اعلم أيدنا الله و إياك بما أيد به الخاصة من عباده أن الفتوح عند الطائفة على ثلاثة أنواع النوع الواحد فتوح العبارة في الظاهر قالوا و ذلك سببه إخلاص القصد و هو صحيح عندي و قد ذقته و هو قوله عليه السلام أوتيت جوامع الكلام و منه إعجاز القرآن و قد سألت في الواقعة عن هذه المسألة فقيل لي لا تخبر إلا عن صدق و أمر واقع محقق من غير زيادة حرف أو تزوير في نفسك فإذا كان كلامك بهذه الصفة كان معجزا و أما النوع الثاني من الفتوح فهو فتوح الحلاوة في الباطن قالت الطائفة هو سبب جذب الحق بإعطافه و أما النوع الثالث فهو فتوح المكاشفة بالحق قالت الطائفة هو سبب المعرفة بالحق و الجامع لذلك كله إن كل أمر جاءك من غير تعمل و لا استشراف و لا طلب فهو فتوح ظاهرا كان أو باطنا و له علامة في الذائق الفتوح و هي عدم الأخذ من فتوح الغير أو نتائج الفكر و من شرط الفتوح أن لا يصحبه فكر و لا يكون نتيجة فكر و كان شيخنا أبو مدين يقول في الفتوح أطعمونا لَحْماً طَرِيًّا كما قال الله تعالى لا تطعمونا القديد أي لا تنقلوا إلينا من الفتوح إلا ما يفتح به عليكم في قلوبكم لا تنقلوا إلينا فتوح غيركم يرفع بهذا همة أصحابه لطلب الأخذ من الله تعالى فاعلموا يا إخواننا أن مقام الفتوح محتاج إلى ميزان حقيقي و هو مقام فيه مكر خفي و استدراج فإن الله قد ذكر الفتح بالبركات من السَّماءِ وَ الْأَرْضِ و ذكر الفتح بالعذاب هذا حتى لا يفرح العاقل بالفتح عند فتح الباب حتى يرى ما يفتح له قال بعضهم عند الموت هذا باب كنت أقرعه منذ كذا و كذا سنة هو ذا يفتح لي و لا أدري بما ذا قالت عاد هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا حجبتهم العادة قيل لهم بَلْ هُوَ ما اسْتَعْجَلْتُمْ به رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ فلا تغتر بالفتح إذا لم تدر ما ثمة وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً و لما كان الفتح الإلهي على نوعين في العالم فتح عن قرع و فتح ابتداء لا عن قرع فأما فتح القرع فيعلم أهل الله بما ذا يفتح فإن القرع هو دليلهم على ما يفتح به و ليس مطلوب القوم بالفتوح هذا النوع و إنما مطلوبهم بالفتوح ما يكون ابتداء من غير تعمل لذلك و إن كان يطلبه العمل من العبد الذي هو عليه بحكم التضمن و لكن ما يخطر للعبد العامل ذلك جملة واحدة فيكون الفتح في حقه إذا ورد ابتداء و إذا ورد الفتح على اختلاف ضروبه كما قررناه تعين على هذا العبد إقامة الوزن بالقسط كما أمره الله في قوله وَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ فيقيم الوزن هذا العبد بين حاله الذي هو عليه و بين الفتح فإن كان الفتح مناسبا للحال فهو نتيجة حاله فيقيم عند ذلك وزنا آخر و هو أن ينظر في مقدار الفتح و قوة الحال فإن ساواه فهو نتيجة بلا شك فليحذر هذا العبد مكر الله في هذا الفتح فإنه نتيجة في غير موطنها فربما عجلت له عطيته و انقلب إلى الدار الآخرة صفر اليدين فإن كان الفتح مما يعطي أدبا و ترقيا فليس بمكر بل هو عناية من الله تعالى بهذا العبد حيث زاده فتحا يؤديه إلى زيادة خير عند الله تعالى و إن أقام الوزن بين مقدار الفتح و قوة الحال و رأى الفتح فوق الحال فينزل منه مقدار قوة الحال و ما زاد فذلك هو الفتوح الذي ذكرته الطائفة هذا أصل ينبغي أن