اعلم أيدك الله أنه لما كان المقصود من هذا العالم الإنسان و هو الإمام لذلك أضفنا الآباء و الأمهات إليه فقلنا آباؤنا العلويات و أمهاتنا السفليات فكل مؤثر أب و كل مؤثر فيه أم هذا هو الضابط لهذا الباب و المتولد بينهما من ذلك الأثر يسمى ابنا و مولدا و كذلك المعاني في إنتاج العلوم إنما هو بمقدمتين تنكح إحداهما الأخرى بالمفرد الواحد الذي يتكرر فيهما و هو الرابط و هو النكاح و النتيجة التي تصدر بينهما هي المطلوبة فالأرواح كلها آباء و الطبيعة أم لما كانت محل الاستحالات و تتوجه هذه الأرواح على هذه الأركان التي هي العناصر القابلة للتغيير و الاستحالة تظهر فيها المولدات و هي المعادن و النبات و الحيوان و الجان و الإنسان أكملها و كذلك جاء شرعنا أكمل الشرائع حيث جرى مجرى الحقائق الكلية فاوتي جوامع الكلم و اقتصر على أربع نسوة و حرم ما زاد على ذلك بطريق النكاح الموقوف على العقد فلم يدخل في ذلك ملك اليمين و أباح ملك اليمين في مقابلة الأمر الخامس الذي ذهب إليه بعض العلماء كذلك الأركان من عالم الطبيعة أربعة و بنكاح العالم العلوي لهذه الأربعة يوجد الله ما يتولد فيها و اختلفوا في ذلك على ستة مذاهب (فطائفة) زعمت أن كل واحد من هذه الأربعة أصل في نفسه و قالت طائفة ركن النار هو الأصلفما كثف منه كان هواء و ما كثف من الهواء كان ماء و ما كثف من الماء كان ترابا و قالت طائفة ركن الهواء هو الأصل فما سخف منه كان نارا و ما كثف منه كان ماء و قالت طائفة ركن الماء هو الأصل و قالت طائفة ركن التراب هو الأصل و قالت طائفة الأصل أمر خامس ليس واحدا من هذه الأربعة و هذا هو الذي جعلناه بمنزلة ملك اليمين فعمت شريعتنا في النكاح أتم المذاهب ليندرج فيها جميع المذاهب و هذا المذهب بالأصل الخامس هو الصحيح عندنا و هو المسمى بالطبيعة فإن الطبيعة معقول واحد عنها ظهر ركن النار و جميع الأركان فيقال ركن النار من الطبيعة ما هو عينها و لا يصح أن يكون المجموع الذي هو عين الأربعة فإن بعض الأركان منافر للآخر بالكلية و بعضها منافر لغيره بأمر واحد كالنار و الماء متنافران من جميع الوجوه و الهواء و التراب كذلك و لهذا رتبها الله في الوجود ترتيبا حكيما لأجل الاستحالات فلو جعل المنافر مجاورا لمنافره لما استحال إليه و تعطلت الحكمة فجعل الهواء يلي ركن النار و الجامع بينهما الحرارة و جعل الماء يلي الهواء و الجامع بينهما الرطوبة و جعل التراب يلي الماء و الجامع بينهما البرودة فالمحيل أب و المستحيل أم و الاستحالة نكاح و الذي استحال إليها ابن فالمتكلم أب و السامع أم و التكلم نكاح و الموجود من ذلك في فهم السامع ابن فكل أب علوي فإنه مؤثر و كل أم سفلية فإنها مؤثر فيها و كل نسبة بينهما معينة نكاح و توجه و كل نتيجة ابن و من هنا يفهم قول المتكلم لمن يريد قيامه قم فيقوم المراد بالقيام عن أثر لفظة قم فإن لم يقم السامع و هو أم بلا شك فهو عقيم و إذا كان عقيما فليس بأم في تلك الحالة و هذا الباب إنما يختص بالأمهات فأول الآباء العلوية معلوم و أول الأمهات السفلية شيئية المعدوم الممكن و أول نكاح القصد بالأمر و أول ابن وجود عين تلك الشيئية التي ذكرنا فهذا أب ساري الأبوة و تلك أم سارية الأمومة و ذلك النكاح سار في كل شيء و النتيجة دائمة لا تنقطع في حق كل ظاهر العين فهذا يسمى عندنا النكاح