اختلف أهل العلم في أبوال الحيوانات كلها و أرواثها ما عدا الإنسان إلا بول الرضيع فمن قائل إنها كلها نجسة و من قائل بطهارتها كلها على الإطلاق و من قائل إن حكمها حكم لحومها فما كان منها أكله حلالا كان بوله و روثه طاهرا و ما كان منها أكله حراما كان بوله و روثه نجسا و ما كان منها لحمه مكروها أكله كان بوله و روثه مكروها (وصل اعتباره في الباطن) الطهارة في الأشياء أصل و النجاسة أمر عارض فنحن مع الأصل ما لم يأت ذلك العارض و هذا مذهبنا فالعبد طاهر الأصل في عبوديته لأنه مخلوق على الفطرة و هي الإقرار بالعبودية للرب سبحانه قال الله تعالى وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ من بَنِي آدَمَ من ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في هذه الآية إن الله لما خلق آدم قبض على ظهره فاستخرج منه كأمثال الذر ف أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ و كذلك العلم طاهر في تعلقه بمعلومه فمهما عرض تحجير من الحق في أمر ما و علم ما وقفنا عنده و كذلك الحياة لذاتها طاهرة مطهرة و كل ما سوى الله حي فكل ما سوى الله طاهر بالأصل فباسمه القدوس خلق العالم كله و إنما قلنا كل ما سوى الله حي فإنه ما من شيء و الشيء أنكر النكرات إلا و هو يسبح بحمد الله و لا يكون التسبيح إلا من حي و إن كان الله قد أخذ بأسماعنا عن تسبيح الجمادات و النبات و الحيوان الذي لا يعقل كما أخذ بأبصارنا عن إدراك حياة الجماد و النبات إلا لمن خرق الله له العادة كرسول الله صلى الله عليه و سلم و من حضر من أصحابه حين أسمعهم الله تسبيح الحصى فما كان خرقالعادة في تسبيح الحصى و إنما انخرقت العادة في تعلق أسماعهم به و قد سمعنا بحمد الله في بدء أمرنا تسبيح حجر و نطقه بذكر الله فمن الموجودات ما هو حي بحياتين حياة مدركة بالحس و حياة غير مدركة بالحس و منها ما هو حي بحياة واحدة غير مدركة بالحس عادة و منها ما هو حي بثلاثة أنواع من الحياة و هو الإنسان خاصة فإنه حي بالحياة الأصلية التي لا يدركها بالحس عادة و هو أيضا حي بحياة روحه الحيواني و هو الذي يكون به الحس و هو حي أيضا بنفسه الناطقة فالعالم كله طاهر فإن عرض له عارض إلهي يقال له نجاسة حكمنا بنجاسة ذلك المحل على الحد المقدر شرعا خاصة في عين تلك النسبة الخاصة فالنجاسة في الأشياء عوارض نسب و أعظم النجاسات الشرك بالله قال تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا فالمشرك نجس العين فإذا آمن فهو طاهر العين أي عين الشرك و عين الايمان فافهم فإنه ما يصدر عن القدوس إلا مقدس و لذا قلنا في النجاسة إنها عوارض نسب و النسب أمور عدمية فلا أصل للنجاسة في العين إذ الأعيان طاهرة بالأصل الظاهرة منه و هنا أسرار لا يمكن ذكرها إلا شفاها لأهلها فإن الكتاب يقع في يد أهله و غير أهله فمن فهم ما أشرنا إليه فقد حصل على كنز عظيم ينفق منه ما بقيت الدنيا و الآخرة أي إلى ما لا يتناهى وجوده و الله المؤيد معلم الإنسان البيان