الرهبة عند القوم تقال بإزاء ثلاثة أوجه رهبة من تحقيق الوعيد و رهبة من تقليب العلم و رهبة من تحقيق أمر السبق فالأول إذا جاء الوعيد بطريق الخبر و الخبر لا يدخله النسخ فهو ثابت و الثاني تقليب العلم ف يَمْحُوا الله ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ و الثالث ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ و أما الرهبة المطلقة من غير تقييد بأمر ما معين فهي كل خوف يكون بالعبد حذرا أن لا يقوم بحدود ما شرع له سواء كان حكما مشروعا إلهيا أو حكما حكميا كما قال تعالى وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها أي هم شرعوها لأنفسهم ما أوجبناها عليهم ابتداء فاعتبرها الحق و آخذهم بعدم مراعاتها فما كتبها الله عليهم إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ الله فأثنى على المراعين لها ليحسن القصد و النية في ذلك و في الكلام تقديم و تأخير كأنه يقول فما رعوها حق رعايتها إلا ابتغاء رضوان الله يعني المراعين لها و في شرعنا من هذه الرهبانية من سن سنة حسنة و هذا هو عين الابتداع و لما جمع عمر بن الخطاب الناس على أبي في قيام رمضان قال نعمت البدعة هذه فسماها بدعة و مشت السنة على ذلك إلى يومنا هذا فلما اقترن بالأعمال المشروعة وجوب القيام بحقها كالنذر خاف المكلف فقامت الرهبة به فأدته إلى مراعاة الحدود فسمي راهبا و سميت الشريعة رهبانية و مدح الله الرهبان في كتابه فمن الناس من علق رهبته بالوعيد فخاف من نفوذه كالمعتزلي القائل بإنفاذ الوعيد فيمن مات عن غير توبة فاعلم إن هنا نكتة أنبهك عليها و ذلك أنه من المحال أن يأتي مؤمن بمعصية توعد الله عليها فيفزع منها إلا و يجد في نفسه الندم على ما وقع منه و قد قال صلى الله عليه و سلم الندم توبة و قد قام به الندم فهو تائب فسقط حكم الوعيد لحصول الندم فإنه لا بد للمؤمن أن يكره المخالفة و لا يرضى بها و هو في حال عمله إياها فهو من كونه كارها لها مؤمن بأنها معصية ذو عمل صالح و هو من كونه فاعلا لها ذو عمل سيئ فغايته إن يكون من الذين خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً فقال تعالى عقيب هذا القول عَسَى الله أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ و عسى من الله واجبة و رجوعه عليهم إنما هو بالمغفرة و يرزقهم الندم عليها و الندم توبة فإذا ندموا حصلت توبة الله عليه فهو ذو عمل صالح من ثلاثة أوجه الايمان بكونها معصية و كراهته لوقوعها منه و الندم عليها و هو ذو عمل سيئ من وجه واحد و هو ارتكابه إياها و مع هذا الندم فإن الرهبة تحكم عليه سواء كان عالما بما قلناه أو غير عالم فإنه يخاف وقوع مكروه آخر منه و لو مات على تلك التوبة فإن الرهبة لا تفارقه و ينتقل تعلقها من نفوذ الوعيد إلى العتاب الإلهي و التقرير عند السؤال على ما وقع منه فلا يزال مستشعرا و هو نوع من أنواع الوعيد فإن الله يقول فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ من يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ فلا بد أن يوقف عليه فهو يرهب من هذا التوبيخ برؤية ذلك العمل القبيح الذي لا بد له من رؤيته و لم يتعرض الحق في هذه الآية للمؤاخذة به فالرؤية لا بد منها فإن كان ممن غفر له يرى عظيم ما جنى و عظيم نعمة الله عليه بالمغفرة هذا يعطيه الخبر الإلهي الصدق الذي لا يدخله الكذب فإنه محال على الجناب الإلهي فإن نظر العالم إلى أن خطاب الحق لعباده إنما يكون بحسب ما تواطئوا عليه و هذا خطاب عربي لسائر العرب بلسان ما اصطلحوا عليه من الأمور التي يتمدحون بها في عرفهم و من الأمور التي يذمونها في عرفهم فعند العرب من مكارم الأخلاق أن الكريم إذا وعد وفى و إذا أوعد تجاوز و عفا و هي من مكارم أخلاقهم و مما يمدحون بها الكريم و نزل الوعيد عليهم بما هو في عرفهم لم يتعرض في ذلك لما تعطيه الأدلة العقلية من عدم النسخ لبعض الأخبار و لاستحالة الكذب بل المقصود إتيان مكارم الأخلاق قال شاعرهم