بعلم و يتحقق و له شواهد يعلمها الذائق له و إن لم يدخل الفتحفي ميزان الحال جملة واحدة و بقي حاله موفورا عليه كان ذلك الفتح هو الفتح المطلوب عند القوم و بعد أن تقرر هذا فلنذكر كل نوع من أنواع الفتوح أما الفتوح في العبارة فإنه لا يكون إلا للمحمدي الكامل من الرجال و لو كان وارثا لأي نبي كان و أقوى مقام صاحب هذا الفتح الصدق في جميع أقواله و حركاته و سكونه إلى أن يبلغ به الصدق أن يعرف صاحبه و جليسه ما في باطنه من حركة ظاهرة لا يمكن لصاحب هذا الفتح أن يصور كلاما في نفسه و يرتبه بفكره ثم ينطق به بعد ذلك بل زمان نطقه زمان تصوره لذلك اللفظ الذي يعبر به عما في نفسه زمان قيام ذلك المعنى في نفسه و صورته و ليس لغير صاحب هذا الفتح هذا الوصف و يكون التنزل على صاحب هذا الفتح من المرتبة التي نزل فيها القرآن خاصة من كونه قرآنا لا من كونه فرقانا و لا من كونه كلام الله فإن كلام الله لا يزال ينزل على قلوب أولياء الله تلاوة فينظر الولي ما تلي عليه مثل ما ينظر النبي فيما أنزل عليه فيعلم ما أريد به في تلك التلاوة كما يعلم النبي ما أنزل عليه فيحكم بحسب ما يقتضيه الأمر هكذا هو الشأن و لهذا التنزل في قلب الولي حلاوة نذكرها في النوع الثاني من الفتح فلا تقع التلاوة لصاحب هذا الفتح إلا من كون المتلو قرآنا لا غير فيفتح الله له في العبارة فيعرب بقلمه أو بلفظه عما في نفسه بحيث أن يوضح المقصود عند السامع إذا كان السامع ممن ألقى السمع و من علامة صاحب هذا الفتح عند نفسه استصحاب الخشوع و توالي الاقشعرار عليه في جسده بحيث أن يحس بأجزائه قد تفرقت فإن لم يجد ذلك في نفسه فيعلم أنه ليس ذلك الرجل المطلوب و لا هو صاحب هذا الفتح و هذا فتح ما رأيت له في عمري فيمن لقيته من رجال الله أثرا في أحد و قد يكون في الزمان رجال لهم هذا الفتح و لم ألقهم غير أني منهم بلا شك عندي و لا ريب فلله الحمد على ذلك و سيرد في فصل المنازل في منزل القرآن فرقان ما بين أسمائه فإنه القرآن و الفرقان و النور و الهدى و غير ذلك من الأسماء الموضوعة له و مهما تصور المتكلم المعبر عما في نفسه ما يتكلم به قبل العبارة و يرتب التعبير عن الأمر في نفسه و يحسنه و يتمعنه بحيث أن يحسن عند كل من يسمع تلك العبارة فليس هو بصاحب فتح فإنه من شأن الفتوح أن يفجأ و يأتي بغتة من غير شعور هكذا كل فتوح يكون في هذا الطريق ثم إنه من حقيقة صاحب هذا الفتح شهود ما يعبر عنه و شهود من يسمع منه و بما يسمع منه فيعطيه من العبارة ما يليق بذلك السمع الخاص فإن لم يكن بهذا الوصف فليس هو بصاحب فتح في العبارة و هذا معنى قولنا إن سببه الإخلاص النوع الثاني من الفتوح الذي هو فتح الحلاوة في الباطن و هو سبب جذب الحق بإعطافه فهذه الحلاوة و إن كانت معنوية فإن أثرها عند صاحبها يحس به كما يحس ببرد الماء البارد و صورة الإحساس بها كصورة الإحساس بكل محسوس و طريقها في الحس من الدماغ ينزل إلى محل الطعم فيجدها ذوقا فيجد عند حصول هذا الذوق استرخاء في الأعضاء و المفاصل و خدرا في الجوارح لقوة اللذة و استفراغا لطاقته و من أصحاب هذا الفتح من تدوم معه هذه الحلاوة ساعة و يوما و أكثر من ذلك ليس لبقائها زمان مخصوص فإنه اختلف علينا بقاؤها فوقتا نزلت علينا في قضية فدامت معنا ساعة ثم ارتفعت ثم نزلت في واقعة أخرى