قال الله تعالى لإبليس أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ من الْعالِينَ و هم أرفع الأرواح العلوية و ليسوا بملائكة من حيث الاسم فإنه موضوع للرسل منهم خاصة فمعنى الملائكة الرسل و هو من المقلوب و أصله مالكة و الألوكة الرسالة و المالكة الرسالة فما تختص بجنس دون جنس و لهذا دخل إبليس في الخطاب بالأمر بالسجود لما قال الله لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لأنه ممن كان يستعمل في الرسالة فهو رسول فأمره الله ف أَبى وَ اسْتَكْبَرَ و قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي من نارٍ وَ خَلَقْتَهُ من طِينٍ فالرسالة جنس حكم يعم الأرواح الكرام البررة السفرة و الجن و الإنس فمن كل صنف من أرسل و منه من لم يرسل فالنبوءة الملكية المهموزة لا ينالها إلا الطبقة الأولى الحافون من حول العرش و لهذا يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ و أفراد من ملائكة الكرسي و السموات و ملائكة العروج و آخر نبي من الملائكة إسماعيل صاحب سماء الدنيا و كل واحد منهم على شريعة من ربه متعبد بعبادة خاصة و ذلك قولهم وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ فاعترفوا بأن لهم حدودا يقفون عندها لا يتعدونها و لا معنى للشريعة إلا هذا فإذا أتى الوحي إليهم و سمعوا كلام الله بالوحي ضربوا بأجنحتهم خضعانا يسمعونه كسلسلة على صفوان فيصعقون ما شاء الله ثم ينادون فيفيقون فيقولون ما ذا فيقال لهم ربكم فيقولون الحق و هو قوله تعالى في حقهم حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ فجاءوا في ذكرهم بالاسم العلي في كبريائه إن كان من قولهم فإنه محتمل أن يكون قول الله أو يكون حكاية الحق عن قولهم و العالون هم الذين قالوا لهؤلاء الذين أفاقوا ربكم و هم الذين نادوهم و هم العالون فلهذا جاء بالاسم العلي لأن كل موجود لا يعرف الحق إلا من نفسه و لذلك قال ص من عرف نفسه عرف ربه فجاء بمن و هي نكرة فعم كل عارف من كل جنس و علق المعرفة بالربوبية و كذا قال العالون لهؤلاء الذين صعقوا حين استفهموهم ربكم و ما قالوا إلهكم و هم العالون فقالوا العلي الكبير و اعلم أن العبادة في كل ما سوى الله على قسمين عبادة ذاتية و هي العبادة التي تستحقها ذات الحق و هي عبادة عن تجل إلهي و عبادة وضعية أمرية و هي النبوة فكل من عبده عن أمره و وقف عند حده ك الصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِراتِ زَجْراً فَالتَّالِياتِ و فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً و النَّاشِطاتِ نَشْطاً وَ السَّابِحاتِ سَبْحاً فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً و الْمُرْسَلاتِ عُرْفاً و هم صنف من الملائكة التاليات وَ النَّاشِراتِ نَشْراً فَالْفارِقاتِ فَرْقاً فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً و هم إخوان المدبرات من الملائكة حضرتهم متجاورة و كل هؤلاء أنبياء ملكيون عبدوا الله بما وصفهم به فهم في مقامهم لا يبرحون إلا من أمر منهم بأمر يبلغه و سيأتي في الرسالة الملكية و هو قول جبريل وَ ما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ فهم تحت تسخير رب محمد ص من الاسم الذي يخصه و لله ملائكة في الأرض سياحون فيها يتبعون مجالس الذكر فإذا وجدوا مجلس ذكر نادى بعضهم بعضا هلموا إلى بغيتكم و هم الملائكة الذي خلقهم الله من أنفاس بنى آدم فينبغي للمذكر أن يراقب الله و يستحيي منه و يكون عالما بما يورده و ما ينبغي لجلال الله و يجتنب الطامات في وعظه فإن الملائكة يتأذون إذا سمعوا في الحق و في المصطفين من عباده ما لا يليق و هم عالمون بالقصص و قد أخبر ص أن العبد إذا كذب الكذبة تباعد عنه الملك ثلاثين ميلا من نتن ما جاء به فتمقته الملائكة فإذا علم المذكران مثل هؤلاء يحضرون مجلسه فينبغي له أن يتحرى الصدق و لا يتعرض لما ذكره المؤرخون عن اليهود من زلات من أثنى الله عليهم و اجتباهم و يجعل ذلك تفسير الكتاب الله و يقول قال المفسرون و ما ينبغي أن يقدم على تفسير كلام الله بمثل هذه الطوام كقصة يوسف و داود و أمثالهم عليهم السلام و محمد ص بتأويلات فاسدة و أسانيد واهية عن قوم قالوا في الله ما قد ذكر الله عنهم فإذا أورد المذكر مثل هذا في مجلسه مقتته الملائكة و نفروا عنه و مقته الله و وجد الذي في دينه رخصة يلجأ إليها في معصيته و يقول إذا كانت الأنبياء قد وقعت في مثل هذا فمن أكون أنا و حاشا و الله الأنبياء مما نسبت إليهم اليهود لعنهم الله فينبغي للمذكر أن يحترم جلساءه و لا يتعدى ذكر تعظيم الله بما ينبغي لجلاله و يرغب في الجنة و يحذر من النار و أهوال الموقف و الوقوف بين يدي الله من أجل من عنده من البطالين المفرطين من البشر و قد ذكرنا في شرح كلام الله فيما ورد من ذكر الأنبياء عليهم السلام من التنزيه في حقهم ما هو شرح على الحقيقة لكلام الله فهؤلاء المذكورون نقلة عن اليهود لا عن كلام الله لما غلب عليهم من الجهل فواجب على المذكر إقامة حرمة الأنبياء عليهم السلام و الحياء من الله أن لا يقلدا اليهود فيما قالوا في حق الأنبياء من المثالب و نقلة المفسرين خذلهم الله و منها مراعاة من يحضر مجلسه من الملائكة السياحين فمن يراعي هذه الأمور ينبغي أن يذكر الناس و يكون مجلسه رحمة بالحاضرين و منفعة
(الباب السابع و الخمسون و مائة في معرفة مقام النبوة الملكية)
أوحى الإله إلى الأملاك تعبده يأمره ما لهم في النهي من قدم
و هم عبيد اختصاص لا يقابله ضد و قد منحوا مفاتح الكرم
لا يعرفون خروجا عن أوامره و رأسهم ملك سماه بالقلم
أعطاه من علمه ما لا يقدره خلق و إن له في رتبة القدم
حكما كما قال في العرجون خالقنا في سورة القلب جل الله من حكم
هم أنبياء أحباء بأجمعهم بلا خلاف و هم من جملة الأمم
لكل شخص من الأملاك مرتبة معلومة ظهرت للعين كالعلم
و هم على فضلهم على التفاضل في تقريبهم و لهم جوامع الكلم