الساري في جميع الذراري يقول الله تعالى في الدليل على ما قلناه إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ و لنا فيه كتاب شريف منيع الحمى البصير فيه أعمى فكيف من حل به العمي فلو رأيت تفصيل هذا المقام و توجهات هذه الأسماء الإلهية الأعلام لرأيت أمرا عظيما و شاهدت مقاما هائلا جسيما فلقد تنزه العارفون بالله و بصنعه الجميل بأولى و بعد أن أشرت إلى فهمك الثاقب و نظرك الصائب بالأب الأول الساري و هو الاسم الجامع الأعظم الذي تتبعه جميع الأسماء في رفعه و نصبه و خفضه الساري حكمه و الأم الأولية الآخرية السارية في نسبة الأنوثة في جميع الأبناء فلنشرع في الآباء الذين هم أسباب موضوعة بالوضع الإلهي و الأمهات و اتصالهما بالنكاح المعنوي و الحسي المشروع حتى يكون الأبناء أبناء حلال إلى أن أصل إلى التناسل الإنساني و هو آخر نوع تكون و أول مبدع بالقصد تعين فنقول إن العقل الأول الذي هو أول مبدع خلق و هو القلم الأعلى و لم يكن ثم محدث سواه و كان مؤثرا فيه بما أحدث الله فيه من انبعاث اللوح المحفوظ عنه كانبعاث حواء من آدم في عالم الأجرام ليكون ذلك اللوح موضعا و محلا لما يكتب فيه هذا القلم الأعلى الإلهي و تخطيط الحروف الموضوعة للدلالة على ما جعلها الحق تعالى أدلة عليه فكان اللوح المحفوظ أول موجود انبعاثي و قد ورد في الشرع أن أول ما خلق الله القلم ثم خلق اللوح و قال للقلم اكتب قال القلم و ما أكتب قال الله له اكتب و أنا أملي عليك فخط القلم في اللوح ما يملي عليه الحق و هو علمه في خلقه الذي يخلق إلى يوم القيامة فكان بين القلم و اللوح نكاح معنوي معقول و أثر حسي مشهود و من هنا كان العمل بالحروف المرقومة عندنا و كان ما أودع في اللوح من الأثر مثل الماء الدافق الحاصل في رحم الأنثى و ما ظهر من تلك الكتابة من المعاني المودعة في تلك الحروف الجرمية بمنزلة أرواح الأولاد المودعة في أجسامهم فافهم وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ و جعل الحق في هذا اللوح العاقل عن الله ما أوحى به إليه المسبح بحمده الذي لا يفقه تسبيحه إلا من أعلمه الله به و فتح سمعه لما يورده كما فتح سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم و من حضر من أصحابه لإدراك تسبيح الحصى في كفه الطاهرة الطيبة صلى الله عليه و سلم و إنما قلنا فتح سمعه إذ كان الحصى ما زال مذ خلقه الله مسبحا بحمد موجدة فكان خرق العادة في الإدراك السمعي لا فيه ثم أوجد فيه صفتين صفة علم و صفة عمل فبصفة العمل تظهر صور العالم عنه كما تظهر صورة التابوت للعين عند عمل النجار فبها يعطي الصور و الصور على قسمين صور ظاهرة حسية و هي الأجرام و ما يتصل بها حسا كالأشكال و الألوان و الأكوان و صور باطنة معنوية غير محسوسة و هي ما فيها من العلوم و المعارف و الإرادات و بتينك الصفتين ظهر ما ظهر من الصور فالصفة العلامة أب فإنها المؤثرة و الصفة العاملة أم فإنها المؤثر فيها و عنها ظهرت الصور التي ذكرناها فإن النجار المهندس إذا كان عالما و لا يحسن العمل فيلقي ما عنده على سمع من يحسن عمل النجارة و هذا الإلقاء نكاح فكلام المهندس أب و قبول السامع أم ثم يصير علم السامع أبا و جوارحه أما و إن شئت قلت فالمهندس أب و الصانع الذي هو النجار أم من حيث ما هو مصغ لما يلقي إليه المهندس فإذا أثر فيه