قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الموفي ستين و مائتان في معرفة القرب و هو القيام بالطاعات و قد ي

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

و يريدون به قرب قابَ قَوْسَيْنِ و هما قوسا الدائرة إذا قطعت بخط أَوْ أَدْنى‏»

إذا قطعت بخط أكرة فبدا‏ قوسان ذلك قرب الحق فاعتبروا
إلى حقيقة أدنى منهما فإذاما حزته لاح ما يقضي به النظر
إن المعارج للأرواح نسبتهاخلاف نسبة ما يسرى به البصر

قال تعالى وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ من حَبْلِ الْوَرِيدِ فوصف نفسه بالقرب من عباده و المطلوب بالقرب إنما هو أن يكون صفة العبد فيتصف بالقرب من الحق اتصاف الحق بالقرب منه كما قال وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ و الرجال يطلبون أن يكونوا مع الحق أبدا في أي صورة تجلى و هو لا يزال متجليا في صور عباده دائما فيكون العبد معه حيث تجلى دائما كما لا يخلو العبد عن أينية دائما و الله معه أينما كان دائما فأينية الحق صورة ما يتجلى فيها فالعارفون لا يزالون في شهود القرب دائمين لأنهم لا يزالون في شهادة الصور في نفوسهم و في غير نفوسهم و ليس إلا تجلى الحق و أما القرب الذي هو القيام بالطاعات فذلك القرب من سعادة العبد بالفوز من شقاوته و سعادة العبد في نيل جميع أغراضه كلها و لا يكون له ذلك إلا في الجنة و أما في الدنيا فإنه لا بد من ترك بعض أغراضه القادحة في سعادته فقرب العامة و القرب العام إنما هو القرب من السعادة فيطيع ليسعد و قرب العارفين ما ذكرناه فهو يتضمن السعادة و زيادة و لو لا الأسماء الإلهية و حكمها في الأكوان ما ظهر حكم القرب و البعد في العالم فإن كل عبد في كل وقت لا بد أن يكون صاحب‏قرب من اسم إلهي صاحب بعد من اسم آخر لا حكم له فيه في الوقت فإن كان حكم ذلك الاسم الحاكم في الوقت المتصف بالقرب منه يعطي للعبد فوزا من الشقاء و حيازة لسعادته فذلك هو القرب المطلوب عند القوم و هو كل ما يعطي العبد سعادة و إن لم يعط ذلك فليس بقرب عند القوم و إن كان قربا من وجه آخر لا من حيث ما وقع عليه الاصطلاح‏ أخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ربه في هذا الباب أن الله يقول ما تقرب المتقربون بأحب إلي من أداء ما افترضته عليهم و لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا و بصرا و يدا و مؤيدا و قال سبحانه في الخبر الصحيح من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا و من تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا و من أتاني يسعى أتيته هرولة و قال تعالى وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ و قال في حق الميت وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لكِنْ لا تُبْصِرُونَ و معناه عندنا لا تميزون يقول تبصرون و لكن لا تعرفون ما تبصرون فكأنكم لا تبصرون‏ اعلم أن القرب من الله على ثلاثة أنحاءقرب بالنظر في معرفة الله جهد الاستطاعة أصاب في ذلك أو أخطأ بعد بذل الوسع في الاجتهاد في ذلك فقد يعتقد المجتهد فيما ليس ببرهان أنه برهان فيجازيه الله مجازاة أصحاب البراهين الصحيحة و قد نبه سبحانه على ما يفهم منه ما ذكرناه و هو قوله وَ من يَدْعُ مَعَ الله إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ به و قد رأى بعض العلماء أن الاجتهاد يسوغ في الفروع و الأصول فإن أخطأ فله أجر و إن أصاب فله أجران‏ و النوع الآخر قرب بالعلم‏ و النوع الثالث قرب بالعمل‏ و ينقسم على قسمين قرب بأداء الواجبات و قرب بالمندوبات في عمل الظاهر و الباطن‏ فأما قرب العلم فأعلاه توحيد الله في الوهته فإنه