و الضمير من الخطاب من غير إقامة و هو من الواردات التي لا تعمل لك فيها فإذا أقامت فهي حديث نفس ما هي خواطر
اعلم أن لله سفراء إلى قلب عبده يسمون الخواطر لا إقامة لهم في قلب العبد إلا زمان مرورهم عليه فيؤدون ما أرسلوا به إليه من غير إقامة لأن الله خلقهم على صورة رسالة ما أرسلوا به فكل خاطر عينه عين رسالته فعند ما يقع عليه عين القلب فهمه فأما يعمل بمقتضى ما أتاه به أو لا يعمل و جعل الله بينه و بين هذا القلب طرقا خمسة عليها تمشي هذه الخواطر إلى القلب و هذه الطرق أحدثها الله لما أحدث الشرائع فلو لا الشرائع ما أحدثها و جعلها كالهالة للقمر محيطة به فسمى الطريق الواحد وجوبا و فرضا و سمي الثاني ندبا و الثالث حظرا و الرابع كراهة و الخامس إباحة و خلق الملك الموكل بالقلب يحفظه عن أمر الله بذلك و عين له من الطرق طريق الوجوب و الندب و جعل في مقابلته شيطانا أقعده إلى جانبه عن غير أمر الله المشروع حسدا منه لما رأى من اعتناء الله بهذه النشأة الإنسانية دونه و شفوفه عليه و علم ما يفضي إليه من السعادة إذا قام بحق ما شرع له من فعل و ترك و جعل مثل ذلك على طريق الحظر و الكراهة سواء و جعل على طريق الإباحة شيطانا لم يجعل هناك ملكا في مقابلته و جعل قوى النفس كلها و جبلتها مستفرغة لذلك الطريق و أمرها الله بحفظ ذاتها من ذلك الطريق من الشيطان و جعل الله في هذه النفس الإنسانية صفة القبول تقبل بها على كل من يقبل إليها و قبل إحداث الشرائع من آدم إلى زماننا إلى انقضاء الدنيا لم يكن ثم شيء مما ذكرناه من ملك حافظ و شيطان منازع مناقض بل كان الأمر كما يؤول إليه عند ارتفاع الشرائع من الله إلى عبده و من العبد إلى الله من غير تحجير و لا حكم من هذه الأحكام بل يتصرف بحسب ما تعطيه إرادته و مشيئته ثم خلق الله لهذه النفس الإنسانية صفة المراقبة لمن يرد من هذه الطرق عليها و أوحى إليها إلهاما أن بينه و بينها سفراء يأتون إليها من هذه الطرق و لا إقامة لهم عندها و قد أنشأنا ذواتهم من صورة رسالتهم حتى إذا رأيتهم علمت بالمشاهدة ما بعثهم الله به إليك فتيقظ و لا تغفل عنهم فإنهم يمرون بساحتك و لا يثبتون و يقول الحق قلت لهؤلاء السفرة إني أوجدت في هذا المرسل إليه صفتين صفة سميتها الغفلة و صفة سميتها اليقظة و الانتباه فإن وجدتموه متصفا باليقظة فهو الغرض المقصود و إن وجدتموه متصفا بالغفلة فاقرعوا عليه بابه فإنه يتيقظ فإن لم يتيقظ فإنكم لا تفوتونه فإني جعلت له بصرا حديدا يدرك به صورتكم فيعلم ما بعثتكم به و إن لم يتيقظ لنقركم فاتركوه و تعالوا إلينا و قد ملك الله هذا الملك الموكل بالحفظ و القرين الملازم و النفس قوة التصور و التشكل لما يرون فيشكلون أمثاله حتى كأنه هو و ليس هو و جعل هذه الأمثال في المرتبة الثانية فصاعدا في المراتب لا قدم لهم في المرتبة الأولى فالمرتبة الأولى لها الصدق و لا تخطئ فلا تعمل النفس بمقتضى ذلك الخاطر الأول فتخطئ و لا تكذب أبدا و أما التي على صورة الخواطر الأول فقد تصدق و تخطئ بحسب قوة التصوير و حفظ أجزاء الصورة و كذلك النظرة الأولى و الحركة الأولى و السماع الأول و كل أول فهو إليه صادق فإذا أخطأ فليس بأول و إنما ذلك حكم الصورة التي وجدت في المرتبة الثانية و أكثر مراقبة الأمور الأول لا يكون إلا في أهل الزجر و قد رأيناه منهم و في أهل الله خاصة فهو في أهل الله رتبة عاصمة و حافظة