قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الثاني عشر»

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

في معرفة دورة فلك سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم‏ و هي دورة السيادة و أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلقه الله تعالى‏

إلا بأبي من كان ملكا و سيداو آدم بين الماء و الطين واقف‏
فذاك الرسول الأبطحي محمدله في العلى مجد تليد و طارف‏
أتى بزمان السعد في آخر المدىو كانت له في كل عصر مواقف‏
أتى لانكسار الدهر يجبر صدعهفأثنت عليه ألسن و عوارف‏
إذا رام أمرا لا يكون خلافهو ليس لذاك الأمر في الكون صارف‏

اعلم أيدك الله أنه لما خلق الله الأرواح المحصورة المدبرة للأجسام بالزمان عند وجود حركة الفلك لتعيين المدة المعلومة عند الله و كان عند أول خلق الزمان بحركته خلق الروح المدبرة روح محمد صلى الله عليه و سلم ثم صدرت الأرواح عند الحركات فكان لها وجود في عالم الغيب دون عالم الشهادة و أعلمه الله بنبوته و بشره بها و آدم لم يكن إلا كما قال بين الماء و الطين و انتهى الزمان بالاسم الباطن في حق محمد صلى الله عليه و سلم إلى وجود جسمه و ارتباط الروح به انتقل حكم الزمان في جريانه إلى الاسم الظاهر فظهر محمد صلى الله عليه و سلم بذاته جسما و روحا فكان الحكم له باطنا أولا في جميع ما ظهر من الشرائع على أيدي الأنبياء و الرسل سلام الله عليهم أجمعين ثم صار الحكم له ظاهرا فنسخ كل شرع أبرزه الاسم الباطن بحكم الاسم الظاهر لبيان اختلاف حكم الاسمين و إن كان المشرع واحدا و هو صاحب الشرع فإنه قال كنت نبيا و ما قال كنت إنسانا و لا كنت موجودا و ليست النبوة إلا بالشرع المقرر عليه من عند الله فأخبر أنه صاحب‏النبوة قبل وجود الأنبياء الذين هم نوابه في هذه الدنيا كما قررناه فيما تقدم من أبواب هذا الكتاب‏ فكانت استدارته انتهاء دورته بالاسم الباطن و ابتداء دورة أخرى بالاسم الظاهر فقال استدار كهيئته يوم خلقه الله في نسبة الحكم لنا ظاهرا كما كان في الدورة الأولى منسوبا إلينا باطنا أي إلى محمد و في الظاهر منسوبا إلى من نسب إليه من شرع إبراهيم و موسى و عيسى و جميع الأنبياء و الرسل‏ و في الأنبياء من الزمان أربعة حرم هود و صالح و شعيب سلام الله عليهم و محمد صلى الله عليه و سلم و عينها من الزمان ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم و رجب مضر و لما كانت العرب تنسأ في الشهور فترد المحرم منها حلالا و الحلال منها حراما و جاء محمد صلى الله عليه و سلم فرد الزمان إلى أصله الذي حكم الله به عند خلقه فعين الحرم من الشهور على حد ما خلقها الله عليه فلهذا قال في اللسان الظاهر إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلقه الله كذلك استدار الزمان فأظهر محمدا صلى الله عليه و سلم كما ذكرناه جسما و روحا بالاسم الظاهر حسا فنسخ من شرعه المتقدم ما أراد الله أن ينسخ منه و أبقى ما أراد الله أن يبقى منه و ذلك من الأحكام خاصة لا من الأصول‏ و لما كان ظهوره بالميزان و هو العدل في الكون و هو معتدل لأن طبعه الحرارة و الرطوبة كان من حكم الآخرة فإن حركة الميزان متصلة بالآخرة إلى دخول الجنة و النار و لهذا كان العلم في هذه الأمة أكثر مما كان في الأوائل و أعطى محمد صلى الله عليه و سلم علم الأولين و الآخرين لأن حقيقة الميزان تعطي ذلك و كان الكشف أسرع في هذه الأمة مما كان في غيرها لغلبة البرد و اليبس على سائر الأمم قبلنا و إن كانوا أذكياء و علماء فآحاد منهم معينون بخلاف ما هم الناس اليوم عليه ألا ترى هذه الأمة قد ترجمت جميع علوم الأمم و لو لم يكن المترجم عالما بالمعنى الذي دل عليه لفظ المتكلم به لما صح أن يكون هذا مترجما و لا كان ينطلق على ذلك اسم الترجمة فقد علمت هذه الأمة علم من تقدم و اختصت بعلوم لم تكن للمتقدمين و لهذا أشار صلى الله عليه و سلم بقوله فعلمت علم الأولين و هم الذين تقدموه ثم قال