قال الله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ و قال إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ فوصفهم بأنهم لا يخرجون عن العبودية و أن الذلة حقيقتهم و هو قوله داخِرِينَ فمن لم يرد أن يكون عبدا لي كما هو في نفس الأمر فإنه سيكون عبد الطبيعة التي هي جهنم و يذل تحت سلطانها كما هو ليس هو في نفس الأمر فترك العلم و اتصف بالجهل فلو علم لكان عبدا لي و ما دعا غيري كما هو في نفس الأمر عبد لي أحب أم كره و جهل أو علم و إذا كان عبدا لي بدعائه إياي و لم يتكبر في نفسه أن يكون عبد إلى عند نفسه أعطيته التصريف في الطبيعة فكان سيدا لها و عليها و مصرفا لها و متصرفا فيها و كانت أمته فانظر ما فاته من العز و السلطان من استكبر عن عبادتي و لم يدعني في السراء و كشف الضر تعبدته الأسباب فكان من الجاهلين و مما يؤيد أن الحق عين قوى العبد فالتصريف له لأن العبد لا تصرفه إلا قواه و لا يصرفه إلا الحق فقواه عين الحق دليلنا ما قالته الرسل سلام الله عليهم في ذلكفأخبر محمد ص عن الله أنه قال كنت سمعه و بصره و يدهيعني العبد إذا تقرب إليه بالنوافل حتى يحبه و ذكر قواه التي تصرفه و نزل في القرآن تصديق هذا القول و هو قوله وَ الله خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ و العمل ليس لجسم الإنسان بما هو جسم و إنما العمل فيه لقواه و قد أخبر أن العمل الذي يظهر من الإنسان المضاف إليه أنه لله خلق فالحق قواه و أما موسى فأخذ العالم في ماهية الحق لما دعا فرعون إلى الله رب العالمين فقال له فرعون وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ يسأله عن الماهية فقال له موسى ع رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ يقول إن استقر في قلوبكم ما يعطيه الدليل و النظر الصحيح من الدال فأخذ موسى ع العالم في التعريف بماهية الحق و الرسل عندنا أعلم الخلق بالله فقال فرعون و قد علم إن الحق مع موسى فيما أجابه به إلا أنه أوهم الحاضرين و استخفهم لأن السؤال منه إنما وقع بما طابقه الحق و هو قوله وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ فما سأله إلا بذكر العالمين فطابق الجواب السؤال فقال فرعون لقومه أَ لا تَسْتَمِعُونَ أسأله عن الماهية فيجيبني بالأمور الإضافية فغالطهم و هو ما سأل إلا عن الرب المضاف فقال له موسى رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ فخصص الإضافة لدعوى فرعون في قومه إنه ربهم الأعلى فقال فرعون إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ أي قد ستر عنه عقله لأن العاقل لا يسأل عن ماهية شيء فيجيب بمثل هذا الجواب فقال له موسى لقرينة حال اقتضاها المجلس ما قال إبراهيم ع لنمرود رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ ما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ و لو لم يقل هناو ما بينهما لجاز لأنه ليس بينهما شيء و ذلك لأن عين حال الشروق في ذلك الحيز هو عين استوائها هو عين غروبها فكل حركة واحدة منها في حيز واحد شروق و استواء و غروب فما ثم ما ينبغي أن يقال ما بينهما لكنه قال و ما بينهما لغموضه على الحاضرين فإنهم لا يعرفون ما فصلناه في إجمال و ما بينهما فجاء بالمشرق و المغرب المعروف في العرف ثم قال لهم إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ فأحالهم على النظر العقلي فما عرف الحق إلا بنا و لا وجد الخلق إلا به
فمنه إلينا و منا إليه فيثني علينا و نثني عليه
و كذا ذكر إبراهيم ع الذي ذكر الله عنه أنه آتاه الحجة على قومه وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فما ذكره إلا بالعالم فالعالم ظاهره خلق و باطنه حق و من حكم باطنه يتصرف و ما يؤثر في باطنه التصرف إلا تصرف في ظاهر من باطن فما تصرف في باطنه الذي هو الحق إلا الحق لا غير فتصريفه حكم عليه بالتصريف فالصورة الظاهرة مماثلة للصورة الباطنة حتى إن بعض المتكلمين ذهب في كتابة القرآن و في تلاوته المحدثة أن لكل حرف يكتبه الكاتب من القرآن أو يتلوه التالي من القرآن في ذلك الحرف المنطوق به الحادث أو المكتوب حرف مثله هو قديم و أضطره إلى ذلك كون الحادث لا يستقل في وجوده فلا بد من استصحاب القديم له و هذا مذهب رئيس من رؤساء المعتزلة ثم إن هذا القديم إن لم يكن على صورة ما خرج عنه و ظهر و هو الحادث و إلا فليس هو له و لذلك كان العالم على صورة الحق و كان الإنسان الكامل على صورة العالم و صورة الحق و هو قوله إن الله خلق آدم على صورتهفليس في الإمكان أبدع و لا أكمل من هذا العالم إذ لو كان لكان في الإمكان ما هو أكمل من الله فإن آدم و هو من العالم قد خلقه الله على صورته و أكمل من صورة الحق فلا يكون و ذلك أن ظهور العالم عن الحق ظهور ذاتي فالحق مرآة للعالم ظهر فيها صور العالم فرأت الممكنات نفسها في مرآة الحق الوجود فتوقفت في الوجود عليه و توقف في العلم به على العلم بها
فإذا كان الأمر كما ذكرناه فمن أنصف نفسه و أعطاها حقها فإنما أنصف الحق و أعطاه حقه لأنه أفرد نفسه بما يستحقه و أفرد ربه بما يستحقه و من تميز عن شيء فما هو عينه و لا مثله فيما تتميز به عنه لكنه مثله في كونه تميز فافهم وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ و اجعل بالك في كل منظوم في أول كل باب من أبواب هذا الكتاب فإنه يتضمن من علوم ذلك الباب على قدر ما أردت أن أنبه فيه عليها تجد في النظم ما ليس في الكلام في ذلك الباب فتزيد علما بما هو عليه ما ذكرته في النظم وَ عَلَى الله قَصْدُ السَّبِيلِ