من الخطاء و الكذب و هو في الزاجر قوة مراقبة و علم و شهود و اسم هذا الخاطر الأول عندهم الهاجس و نقر الخاطر و السبب الأول فما يمر من هؤلاء السفرة الكرام البررة على هذه الطرق المعينة لهذا القلب يلقي من هو عليه من ملك و شيطان و نفس فيأخذه من بادر إليه من هؤلاء بالتلقي فإن أخذه الملك و هو مما يقتضي وجود عمل سعادي أوحى إليه الملك في سره اعمل كذا و كذا فيقول له الشيطان لا تعمله و أخره إلى وقت كذا طمعا منه في إن لا يقع منه ما يؤدي إلى سعادته و هو ما يجده الإنسان من التردد في فعل الخير و تركه و في فعل الشر و تركه و كذلك إذا جاءه على طريق الإباحة فذلك التردد في فعل المباح و تركه إنما هو بين النفس و الشيطان لا بين الملك و الشيطان فإن لمة الملك و لمة الشيطان المقابلة إنما تكون في الأربعة الطرق من الأحكامو أما في المباح فلمة الشيطان خاصة و ما له منازع إلا النفس و إنما كان للنفس المباح دون غيره لأنها جبلت على جلب المنافع و دفع المضار و الأمر أبدا يتقدم النهي في لمة الملك و الشيطان فصاحب الأمر في الشر هو الشيطان فله التقدم و صاحب الأمر في الخير إنما هو الملك فله التقدم فلا يرد نهي إلا بعد أمر و لا عكس في مثل هذا في هذه الحضرة و أصله في الإنسان من آدم عليه السلام فإن الأمر تقدمه بسكنى الجنة و الأكل منها حيث شاء ثم نهاه عن قرب شجرة مشار إليها إن تقربها فوقع التحجير و النهي في قوله حَيْثُ شِئْتُما لا في الأكل فما حجر عليه الأكل و إنما حجر عليه القرب منها الذي كان قد أطلقه في حيث شئتما فما أكلا منها حتى قربا فتنا و لا منها فأخذا بالقرب لا بالأكل و كان له بعد المؤاخذة الإلهية ما أعطته خاصية تلك الشجرة لمن أكل من ثمرها من الخلد و الملك الذي لا يبلى و كان ذريته فيه لما وقع منه ما وقع ثم أهبط للخلافة و حواء للنسل لأنها محل التكوين فخرجت الذرية بعد أن تاب الله عليه بكله و ذريته فيه و أسعد الله الكل فله النعيم في أي دار كان منهم ما كان بعد عقوبة و آلام تقوم بهم دنيا و آخرة فأما الدنيا فالكل لا بد من ألم أدناه استهلال المولود حين ولادته صارخا لما يجده عند المفارقة للرحم و سخانته فيضر به الهواء عند خروجه من الرحم فيحس بالألم فيبكي فإن مات فقد أخذ بحظه من البلاء ثم يعيش فلا بد له في الحياة الدنيا من الآلام فإن الحيوان مجبول على ذلك فإذا نقل إلى البرزخ فلا بد من ألم السؤال فإذا بعث فلا بد له من ألم الخوف على نفسه أو على غيره فإذا دخل الجنة ارتفع ذلك عنه أعني حكم الآلام و صحبه النعيم دائما و إذا دخل النار صحبه الألم ما شاء الله فإذا نفذت مشيئته فيه بما كان من الآلام أعقبه فيها نعيما بالعناية التي أدركته و هو في صلب أبيه آدم لما تاب عليه ليأخذ حظه من الألم و اللذة كما أخذ أبوه فله نصيب من توبة أبيه و بقيت أسماء الانتقام في حق من شاء الله من سوى هذا المسمى إنسانا تحكم بحسب حقائقها فإن رحمته ما سبقت غضبه إلا في هذه النشأة الإنسانية و أما ما عداها فمن كون رحمته وسعت كل شيء لا من السبق فللإنسان دون غيره الرحمة الواسعة و الرحمة السابقة فتطلبه الرحمة من وجهين و ليس لغير الإنسان هذا الحكم من الرحمة فهي أشد عناية بالإنسان منها بغيره ثم نرجع إلى ما كنا بصدده من معرفة الخواطر فنقول و بعد أن أعلمتك بحقائقها فتختلف آثارها في النفس باختلاف من يتعرض لها في طريقها فإن لم يتعرض لها أحد