اعلم أن الحرية عند الطائفة الاسترقاق بالكلية من جميع الوجوه فتكون حرا عن كل ما سوى الله و هي عندنا إزالة صفة العبد بصفة الحق و ذلك إذا كان الحق سمعه و بصره و جميع قواه و ما هو عبد إلا بهذه الصفات التي أذهبها الحق، بوجوده مع ثبوت عين هذا الشخص و الحق لا يكون مملوكا فكان هذا المحل حرا إذ لا معنى له من عينه ما لم يكن موصوفا بهذه الصفات و هي الحق عينها لا صفات الحق عينها فثبت عين الشخص بوجود الضمير في قوله كنت سمعه فهذه الهاء عينه و الصفة عين الحق لا عينه فثبتت الحرية لهذا الشخص فهو محل لأحكام هذه الصفات التي هي عين الحق لا غيره كما يليق بجلاله فنعته سبحانه بنفسه لا بصفته فهذا الشخص من حيث عينه هو و من حيث صفته لا هو
و على الحقيقة لا يقال في الحق إنه حر لكن يقال إنه ليس بعبد إذ كان لا يعرف إلا بالنعت السلبي لا بالنعت الثبوتي النفسي لكن للمظاهر حكم فيه من حيث ما هو ظاهر فيها فينسب إليه جميع ما ينسب إلى المظهر من نعوت نقص عرفي و نعوت كمال و تمام
و ألسنة الشرائع الإلهية بهذا نطقت حقيقة لا مجازا و الأدلة العقلية النظرية تنفي مثل هذا عن الجناب الإلهي و إذا وردت به الشرائع فإن فحول علمائهم يتأولون مثل هذا العدم الكشف إذ لم يكن الحق بصرهم
و اعلم أن الحر من ملك الأمور بأزمتها و لم تملكه و صرفها و لم تصرفه و هذا غير موجود في الجنابين فإن الله يقول ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ و طلب منا الإجابة لما دعانا فحصل التصريف من جانب الحق و من جانب العبد فلو لا دعاء العبد و سؤاله ما كان الحق مجيبا و الإجابة نعته فقد ظهر من العبد صورة تصرف في الحق و قد ظهر من الحق تصرف في العبد لا صورة تصرف فهذا القدر بين الحق و العبد و لا يكون حرا مطلق الحرية من هذا نعته ففي الحقيقة ليس للحرية وجود عين فإن الإضافات تمنع من ذلك لكن حقيقة الحرية في غنى الذات عن العالمين مع ظهور العالم عنه لذاته لا لأمر آخر فهو غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ فهو حر و العالم مفتقر إليه فالعالم عبيد فلا حرية لهم أبدا فإذا طلبتهم الألوهة بما كلفتهم به من الأحكام التيلا ظهور للالوهية إلا بها ظهرت الإضافات فصار الأمر موقوفا من الطرفين كل طرف على صاحبه فامتنعت الحرية أن تقوم بواحد من المضافين فمن قد قال إن الحق معروف فلا يدري كما من قال إن الحق مجهول فلا يدي فهذا حال الحرية قد استوفيناه مختصرا قريب المأخذ و المتناول