في معرفة دورة الملك و أول منفصل فيها عن أول موجود و آخر منفصل فيها عن آخر منفصل عنه و بما ذا عمر الموضع المنفصل عنه منهما و تمهيد الله هذه المملكة حتى جاء مليكها و ما مرتبة العالم الذي بين عيسى و محمد عليهما السلام و هو زمان الفترة
اعلم أيدك الله أنه ورد في الخبر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال أنا سيد ولد آدم و لا فخر بالراء و في رواية بالزاي و هو التبجح بالباطل و في صحيح مسلم أنا سيد الناس يوم القيامة فثبتت له السيادة و الشرف على أبناء جنسه من البشر و قال ع كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين يريد على علم بذلك فأخبره الله تعالى بمرتبته و هو روح قبل إيجاده الأجسامالإنسانية كما أخذ الميثاق على بنى آدم قبل إيجاده أجسامهم و ألحقنا الله تعالى بأنبيائه بأن جعلنا شهداء على أممهم معهم حين يبعث من كل أمة شَهِيداً عَلَيْهِمْ من أَنْفُسِهِمْ و هم الرسل فكانت الأنبياء في العالم نوابه صلى الله عليه و سلم من آدم إلى آخر الرسل عليهم السلام و قد أبان صلى الله عليه و سلم عن هذا المقام بأمور منها قوله صلى الله عليه و سلم و الله لو كان موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعني و قوله في نزول عيسى بن مريم في آخر الزمان إنه يؤمنا أي يحكم فينا بسنة نبينا ع و يكسر الصليب و يقتل الخنزير و لو كان محمد صلى الله عليه و سلم قد بعث في زمان آدم لكانت الأنبياء و جميع الناس تحت حكم شريعته إلى يوم القيامة حسا و لهذا لم ببعث عامة إلا هو خاصة فهو الملك و السيد و كل رسول سواه فبعث إلى قوم مخصوصين فلم تعم رسالة أحد من الرسل سوى رسالته صلى الله عليه و سلم فمن زمان آدم ع إلى زمان بعث محمد صلى الله عليه و سلم إلى يوم القيامة ملكه و تقدمه في الآخرة على جميع الرسل و سيادته فمنصوص على ذلك في الصحيح عنه فروحانيته صلى الله عليه و سلم موجودة و روحانية كل نبي و رسول فكان الإمداد يأتي إليهم من تلك الروح الطاهرة بما يظهرون به من الشرائع و العلوم في زمان وجودهم رسلا و تشريعه الشرائع كعلي و معاذ و غيرهما في زمان وجودهم و وجوده صلى الله عليه و سلم و كإلياس و خضر عليهما السلام و عيسى ع في زمان ظهوره في آخر الزمان حاكما بشرع محمد صلى الله عليه و سلم في أمته المقرر في الظاهر لكن لما لم يتقدم في عالم الحس وجود عينه صلى الله عليه و سلم أولا نسب كل شرع إلى من بعث به و هو في الحقيقة شرع محمد صلى الله عليه و سلم و إن كان مفقود العين من حيث لا يعلم ذلك كما هو مفقود العين الآن و في زمان نزول عيسى ع و الحكم بشرعه و أما نسخ الله بشرعه جميع الشرائع فلا يخرج هذا النسخ ما تقدم من الشرائع أن يكون من شرعه فإن الله قد أشهدنا في شرعه الظاهر المنزل به صلى الله عليه و سلم في القرآن و السنة النسخ مع إجماعنا و اتفاقنا على إن ذلك المنسوخ شرعه الذي بعث به إلينا فنسخ بالمتأخر المتقدم فكان تنبيها لنا هذا النسخ الموجود في القرآن و السنة على إن نسخه لجميع الشرائع المتقدمة لا يخرجها عن كونها شرعا له و كان نزول عيسى ع في آخر الزمان حاكما بغير شرعه أو بعضه الذي كان عليه في زمان رسالته و حكمه بالشرع المحمدي المقرر اليوم دليلا على أنه لا حكم لأحد اليوم من الأنبياء عليهم السلام مع وجود ما قرره صلى الله عليه و سلم في شرعه و يدخل في ذلك ما هم عليه أهل الذمة من أهل