اعلم أيدك الله بروح القدس أن مسمى الصلاة يضاف إلى ثلاثة و إلى رابع ثلاثة بمعنيين بمعنى شامل و بمعنى غير شامل فتضاف الصلاة إلى الحق بالمعنى الشامل و المعنى الشامل هو الرحمة فإن الله وصف نفسه بالرحيم و وصف عباده بها فقال أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إنما يرحم الله من عباده الرحماء قال تعالى هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ فوصف نفسه بأنه يصلي أي يرحمكم بأن يخرجكم من الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يقول من الضلالة إلى الهدى و من الشقاوة إلى السعادة و تضاف الصلاة إلى الملائكة بمعنى الرحمة و الاستغفار و الدعاء للمؤمنين قال تعالى هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ فصلاة الملائكة ما ذكرناها قال الله عز و جل في حق الملائكة وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا يقولون فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ... وَ قِهِمُ السَّيِّئاتِ اللهم استجب فينا صالح دعاء الملائكة و تضاف الصلاة إلى البشر بمعنى الرحمة و الدعاء و الأفعال المخصوصة المعلومة شرعا على ما سنذكره فجمع البشر هذه الثلاث المراتب المسماة صلاة قال تعالى آمرا لنا وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ و تضاف الصلاة إلى كل ما سوى الله من جميع المخلوقات ملك و إنسان و حيوان و نبات و معدن بحسب ما فرضت عليه و عينت له قال تعالى أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الله يُسَبِّحُ لَهُ من في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ فأضاف الصلاة إلى الكل و التسبيح في لسان العرب الصلاة قال عبد الله بن عمر و هو من العرب و كان لا يتنفل في السفر فقيل له في ذلك فقال لو كنت مسبحا أتممت و قال تعالى تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ من فِيهِنَّ وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ و قال خطابا لمحمد صاحب الكشف حيث يرى ما لا نرى أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ من في السَّماواتِ وَ من في الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ فانظر إلى فقه عبد الله بن عمر رضيالله عنه لما تحقق أن الله يريد التخفيف عن عبيده بوضع شطر الصلاة عنهم لم ير أن يتنقل موافقة لمقصود الحق في ذلك فهذا نفقة روحاني و أما من تنفل في السفر فرأى أن مقصود الحق إسقاط الفرضية لا إسقاط الصلاة التي يتطوع الإنسان فلو أتم المسافر لكان الغرض منها ركعتين و الباقي نافلة فإن الله ما فرض عليه إلا ركعتين على لسان رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما لم ير هذا المتنفل إلا إسقاط الفرضية عنه لا التطوع بالصلاة تنفل في السفر و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم تنفل في السفر على الراحلة فعلم القائل بهذا أن الغرض هو الذي قصد إسقاطه عنه و اقتدى برسول الله صلى الله عليه و سلم في التنفل في السفر فإن الله قال لنا لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فاعلم أن الصلوات المشروعة فرضا و سننا مؤكدة بين النافلة و الفريضة ثمانية كما إن الأعضاء المكلفة من الإنسان ثمانية لأن الذات مع نسبها المعبر عنها بالصفات ثمانية فهذه الثمانية هي الذات و الحياة و العلم و الإرادة و الكلام و القدرة و السمع و البصر و الإنسان المكلف ذات حية عالمة مريدة متكلمة قادرة سميعة بصيرة و أما الأعضاء المكلفة أعني التي بفعل الإنسان بها ما كلف إن يفعله أو يتركه فهي ثمانية الأذن و العين و اللسان و اليد و البطن و الفرج و الرجل و القلب و أما الصلوات الثمانية المشروع