لا إله إلا هو فإن كان عن شهود لا عن نظر و فكر فهو من أولي العلم الذين ذكرهم الله في قوله شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ لأن الشهادة إن لم تكن عن شهود و إلا فلا فإن الشهود لا يدخله الريب و لا الشكوك و إن وحده بالدليل الذي أعطاه النظر فما هو من هذه الطائفة المذكورة فإنه ما من صاحب فكر و إن أنتج له علما إلا و قد يخطر له دخل في دليله و شبهة في برهانه يؤديه ذلك إلى التحير و النظر في رد تلك الشبهة فلذلك لا يقوى صاحب النظر في علم ما يعطيه لنظر قوة صاحب الشهود و هذا الصنف إذا قضى الله عليه بدخول النار لأسباب أوجبت له ذلك فهو الذي يخرجه الحق من النار بعد شفاعة الشافعين و أما قرب العمل فهو علم ظاهر و هو ما يتعلق بالجوارح و علم باطن و هو ما يتعلق بالنفس فأعم الأعمال الباطنة الايمان بالله و ما جاء من عنده لقول الرسول لا للعلم بذلك و عمل الايمان يعم جميع الأفعال و التروك فما من مؤمن يرتكب معصية ظاهرة أو باطنة إلا و له فيها قربة إلى الله من حيث إيمانه بها إنها معصية فلا يخلص أبد المؤمن عمل سيئ دون أن يخالطه عمل صالح قوله تعالى فيمن هذه صفته عَسَى الله أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ و ما ذكر لهم قربة فما تاب هنا في هذه الآية عليهم ليتوبوا و إنما هو رجوع بالعفو و التجاوز و عسى من الله واجبة عند جميع العلماء فالشرط المصحح لقبول جميع الفرائض فرض الايمان ثم يتقرب العبد بأداء الفرائض فمن حصل له هنا ثمرتها كان سمعا للحق و بصرا فيريد الحق بإرادته على غير علم منه أن مراده مراد لله وقوعه فإن علم فليس هو صاحب هذا المقام هذا ميزان أداء الفرائض و هو أحب ما يتقرب به إلى الله و أما قرب النوافل فإنه أيضا يحبه الله و محبة الله أعطته أن يكون الحق سمعه و بصره هذا ميزانها في قرب النوافل و لما كانت المحبة لها مراتب متميزة في المحب قيل محب و أحب و قد وصف الله نفسه بأحب في قوله بأحب إلي من أداء ما افترضته عليه و في النوافل قال أحببته من غير مفاضلة و افترض عليه الايمان به و بما جاء من عنده فالمؤمن له مرتبة الحب و الأحب و أما عمل الجوارح فإنه قرب أيضا و لا بد أن تجني الجارحة ثمرتها أي ثمرة عملها في حق كل إنسان من غير تقييد و لكن هم في ذلك على طبقات مختلفة في أي دار كانوا أو من أي صنف كانوا و سواء قصد القرب بذلك العمل أو لم يقصد فإن العمل يطلب ميزانه و قد وقع من الجارحة فهو حق لها و النية حق للنفس حتى أنه لو ذكر الله بيمين فاجرة يقتطع بها حق امرئ لكان للجارحة أجر ذكر الله لما جرى على اللسان و على النفس وزر ما نوته من ذلك و التنبيه على ما ذكرناه كون حكم ظاهر الشرع أسقط عنه بيمينه حق الطالب فإذا كان أثرها في الظاهر بهذه القوة في الدنيا فما ظنك بما تجنيه تلك الجارحة الذاكرة ربها في الأخرى فإن الجارحة لا خبر لها بما نوته‏النفس من ذلك فحظها النطق بذكر الله لا تدري أن ذلك الذكر يعود منه وبال على النفس أم لا و لا تدري هل هو مشروع أم غير مشروع و لذلك إذا شهدت الجوارح و الجلود بما وقع منها من الأعمال على النفس المدبرة لها ما تشهد بوقوع معصية و لا طاعة و إنما شهادتها بما عملته و الله يعلم حكمه في ذلك العمل و لهذا إذا كان يوم القيامة تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ و لم يشهدوا بكون ذلك العمل طاعة و لا معصية فإن مرتبتهم لا تقتضي ذلك فالإنسان من حيث هيكله سعيد كله و من حيث نفسه إن كان مؤمنا فهو صاحب تخليط و أما قرب الله منه فعلى نوعين النوع الواحد قرب رحمة و عطف و تجاوز و مغفرة و إحسان و النوع الآخر قرب لا يمكن كشفه لكن نومئ إليه فنقول لا