الكتاب ما داموا يعطون الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ فإن حكم الشرع على الأحوال فخرج من هذا المجموع كله أنه ملك و سيد على جميع بنى آدم و أن جميع من تقدمه كان ملكا له و تبعا و الحاكمون فيه نواب عنه فإن قيل فقوله صلى الله عليه و سلم لا تفضلوني فالجواب نحن ما فضلناه بل الله فضله فإن ذلك ليس لنا و إن كان قد ورد أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ لما ذكر الأنبياء عليهم السلام فهو صحيح فإنه قال فَبِهُداهُمُ و هداهم من الله و هو شرعه صلى الله عليه و سلم أي ألزم شرعك الذي ظهر به نوابك من إقامة الدين وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ فلم يقل فبهم اقتده و في قوله وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ تنبيه على أحدية الشرائع و قوله اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ و هو الدين فهو مأمور باتباع الدين فإن الدين إنما هو من الله لا من غيره و انظروا في قوله ع لو كان موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعني فأضاف الاتباع إليه و أمر هو صلى الله عليه و سلم باتباع الدين و هدى الأنبياء لا بهم فإن الإمام الأعظم إذا حضر لا يبقى لنائب من نوابه حكم الإله فإذا غاب حكم النواب بمراسمه فهو الحاكم غيبا و شهادة و ما أوردنا هذه الأخبار و التنبيهات إلا تأنيسا لمن لا يعرف هذه المرتبة من كشفه و لا أطلعه الله على ذلك من نفسه و أما أهل الله فهم على ما نحن عليه فيه قد قامت لهم شواهد التحقيق على ذلك من عند ربهم في نفوسهم و إن كان يتصور على جميع ما أوردناه في ذلك احتمالات كثيرة فذلك راجع إلى ما تعطيه الألفاظ من القوة في أصل وضعها لا ما هو عليه الأمر في نفسه عند أهل الأذواق الذين يأخذون العلم عن الله كالخضر و أمثاله فإن الإنسان ينطق بالكلام يريد به معنى واحدا مثلا من المعاني التي يتضمنها ذلك الكلام فإذا فسر بغير مقصود المتكلم من تلك المعاني فإنما فسر المفسر بعض ما تعطيه قوة اللفظ و إن كان لم يصب مقصود المتكلم أ لا ترى الصحابة كيف شق عليهم قوله تعالى الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ فأتى به نكرة فقالوا و أينا لم يلبس إيمانه بظلم فهؤلاء الصحابة و هم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم ما عرفوامقصود الحق من الآية و الذي نظروه سائغ في الكلمة غير منكور فقال لهم النبي صلى الله عليه و سلم ليس الأمر كما ظننتم و إنما أراد الله بالظلم هنا ما قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَ هُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ فقوة الكلمة تعم كل ظلم و قصد المتكلم إنما هو ظلم معين مخصوص فكذلك ما أوردناه من الأخبار في أن بنى آدم سوقة و ملك لهذا السيد محمد صلى الله عليه و سلم هو المقصود من طريق الكشف كما كان الظلم هناك المقصود من المتكلم به الشرك خاصة و لذلك تتقوى التفاسير في الكلام بقرائن الأحوال فإنها المميزة للمعاني المقصودة للمتكلم فكيف من عنده الكشف الإلهي و العلم اللدني الرباني فينبغي للعاقل المنصف أن يسلم لهؤلاء القوم ما يخبرون به فإن صدقوا في ذلك فذلك الظن بهم و أنصفوا بالتسليم حيث لم يرد المسلم ما هو حق في نفس الأمر و إن لم يصدقوا لم يضر المسلم بل انتفعوا حيث تركوا الخوض فيما ليس لهم به قطع و ردوا علم ذلك