الفعل بها فرضا و سنة مؤكدة فالصلوات الخمس و الوتر من الليل و الجمعة و العيدان و الكسوف و الاستسقاء و الاستخارة و الصلاة على الجنائز و أما الصلاة على رسول الله صلى الله عليه و سلم فدخلت في الدعاء فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد علمنا كيف نصلي عليه أي كيف ندعو له و قد أمرنا أن ندعو له بالوسيلة و المقام المحمود و نحن إن شاء الله نذكر في هذا الباب فصول هذه الصلوات كلها مكملة بشروطها و ما أتتبع ما تحوي عليه من التفاصيل فإن ذلك يطول و إنما أقصد إلى ذكر فصول تجري مجرى الأمهات كما عملنا في الطهارة إلى أن نستوفيها إن شاء الله و الصلاة وقعت في الرتبة الثانية من قواعد الايمان التي بنى الإسلام عليها في الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال بنى الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة و صوم رمضان و الحج فعلم الصحابة أنه صلى الله عليه و سلم راعى الترتيب لما يدخل الواو من الاحتمال و لهذا لما قال بعض رواة هذا الحديث من الصحابة لما سرده فقال و الحج و صوم رمضان أنكر عليه و قال له و صوم رمضان و الحج فقدمه و علمنا أنه أراد الترتيب و نبه على إن لا ننقل عنه صلى الله عليه و سلم إلا عين ما تلفظ به فإنه من العلماء من يرى نقل الحديث المتلفظ به من النبي صلى الله عليه و سلم على المعنى فالصلاة ثانية في القواعد مشتقة من المصلي في الخيل و هو الذي يلي السابق في الحلبة و السابق في القواعد الشهادة و المصلي هي الصلاة و جعل الزكاة تلي الصلاة لأن الزكاة التطهير فناسبت الصلاة فإن الصلاة لا يقبلها الله بغير طهور و الزكاة تطهير الأموال قال تعالى قَدْ أَفْلَحَ من زَكَّاها يعني النفس التي سواها يريد قد أفلح من طهرها بامتثال أوامر الله و من شرط الصلاة طهارة الثياب و الأبدان و البقعة التي توقع الصلاة عليها و فيها كانت ما كانت و جعل الصوم يلي الزكاة لما شرع الله في صوم رمضان عند انقضائه من زكاة الفطر فلم يبق الحج إلا أن يكون آخرا و قد ذكرنا الشهادة التوحيدية و ذكرنا من الصلاة الطهارة التي لا تصح الصلاة إلا بها فلنذكر الطهارة إن شاء الله بهذا الباب و لنبدأ بالصلاة المفروضة و ما يلزمها و يتبعها من اللوازم و الشروط و الأركان في أفعالها و أقوالها ثم بعد ذلك أشرع في ذكر الصلوات التي تطلبها الأحوال و من الله نسأل التأييد و العون
(فصل في الأوقات)
و لا أعني بالكلام هنا في الأوقات أوقات الصلوات فقط و إنما أريد الوقت من حيث ما هو وقت سواء كان لعبادة أو غير عبادة فإذا عرفناك بمعناه و اعتباره حينئذ نشرع في ذكر الأوقات المشروعة للعبادات فنقول الوقت عبارة عن التقدير في الأمر الذي لا يقبل وجود عين ما يقدر و هو الفرض كما تقدر أو نفرض في الشكل الكري أولا أو وسطا أو نهاية و هو في نفسه و عينه لا يقبل الأولية بالفعل و لا الوسط و لا لآخرية فيجعل له من ذلك ما نجعله بحكم الفرض فيه و التقدير فالوقت فرض مقدر في الزمان لما كان الزمان مستديرا كما خلقه الله في ابتدائه فهو كالأكرة قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلقه الله فذكر إن الله خلقه مستديرا و الأوقات فيه مقدرة فلماخلق الله الفلك الأطلس و دار لم يتعين اليوم و لا ظهر له عين فإنه مثل ماء الكوز في النهر قبل إن يكون في الكوز فلما فرض فيه لاثني عشر فرضا و وقتت معينة و سماها بروجا في ذلك الفلك و هو قوله تعالى وَ السَّماءِ لعلوها علينا ذاتِ الْبُرُوجِ و هي هذه الفروض الموقتة و وقف شخص يدور عليه هذا الفلك و جعل لهذا الشخص بصر عاين بها تلك الفروض بعلامات جعلت له فيها فتميز عنده بعضها عن بعض بتلك العلامات المجعولة دلالات عليها فجعل عينه في