و الآخرين‏ و هو علم ما لم يكن عند المتقدمين و هو ما تعلمه أمته من بعده إلى يوم القيامة فقد أخبر أن عندنا علوما لم تكن قبل فهذه شهادة من النبي صلى الله عليه و سلم لنا و هو الصادق بذلك‏ فقد ثبتت له صلى الله عليه و سلم السيادة في العلم في الدنيا و ثبتت له أيضا السيادة في الحكم حيث‏ قال لو كان موسى حيا ما وسعه إلا إن يتبعني‏ و يبين ذلك عند نزول عيسى ع و حكمه فينا بالقرآن فصحت له السيادة في الدنيا بكل وجه و معنى ثم أثبت السيادة له على سائر الناس يوم القيامة بفتحه باب الشفاعة و لا يكون ذلك لنبي يوم القيامة إلا له صلى الله عليه و سلم فقد شفع صلى الله عليه و سلم في الرسل و الأنبياء أن تشفع نعم و في الملائكة فاذن الله تعالى عند شفاعته في ذلك لجميع من له شفاعة من ملك و رسول و نبي و مؤمن أن يشفع فهو صلى الله عليه و سلم أول شافع بإذن الله و ارحم الراحمين آخر شافع يوم القيامة فيشفع الرحيم عند المنتقم أن يخرج من النار من لم يعمل خيرا قط فيخرجهم المنعم المتفضل و أي شرف أعظم من دائرة تدار يكون آخرها أرحم الراحمين و آخر الدائرة متصل بأولها فأي شرف أعظم من شرف محمد صلى الله عليه و سلم حيث كان ابتداء هذه الدائرة حيث اتصل بها آخرها لكما لها فبه سبحانه ابتدأت الأشياء و به كملت و ما أعظم شرف المؤمن حيث تلت شفاعته بشفاعة أرحم الراحمين فالمؤمن بين الله و بين الأنبياء فإن العلم في حق المخلوق و إن كان له الشرف التام الذي لا تجهل مكانته و لكن لا يعطي السعادة في القرب الإلهي إلا بالإيمان فنور الايمان في المخلوق أشرف من نور العلم الذي لا إيمان معه فإذا كان الايمان يحصل عنه العلم فنور ذلك العلم المولد من نور الايمان أعلى و به يمتاز على المؤمن الذي ليس بعالم فيرفع الله الذين أوتوا العلم من المؤمنين درجات على المؤمنين الذين لم يؤتوا العلم و يزيد العلم بالله‏ فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لأصحابه أنتم أعلم بمصالح دنياكم‏ فلا فلك أوسع من فلك محمد صلى الله عليه و سلم فإن له الإحاطة و هي لمن خصه الله بها من أمته بحكم التبعية فلنا الإحاطة بسائر الأمم و لذلك كنا شهداء على الناس فأعطاه الله من وحي أمر السموات ما لم يعط غيره في طالع مولده فمن الأمر المخصوص بالسماء الأولى من هناك لم يبدل حرف من القرآن و لا كلمة و لو ألقى الشيطان في تلاوته ما ليس منها بنقص أو زيادة لنسخ الله ذلك و هذا عصمة و من ذلك الثبات ما نسخت شريعته بغيرها بل ثبتت محفوظة و استقرت بكل عين ملحوظة و لذلك تستشهد بها كل طائفة و من الأمر المخصوص بالسماء الثانية من هناك أيضا خص‏بعلم الأولين و الآخرين و التؤدة و الرحمة و الرفق وَ كانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً و ما أظهر في وقت غلظة على أحد إلا عن أمر إلهي حين قيل له جاهِدِ الْكُفَّارَ وَ الْمُنافِقِينَ وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ فأمر به لما لم يقتض طبعه ذلك و إن كان بشرا يغضب لنفسه و يرضى لنفسه فقد قدم لذلك دواءنا فما يكون في ذلك الغضب رحمة من حيث لا يشعر بها في حال الغضب فكان يدل بغضبه مثل دالته برضاه و ذلك لأسرار عرفناها و يعرفها أهل الله منا فصحت له السيادة على العالم من هذا الباب فإن غير أمته قيل فيهم يُحَرِّفُونَهُ من بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ فأضلهم الله على علم و تولى الله فينا حفظ ذكره فقال إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ لأنه سمع العبد و بصره و لسانه و يده و استحفظ كتابه غير هذه الأمة فحرفوه و من الأمر المخصوص من وحي السماء الثالثة من هناك أيضا السيف الذي بعثه به و الخلافة و اختص بقتال الملائكة معه منها أيضا فإن ملائكة هذه السماء قاتلت معه يوم بدر و من هذه السماء أيضا بعث من قوم ليس لهم همة إلا في قرى الأضياف و نحر الجزر و الحروب الدائمة و سفك الدماء و بهذا يتمدحون و يمدحون قيل في بعضهم‏

