قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب التاسع) في معرفة وجود الأرواح المارجية النارية

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
مرج النار و النبات فقامتصورة الجن برزخا بين شيئين‏
بين روح مجسم ذي مكانفي حضيض و بين روح بلا أين‏
فالذي قابل التجسم منهاطلب القوت للتغذي بلا مين‏
و الذي قابل الملائك منهاقبل القلب بالتشكل في العين‏
و لهذا يطيع وقتا و يعصيو يجازى مخالفوهم بنارين‏

قال الله تعالى وَ خَلَقَ الْجَانَّ من مارِجٍ من نارٍ و ورد في الحديث الصحيح أن الله خلق الملائكة من نور و خلق الله الجان من نار و خلق الإنسان مما قيل لكم‏ فأما قوله ع في خلق الإنسان مما قيل لكم و لم يقل مثل ما قال في خلق الملائكة و الجان طلبا للاختصار فإنه أوتي جوامع الكلم و هذا منها فإن الملائكة لم يختلف أصل خلقها و لا الجان و أما الإنسان اختلف خلقه على أربعة أنواع من الخلق فخلق آدم لا يشبه خلق حواء لا يشبه خلق سائر بنى آدم و خلق عيسى ع لا يشبه خلق من ذكرنا فقصد رسول الله صلى الله عليه و سلم الاختصار و أحال على ما وصل إلينا من تفصيل خلق الإنسان فآدم من طين و حواء من ضلع و عيسى من نفخ روح و بنو آدم من ماءٍ مَهِينٍ‏ و لما أنشأ الله الأركان الأربعة و علا الدخان إلى مقعر فلك الكواكب الثابتة و فتق في ذلك الدخان سبع سماوات ميز بعضها عن بعض وَ أَوْحى‏ في كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها بعد ما قدر في الأرض أقواتها و ذلك كله في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ثم قال للسماوات و الأرض ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً أي أجيبا إذا دعيتما لما يراد منكما مما أمنتما عليه أن تبرزاه ف قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فجعل سبحانه بين السماء و الأرض التحاما معنويا و توجها لما يريد سبحانه أن يوجده في هذه الأرض من المولدات من معدن و نبات و حيوان و جعل الأرض كالأهل و جعل السماء كالبعل و السماء تلقي إلى الأرض من الأمر الذي أوحى الله فيها كما يلقي الرجل الماء بالجماع في المرأة و تبرز الأرض عند الإلقاء ما خبأه الحق فيها من التكوينات على طبقاتها فكان من ذلك أن الهواء لما اشتعل و حمي اتقد مثل السراج و هو اشتعال النار ذلك اللهب الذي هو احتراق الهواء و هو المارج و إنما سمي ما رجا لأنه نار مختلط بهواء و هو الهواء المشتعل فإن المرج الاختلاط و منه سمي المرج مرجا لاختلاط النبات فيه فهو من عنصرين هواء و نار أعني الجان كما كان آدم من عنصرين ماء و تراب عجن به فحدث له اسم الطين كما حدث لامتزاج النار بالهواء اسم المارج ففتح سبحانه في ذلك المارج صورة الجان فبما فيه من الهواء يتشكل في أي صورة شاء و بما فيه من النار سخف و عظم لطفه و كان فيه طلب القهر و الاستكبار و العزة فإن النار أرفع الأركان مكانا و له سلطان على إحالة الأشياء التي تقتضيها الطبيعة و هو السبب الموجب لكونه استكبر عن السجود لآدم عند ما أمره الله عز و جل بتأويل أداه أن يقول أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ يعني بحكم الأصل الذي فضل الله به بين الأركان الأربعة و ما علم إن سلطان الماء الذي خلق منه