قال الله تعالى وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ و أوحى إليه تعالى أن الله لم يبعثك سبابا و لا لعانا و إنما بعثك رحمة و قال تعالى في عبده خضر آتَيْناهُ رَحْمَةً من عِنْدِنا فقدم الرحمة على العلم و هي الرحمة التي في الجبلة ثم قال وَ عَلَّمْناهُ من لَدُنَّا عِلْماً فأعطاه هذا العلم من أجل قوله لَدُنَّا الرحمة المبطونة في المكروه و بهذه الرحمة قتل الغلام و خرق السفينة و بالرحمة الأولى أقام الجدار فلا يفرق بين هاتين الرحمتين إلا صاحب هذا الذكر فإن الرحمة هي التي تذكره ما هو يذكرها فتعطيه بذكره حقيقة ما فيها لأنها تطلب منه التعشق بها فإنه لا ظهور لها إلا به فهي حريصة على مثل هذا و اعلم أن هذا الذكر تعريف إلهي بوجوب حكم الرحمة فيمن تذكره من عباده سبحانه و تعالى و جاء زكريا لا لخصوص الذكر و إنما ساقته عناية العبد فإنها ما ذكرته إلا لكونه عبدا له تعالى في جميع أحواله فأي شخص أقامه الله في هذا المقام فبرحمته به أقامه لتذكره رحمة ربه عنده تعالى فحال عبوديته هو عين رحمته الربانية التي ذكرته فأعلمت ربها أنها عند هذا العبد فأي شيء صدر من هذا الشخص فهو مقبول عند الله تعالى و من هذا المقام يحصل له من الله ما يختص به مما لا يكون لغيره و هو الأمر الذي يمتاز به و يخصه فإنه لا بد لكل مقرب عند الله من أمر يختص به و قد أشار الشرع في التعريف بهذا فقال إنه ما من أحد من المؤمنين إلا و لا بد أن يناجي ربه وحده ليس بينه و بينه ترجمانفيضع كنفه عليه و هو عموم رحمته به فذلك محل تحصيل ما يختص به كانت القيامة لهذا العبد حيث كانت لأنه من عباد الله من تعجل له قيامته فيرى ما يؤول إليه أمره في الدار الآخرة و هي البشرى التي للمؤمن في الحياة الدنيا و قد رأيناها ذوقا و كان لنا فيها مواقف منها في ليلة واحدة مائة موقف بأخذ و رجوع لو قسمت تلك الليلة على قدر الوقوف ما وسعته و ذلك بمدينة فاس سنة ثلاث و تسعين و خمسمائة أشاهد في كل موقف من اتساع الرحمة ما لا يمكنني النطق به و كان ذلك لاتساع ذكر الرحمة فكيف بذكر الرحمن إذا حصل للعبد و لا يحصل إلا للعبد الجاني و أما غير الجاني فهو عين رحمة الله في خلقه به يرحم الله الخلق كافرهم و مؤمنهم و مشركهم و موحدهم و به يرزق عباده في الدنيا و به يقع النصر و ينزل المطر و تخصب الأرض و تكثر الرسل و يعظم الخير و هو المعصوم بالشهود في عين الجنايات فيظهر عليها بحكم القضاء و القدر الحاكم في الطرفين خلق و حق إن فهمت فلا يظهر فيك و لا منك إلا عينك و لا يحكم بعلمه فيك إلا ما أعطيته من العلم بك و هنا زلت الاقدام و نكصت على أعقابها الأفهام و تحكم على الأحلام سلطان الأوهام و للأوهام الحكم الغالب التام و الدوام و الله ما يوجد إلا عند ظن للعبد به فليظن به خيرا و الظن من بعض وزعة الوهم و هو الذي يعطي العذاب المعجل و النعيم المعجل فظن خيرا تلقه و بعض الظن إثم فو الله لو لا الظن ما عصى الله مخلوق أبدا و لا بد من العصيان و هو حكم الله في الفعل أو الترك فلا بد من الظن فمن رحمة الله بخلقه أن خلق الظن فيهم و جعله من بعض وزعة الوهم و لا يتمكن تحصيل العلم لأحد في أمر أصلا من حيث ما يحكم به على المشهود لا من حيث الشهود فإنك لا تقدر على زوال ما شهدت و هكذا جميع تعلق باقي القوي و لكن بقي الحكم على ما تعطيه هل يحصل به العلم أو الظن فعند صاحب هذا المقام لا يحصل إلا بالظن خاصة و أما غيره فيجعل ذلك علما لعدم ذوقه لهذه الحال ففرق بين ما تعطيه القوة و بين ما يحكم به على ذلك المعطى بها هل يحكم بالظن أو بالعلم فالأمر في نفسه شبهة في عين الدليل و إن لم يكن الأمر هكذا لم يتميز رب من عبد و لا حق من خلق إن فهمت فهذا بعض ما ينتجه لك هذا الذكر وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
(الباب الثالث عشر و خمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله كهيعص ذِكْرُ رَ
إذا ذكرتني رحمة الرب لم أزلأقول له يا رب رب محمد
لأن لها التأكيد أن كان ربهفاعلو بهذا الذكر في كل مشهد
فأرسله الرحمن للخلق رحمةعلى كل حال بين هاد و مهتدي