فدامت أياما ليلا و نهارا و حينئذ ارتفعت فإذا ارتفعت زال ذلك الخدر من الجوارح و هذه الحلاوة لا يمكن أن يشبهها لذة من اللذات المحسوسة لأنها غريبة لكونها معنوية في غير مادة محسوسة فما تشبه حلاوة العسل و لا حلاوة الجماع و لا حلاوة شيء محسوس كما أنها أيضا لا تشبه حلاوة حصول العلوم المعشوقة للطالب بل هي أعلى و أجل و أثرها في الحس أعظم من أثر الحلاوة المركبة في المواد المحسوسة كحلاوة كل حلو و تميزها عن لذات المعاني إنما هو بما لها من الأثر في الحس فافهم ذلك و لما سماني الحق عبدا بأسمائه و فتح لي في هذه الحلاوة ما رأيت أشد أثرا منها في الاسم العزيز فلما ناداني بيا عبد العزيز و معنى ذلك أن يقام الإنسان عبدا في كل اسم إلهي ليحصل الفرقان بين الحقائق لتحصيل العلوم الإلهية وجدت لهذا النداء من الحلاوة ما لم أجد لغيره من الأسماء و نظرت في سبب ذلك فوجدت إن مقام العزة يقتضي أن يكون الأمر كذلك و هذه الحلاوة و إن تميزت عن حلاوة المحسوسات و المعاني فهي متنوعة في نفسها فحلاوة أمر ما منها خلاف حلاوة أمر آخر يجد الذائق الفرق بينهما كحلاوة السكر يجد الإنسان الفرق بينها و بين حلاوة العسل و إن اشتركا في الحلاوة و كذلك الأمر هنا و لا تحصل هذه الحلاوة لا حدمن أهل الله إلا بالعطف الإلهي فإذا ورد العطف الإلهي على العبد رزقه الله وجدان هذه الحلاوة في باطنه فيجذبه إليه تعالى لأن النفس مجبولة على الميل إلى كل ما تستلذه و من أشد حلاوة من هذا الفتح مر علي في هذا الزمان لما تلي علي ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ فلم أجد لذة أعظم من لذة وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ فهذه أعظم بشرى وردت علي ثم إنه تليت على مرتين في زمانين متتابعين فزادني إعجابا بها تكرار التلاوة علي بها و تكرار التلاوة فينا مثل تكرار نزول الآية أو السورة على الرسول مرتين كما جاء في نزول سورة و المرسلات و غيرها إنها نزلت مرتين فإذا عطف الحق على عبده بهذه الحلاوة فجذبه إليه بها ليمنحه علما لم يكن عنده فإن لم يجد علما فليس بجذب و لا تلك حلاوة فتح فذلك من علامات فتح الحلاوة و إنما يفعل الحق ذلك لتكون حركة العبد معلولة لأنه معلول في الأصل و ذلك لإقامة حجة الله عليه فإن العبد يزهو بالقوة الإلهية التي عنده فربما يرى أن له تنزيها بانجذابه إلى الحق دون غيره من العبيد و يزعم أن ذلك إيثار منه لجناب الحق فجعل الله انجذابه عن حلاوة فإن زها كما قلنا قامت الحجة علينا بأنه ما أخذ به إلى الحق إيثار جناب الحق بل وجدان الحلاوة و الالتذاذ فلنفسه سعى و لله المنة وحده لا منة لا حد على الله و له الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ لا حجة لا حد على الله و كل من قال بغير هذا من أهل الله فإنما قالها شطحا لا حقيقة لغلبة الحال عليه فهو لسان حاله لا لسانه فإذا أفاق قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ فإن قلت فما معنى الجذب هنا مع كونه معه قلنا ليس أحد مع الحق من حيث ما هو الحق لنفسه و إنما هم مع الحق من حيث ما أقامه الحق فيه فيكون من الحق الجذب بهذه الحلاوة من الحال التي أقامه الحق فيها لحال آخر يفيده فيه علما لم يكن عنده ذوقا هكذا على الدوام إلى ما لا نهاية له و سماه جذبا لأن العبد