آدم أقوى منه فإنه يذهبه و إن التراب أثبت منه للبرد و اليبس فلآدم القوة و الثبوت لغلبة الركنين اللذين‏أوجده الله منهما و إن كان فيه بقية الأركان و لكن ليس لها ذلك السلطان و هو الهواء و النار كما في الجان من بقية الأركان و لذا سمي ما رجا و لكن ليس لها في نشأته ذلك السلطان و أعطى آدم التواضع للطينية بالطبع فإن تكبر فلأمر يعرض له يقبله بما فيه من النارية كما يقبل اختلاف الصور في خياله و في أحواله من الهوائية و أعطى الجان التكبر بالطبع للنارية فإن تواضع فلأمر يعرض له يقبله بما فيه من الترابية كما يقبل الثبات على الإغواء إن كان شيطانا و الثبات على الطاعات إن لم يكن شيطانا و قد أخبر النبي صلى الله عليه و سلم لما تلا سورة الرحمن على أصحابه قال إني تلوتها على الجن فكانوا أحسن استماعا لها منكم فكانوا يقولون و لا بشي‏ء من آلاء ربنا نكذب إذ قلت فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ‏ ثابتين عليه ما تزلزلوا عند ما كان يقول لهم ع في تلاوته فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ و ذلك بما فيه من الترابية و بما فيه من المائية ذهبت بحمية النارية فمنهم الطائع و العاصي مثلنا و لهم التشكل في الصور كالملائكة و أخذ الله بأبصارنا عنهم فلا نراهم إلا إذا شاء الله أن يكشف لبعض عباده فيراهم و لما كانوا من عالم السخافة و اللطف قبلوا التشكيل فيما يريدونه من الصور الحسية فالصورة الأصلية التي ينسب إليها الروحاني إنما هي أول صورة قبل عند ما أوجده الله ثم تختلف عليه الصور بحسب ما يريد أن يدخل فيها و لو كشف الله عن أبصارنا حتى نرى ما تصوره القوة المصورة التي و كلها الله بالتصوير في خيال المتخيل منا لرأيت مع الأناة الإنسان في صور مختلفة لا يشبه بعضها بعضا و لما نفخ الروح في اللهب و هو كثير الاضطراب لسخافته و زاده النفخ اضطرابا و غلب الهواء عليه و عدم قراره على حالة واحدة ظهر عالم الجان على تلك الصورة و كما وقع التناسل في البشر بإلقاء الماء في الرحم فكانت الذرية و التوالد في هذا الصنف البشري الآدمي كذلك وقع التناسل في الجان بإلقاء الهواء في رحم الأنثى منهم فكانت الذرية و التوالد في صنف الجان و كان وجودهم بالقوس و هو ناري هكذا ذكر الوارد حفظه الله‏ فكان بين خلق الجان و خلق آدم ستون ألف سنة و كان ينبغي على ما يزعم بعض الناس أن ينقطع التوالد من الجان بعد انقضاء أربعة آلاف سنة و ينقضي التوالد من البشر بعد انقضاء سبعة آلاف سنة و لم يقع الأمر على ذلك بل الأمر راجع إلى ما يريده الله فالتوالد في الجن إلى اليوم باق و كذلك فينا فتحقق بهذا كم لآدم من السنين و كم بقي إلى انقضاء الدنيا و فناء البشر عن ظهرها و انقلابهم إلى الدار الآخرة و ليس هذا بمذهب الراسخين في العلم و إنما قال به شرذمة لا يعتد بقولها فالملائكة أرواح منفوخة في أنوار و الجان أرواح منفوخة في رياح و الأناسي أرواح منفوخة في أشباح و يقال إنه لم يفصل عن الموجود الأول من الجان أنثى كما فصلت حواء من آدم قال بعضهم إن الله خلق للموجود الأول من الجان فرجا في نفسه فنكح بعضه ببعضه فولد مثل ذرية آدم ذكرانا و إناثا ثم نكح بعضهم بعضا فكان خلقه خنثى و لذلك هم الجان من عالم البرزخ لهم شبه