إلى الله تعالى فوفوا الربوبية حقها إذ كان ما قاله أولياء الله ممكنا فالتسليم أولى بكل وجه و هذا الذي نزعنا إليه من دورة الملك قال به غيرنا كالإمام أبي القاسم بن قسي في خلعه و هو روايتنا عن ابنه عنه و هو من سادات القوم و كان شيخه الذي كشف له على يديه من أكبر شيوخ المغرب يقال له ابن خليل من أهل لبلة فنحن ما نعتمد في كل ما نذكره إلا على ما يلقي الله عندنا من ذلك لا على ما تحتمله الألفاظ من الوجوه و قد تكون جميع المحتملات في بعض الكلام مقصودة للمتكلم فنقول بها كلها فدورة الملك عبارة عما مهد الله من آدم إلى زمان محمد صلى الله عليه و سلم من الترتيبات في هذه النشأة الإنسانية بما ظهر من الأحكام الإلهية فيها فكانوا خلفاء الخليفة السيد فأول موجود ظهر من الأجسام الإنسانية كان آدم ع و هو الأب الأول من هذا الجنس و سائر الآباء من الأجناس يأتي بعد هذا الباب إن شاء الله و هو أول من ظهر بحكم الله من هذا الجنس و لكن كما قررناه ثم فصل عنه أبا ثانيا لنا سماه أما فصح لهذا الأب الأول الدرجة عليها لكونه أصلا لها فختم النواب من دورة الملك بمثل ما به بدأ لينبه على إن الفضل بيد الله و أن ذلك الأمر ما اقتضاه الأب الأول لذاته فأوجد عيسى عن مريم فتنزلت مريم منزلة آدم و تنزل عيسى منزلة حواء فكما وجدت أنثى من ذكر وجد ذكر من أنثى فختم بمثل ما به بدأ في إيجاد ابن من غير أب كما كانت حواء من غير أم فكان عيسى و حواء إخوان و كان آدم و مريم أبوان لهما إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ الله كَمَثَلِ آدَمَ فأوقع التشبيه في عدم الأبوة الذكرانية من أجل أنه نصبه دليلا لعيسى في براءة أمه و لم يوقع التشبيه بحواء و إن كان الأمر عليه لكون المرأة محل التهمة لوجود الحمل إذ كانت محلا موضوعا للولادة و ليس الرجل بمحل لذلك و المقصود من الأدلة ارتفاع الشكوك و في حواء من آدم لا يقع الالتباس لكون آدم ليس محلا لما صدر عنه من الولادة و هذا لا يكون دليلا إلا عند من ثبت عنده وجود آدم و تكوينه و التكوين منه و كما لا يعهد ابن من غير أب كذلك لا يعهد من غير أم فالمثل من طريق المعنى أن عيسى كحواء و لكن لما كان الدخل بتطرق في ذلك من المنكر لكون الأنثى كما قلنا محلا لما صدر عنها و لذلك كانت التهمة كان التشبيه بآدم لحصول براءة مريم مما يمكن في العادة فظهور عيسى بن مريم من غير أب كظهور حواء من آدم من غير أم و هو الأب الثاني و لما انفصلت حواء من آدم عمر موضعها منه بالشهوة النكاحية إليها التي وقع بها الغشيان لظهور التناسل و التوالد و كان الهواء الخارج الذي عمر موضعه جسم حواء عند خروجها إذ لا خلاء في العالم فطلب ذلك الجزء الهوائي موضعه الذي أخذته حواء بشخصيتها فحرك آدم لطلب موضعه فوجده معمورا بحواء فوقع عليها فلما تغشاها حملت منه فجاءت بالذرية فبقي ذلك سنة جارية في الحيوان من بنى آدم و غيره بالطبع لكن الإنسان هو الكلمة الجامعة و نسخة العالم فكل ما في العالم جزء منه و ليس الإنسان بجزء لواحد من العالم و كان سبب هذا الفصل و إيجاد هذا المنفصل الأول طلب الأنس بالمشاكل في الجنس الذي هو النوع الأخص و ليكون في عالم الأجسام بهذا الالتحام الطبيعي الإنساني الكامل بالصورة الذي أراده الله ما يشبه القلم الأعلى و اللوح المحفوظ الذي يعبر عنه بالعقل الأول و النفس الكل و إذا قلت القلم الأعلى فتفطن للاشارة التي