعلم ما لم تكن تعلم فهي تحب المزيد بالطبع إلا أنه يختلف تعلقها بما تستزيد منه فالذي تتعشق به منه تطلب المزيد لا من غيره فإن كان الراغب صاحب محبة لله فلا يخلو إما أن يكون عالما بالله أو غير عالم بالله من المحال أن يكون غير عالم بالله لأنه محب و المحب يطلب بذاته محبوبا يتعلق به من قام به حتى يسمى محبا فلا بد أن يكون عالما به غير أن العلماء به على مراتب منهم مؤمنون خاصة فعلموه من جهة الخبر و الأخبار متقابلة فحار المحب فلم ينضبط له صورة في محبوبه و منهم من رجح في الخبر ما أعطاه الخيال فأحب محدودا متصورا تعلق به فمثل هذا يزعجه طلب الوجد و الأنس و الوصال و الرؤية و الحديث على الطريقة المعهودة في الأشكال و الأجناس‏و هو يتجلى فيها و منهم العلماء به من حيث التجلي بالعلامة فهم فيه بحسب علامتهم و منهم العلماء به عن نظر فكري فلا يقيدوه و يؤمنوا بكل تجل يعطي التقييد و التحديد فيفوتهم من الله خير كثير فمحبوبهم أقرب إليهم من حَبْلِ الْوَرِيدِ و لكن لا يعلمون أنه هو فمحبوبهم لا يزال ظاهرا لهم و هم لا يعرفونه و هذه الطائفة على نوعين طائفة تقول إنا نطمع أن نرى محبوبنا و طائفة تقول محال رؤية محبوبنا لكن ليس بمحال علمنا به إذ ليست الرؤية مطلوبة لذاتها و إنما هي طريق إلى حصول علم عند الرائي بالمرئي فبأي وجه حصل فهو ذاك و قد علمناه و من علمنا به أن رؤيته من حيث إدراك البصر محال فيئسوا من ذلك فهم في نعيم الياس و الآخرون في نعيم الطمع فالطائفتان يجتمعان في الانزعاج للفهم عنه تعالى مما خاطبهم به في المسمى قرآنا أو حديثا نبويا أو مما ظهر في العالم من آثار القدرة المؤدية إلى عظمته و كبريائه و لطفه و حنانه كل آية و سورة و صورة بما تعطي فيتفاضلون في الفهم فيطلبون المزيد من العلم و هم الأكابر و منهم من يقول قد رويت فلا يطلب المزيد و رأيت منهم جماعة و هم أجهل الطوائف و رأيت أئمة من الأشاعرة على هذه القدم يرون أنهم يعرفون الله كما يعلم نفسه سبحانه من غير مزيد فهؤلاء مستريحون بجهلهم قد يئسنا من فلاحهم و يجتمعان أيضا في الانزعاج إلى اللقاء فمنهم من ينزعج إلى لقائه و منهم من ينزعج إلى لقاء ما يريد منه و يجتمعان أيضا في الانزعاج إلى الإلقاء و إلى التلقي و ينقسمون في ذلك على أقسام فمنهم المتلقي عموما و هو الكبير من الرجال و منهم المتلقي من الملك و من الله المعرض عما يجي‏ء به غير الخاطر الإلهي و غير الملك و منهم من يتلقى الخاطر النفسي مضافا إلى هذين الخاطرين و منهم من يرجح تلقي الخاطر الشيطاني على الملكي و النفسي لكونه مقابلا لأنه إلقاء عدو محض فيلقي خلاف الحق فيريد هذا المتلقي أن يقف على خلاف الحق من حيث ما هو خلاف عند الشيطان و لهذا ألقاه و هذا المتلقي حق كله لأنه نور كله بل هو عين النور فيعرف أن إبليس جهل ما عنده من الحق حيث تخيل أنه ليس بحق فأخذه هذا المتلقي حقا من صورة شيطانية فلم يحصل ما أعطاه الشيطان في صورة ملك و لا في صورة نفس إنسانية و زال حكم الشيطان منه حين قبله هذا المتلقي فإن الشيطان يظن أنه لوهمه أن الذي ألقى إليه أمري وجود و هو عدم عند الشيطان و ما علم مرتبة هذا المتلقي و أنه ما تلقى منه إلا أمرا وجوديا فإذا رآه قد تعشق به عند أخذه و لم ير له انحطاط مرتبة و لا أثر جهل تعجب و نظر من أين أتى عليه في أمره و ما الذي صير ذلك المعدوم موجودا فعلم أن الجهل إنما قام به لا بالمتلقي و أنه هو الذي ألقى إليه الأمر الوجودي على أنه موهوم الوجود لا محقق فرأى أنه قد سعى في مزيد علو رتبته بما أفاده من العلم و هو لا يريد ذلك بل قصد ما يليق به فما علم أنه لعنه الله محل للوجود و إنما تخيل أنه محل لإيهام الوجود لا لتحققه فيكون هذا المتلقي في هذا التلقي خلاقا و هذا أكمل مراتب الأخذ في التلقي‏ و أما انزعاج الرهبة فمثل الرغبة إما رهبة منه و هو قوله و أعوذ بك منك‏ و إما رهبة مما يكون منه من عذاب حسي أو عذاب حجاب و هو عذاب الجهل أو التزين و ليس في الحجب أكثف و لا أقوى من حجاب التزين لأن من زين له جهله فمن المحال طلب الحاصل في زعمه لأنه حاصل عنده و ليس بحاصل في نفس الأمر فمن أراد أن يعتصم من التزين فليقف عند ظاهر الكتاب و السنة لا يزيد على الظاهر شيئا فإن التأويل قد يكون من التزين فما أعطاه الظاهر جرى عليه و ما تشابه منه و كل علمه إلى الله و آمن به فهذا متبع ليس للتزين عليه سبيل و لا يقوم عليه حجة عند الله فإن كان من أهل البصائر فهو يدعو إلى الله على بصيرة و يتكلم على بصيرة فقد بري‏ء من التزين فهو صاحب علم صحيح و كان من أهل الزينة لا من أهل التزين فالانزعاج إلى الله قد يكون رهبة من هذا أيضا وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏

«بسم الله الرحمن الرحيم»