اعلم أيدنا الله و إياك بروح القدس أنه من صادف العلم في ظنه أنه موصوف بالعلم عند نفسه و إن كان نعته العلم في نفس الأمر و لهذا قال رسول الله ص للرجل الذي وقع له إنها الفاتحة ليهنك العلم يعني في نفس الأمر ثم يقول النبي ص له ليهنك العلمفيما ذكر في واقعته حصل له العلم في نفسه كما هو في نفس الأمر لا بد من ذلكفاعلم إن الغيب على قسمين غيب لا يعلم أبدا و ليس إلا هوية الحق و نسبته إلينا و أما نسبتنا إليه فدون ذلك فهذا غيب لا يمكن و لا يعلم أبدا و القسم الآخر غيب إضافي فما هو مشهود لأحد قد يكون غيبا لآخر فما في الوجود غيب أصلا لا يشهده أحد و أدقه أن يشهد الموجود نفسه الذي هو غيب عن كل أحد سوى نفسه فما ثم غيب إلا و هو مشهود في حال غيبته عمن ليس بمشاهد له فإذا ارتضى الله من ارتضاه لعلم ذلك أطلعه عليه علما لا ظنا و لا تخمينا فلا يعلم إلا بإعلام الله أو بإعلام من أعلمه الله عند من يعتقد فيه إن الله أعلمه و ما عدا هذا فلا علم له بغيب أصلا و إنما اختص بهذا الإعلام مسمى الرسول لأنه ما أعلمه بذلك الغيب اقتصارا عليه و إنما أعلمه ليعلمه فتحصل له درجة الفضيلة على من أعلمه به لتعلم مكانته عند ربه فلهذا سماه رسولا و هذا النوع من الغيب لا يكون إلا من الوجه الخاص لا يعلمه ملك و لا غيره إلا الرسول خاصة سواء كان الرسول ملكا أو غيره فإن الله نفى أن يظهر على غيبه أحدا و إنما قال بأن الذي ارتضاه لذلك يَسْلُكُ من بَيْنِ يَدَيْهِ وَ من خَلْفِهِ رَصَداً عصمة له من الشبه القادحة فيه فهو علم لا دخول للشبه فيه على صاحبه و هذا هو صاحب البصيرة الذي هو عَلىبَيِّنَةٍ من رَبِّهِ في علمه و له ذوق خاص يتميز به لا يشاركه فيه غيره إذ لو شاركه لما كان خاصا فإذا جاء الرسول به لمن يعلمه فذلك ليس عند هذا المتعلم من علم الغيب فإن الرسول قد أظهره الله عليه فما هو عند هذا من علم الغيب الذي لا يظهر الله عليه أحدا و إنما هو ما يحصل لأي عالم كان من الوجه الخاص و لكنه الآن ليس بواقع في الدنيا لكنه يقع فيالآخرة و سبب ذلك أن كل علم يحصل للإنسان في الدنيا من العلم بالله خاصة فإن محمدا ص قد علمه فإنه علم علم الأولين و الآخرين و أنت من الآخرين بلا شك و أما في غير العلم بالله فقد يعطاه الإنسان من الوجه الخاص فلا يعلم إلا منه فهو رسول في تعليمه إلى من يعلمه بذلك هذا أعطاه مقام محمد ص و ليست الفائدة إلا في العلم بالله تعالى فإنه العلم الذي به تحسن صورة العالم في نفسه فالعلم بالله من الرسول في المتعلم أعظم و أنفع من العلم الذي يحصل لك من الوجه الخاص إذا كان المعلوم كونا ما من الأكوان ليس الله فما الشرف للإنسان إلا في علمه بالله و أما علمه بسوى الله تعالى فعلالة يتعلل بها الإنسان المحجوب فإن المنصف ما له همة إلا العلم به تعالى فاجهد إن تكون ممن يأخذ العلم بالله عن رسول الله ص فتكون محمدي الشهود إذ قد قطعنا أنه لا علم بالله اليوم عينا يختص به أحد من خلق الله و قد أشارت عائشة رضي الله عنها إلى ذلك في تأويلها في حق رسول الله ص فقالت من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية فإن الله يقول لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ و هنا سر فابحث عليه و لا تقل قد حجرت واسعا فإني ما حجرت عليك إن لا تعلم و إنما حجرت عليك أنك لا تعلم مثل هذا من الحق إلا في صورة محمدية و قد بينا أن أعظم الرؤية رؤية محمدية في صورة محمدية و إليه ذهب الإمام أبو القاسم بن قسي رحمه الله في كتاب خلع النعلين له و هو روايتنا عن ابنه عنه بتونس سنة تسعين و خمسمائة و ما رأيت هذا النفس لغيره فنعينه فإنه ما وصل إلينا فيمكن إن يكون كما علمته أنا من الله تعالى إلقاء إلهيا من غير واسطة أعني ما علمه ابن قسي في ذلك يمكن أيضا أن يكون غير ابن قسي قبله أو بعده أو في زمانه قد أطلعه الله على ذلك و ما وصل إلينا و الله أعلم فلا شرف يعلو شرف العلم و لا حالة تسمو على حالة الفهم عن الله
«الباب الثاني و التسعون و أربعمائة في معرفة حال قطب كان منزله عالِمُ ا
لو بد الغيب لعين لم يكنذاك غيبا أنه قد شهدا
عالم الغيب فلا يظهرهلا و لا يظهر فيه أحدا
فجميع الكون مشهود لهما لديه غائب ما وجدا
إنما الغيب لنا ليس لهو لهذا في الوجود انفردا
و لذا قال لمن يشهدكنفاتخذه يا ولي سندا