ممن ذكرنا فذلك خاطر العلم لا يكون خاطر عمل البتة و هو الخاطر الرباني و خواطر الأعمال و التروك تكون ملكية و شيطانية و نفسية لا غير ذلك و كُلٌّ من عِنْدِ الله فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً فأحرى قديما فألهمها فجورها عملا أو تركا لمجيئه على يد شيطان و تقواها عملا أو تركا لمجيئه على يد ملك فمن راقب خواطره من طرقها فقد أفلح فإنه يعلم من يأخذها و من يتعرض إليها من القاعدين لها كل مرصد و من غفل عن طرقها و ما شعر بها حتى وجدها في المحل كما تجدها العامة عمل بمقتضاها و هو عمل الجاهل بالشيء فإن كان خيرا فبحكم المصادفة و إن كان شرا فكذلك لأن الخاطر الأول الذي أتاه بالعلم بمن يأتي بعده من الخواطر و على يد من يأتيه لم يشعر به و لا علمه و لا شاهده ففاته حكمه فلما فجئته هذه الخواطر العملية على حين غفلة و عدم تيقظ و مراقبة لطرقها عمل بمقتضاها فكان خيره و شره مصادفة و رأيت ابن الحجازي المحتسب بمدينة فاس و لم يكن صاحب علم بالشريعة يوفقه الله لإصابة الحكم و أعرف من صلاحه أنه ما فاتته تكبيرة الإحرام خلف الإمام في الصلوات كلها بجامع القرويين إلى أن مات فكانت أحكامه في حسبته تجري على السداد إلها ما من الله فكان يقول إني لأعجب من أمري ما اشتغلت بعلم أحكام الشريعة و أو أفق حكم الشرع في جميع أحكامي و لم يقدر أحد من علماء الشريعة يأخذ عليه في حكم لم يقل به مجتهد هذا وحده رأيته من عامة الناس معتنى به و لم يكن من أهل الطريق بل كان حريصا على الدنيا مكبا عليها كسائر عامة الناس لكن كان منور الباطن و لا يشعر بذلك و الخواطر كلها خطابات إلهية ما هي تجليات و لهذا ينشئها الله صورا تحدث في العماء الذي هو النفس الإلهي فمن شهدها و لا يرزقه الله علما بما ذكرناه يتخيل أن الخواطر تجل إلهي لما يرى من الصورة و هذا هو السبب في تسميتها خواطر و إنها لا تثبت كما لا تثبت صورة الحرف في الوجود بعد نطق اللسان به فما له سوى زمان النطق به ثمينعدم و يبقى في فهم السامع مثال صورته فيتخيل إن الخاطر باق كما تخيل ذو النون في قوله أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ فقال كأنه الآن في أذني فما ذلك هو الكلام الذي سمع و إنما ذلك الباقي مما أخذ الفهم من صورة الكلام فثبت في النفس و القليل من أهل الله من يفرق بين الصورتين و لما كانت الخواطر من الخطاب الإلهي لذلك دعا من دعا من أهل الله الخلق إِلَى الله عَلى بَصِيرَةٍ فإن الدعاء على بصيرة لا يكون إلا بالتعريف الإلهي و التعريف الإلهي لا يكون إلا كلاما لا غير ذلك ليرتفع الإشكال و لو كان التكوين عن غير كلمة كن لم يكن له ذلك الإسراع في قوله فيكون بفاء التعقيب و هي جواب الأمر لأن الذي يكون كان على بصيرة لأنه خطاب فلو كان غير خطاب لم يكن له هذا الحكم و لكن أين النفوس المراقبة العالمة المحسة التي تعرف الأمر على ما هو عليه و غاية الناظر في هذا الأمر أن يجعل ما هو خطاب حق في النفس إن ذلك المعبر عنه بالعلم الضروري خلقه الله في محل هذا الشخص لا غير و صاحب الكشف الصحيح يدري أن الله ما خلق له العلم الضروري بالأمر إلا بعد إسماعه إياه كلامه فيعلم عند ذلك ما أراد الحق بذلك الخطاب فذلك العلم هو العلم الضروري و لكن ما يشعر به إلا أهل الشعور من أصحاب الأسرار الإلهية من أهل الله وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