بالبشر و شبه بالملائكة كالخنثى يشبه الذكر و يشبه الأنثى و قد روينا فيما رويناه من الأخبار عن بعض أئمة الدين أنه رأى رجلا و معه ولدان و كان خنثى الواحد من ظهره و الآخر من بطنه نكح فولد له و نكح فولد و سمي خنثى من الانخناث و هو الاسترخاء و الرخاوة عدم القوة و الشدة فلم تقو فيه قوة الذكورية فيكون ذكرا و لم تقو فيه قوة الأنوثة فيكون أنثى فاسترخى عن هاتين القوتين فسمي خنثى و الله أعلم‏ و لما غلب على الجان عنصر الهواء و النار لذلك كان غذاؤهم ما يحمله الهواء مما في العظام من الدسم فإن الله جاعل لهم فيها رزقا فإنا نشاهد جوهر العظم و ما يحمله من اللحم لا ينتقص منه شي‏ء فعلمنا قطعا إن الله جاعل لهم فيها رزقا و لهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم في العظام إنها زاد إخوانكم من الجن و في حديث إن الله جاعل لهم فيها رزقاو أخبرني بعض المكاشفين أنه رأى الجن يأتون إلى العظم فيشمونه كما تشم السباع ثم يرجعون و قد أخذوا رزقهم و غذاؤهم في ذلك الشم فسبحان اللطيف الخبير و أما اجتماع بعضهم ببعض عند النكاح فالتواء مثل ما تبصر الدخان الخارج من الأتون أو من فرن الفخار يدخل بعضه في بعضه فيلتذ كل واحد من الشخصين بذلك التداخل و يكون ما يلقونه كلقاح النخلة بمجرد الرائحة كغذائهم سواء و هم قبائل و عشائر و قد ذكر أنهم محصورون في اثنتي عشرة قبيلة أصولا ثم يتفرعون إلى أفخاذ و تقع بينهم حروب عظيمة و بعض الزوابع قد يكون عين حربهم فإن الزوبعة تقابل ريحين تمنع كل واحدة صاحبتها أن تخترقها فيؤدي ذلك المنع إلى الدورالمشهود في الغبرة في الحس التي آثارها تقابل الريحين المتضادين فمثل ذلك يكون حربهم و ما كل زوبعة حربهم و حديث عمرو الجني حمد الله مشهورة مروية و قتله في الزوبعة التي أبصرت فانقشعت عنه و هو على الموت فما لبث إن مات و كان عبدا صالحا من الجان و لو كان هذا الكتاب مبناه على إيراد أخبار و حكايات لذكرنا منها طرفا و إنما هذا كتاب علم المعاني فلينظر حكاياتهم في تواريخ الأدب و أشعارهم‏ ثم نرجع و نقول و إن هذا العالم الروحاني إذا تشكل و ظهر في صورة حسية يقيده البصر بحيث لا يقدر أن يخرج عن تلك الصورة ما دام البصر ينظر إليه بالخاصية و لكن من الإنسان فإذا قيده و لم يبرح ناظرا إليه و ليس له موضع يتوارى فيه أظهر له هذا الروحاني صورة جعلها عليه كالستر ثم يخيل له مشي تلك الصورة إلى جهة مخصوصة فيتبعها بصره فإذا اتبعها بصره خرج الروحاني عن تقييده فغاب عنه و بمغيبه تزول تلك الصورة عن نظر الناظر الذي اتبعها بصره فإنها للروحاني كالنور مع السراج المنتشر في الزوايا نوره فإذا غاب جسم السراج فقد ذلك النور فهكذا هذه الصورة فمن يعرف هذا و يحب تقييده لا يتبع الصورة بصره و هذا من الأسرار الإلهية التي لا تعرف إلا بتعريف الله و ليست الصورة غير عين الروحاني بل هي عينه و لو كانت في ألف مكان أو في كل مكان و مختلفة الأشكال و إذا اتفق قتل صورة من تلك الصور و ماتت في ظاهر الأمر انتقل ذلك الروحاني من الحياة الدنيا إلى البرزخ كما ننتقل نحن بالموت و لا يبقى له في عالم الدنيا حديث مثلنا سواء و تسمى تلك الصور المحسوسة التي تظهر فيها الروحانيات أجسادا و هو قوله تعالى وَ أَلْقَيْنا