تتضمن الكاتب و قصد الكتابة فيقوم معك معنى قول الشارع إن الله خلق آدم على صورته ثم عبارة الشارع في الكتاب العزيز في إيجاد الأشياء عن كُنْ فأتى بحرفين اللذين هما بمنزلة المقدمتين و ما يكون عند كن بالنتيجة و هذان الحرفان هما الظاهران و الثالث الذي هوالرابط بين المقدمتين خفي في كن و هو الواو المحذوف لالتقاء الساكنين كذلك إذا التقى الرجل و المرأة لم يبق للقلم عين ظاهرة فكان القاؤه النطفة في الرحم غيبا لأنه سر و لهذا عبر عن النكاح بالسر في اللسان قال تعالى وَ لكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا و كذلك عند الإلقاء يسكنان عن الحركة و يمكن إخفاء القلم كما خفي الحرف الثالث الذي هو الواو من كن للساكنين و كان الواو لأن له العلو لأنه متولد عن الرفع و هو إشباع الضمة و هو من حروف العلة و هذا الذي ذكرناه إنما هو إذا كان الملك عبارة عن الأناسي خاصة فإن نظرنا إلى سيادته على جميع ما سوى الحق كما ذهب إليه بعض الناس للحديث المروي إن الله يقول لولاك يا محمد ما خلقت سماء و لا أرضا و لا جنة و لا نارا و ذكر خلق كل ما سوى الله فيكون أول منفصل فيها النفس الكلية عن أول موجود و هو العقل الأول و آخر منفصل فيها حواء عن آخر موجود آدم فإن الإنسان آخر موجود من أجناس العالم فإنه ما ثم إلا ستة أجناس و كل جنس تحته أنواع و تحت الأنواع أنواع فالجنس الأول الملك و الثاني الجان و الثالث المعدن و الرابع النبات و الخامس الحيوان و انتهى الملك و تمهد و استوى و كان الجنس السادس جنس الإنسان و هو الخليفة على هذه المملكة و إنما وجد آخرا ليكون إماما بالفعل حقيقة لا بالصلاحية و القوة فعند ما وجد عينه لم يوجد إلا واليا سلطانا ملحوظا ثم جعل له نوابا حين تأخرت نشأة جسده فأول نائب كان له و خليفة آدم ع ثم ولد و اتصل النسل و عين في كل زمان خلفاء إلى أن وصل زمان نشأة الجسم الطاهر محمد صلى الله عليه و سلم فظهر مثل الشمس الباهرة فاندرج كل نور في نوره الساطع و غاب كل حكم في حكمه و انقادت جميع الشرائع إليه و ظهرت سيادته التي كانت باطنة ف هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فإنه قال أوتيت جوامع الكلم و قال عن ربه ضرب بيده بين كتفي فوجدت برد أنامله بين ثديي فعلمت علم الأولين و الآخرين فحصل له التخلق و النسب الإلهي من قوله تعالى عن نفسه هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ و جاءت هذه الآية في سورة الحديد الذي فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ فلذلك بعث بالسيف و أرسل رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ و كل منفصل عن شيء فقد كان عامرا لما عنه انفصل و قد قلنا إنه لا خلاء في العالم فعمر موضع انفصاله بظله إذ كان انفصاله إلى النور و هو للظهور فلما قابل النور بذاته امتد ظله فعمر موضع انفصاله فلم يفقده من انفصل عنه فكان مشهودا لمن انفصل إليه و مشهودا لمن انفصل عنه و هو المعنى الذي أراده القائل بقوله (شهدتك موجودا بكل مكان) فمن أسرار العالم أنه ما من شيء يحدث إلا و له ظل يسجد لله ليقوم بعبادة ربه على كل حال سواء كان ذلك الأمر الحادث مطيعا أو عاصيا فإن كان من أهل الموافقة كان هو و ظله على السواء و إن كان مخالفا ناب ظله منابه في الطاعة لله قال الله تعالى وَ ظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ السلطان ظل