لا بد أن يتعشق بحاله و يألفه فلا ينجذب عنه إلا بما هو أعجب إليه منه فلهذا فتح له في الحلاوة لتخلصه مما وقف معه فإذا انجذب إلى الحق صحبه حاله الذي كان عليه أيضا لأنه لا يفارقه إذ المعلوم لا يجهل فبقي حكم الجذب إنما متعلقة أن لا يتركه يقف مع حاله فيقتصر عليه فيحدث له التشوق إلى تحصيل أمر آخر ليس عنده مع صحبته لما كان عليه من الحال فاعلم ذلك و ليس كل أهل الله على هذا القدم الذي ذكرناه و إنما هذا الذي ذكرناه حال الأكابر منهم فإن جماعة من أهل الله يشغلهم ما رجعوا إليه عما كانوا عليه فإن الله قد رفع بعضهم على بعض و فضل كل صنف بعضه على بعض فقال تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ و لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ و اعلم أن أصل وجدان هذه الحلاوة فينا من الجناب الإلهي من الحلاوة الإلهية التي يتضمنها صريح قوله عليه السلام لله أفرح بتوبة عبده الحديث فمن هناك نشأت هذه الحلاوة في باطن أهل الله فإن فهمت فقد رميت بك على الطريق و لا يعرف هذا إلا العارفون بالله المنعوت في الشرع لا المدلول عليه بالعقل و هكذا جميع ما يأتي من مثل هذا الباب و ليس للضحك الإلهي و لا التبشبش مدخل في هذه الحلاوة بل ذلك للفرح فلا تخلط و لا تقس فإن طريق الله لا تدرك بالقياس فما كل أمر يشبه أمرا له حكم ذلك المشبه ليس الأمر كذلك و إنما له منه حكم ما وقع الشبه به كالحمصة تشبه اللؤلؤة في الاستدارة و ما لكل واحدة منهما حكم الأخرى كما تختلف العلل أيضا مع أحدية المعلول إذا كان المعلول محمولا كالاستدارة التي وقع التمثيل بها و هي أمر محمول في المستدير كان المستدير ما كان فعلة استدارة الفلك ليست علة استدارة اللؤلؤ فاختلفت العلل لاختلاف محال المعلول و المعلول الاستدارة فاحذر من القياس في العلم الإلهي بل إن تحققت الأمور لم يصح وجود القياس أصلا و إنما هو من الأمور التي غلط فيها أهل النظر في إن حملوا حكم المقيس عليه على المقيس فهذا قد بينا في هذا النوع من الفتح قدر ما تقع به الكفاية لمن أراد تحصيله ذوقا من نفسه فإذا ذاقه علم ما يحتمله من البسط و أما النوع الثالث من الفتوح و هو فتوح المكاشفة الذي هو سبب معرفة الحق اعلم أولا أن الحق أجل و أعلى من أن يعرف في نفسه لكن يعرف في الأشياء فالمكاشفة سبب معرفة الحق في الأشياء و الأشياء على الحق كالستور فإذا رفعت وقع الكشف لما وراءها فكانت المكاشفة فيرى المكاشف الحق في الأشياء كشفا كما يرى النبي صلى الله عليه و سلم من وراءه من خلف ظهره فارتفع في حقه الستر و انفتح الباب مع ثبوت الظهر و الخلف فقال إني أراكم من خلف ظهري و قد ذقنا هذا المقام و لله الحمد فلا يعرف الحق في الأشياء إلا مع ظهور الأشياء و ارتفاع حكمها فأعين العامة لا تقع إلا على حكم الأشياء و الذين لهم فتوح المكاشفةلا تقع أعينهم في الأشياء إلا على الحق فمنهم من يرى الحق في الأشياء و منهم من يرى الأشياء و الحق فيها و بينهما فرقان فإن الأول ما تقع عينه عند الفتح الأعلى الحق فيراه في الأشياء و الثاني تقع عينه على الأشياء فيرى الحق فيها لوجود الفتح و أصل ظهور هذا الفتح من الجناب الإلهي حالة قوله وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ فيرفع الابتلاء حجاب الدعوى الذي كان يدعيه