عَلى‏ كُرْسِيِّهِ جَسَداً و قوله وَ ما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ و الفرق بين الجان و الملائكة و إن اشتركوا في الروحانية أن الجان غذاؤهم ما تحمله الأجسام الطبيعية من المطاعم و الملائكة ليست كذلك و لهذا ذكر الله في قصة ضيف إبراهيم الخليل فَلَمَّا رَأى‏ أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ يعني إلى العجل الحنيذ أي لا يأكلون منه و خاف‏ و حين جاء وقت إنشاء عالم الجان توجه من الأمناء الذين في الفلك الأول من الملائكة ثلاثة ثم أخذوا من نوابهم من السماء الثانية ما يحتاجون إليه منهم في هذا النش‏ء ثم نزلوا إلى السموات فأخذوا من النواب اثنين من السماء الثانية و السادسة من هناك و نزلوا إلى الأركان فهيئوا المحل و اتبعتهم ثلاثة أخر من الأمناء و أخذوا من الثانية ما يحتاجون إليه من نوابهم ثم نزلوا إلى السماء الثالثة و الخامسة من هناك فأخذوا ملكين و مروا بالسماء السادسة فأخذوا نائبا آخر من الملائكة و نزلوا إلى الأركان ليكملوا التسوية فنزلت الستة الباقية و أخذت ما بقي من النواب في السماء الثانية و في السموات فاجتمع الكل على تسوية هذه النشأة بإذن العليم الحكيم فلما تمت نشأته و استقامت بنيته توجه الروح من عالم الأمر فنفخ في تلك الصورة روحا سرت فيه بوجودها الحياة فقام ناطقا بالحمد و الثناء لمن أوجده جبلة جبل عليها و في نفسه عزة و عظمة لا يعرف سببها و لا على من يعتز بها إذ لم يكن ثم مخلوق آخر من عالم الطبائع سواه فبقي عابدا لربه مصرا على عزته متواضعا لربوبية موجدة بما يعرض له مما هو عليه في نشأته إلى أن خلق آدم فلما رأى الجان صورته غلب على واحد منهم اسمه الحارث بغض تلك النشأة و تجهم وجهه لرؤية تلك الصورة الآدمية و ظهر ذلك منه لجنسه فعتبوه لذلك لما رأوه عليه من الغم و الحزن لها فلما كان من أمر آدم ما كان أظهر الحارث ما كان يجد في نفسه منه و أَبى‏ عن امتثال أمر خالقه بالسجود لآدم وَ اسْتَكْبَرَ على آدم بنشأته و افتخر بأصله و غاب عنه سر قوة الماء الذي جعل الله منه كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ و منه كانت حياة الجان و هم لا يشعرون‏ و تأمل إن كنت من أهل الفهم قوله تعالى وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ فحيي العرش و ما حوى عليه من المخلوقات وَ إِنْ من شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ فجاء بالنكرة و لا يسبح إلا حي‏ ورد في الحديث الحسن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أن الملائكة قالت يا رب في حديث طويل هل خلقت شيئا أشد من النار قال نعم الماء فجعل الماء أقوى من النار فلو كان عنصر الهواء في نشأة الجان غير مشتعل بالنار لكان الجان أقوى من بنى آدم فإن الهواء أقوى من الماء فإن الملائكة قالت في هذا الحديث يا رب فهل خلقت شيئا أشد من الماء قال نعم الهواء ثم قالت يا رب فهل خلقت شيئا أشد من الهواء قال نعم ابن آدم‏ الحديث فجعل النشأة الإنسانية أقوى من الهواء و جعل الماء أقوى من النار و هو العنصر الأعظم في الإنسان كما إن النار العنصر الأعظم في الجان و لهذا قال في الشيطان إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً فلم ينسب إليه من القوة شيئا و لم يرد على العزيز في قوله‏إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ و لا أكذبه مع ضعف عقل المرأة عن عقل الرجل فإن النساء ناقصات عقل فما ظنك بقوة الرجل و سبب ذلك أن النشأة الإنسانية تعطي التؤدة في الأمور و الأناة و الفكر و التدبير لغلبة العنصرين الماء و التراب على مزاجه فيكون وافر العقل لأن التراب يثبطه و يمسكه و الماء يلينه و يسهله و الجان ليس كذلك فإنه ليس لعقله ما يمسكه عليه ذلك الإمساك الذي للإنسان و لهذا يقال فلان خفيف العقل و سخيف العقل إذا كان ضعيف الرأي هلباجة و هذا هو نعت الجان و به ضل عن طريق الهدى لخفة عقله و عدم تثبته في نظره فقال أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ فجمع بين الجهل و سوء الأدب لخفته‏ فمن عصى من الجان كان شيطانا أي مبعودا من رحمة الله و كان أول من سمي شيطانا من الجن الحارث فأبلسه الله أي طرده من رحمته و طرد الرحمة عنه و منه تفرعت الشياطين بأجمعها فمن آمن منهم مثل هامة بن إلهام بن لاقيس بن إبليس التحق بالمؤمنين من الجن و من بقي على كفره كان شيطانا و هي مسألة خلاف بين علماء الشريعة فقال بعضهم إن الشيطان لا يسلم أبدا و تأول‏ قوله ع في شيطانه و هو القرين الموكل به إن الله أعانه عليه فأسلم‏ روى برفع الميم و فتحها أيضا فتأول هذا القائل الرفع بأنه قال فأسلم منه أي ليس له على سبيل و هكذا تأوله المخالف و تأول الفتح فيه على الانقياد قال فمعناه انقاد مع كونه عدوا فهو بعينه لا يأمرني إلا بخير جبرا من الله و عصمة لرسول الله صلى الله عليه و سلم و قال المخالف معنى فأسلم بالفتح أي آمن بالله كما يسلم الكافر عندنا فيرجع مؤمنا و هو الأولى و الأوجه‏ و أكثر الناس يزعمون أنه أول الجن بمنزلة آدم من الناس و ليس كذلك عندنا بل هو واحد من الجن و إن الأول فيهم بمنزلة آدم في البشر إنما هو غيره و لذلك قال الله تعالى إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ من الْجِنِّ أي من هذا الصنف من المخلوقين كما كان قابيل من البشر و كتبه الله شقيا فهو أول الأشقياء من البشر و إبليس أول الأشقياء من الجن و عذاب الشياطين من الجن في جهنم أكثر ما يكون بالزمهرير لا بالحرور و قد يعذب بالنار و بنو آدم أكثر عذابهم بالنار و وقفت يوما على مخبول العقل من الأولياء و عيناه تدمعان و هو يقول للناس لا تقفوا مع قوله تعالى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ لإبليس فقط بل انظروا في إشارته سبحانه لكم بقوله لإبليس جَهَنَّمَ مِنْكَ فإنه مخلوق من النار فيعود لعنه الله إلى أصله و إن عذب به فعذاب الفخار بالنار أشد فتحفظوا فما نظر هذا الولي من ذكر جهنم إلا النار خاصة و غفل عن إن جهنم اسم لحرورها و زمهريرها و بجملتها سميت جهنم لأنها كريهة المنظر و الجهام السحاب الذي قد هرق ماءه و الغيث رحمة الله فلما أزال الله الغيث من السحاب بإنزاله أطلق عليه اسم الجهام لزوال الرحمة الذي هو الغيث منه كذلك الرحمة أزالها الله من جهنم فكانت كريهة المنظر و المخبر و سميت أيضا جهنم لبعد قعرها يقال ركية جهنام إذا كانت بعيدة القعر نسأل الله العظيم لنا و للمؤمنين الأمن منها و يكفي هذا القدر من هذا الباب‏