فقد أنزل ما في قوته في نفس النجار و الصورة التي ظهرت للنجار في باطنه مما ألقى إليه المهندس و حصلت في وجود خياله قائمة ظاهرة له بمنزلة الولد الذي ولد له فهمه عن المهندس ثم عمل النجار فهو أب في الخشب الذي هو أم النجارة بالآلات التي يقع بها النكاح و إنزال الماء الذي هو أثر كل ضربة بالقدوم أو قطع بالمنشار و كل قطع و فصل و جمع في القطع المنجورة لا نشاء الصورة فظهر التابوت الذي هو بمنزلة الولد المولود الخارج للحس فهكذا فلتفهم الحقائق في ترتيب الآباء و الأمهات و الأبناء و كيفية الإنتاج فكل أب ليس عنده صفة العمل فليس هو أب من ذلك الوجه حتى أنه لو كان عالما و منع آلة التوصيل بالكلام أو الإشارة ليقع الإفهام و هو غير عامل لم يكن أبا من جميع الوجوه و كان أما لما حصل في نفسه من العلوم غير إن الجنين لم يخلق فيه الروح في بطن أمه أو مات في بطن أمه فأحالته طبيعة لام إلى أن تصرف و لم يظهر له عين فافهم و بعد أن عرفت الأب الثاني من الممكنات و أنه أم ثانية للقلم الأعلى كان مما ألقى إليها من الإلقاء الأقدس الروحاني الطبيعة و الهباء فكان أول أم ولدت توأمين فأول ما ألقت الطبيعة ثم تبعتها بالهباء فالطبيعة و الهباء أخ و أخت لأب واحد و أم واحدة فانكح الطبيعة الهباء فولد بينهما صورة الجسم الكلي و هو أول جسم ظهر فكان الطبيعة الأب فإن لها الأثر و كان الهباء الأم فإن فيها ظهر الأثر و كانت النتيجة الجسم ثم نزل التوالد في العلم إلى التراب على ترتيب مخصوص ذكرناه في كتابنا المسمى بعقلة المستوفز و فيه طول لا يسعه هذا الباب فإن الغرض الاختصار و نحن لا نقول بالمركز و إنما نقول بنهاية الأركان و أن الأعظم يجذب الأصغر و لهذا نرى البخار و النار يطلبان العلو و الحجر و ما أشبهه يطلب السفل فاختلفت الجهات و ذلك على الاستقامة من الاثنين أعني طالب العلو و السفل فإن القائل بالمركز يقول إنه أمر معقول دقيق تطلبه الأركان و لو لا التراب لدار به الماء و لو لا الماء لدار به الهواء و لو لا الهواء لدار به النار و لو كان كما قال لكنا نرى البخار يطلب السفل و الحس يشهد بخلاف ذلك و قد بينا هذا الفصل في كتاب المركز لنا و هو جزء لطيف فإذا ذكرناه في بعض كتبنا إنما نسوقه على جهة مثال النقطة من الأكرة التي عنها يحدث المحيط لما لنا في ذلك من الغرض المتعلق بالمعارف الإلهية و النسب لكون الخطوط الخارجة من النقطة إلى المحيط على السواء لتساوى النسب حتى لا يقع هناك تفاضل فإنه لو وقع تفاضل أدى إلى نقص المفضول و الأمر ليس كذلك و جعلناه محل العنصر الأعظم تنبيها على إن الأعظم يحكم على الأقل و ذكرناه مشارا إليه في عقلة المستوفز و لما أدار الله هذه الأفلاك العلوية و أوجد الأيام بالفلك الأول و عينه بالفلك الثاني الذي فيه الكواكب الثابتة للابصار ثم أوجد الأركان ترابا و ماء و هواء و نارا ثم سوى السموات سبعا طباقا و فتقها أي فصل كل سماء على حدة بعد ما كانت رتقا إذ كانت دخانا و فتق الأرض إلى سبع أرضين سماء أولي لأرض أولى و ثانية لثانية إلى سبع و خلق الجواري الخنس خمسة في كل سماء كوكب و خلق القمر و خلق أيضا الشمس فحدث الليل و النهار بخلق الشمس في اليوم و قد كان اليوم موجودا فجعل النصف من هذا اليوم لأهل الأرض نهارا و هو من طلوع الشمس إلى غروبها و جعل النصف الآخر منه ليلا و هو