ضروب بنصل السيف سوق سمانها إذا عدموا زادا فإنك عاقر

«و قال الآخر منهم يمدح قومه»

لا يبعدن قومي الذين هموسم العداة و آفة الجزر
النازلون بكل معتركو الطيبون معاقد الأزر

فمدحهم بالكرم و الشجاعة و العفة يقول عنترة بن شداد في حفظ الجار في أهله‏

و أغض طرفي ما بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها

و لا خفاء عند كل أحد بفضل العرب على العجم بالكرم و الحماسة و الوفاء و إن كان في العجم كرماء و شجعان و لكن آحاد كما إن في العرب جبناء و بخلاء و لكن أحاد و إنما الكلام في الغالب لا في النادر و هذا ما لا ينكره أحد فهذا مما أوحى الله في هذه السماء فهذا كله من الأمر الذي يتنزل بين السماء و الأرض لمن فهم و لو ذكرنا على التفصيل ما في كل سماء من الأمر الذي أوحى الله سبحانه فيها لأبرزنا من ذلك عجائب ربما كان ينكرها بعض من ينظر في ذلك العلم من طريق الرصد و التسيير من أهل التعاليم و يحار المنصف منهم فيه إذا سمعه و من الوحي المأمور به في السماء الرابعة نسخه بشريعته جميع الشرائع و ظهور دينه على جميع الأديان عند كل رسول ممن تقدمه و في كل كتاب منزل فلم يبق لدين من الأديان حكم عند الله إلا ما قرر منه فبتقريره ثبت فهو من شرعه و عموم رسالته و إن كان بقي من ذلك حكم فليس هو من حكم الله إلا في أهل الجزية خاصة و إنما قلنا ليس هو حكم الله لأنه سماه باطلا فهو على من اتبعه لا له فهذا أعني بظهور دينه على جميع الأديان كما قال النابغة في مدحه‏

أ لم تر أن الله أعطاك سورةترى كل ملك دونها يتذبذب‏
بأنك شمس و الملوك كواكبإذا طلعت لم يبد منهن كوكب‏