و إني إذا أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادى و منجز موعدي
مدح نفسه بالعفو و التجاوز عمن جنى عليه بما أوعد على ذلك من العقوبة بالعفو و الصفح و مدح نفسه بإنجاز ما وعد به من الخير يقال في اللسان وعدته في الخير و الشر و لا يقال أوعدته بالهمز إلا في الشر خاصة و الله يقول وَ ما أَرْسَلْنا من رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ أي بما تواطئوا عليه و التجاوز و العفو عند العرب مما تواطئوا على الثناء به على من ظهر منه فالله أولى بهذه الصفة فقد عرفنا الله أن وعيده ينفذه فيمن شاء و يغفر لمن شاء و مع هذه الوجوه فلا يتمكن زوال الرهبة من قلب العبد من نفوذ الوعيد لأنه لا يدري هل هو ممن يؤاخذ أو ممن يعفى عنه و قد قدمنا ما يجده المخالف عقيب المخالفة من الندم على ما وقع منه و هو عين التوبة فالحمد لله الذي جعل الندم توبة و وصف نفسه تعالى بأنه التواب الرحيم أي الذي يرجع على عباده في كل مخالفة بالرحمة له فيرزقه الندم عليها فيتوب العبد بتوبة الله عليه لقوله ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ الله هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ و أما الرهبة الثانية التي هي لتحقيق تقليب العلم فيخاف من عدم علمه بعلم الله فيه هل هو ممن يستبدل أم لا قال تعالى وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ فقد أعطى السبب و هو التولي و قد أعطى العلامة و هو عدم التولي عن الذكر لا عن الله فإن التولي عن الله لا يصح و لهذا قال لنبيه فَأَعْرِضْ عَنْ من تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا كيف يتولى عمن هو بالمرصاد و الكل في قبضته و بعينه و لما كان مشهده تقليب العلم بتقليب المعلوم فإن العلم يتعلق به بحسب ما هو عليه فتغير التعلق لتغير المتعلق لا لتغير العلم فرهبته من تقليب العلم عين رهبته مما يقع منه فإن العلم لا حكم له في التقليب على الحقيقة و إنما التقليب لموجد عين الفعل الذي يوقع الرهبة في القلب و هو كونه قادرا و يتعلق العلم بذلك الانقلاب و المنقلب إليه قال تعالى وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ أي إذا ظهر منكم عند الابتلاء بالتكليف ما يكون منكم من مخالفة أو طاعة يتعلق العلم مني عند ذلك به كان ما كان و حضرة تقليب العلم قوله يَمْحُوا الله ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ فذكر المحو بعد الكتابة و يثبت ما شاء مما كتبه وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ و هي السابقة التي لا تتبدل و لا تمحى فلما علم عز و جل ما يمحو من ذلك بعد كتابته و ما يثبت أضيف التقليب إلى العلم و التحقيق ما ذكرناه من تغيير التعلق و عدم التقليب في العلم و أما قوله تعالى عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فما أراد هنا تعلق علمه تعالى بأنهم يختانون أنفسهم و إنما المستقبل هنا بمعنى الماضي فإن اللسان العربي يجيء فيه المستقبل ببنية الماضي إذا كان متحققا كقوله تعالى أَتى أَمْرُ الله فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ و شبهه و قد كان الحق كلفهم قبل هذا التعريف أن لا يباشر الصائم امرأته ليلة صومه فمنهم من تعدى حد الله في ذلك فلما علم الله ذلك عفا عمن وقع منه ذلك و أحل له الجماع ليلة صومه إلا أن يكون معتكفا في المسجد فما خفف عنهم حتى وقع