من غروب الشمس إلى طلوعها و اليوم عبارة عن المجموع و لهذا خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أَيَّامٍ فإن الأيام كانت موجودة بوجود حركة فلك البروج و هي الأيام المعروفة عندنا لا غير فما قال الله خلق العرش و الكرسي و إنما قال خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ فإذا دار فلك البروج دورة واحدة فذلك هو اليوم الذي خلق الله فيه السموات و الأرض ثم أحدث الله الليل و النهار عند وجود الشمس لا الأيام و أما ما يطرأ فيها من الزيادة و النقصان أعني في الليل و النهار لا في الساعات فإنها أربع و عشرون ساعة و ذلك لحلول الشمس في منطقة البروج و هي حمائلية بالنسبةإلينا فيها ميل فيطول النهار إذا كانت الشمس في المنازل العالية حيث كانت و إذا حلت الشمس في المنازل النازلة قصر النهار حيث كانت و إنما قلنا حيث كانت فإنه إذا طال الليل عندنا طال النهار عند غيرنا فتكون الشمس في المنازل العالية بالنسبة إليهم و في المنازل النازلة بالنسبة إلينا فإذا قصر النهار عندنا طال الليل عندهم لما ذكرناه و اليوم هو اليوم بعينه أربع و عشرون ساعة لا يزيد و لا يقص و لا يطول و لا يقصر في موضع الاعتدال فهذا هو حقيقة اليوم ثم قد نسمي النهار وحده يوما بحكم الاصطلاح فافهم و قد جعل الله هذا الزمان الذي هو الليل و النهار يوما و الزمان هو اليوم و الليل و النهار موجودان في الزمان جعلهما أبا و أما لما يحدث الله فيهما كما قال يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ كمثل قوله في آدم فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ فإذا غشى الليل النهار كان الليل أبا و كان النهار أما و صار كل ما يحدث الله في النهار بمنزلة الأولاد التي تلد المرأة و إذا غشى النهار الليل كان النهار أبا و كان الليل أما و كان كل ما يحدث الله من الشئون في الليل بمنزلة الأولاد التي تلد الأم و قد بينا هذا الفصل في كتاب الشأن لنا تكلمنا فيه على قوله تعالى كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ و سيأتي إن شاء الله في هذا الكتاب إن ذكرنا الله به من معرفة الأيام طرفا شافيا و كذلك قال تعالى أيضا يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ فزاد بيانا في التناكح و أبان سبحانه بقوله وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ أن الليل أم له و أن النهار متولد عنه كما ينسلخ المولود من أمه إذا خرج منها و الحية من جلدها فيظهر مولدا في عالم آخر غير العالم الذي يحويه الليل و الأب هو اليوم الذي ذكرناه و قد بينا ذلك في كتاب الزمان لنا و معرفة الدهر فهذا الليل و النهار أبوان بوجه و أمان بوجه و ما يحدث الله فيهما في عالم الأركان من المولدات عند تصريفهما يسمون أولاد الليل و النهار كما قررناه و لما أنشأ الله أجرام العالم كله القابل للتكوين فيه جعل من حد ما يلي مقعر السماء الدنيا إلى باطن الأرض عالم الطبيعة و الاستحالات و ظهور الأعيان التي تحدث عند الاستحالات و جعلها بمنزلة الأم و جعل من مقعر فلك السماء الدنيا إلى آخر الأفلاك بمنزلة الأب و قدر فيها منازل و زينها بالأنوار الثابتة و السابحة فالسابحة تقطع في الثابتة و الثابتة و السابحة تقطع في الفلك المحيط بتقدير العزيز بدليل أنه رؤي في بعض الأهرام التي بديار مصر