اعلم أيدك الله أن التحقيق هو المقام الذي لا يقبل الشبه القادحة فيه و صاحب هذا النعت هو المحقق فالتحقيق معرفة ما يجب لكل شيء من الحق الذي تطلبه ذاته فيوفيه ذلك علما فإن اتفق أن يعامله به حالا فهو الذي ظهر عليه سلطان التحقيق و إن لم يظهر عليه فهو عالم بأنه أخطأ و لا يقدح ذلك الخطاء في تحقيقه لأنه بصير بنفسه و بما أخطأ فيه لأنه أخطأ عن تعمل و هنا سر إلهي و هو أن الله هو الحكيم المطلق و هو الواضع للأمور في مواضعها و هو الذي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ فليس في الكون خطأ بنسبة الترتيب لله و قد علم رب هذا التحقيق و المحقق به إن الأمر هكذا هو و قد علم أنه أخطأ و لكن بالنسبة إلى ما أمر به لا بالنسبة إلى ما هو الأمر عليه من حيث إن الله هو الواضع له في ذلك المحل المسمى هذاالفعل خطأ فصاحب التحقيق مأجور في خطئه أي مثنى عليه عند الله كالمجتهد ما هو مخطئ في نفس الأمر فإن حكمه مقرر و إنما خطؤه بالنسبة إلى غيره حيث لم يوافق دليله دليل غيره و كل شرع و كل حق فهكذا منزلة التحقيق و المحققين و من شرط صاحب هذا المقام أن يكون الحق سمعه و بصره و يده و رجله و جميع قواه المصرفة له فلا يتصرف إلا بحق في حق لحق و لا يكون هذا الوصف إلا لمحبوب و لا يكون محبوبا حتى يكون مقربا و لا يكون مقربا إلا بنوافل الخيرات و لا تصح له نوافل الخيرات إلا بعد كمال الفرائض و لا تكمل الفرائض إلا باستيفاء حقوقها و لذلك منعنا أن تصح لأحد على التعيين نافلة إلا بأخبار أو مشاهدة و ذلك أن الفرائض تستغرقها بالتكميل منها فإنه قد ورد في الصحيح عن الله تعالى أنه يقول يوم القيامة انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها فإن كانت تامة كتبت له تامة و إن كان انتقص منها شيئا قال انظروا هل لعبدي من تطوع فإن كان له تطوع و هو النافلة قال أكملوا لعبدي فريضته من تطوعه قال رسول الله ص ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم و ما شهد الله بنافلة لأحد إلا لرسول الله ص فقال وَ من اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ به نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً و هو مقام القرب و السيادة المشهودة للكون فمن كان الحق سمعه فلا تدخل عليه شبهة فيما يسمع بل يدري ما سمع و من سمع و بمن سمع و ما يقتضيه ذلك المسموع فيعمل بحسب ذلك فلا يخطئ سمعه و كذلك إذا كان الحق بصره علم بمن أبصر و ما أبصر فلم يدخل في نظره شبهة و لا في حسه غلط و لا في عقله حيرة فهو لله بالله و كذلك في جميع حركاته و سكناته حركات عن تحقيق من محقق و لا ينظر في ذلك إلى تخطئة الغير فيها فإنه من المحال قطعا إن يكون في الوجود أمر يوافق أغراض الجميع فإن الله خلق نظرهم متفاوتا و ما جعل في موجوداته من تفاوت في نفس الأمر كما قال تعالى الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمنِ من تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى من فُطُورٍ فمنع إن يكون هناك تفاوت بل أراه الأمور على وضع الحكمة الإلهية فمن أعطى هذا العلم فقد أعطى ما يجب لكل أحد من خلق الله و هذا مقام عزيز قل إن ترى له ذائقا إلا من كان له هذا المقام و علامة صاحب هذا المقام أن يكون عنده لكل ما يسمى خطأ في الوجود وجه إلى الحق يعرفه و يعرف به إن سئل عنه عند من يعرف منه القبول عليه هذه علامته و هو الذي يرى ربه بكل عقيدة و بكل عين و في كل صورة و ليس هذا إلا لصاحب هذا المقام فإذا ادعاه أحد و وقع أمر في العالم يقع فيه الإنكار و لا يكون عند مدعي هذا المقام له مخرج لحق جملة واحدة فدعواه في هذا المقام محال فإن صاحب هذا المقام يعلم أين وجه الحق في ذلك الأمر الذي صحبه النكر و أكثر ما يكون ذلك في العقائد و الأمور الشرعية و ما عدا هذين الموضعين فإنه يسهل وجود الحق فيما يقع فيه الإنكار العرضي و لا يلزم من إظهار حق ذلك الأمر أن يكون لسان الحمد يجري عليه ليس ذلك المطلوب بل هو مذموم مثلا مع كونه حقا فما كل حق محمود شرعا و لا عقلا و إنما المراد بالتحقيق علم ما يستحقه كل أمر عدما كان أو وجودا حتى الباطل يعطيه حقه و لا يتعدى به محله و من كان هذا نعته فهو الإمام المبين و هو مجلى العالمين وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
(و في هذا الباب قلت أخاطب نفسي)
فاعلم أيدك الله أن من التحقيق أن تعطي المغالطة في موضعها حقها فإن لها في كتاب الله موضعا و هو قوله في أعمال الكفار كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً و الحق هو الذي أعطاه في عين هذا الرائي صورة الماء و هو ليس بالماء الذي يطلبه هذا الظمآن فتجلى له في عين حاجته حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً فنكر و ما قال لم يجده الماء فإن السراب لم يكن ذلك المحل الذي جاء إليه محل السراب و لو كان لقال وجد السراب و ما كان سرابا إلا في عين الرائي طالب الماء فرجع هذا الرائي لنفسه لما لم يجد مطلوبه في تلك البقعة فوجد الله عنده فلجأ إليه في إغاثته بالماء أو بالمزيل لذلك الظماء القائم به فبأي أمر أزاله فهو المعبر عنه بالماء فلما نفى عنه اسم الشيء جعل الوجود له سبحانه لأنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فما هو شيء بل هو وجود فانظر ما أدق هذا التحقيق فهذا كنار موسى فتجلى له في عين حاجته فلم تكن نارا كما قلنا
كنار موسى يراها عين حاجته و هو الإله و لكن ليس يدريه