منهم ذلك و من من شأنه مثل هذا الواقع فإنه لا يزال يتوقع منه مثله فأبيح له رحمة به حتى إذا وقع منه ذلك كان حلالا له و مباحا و تزول عنه صفة الخيانة فإن الدين أمانة عند المكلف و أما الرهبة لتحقيق أمر السبق فلقوله تعالى ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ و قوله لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ الله و إن كان يسوغ في هذه الآية أن كلمات الله عبارة عن الموجودات كما قال في عيسى إنه كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ فنفى أن يكون للموجودات تبديل بل التبديل لله و لا سيما و ظاهر الآية يدل على هذا التأويل و هو قوله فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ الله أي ليس لهم في ذلك تبديل و هذه بشرى من الله بأن الله ما فطرنا إلا على الإقرار بربوبيته فما يتبدل ذلك الإقرار بما ظهر من الشرك بعد ذلك في بعض الناس لأن الله نفى عنهم أن يكون لهم تبديل في ذلك بل هم على فطرتهم و إليها يعود المشرك يوم القيامة عند تبري الشركاء منهم و إذا لم يضف التبديل إليهم فهي بشرى في حقهم بما لهم إلى الرحمة و إن سكنوا النار فبحكم كونها دارا لا كونها دار عذاب و آلام بل يجعلهم الله على مزاج ينعمون به في النار بحيث لو دخلوا الجنة بذلك المزاج تألموا لعدم موافقة مزاجهم لما هي عليه الجنة من الاعتدال فمن حقت عليه كلمة الله بأمر فإنه يعمل في غير معمل و يطمع في غير مطمع قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فيمن يعمل بعمل أهل الجنة حتى يقرب منها بعمله فيما يبدو للناس فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل النار فيدخل النار و كذلك الآخر ثم قال و إنما الأعمال بالخواتم فذكر في هذا الحديث لمن هي السابقة و أن الخاتمة هي عين حكم السابقة و لهذا كان بعضهم يقول أنتم تخافون من الخاتمة و أنا أخاف السابقة و إنما سميت سابقة من أجل تقديمها على الخاتمة فهذا معنى موجود لم يظهر حكمه إلا بعد زمان فهو من بعض ما يمكن أن يستند إليه القائل بالكمون و الظهور و لا سيما و الشارع قد نبه عليه في الحديث بقوله في عمل أهل النار أعمال السعداء فقال فيما يبدو للناس و كذلك في عمل أهل الجنة أعمال الأشقياء فيما يبدو للناس و الذي عندهم و هم فيه في بواطنهم خلاف ما يبدو للناس فعلم الله ذلك منهم فهذا معنى ما ظهر له حكم في الظاهر مع وجوده عندهم و المراؤون من هذا القبيل غير أن هنا بشرى فيما يذهب إليه و ذلك أن العلماء قد علموا إن الحكم للسابق فإن اللاحق متأخر عنه و لهذا السابق يحوز قصب السبق و قصب السبق هنا آدم و ذريته و قد تجارى غضب الله و رحمته في هذا الشأو فسبقت رحمته غضبه فحازتنا ثم لحق الغضب فوجدنا في قبضة الرحمة قد حازتنا بالسبق فلم ينفذ للغضب فينا حكم التأبيد بل تلبس بنا للمشاهدة بعض تلبس لما جمعنا مجلس واحد أثر فينا بقدر الاستعداد منا لذلك فلما انفصلت الرحمة من الغضب من ذلك المجلس أخذتنا الرحمة بحيازتها إيانا و فارقنا غضب الله فحكمه فينا أعني بنى آدم غير مؤيد و في غيرنا من المخلوقين ما أدري ما حكمه فيهم من الشياطين و الله أعلم و صاحب هذا الذوق ما يرهب السابقة فإن رحمة الله لا يخاف منها إلا في دار التكليف فرهبة السبق إنما متعلقها سبق مخصوص لا سبق الرحمة و ذلك السبق عرضي ليس بدائم إذا كان سبق شقاوة لأنه ليس له أصل يعضده فإن أصله غضب الله و هو لا حق لا سابق و أما سبق السعادة فما هو عرضي فيزول لأن له أصلا يعضده و يقويه و هو رحمة الله التي سبقت غضبه و لهذا السبق الجزئي العرضي السعادي يبقى و الشقاوي لا يبقى فاعلم ذلك وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