مكتوبا بقلم يذكر في ذلك تاريخ لأهرام أنها بنيت و النسر في الأسد و لا شك أنه الآن في الجدي كذا ندركه فدل على أن الكواكب الثابتة تقطع في فلك البروج الأطلس و الله يقول في القمر وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ و قال في الكواكب كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ و قال تعالى وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها و قد قرئ لا مستقر لها و ليس بين القراءتين تنافر ثم قال ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ينظر إلى قوله في القمر أنه قدره منازل و قال لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَ كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ أي في شيء مستدير و جعل لهذه الأنوار المسماة بالكواكب أشعة متصلة بالأركان تقوم اتصالاتها بها مقام نكاح الآباء للامهات فيحدث الله تعالى عند اتصال تلك الشعاعات النورية في الأركان الأربعة من عالم الطبيعة ما يتكون فيها مما نشاهده حسا فهذه الأركان لها بمنزلة الأربعة النسوة في شرعنا و كما لا يكون نكاح شرعي عندنا حلالا إلا بعقد شرعي كذلك أَوْحى في كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها فكان من ذلك الوحي تنزل الأمر بينهن كما قال تعالى يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ يعني الأمر الإلهي و في تفسير هذا التنزل أسرار عظيمة تقرب مما نشير إليه في هذا الباب و قد روى عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية لو فسرتها لقلتم إني كافر و في رواية لرجمتموني و إنها من أسرار آي القرآن قال تعالى خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ من الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ثم قال يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ ثم تمم و أبان فقال لِتَعْلَمُوا أَنَّ الله عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ و هو الذي أشرنا إليه بصفة العمل الذي ذكرناه آنفا من إيجاد الله صفة العلم و العمل في الأب الثاني فإن القدرة للإيجاد و هو العمل ثم تمم في الأخبار فقال و إن الله قد أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً و قد أشرنا إليه بصفة العلم التي أعطاها الله للأب الثاني الذي هو النفس الكلية المنبعثة فهو العليم سبحاته بما يوجد القدير على إيجاد ما يريد إيجاده لا مانع له فجعل الأمر يتنزل بين السماء و الأرض كالولد يظهر بين الأبوين و أما اتصال الأشعة النورية الكوكبية عن الحركة الفلكية السماوية بالأركان الأربعة التي هي أم المولدات في الحين الواحد للكل معا جعله الحق مثالا للعارفين في نكاح أهل الجنة في الجنة جميع نسائهم و جواريهم في الآن الواحد نكاحا حسيا كما إن هذه الاتصالات حسية فينكح الرجل في الجنة جميع من عنده من المنكوحات إذا اشتهى ذلك في الآن الواحد نكاحا جسميا محسوسا بإيلاج و وجود لذة خاصة بكل امرأة من غير تقدم و لا تأخر و هذا هو النعيم الدائم و الاقتدار الإلهي و العقل يعجز عن إدراك هذه الحقيقة من حيث فكره و إنما يدرك هذا بقوة أخرى إلهية في قلب من يشاء من عباده كما أن الإنسان في الجنة في سوق الصور إذا اشتهى صورة دخل فيها كما تشكل الروح هنا عندنا و إن كان جسما و لكن أعطاه الله هذه