و هذه منزلة محمد صلى الله عليه و سلم و منزلة ما جاء به من الشرع من الأنبياء و شرائعهم سلام الله عليهم أجمعين فإن أنوار الكواكب اندرجت في نور الشمس فالنهار لنا و الليل وحده لأهل الكتب إذا أعطوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ و قد بسطنا في التنزلات الموصلية من أمر كل سماء ما إذا وقفت عليه عرفت بعض ما في ذلك و من الوحي المأمور به في السماء الخامسة من هناك المختص بمحمد صلى الله عليه و سلم أنه ما ورد قط عن نبي من الأنبياء أنه حبب إليه النساء إلا محمد صلى الله عليه و سلم و إن كانوا قد رزقوا منهن كثيرا كسليمان ع و غيره و لكن كلامنا في كونه حبب إليه و ذلك أنه صلى الله عليه و سلم كان نبيا و آدم بين الماء و الطين كما قررناه و على الوجه الذي شرحناه فكان منقطعا إلى ربه لا ينظر معه إلى كون من الأكوان لشغله بالله عنه فإن النبي مشغول بالتلقي من الله و مراعاة الأدب فلا يتفرغ إلى شي‏ء دونه فحبب الله إليه النساء فأحبهن عناية من الله بهن فكان صلى الله عليه و سلم بحبهن بكون الله حببهن إليه خرج مسلم في صحيحه في أبواب الايمان أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه و سلم‏ إني أحب أن يكون نعلي حسنا و ثوبي‏حسنا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الله جميل يحب الجمال‏ و من هذه السماء حب الطيب و كان من سنته النكاح لا التبتل و جعل النكاح عبادة للسر الإلهي الذي أودع فيه و ليس إلا في النساء و ذلك ظهور الأعيان للثلاثة الأحكام التي تقدم ذكرها في الإنتاج عن المقدمتين و الرابط الذي جعله علة الإنتاج فهذا الفضل و ما شاكله مما اختص به محمد صلى الله عليه و سلم و زاد فيه بنكاح الهبة كما جعل في أمته فيما يبين لها من النكاح لمن لا شي‏ء له من الأعواض بما يحفظه من القرآن خاصة لا أنه يعلمها و هذا و إن لم يقو قوة الهبة ففيه اتساع للامة و ليس في الوسع استيفاء ما أوحى الله من الأمر في كل سماء و من الأمر الموحى في السماء السادسة إعجاز القرآن و الذي أعطيه صلى الله عليه و سلم من جوامع الكلم من هذه السماء تنزل إليه و لم يعط ذلك نبي قبله و قد قال أعطيت ستا لم يعطهن نبي قبلي و كل ذلك أوحي في السموات من قوله وَ أَوْحى‏ في كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها فجعل في كل سماء ما يصلح تنفيذه في الأرض في هذا الخلق فكان من ذلك أن بعث وحده إلى الناس كافة فعمت رسالته و هذا مما أوحى الله به في السماء الرابعة و نصر بالرعب و هو مما أوحى الله به في السماء الثالثة من هناك و منها ما حلل الله له من الغنائم و جعلت له الأرض مسجدا و طهورا من السماء الثانية من هناك أوتيت جوامع الكلم من أمر وحي السماء السادسة و من أمر هذه السماء ما خصه الله به من إعطائه إياه مفاتيح خزائن الأرض و من الوحي المأمور به في السماء السابعة من هناك و هي السماء الدنيا التي تلينا كون الله خصه بصورة الكمال فكملت به الشرائع و كان خاتم النبيين و لم يكن ذلك لغيره صلى الله عليه و سلم فبهذا و أمثاله انفرد بالسيادة الجامعة للسيادات كلها و الشرف المحيط الأعم صلى الله عليه و سلم فهذا قد نبهنا على ما حصل له في مولده من بعض ما أوحى الله به في كل سماء من أمره‏ و قوله الزمان و لم يقل الدهر و لا غيره ينبه على وجود الميزان فإنه ما خرج عن الحروف التي في الميزان بذكر الزمان و جعل ياء الميزان مما يلي الزاي و خفف الزاي و عددها في الزمان إشعارا بأن في هذه الزاي حرفا مدغما فكان أول وجود الزمان في الميزان للعدل الروحاني و في الاسم الباطن لمحمد صلى الله عليه و سلم بقوله كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين ثم استدار بعد انقضاء دورة الزمان التي هي ثمانية و سبعون ألف سنة ثم ابتدأت دورة أخرى من الزمان بالاسم الظاهر فظهر فيها جسم محمد صلى الله عليه و سلم و ظهرت شريعته على التعيين و التصريح لا بالكناية و اتصل الحكم بالآخرة فقال تعالى وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ و قيل لنا وَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَ لا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ و قال تعالى وَ السَّماءَ رَفَعَها وَ وَضَعَ الْمِيزانَ فبالميزان أَوْحى‏ في كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها و به قدر في الأرض أقواتها و نصبه الحق في العالم في كل شي‏ء فميزان معنوي و ميزان حسي لا يخطئ أبدا فدخل الميزان في الكلام و في جميع الصنائع المحسوسة و كذلك في المعاني إذ كان أصل وجود الأجسام و الأجرام و ما تحمله من المعاني عند حكم الميزان و كان وجود الميزان و ما فوق الزمان عن الوزن الإلهي الذي يطلبه الاسم الحكيم و يظهره الحكم العدل لا إله إلا هو