الكون فيكون الكشف و هو التعلق الخاص من العلم الإلهي بما وقع الأمر عليه فعلم صدق دعوى الكون من كذبه فمن هذه الصفة الإلهية ظهر فتح المكاشفة إذ لا يظهر في الوجود حكم إلا و له أصل في الجناب الإلهي إليه استناده و لا يصح أن يكون الأمر إلا هكذا فإنه قد ذكرنا في غير ما موضع أن علم الله بالأشياء من علمه بنفسه فخرج العالم على صورته فلا يشذ عنه حكم أصلا فهو سبحانه رب كل شيء و مليكه فالأشياء مرتبطة به في كل حال و ما هو في كل حال مرتبط بالأشياء و لهذا غلط من غلط من أصحابنا و من بعض النظار في أنهم عرفوا الله ثم عرفوا الأشياء فهم عرفوا الله من حيث إنه واجب الوجود لذاته و أنه لا يصح أن يكون ثم واجب الوجود لذاته فصحت أحدية واجب الوجود هذا كله صحيح لا نزاع فيه عند المنصف و لكن ليس المقصود إلا علم كونه ربا لهذا العالم هذا لا يعرفه ما لم تتقدم له معرفته بالعالم هذا ما يعطيه علم الكمل من رجال الله من أهل الحق و لهذا قال عليه السلام من عرف نفسه عرف ربه ما قال من عرف ربه عرف نفسه لأنه من حيث نفسه واجب الوجود و له الغني المطلق فلا التفات للغني المطلق إلى غير ذاته إذ لو التفت لم يصح ما قرره فلا يعلم أنه بإله للعالم فإذا أراد أن يعلم أنه إله العالم نظر في العالم فرأى فيه حقيقة الافتقار بإمكانه إلى المرجح فلم يجد إلا هذا الواجب الوجود لذاته الذي أثبته بدليله قبل أن ينظر في هذه المسألة الأخرى فأضافه إليه فقال هذا الواجب هو رب هذا العالم و بغير هذا الطريق في النظر فلا يعرف أنه إله العالم ثم إن أهل النظر انحجبوا عما ثبت في نفوسهم من افتقارهم حين صرفوا النظر إلى معرفة واجب الوجود لذاته فإن ثبت عندهم بالدليل أظهر لهم إمكانهم و افتقارهم من حيث لا يشعرون أن ذلك الواجب الوجود هو الهم فقالوا علمنا بالله متقدم على علمنا بالعالم و صدقوا ما قالوا علمنا بإلهنا أنه إلهنا متقدم على علمنا بنا فلم يشعروا بما وقعوا فيه من الغلط و علمت بذلك الأنبياء فجعلت العالم دليلا عليه و أعظم فتح المكاشفة في مثل هذه المسألة أن يرى الحق فيكون عين رؤيته إياه عين رؤيته العالم للارتباط المحقق فيكشف العالم من رؤيته الله تعالى و لكن هذه الدقيقة ليست لأهل النظر لأن النظر ليس في قوته ذلك و إنما هو من خصائص الكشف هذا أبلغ ما يمكن أن تحقق به هذه المسألة من تقدم العلم بالله من كونه إلها للعالم على العلم بالعالم فهذا لا يعرف إلا من فتوح المكاشفة و ما رأيت أحدا من المتقدمين من أهل الله تعالى نبه في هذا الفتوح الكشفي على هذه المسألة على التعيين فاحمد الله تعالى حيث أجرى على لساني الإبانة عن هذه المسألة فإنه ما كان في نفسي أن أشير إليها فأحرى أن أصرح بها و إنما الغيرة غلبت علي و الحرص على نصح العباد الذين أمرني الحق بنصحهم على التخصيص أداني إلى شرح هذا القدر في فتوح المكاشفة وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب السادس عشر و مائتان في معرفة الفتوح و أسراره»
إن الفتوح هو الراحات أجمعها و هو العذاب فلا تفرح إذا وردا
حي ترى عين ما يأتي به فإذارأيته فاتخذ ما شئته سندا
الريح بشرى من الرحمن بين يديما شاء من رحمة فيها إذا قصدا
و قد تكون عذابا ما استعد لهكريح عاد بنقل ثابت شهدا
فالمكر منه خفي فاستعد لهعسى تحوز بذاك الفوز و الرشدا