القدرة على ذلك وَ الله عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ و حديث سوق الجنة ذكره أبو عيسى الترمذي في مصنفه فانظره هناك فإذا اتصلت الأشعة النورية في الأركان الأربعة ظهرت المولدات عن هذا النكاح الذي قدره العزيز العليم فصارت المولدات بين آباء و هي الأفلاك و الأنوار العلوية و بين أمهات و هي الأركان الطبيعية السفلية و صارت الأشعة المتصلة من الأنوار بالأركان كالنكاح و حركات الأفلاك و سباحات الأنوار بمنزلة حركات المجامع و كان حركات الأركان بمنزلة المخاض للمرأة لاستخراج الزبد الذي يخرج بالمخض و هو ما يظهر من المولدات في هذه الأركان للعين من صورة المعادن و النبات و الحيوان و نوع الجن و الإنس فسبحان القادر على ما يشاء لا إله إلا هو رب كل شيء و مليكه قال تعالى أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ فقد تبين لك أيها الولي آباؤك و أمهاتك من هم إلى أقرب أب لك و هو الذي ظهر عينك به و أمك كذلك القريبة إليك إلى الأب الأول و هو الجد الأعلى إلى بما بينهما من الآباء و الأمهات فشكرهم الذي يسرون به و يفرحون بالثناء عليهم هو أن تنسبهم إلى مالكهم و موجدهم و تسلب الفعل عنهم و تلحقه بمستحقه الذي هو خالق كل شيء فإذا فعلت ذلك فقد أدخلت سرورا على آبائك بفعلك ذلك و إدخال هذا السرور عليهم هو عين برك بهم و شكرك إياهم و إذا لم تفعل هذا و نسيت الله بهم فما شكرتهم و لا امتثلت أمر الله في شكرهم فإنه قال أَنِ اشْكُرْ لِي فقدم نفسه ليعرفك أنه السبب الأول و الأولى ثم عطف و قال وَ لِوالِدَيْكَ و هي الأسباب التي أوجدك الله عندها لتنسبها إليه سبحانه و يكون لها عليك فضل التقدم بالوجود خاصة لا فضل التأثير لأنه في الحقيقة لا أثر لها و إن كانت أسبابا لوجود الآثار فبهذا القدر صح لها الفضل و طلب منك الشكر و أنزلها الحق لك و عندك منزلته في التقدم عليك لا في الأثر ليكون الثناء بالتقدم و التأثير لله تعالى و بالتقدم و التوقف للوالدين و لكن على ما شرطناه فلا تشرك بعبادة ربك أحدا فإذا أثنيت على الله تعالى و قلت ربنا و رب آبائنا العلويات و أمهاتنا السفليات فلا فرق بين أن أقولها أنا أو يقولها جميع بنى آدم من البشر فلم يخاطب شخصا بعينه حتى يسوق آباءه و أمهاته من آدم و حواء إلى زمانه و إنما القصد هذا النشء الإنساني فكنت مترجما عن كل مولود بهذا التحميد من عالم الأركان و عالم الطبيعة و الإنسان ثم ترتقي في النيابة عن كل مولد بين مؤثر و مؤثر فيه فتحمده بكل لسان و تتوجه إليه بكل وجه فيكون الجزاء لنا من عند الله من ذلك المقام الكلي كما قال لي بعض مشيختي إذا قلت السلام علينا و على عباد الله الصالحين أو قلت السلام عليكم إذا سلمت في طريقك على أحد فاحضر في قلبك كل صالح لله من عباده في الأرض و السماء و ميت و حي فإنه من ذلك المقام يرد عليك فلا يبقى ملك مقرب و لا روح مطهر يبلغه سلامك إلا و يرد عليك و هو دعاء فيستجاب فيك فتفلح و من لم يبلغه سلامك من عباد الله المهيمين في جلاله المشتغلين به المستفرغين فيه و أنت قد سلمت عليهم بهذا الشمول فإن الله ينوب عنهم في الرد عليك و كفى بهذا شرفا في حقك حيث يسلم عليك الحق فليته لم تسمع أحدا ممن سلمت عليه حتى ينوب عن الجميع في الرد عليك فإنه بك أشرف قال تعالى تشريفا في حق يحيى ع وَ سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا و هذا سلام فضيلة و إخبار فكيف سلام واجب ناب الحق مناب من أجاب عنه و جزاء الفرائض أعظم من جزاء الفضائل في حق من قيل فيه وَ سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ فيجمع له بين الفضيلتين و قد وردت صلاة الله علينا ابتداء و ما وصل إلي هل ورد السلام ابتداء كما وردت الصلاة أم لا فمن روى في ذلك شيئا و تحققه فقد جعلت أمانة في عنقه أن يلحقه في هذا الموضع إلى جانب صلاة الله علينا في هذا الباب ليكون بشرى للمؤمنين و شرفا لكتابي هذا و الله المعين و الموفق لا رب غيره و أما الآباء الطبيعيون و الأمهات فلم نذكرهم فلنذكر الأمر الكلي من ذلك و هم أبوان و أمان فالأبوان هما الفاعلان و الأمان هما المنفعلان و ما يحدث عنهما هو المنفعل عنهما فالحرارة و البرودة فاعلان و الرطوبة و اليبوسة منفعلان فنكحتالحرارة اليبوسة فانتجا ركن النار و نكحت الحرارة الرطوبة فانتجا ركن الهواء ثم نكح البرودة الرطوبة فانتجا ركن الماء و نكح البرودة اليبوسة فانتجا ركن التراب فحصلت في الأبناء حقائق الآباء و الأمهات فكانت النار حارة يابسة فحرارتها من جهة الأب و يبوستها من جهة الأم و كان الهواء حارا رطبا فحرارته من جهة الأب و رطوبته من جهة الأم و كان الماء باردا رطبا فبرودته من جهة الأب و رطوبته من جهة الأم و كانت الأرض باردة يابسة فبرودتها من جهة الأب و يبوستها من جهة الأم فالحرارة و البرودة من العلم و الرطوبة و اليبوسة من الإرادة هذا حد تعلقها في وجودها من العلم الإلهي و ما يتولد عنهما من القدرة ثم يقع التوالد في هذه الأركان من كونها أمهات لآباء الأنوار العلوية لا من كونها آباء و إن كانت الأبوة فيها موجودة فقد عرفناك أن الأبوة و البنوة من الإضافات و النسب فالأب ابن لأب هو ابن له و الابن أب لابن هو أب له و كذلك باب النسب فانظر فيه و الله الموفق لا رب غيره و لما كانت اليبوسة منفعلة عن الحرارة و كانت الرطوبة منفعلة عن البرودة قلنا في الرطوبة و اليبوسة إنهما منفعلتان و جعلناهما بمنزلة الأم للأركان و لما كانت الحرارة و البرودة فاعلين جعلناهما بمنزلة الأب للأركان و لما كانت الصنعة تستدعي صانعا و لا بد و المنفعل يطلب الفاعل بذاته فإنه منفعل لذاته و لو لم يكن منفعلا لذاته لما قبل الانفعال و الأثر و كان مؤثرا فيه بخلاف الفاعل فإنه يفعل بالاختيار إن شاء فعل فيسمى فاعلا و إن شاء ترك و ليس ذلك للمنفعل و لهذه الحقيقة ذكر تعالى و هو من فصاحة القرآن و إيجازه و لا رطب و لا يابس إلا في كتاب مبين فذكر المنفعل و لم يذكر و لا حار و لا بارد لما كانت الرطوبة و اليبوسة عند العلماء بالطبيعة تطلب الحرارة و البرودة اللتين هما منفعلتان عنهما كما تطلب الصنعة الصانع لذلك ذكرهما دون ذكر الأصل و إن كان الكل في الكتاب المبين فلقد جاء الله سيدنا محمدا صلى الله عليه و سلم بعلوم ما نالها أحد سواه كما قال فعلمت علم الأولين و الآخرين في حديث الضرب باليد فالعلم الإلهي هو أصل العلوم كلها و إليه ترجع و قد استوفينا ما يستحقه هذا الباب على غاية الإيجاز و الاختصار فإن الطول فيه إنما هو بذكر الكيفيات و أما الأصول فقد ذكرناها و مهدناها وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى الجزء الثاني عشر
(بسم الله الرحمن الرحيم)