و عن الميزان ظهر العقرب و ما أوحى الله فيه من الأمر الإلهي و القوس و الجدي و الدلو و الحوت و الحمل و الثور و الجوزاء و السرطان و الأسد و السنبلة و انتهت الدورة الزمانية إلى الميزان لتكرار الدور فظهر محمد صلى الله عليه و سلم و كان له في كل جزء من أجزاء الزمان حكم اجتمع فيه بظهوره صلى الله عليه و سلم و هذه الأسماء أسماء ملائكة خلقهم الله و هم الاثنا عشر ملكا و جعل لهم الله مراتب في الفلك المحيط و جعل بيد كل ملك ما شاء أن يجعله مما يبرزه فيمن هو دونهم إلى الأرض حكمة فكانت روحانية محمد صلى الله عليه و سلم تكتسب عند كل حركة من الزمان أخلاقا بحسب ما أودع الله في تلك الحركات من الأمور الإلهية فما زالت تكتسب هذه الصفات الروحانية قبل وجود تركيبها إلى أن ظهرت صورة جسمه في عالم الدنيا بما جبله الله عليه من الأخلاق المحمودة فقيل فيه وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ فكان ذا خلق لم يكن ذا تخلق و لما كانت الأخلاق تختلف أحكامها باختلاف المحل الذي ينبغي أن يقابل بها احتاج صاحب الخلق إلى علم يكون عليه حتى يصرف في ذلك المحل الخلق الذي يليق به عن أمر الله فيكون قربة إلى الله فلذلك تنزلت الشرائع لتبين للناس محال أحكام الأخلاق التي جبل الإنسان عليها فقال الله في مثل ذلك و لا تقل لهما أف لوجود التأفيف في خلقه فأبان عن المحل الذي لا ينبغي أن يظهر فيه حكم هذا الخلق ثم بين المحل الذي ينبغي أن يظهر فيه هذا الخلق فقال أُفٍّ لَكُمْ وَ لِما تَعْبُدُونَ من دُونِ الله‏و قال تعالى فَلا تَخافُوهُمْ فأبان عن المحل الذي ينبغي أن لا يظهر فيه خلق الخوف ثم قال لهم خافُونِ فأبان لهم حيث ينبغي أن يظهر حكم هذه الصفة و كذلك الحسد و الحرص و جميع ما في هذه النشأة الطبيعية الظاهر حكم روحانيتها فيها قد أبان الله لنا حيث نظهرها و حيث نمنعها فإنه من المحال إزالتها عن هذه النشأة إلا بزوالها لأنها عينها و الشي‏ء لا يفارق نفسه‏ قال صلى الله عليه و سلم لا حسد إلا في اثنتين و قال زادك الله حرصا و لا تعد و إنما قلنا الظاهر حكم روحانيتها فيها تحرزنا بذلك من أجل أهل الكشف و العلماء الراسخين في العلم من المحققين العالمين فإن المسمى بالجماد و النبات عندنا لهم أرواح بطنت عن إدراك غير أهل الكشف إياها في العادة لا يحس بها مثل ما يحسها من الحيوان فالكل عند أهل الكشف حيوان ناطق بل حي ناطق غير إن هذا المزاج الخاص يسمى إنسانا لا غير بالصورة و وقع التفاضل بين الخلائق في المزاج فإنه لا بد في كل ممتزج من مزاج خاص لا يكون إلا له به يتميز عن غيره كما يجتمع مع غيره في أمر فلا يكون عين ما يقع به الافتراق و التميز عين ما يقع به الاشتراك و عدم التميز فاعلم ذلك و تحققه‏ قال تعالى وَ إِنْ من شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ و شي‏ء نكرة و لا يسبح إلا حي عاقل عالم بمسبحه و قد ورد أن المؤذن يشهد له مدى صوته من رطب و يابس و الشرائع و النبوات من هذا القبيل مشحونة و نحن زدنا مع الايمان بالأخبار الكشف فقد سمعنا الأحجار تذكر الله رؤية عين بلسان نطق تسمعه آذاننا منها و تخاطبنا مخاطبة العارفين بجلال الله مما ليس يدركه كل إنسان فكل جنس من خلق الله أمة من الأمم فطرهم الله على عبادة تخصهم أوحى بها إليهم في نفوسهم فرسولهم من ذواتهم إعلام من الله بإلهام خاص جبلهم عليه كعلم بعض الحيوانات بأشياء يقصر عن إدراكها المهندس النحر يرو علمهم على الإطلاق بمنافعهم فيما يتناولونه من الحشائش و المأكل و تجنب ما يضرهم من ذلك كل ذلك في فطرتهم كذلك المسمى جمادا و نباتا أخذ الله بأبصارنا و أسماعنا عماهم عليه من النطق و لا تقوم الساعة حتى تكلم الرجل فخذه بما فعله أهله جعل الجهلاء من الحكماء هذا إذا صح إيمانهم به من باب العلم بالاختلاج يريدون به علم الزجر و إن كان علم الزجر علما صحيحا في نفس الأمر و أنه من أسرار الله و لكن ليس هو مقصود الشارع في هذا الكلام فكان له صلى الله عليه و سلم الكشف الأتم فيرى ما لا نرى و لقد نبه ع على أمر عمل عليه أهل الله فوجدوه صحيحا قوله لو لا تزييد في حديثكم و تمريج في قلوبكم لرأيتم ما أرى و لسمعتم ما أسمع‏ فخص برتبة الكمال في جميع أموره و منها الكمال في العبودية فكان عبدا صرفا لم يقم بذاته ربانية على أحد و هي التي أوجبت له السيادة و هي الدليل على شرفه على الدوام و قد قالت عائشة كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يذكر الله على كل أحيانه‏ و لنا منه ميراث وافر و هو أمر يختص بباطن الإنسان و قوله و قد يظهر خلاف ذلك بأفعاله مع تحققه بالمقام فيلتبس على من لا معرفة له بالأحوال فقد بينا في هذا الباب ما مست الحاجة إليه وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