الله في الأرض إذ كان ظهوره بجميع صور الأسماء الإلهية التي لها الأثر في عالم الدنيا و العرش ظل الله في الآخرة فالضلالات أبدا تابعة للصورة المنبعثة عنها حسا و معنى فالحس قاصر لا يقوي قوة الظل المعنوي للصورة المعنوية لأنه يستدعي نورا مقيدا لما في الحس من التقييد و الضيق و عدم الاتساع و لهذا نبهنا على الظل المعنوي بما جاء في الشرع من أن السلطان ظل الله في الأرض فقد بان لك أن بالظلالات عمرت الأماكن فهنا قد ذكرنا طرفا مما يليق بهذا الباب و لم نمعن فيه مخافة التطويل و فيما أوردناه كفاية لمن تنبه إن كان ذا فهم سليم و تذكرة لمن شاهد و علم و اشتغل بما هو أعلى أو غفل بما هو أنزل فيرجع إلى ما ذكرناه عند ما ينظر في هذا الباب
(فصل) و أما مرتبة العالم الذي بين عيسى ع و محمد صلى الله عليه و سلم و هم أهل الفترة فهم على مراتب مختلفة بحسب ما يتجلى لهم من الأسماء عن علم منهم بذلك و عن غير علم فمنهم من وحد الله بما تجلى لقلبه عند فكره و هو صاحب الدليل فَهُوَ عَلى نُورٍ من رَبِّهِ ممتزج بكون من أجل فكره فهذا يبعث أمة وحده كقُسِّ بن ساعدة و أمثاله فإنه ذكر في خطبته ما يدل على ذلك فإنه ذكر المخلوقات و اعتباره فيها و هذا هو الفكر و منهم من وحد الله بنور وجده في قلبه لا يقدر على دفعه من غير فكرة و لا روية و لا نظر و لا استدلال فهم على نور من ربهم خالص غير ممتزج بكون فهؤلاء يحشرون أخفياء أبرياء و منهم من ألقى في نفسه و أطلع من كشفه لشدة نوره و صفاء سره لخلوص يقينه على منزلة محمدصلى الله عليه و سلم و سيادته و عموم رسالته باطنا من زمان آدم إلى وقت هذا المكاشف فآمن به في عالم الغيب على شهادة منه و بينة من ربه و هو قوله تعالى أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ من رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ يشهد له في قلبه بصدق ما كوشف به فهذا يحشر يوم القيامة في ضنائن خلقه و في باطنية محمد صلى الله عليه و سلم و منهم من تبع ملة حق ممن تقدمه كمن تهود أو تنصر أو اتبع ملة إبراهيم أو من كان من الأنبياء لما علم و اعلم أنهم رسل من عند الله يدعون إلى الحق لطائفة مخصوصة فتبعهم و آمن بهم و سلك سننهم فحرم على نفسه ما حرمه ذلك الرسول و تعبد نفسه مع الله بشريعته و إن كان ذلك ليس بواجب عليه إذ لم يكن ذلك الرسول مبعوثا إليه فهذا يحشر مع من تبعه يوم القيامة و يتميز في زمرته في ظاهريته إذ كان شرع ذلك النبي قد تقرر في الظاهر و منهم من طالع في كتب الأنبياء شرف محمد صلى الله عليه و سلم و دينه و تواب من اتبعه فآمن به و صدق على علم و إن لم يدخل في شرع نبي ممن تقدم و أتى مكارم الأخلاق فهذا أيضا يحشر في المؤمنين بمحمد صلى الله عليه و سلم فآمن به فله أجران و هؤلاء كلهم سعداء عند الله و منهم من عطل فلم يقر بوجود عن نظر قاصر ذلك القصور هو بالنظر إليه غاية قوته لضعف في مزاجه عن قوة غيره و منهم من عطل لا عن نظر بل عن تقليد فذلك شقي مطلق و منهم من أشرك عن نظر أخطأ فيه طريق الحق مع بذل المجهود الذي تعطيه قوته و منهم من أشرك لا عن استقصاء نظر فذلك شقي و منهم من أشرك عن تقليد فذلك شقي و منهم من عطل بعد ما أثبت عن نظر بلغ فيه أقصى القوة التي هو عليها لضعفها و منهم من عطل بعد ما أثبت لا عن استقصاء في النظر أو تقليد فذلك شقي فهذه كلها مراتب أهل الفترة الذين ذكرناهم في هذا الباب