يخلو الحق مع كل عبد عند ما يتجلى له أن يظهر له في مادة أو في غير مادة فإن تجلى له في مادة و هي الصورة تبع القرب تلك المادة في مجلس الشهود و حضرة الرؤية و إن تجلى له في غير مادة كان قرب المنزلة و المرتبة كقرب الوزير و القاضي و الوالي و صاحب الحسية من الملك فإنه قرب متفاضل و قد يدني مجلس الأدون ليسارره بأمر ينفذ في مرتبته و يكون الأعلى أبعد منه مجلسا في ذلك المجلس و لا يقتضي قربه في ذلك المجلس بأنه أعلى رتبة من الأعلى منه فإن حكم المواد يخالف حكم النفوس في الصورة و إذا علمت هذا فقد قربت من العلم بقرب الحق و القرب بين الاثنين على حد واحد فمن قرب منك فقد اتصفت بأنك منه قريب و في نفس الأمر ليس للبعد من الله سبيل و إنما البعد أمر إضافي يظهر في أحكام الأسماء الإلهية فزمان حكم الاسم الإلهي في الشخص هو زمان اتصافه بالقرب من البعد و قرب العبد منه و الاسم الإلهي الذي ما له حكم الوقت في الشخص هو منه بعيد كيف يتصف بالبعد عنك أو تتصف بالبعد منه من أنت في قبضته أ لم يفتح لآدم يده اليمنى تعالى و كلتا يديه يمين مباركة فبسطها فإذا فيها آدم و ذريته و هل يؤبد شقاء من هو في يمين الحق لا و الله و كانت القبضة الأخرى جميع العالم فانظر في اختيار آدم يمين الحق للتمييز مع كونه يعرف أن كلتي يدي ربه يمين مباركة و ليس إلا ما ذكرناه و لو لا ما كان التجلي لآدم في صورة مادية ما اتصفت اليدان بالقبض و البسط و قد نبهتك على معرفة القرب حتى تشهده من نفسك مع الله إن كنت من أهل التجلي في هذه الدار و إذا وقع التجلي في المواد جاءت الحدود بغير شك فجاء الشبر و الذراع و الباع و السعي و الهرولة بحسب ما يقتضيه الحال فإن قرب المواد تابع للأحوال فعلى قدر الحال يكون القرب في المادة بين القريبين ليعلم بذلك القرب أن حاله أعطى ذلك فهو ترجمان عن الأحوال و أما القرب من الله بحياز الصورة فليس ذلك إلا للخلفاء خاصة سواء كانوا رسلا أو لم يكونوا فإن الرسالة ليست بنعت إلهي و إنما هي نسبة بين مرسل و مرسل إليه لينوب عنه فيما يريد أن يبلغه إلى هذا الشخص المرسل إليه فالرسول خليفة و نائب في التبليغ خاصة و تتمة الخلافة و النيابة إنما هي في الحكم بما تقتضيه حقائق الأسماء الإلهية من القهر و الإرعاد و الإبراق و الأخذ و الرحمة و العفو و التجاوز و الانتقام و الحساب و المصادرة و ما ثم أصعب في الإلهيات من المصادرة إذا لم تقع عن حساب أو تجاوز في الأخذ حد الاستحقاق و ذلك في قوله لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ و الأخذ و التجاوز بعد التقرير و الحساب و السؤال في قوله وَ هُمْ يُسْئَلُونَ و قوله فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فقرب بالصورة على نوعين في الخلافةالنوع الواحد خلافة عن تعريف إلهي بمنشور و خلافة لا عن تعريف إلهي مع نفوذ الأحكام منه و لا يسمى مثل هذا القرب على طريق الأدب بلسان الأدباء خلافة و لا هو خليفة و بالحقيقة هو خليفة و تلك خلافة فالخلفاء متفاضلون أيضا فيها و الخلافة بغير التعريف أتم في القرب المعنوي فإن الخليفة بالتعريف و الأمر الظاهر يبعد من المستخلف في الصورة فإن حكمه في العالم لم يكن عن أمر من غيره بل هو حاكم لنفسه فمن حكم في العالم بنفسه و نفذ حكمه فيه من غير أمر إلهي و لا استخلاف بتعريف و لا منشور فهو أقرب من الصورة الإلهية ممن عقدت له الخلافة عن أمر إلهي بتعريف و منشور لكنه أقرب إلى السعادة المطلوبة له من ذلك الذي لم يقترن بخلافته أمر إلهي و القرب إلى السعادة هو المطلوب عند العلماء بالله و هذا القدر كاف في معرفة القرب وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