فرض منها أعني في العلامة ثم دار الفلك بتلك العلامة المفروضة التي جعل عينه عليها هذا الناظر و غابت عنه و ما برح واقفا في موضعه ذلك حتى انتهت إليه تلك العلامة فعلم عند ذلك أن الفلك قد دار دورة واحدة بالنسبة إلى هذا الناظر لا بالنسبة إلى الفلك فسمينا تلك الدورة يوما ثم بعد ذلك خلق الله في السماء الرابعة من السبع السموات كوكبا نيرا عظيم الجرم سماه باللسان العربي شمسا فطلع له به في نظره ذلك الفلك من خلف حجاب الأرض الذي هذا الناظر عليها فسمى ذلك المطلع مشرقا و الطلوع شروقا لكون ذلك الكوكب المنير طلع منه و أضاء به الجو الذي هذا الناظر فيه فما زال يتبع بصره حركة ذلك الكوكب إلى أن قارنه فسمى تلك القارنة استواء ثم أخذ الكوكب نازلا عن استواءه عند هذا الناظر يطلب جهة اليمين منه لا بالنظر إلى الكوكب في نفسه كما قلنا فسمى أول انفصاله في عين الناظر عن الاستواء زوالا و دلوكا ثم ما زال هذا الناظر يتبعه بصره إلى أن غاب جرم ذلك الكوكب فسمى مغيبه غروبا و الموضع الذي رأى بصره أنه غاب فيه مغربا و أظلم عليه الجو فسمى مدة استنارة الجو من مشرق ذلك الكوكب إلى مغربه نهارا لاتساع النور فيه مأخوذ من النهر الذي هو اتساع الماء في المسيل الذي يجري فيه فما زال الناظر في ظلمة إلى أن طلع الكوكب المسمى شمسا من الموضع الذي سماه مشرقا في عين الناظر من موضع آخر متصل بذلك الموضع الذي شرقت منه أمس المسمى درجة فسمى مدة تلك الظلمة التي بقي فيها من وقت غروب الشمس إلى طلوعها ليلا فكان اليوم مجموع الليل و النهار معا و سمي المواضع التي يطلع منها هذا الكوكب كل يوم درجا ثم نظر إلى هذا الكوكب النير المسمى شمسا ينتقل في تلك الفروض المقدرة في الفلك المحيط درجة درجة حتى يقطع ذلك بشروق تسمى أياما فكلما أكمل قطع فرض من تلك الفروض شرع في قطع فرض آخر إلى أن أكمل الاثني عشر فرضا بالقطع ثم شرع يبتدئ كرة أخرى في قطع تلك الفروض فسمى ابتداء قطع كل فرض إلى انتهاء قطع ذلك الفرض شهرا و سمي قطع تلك الفروض كلها سنة فتبين لك أن الليل و النهار و اليوم و الشهر و السنة هي هذه المعبر عنها بالأوقات و تدق إلى مسمى الساعات و دونها و أن ذلك كله لا وجود له في عينه و أنه نسب و إضافات و إن الموجود إنما هو عين الفلك و الكوكب لا عين الوقت و الزمان و أنها مقدرات فيها أعني الأوقات و تبين لك أن الزمان عبارة عن الأمر المتوهم الذي فرضت فيه هذه الأوقات فالوقت فرض متوهم في عين موجودة و هو الفلك و الكوكب يقطع حركة ذلك الفلك و الكوكب بالفرض المفروض فيه في أمر متوهم لا وجود له يسمى الزمان و قد أبنت لك حقيقة الزمان الذي جعله الله ظرفا للكائنات المتحيزات الداخلة تحت هذا الفلك الموقت فيه المفروض في عينه تعيين الأوقات ليقال خلق كذا و ظهر كذا في وقت كذا وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ وَ كُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا سبحانه لا إله إلا هو الحكيم القدير و بعد أن علمت ما معنى الزمان و الوقت فاعتبره أي جزه و اقطعه إلى معرفة الأزل الذي تنعت به خالقك و تجعله له كالزمان لك و إذا كان الزمان لك بهذه النسبة أمرا نسبيا لا حقيقة له في عينه و أنت محدود مخلوق فالأزل أبعد و أبعد أن يكون حد الوجود الله في قولك و قول من قال أن الله تكلم في الأزل و قال في الأزل و قدر في أزله كذا و كذا و يتوهم بالوهم فيه أنه امتداد كما تتوهم امتداد الزمان في حقك فهذا من حكم الوهم لا من حكم العقل و النظر الصحيح فإن مدلول لفظة الأزل إنما هو عبارة عن نفي الأولية لله تعالى أي لا أول لوجوده بل هو عين الأول سبحانه لا بأولية تحكم عليه فيكون تحت إحاطتها و معلولا عنها و فرق بين ما يعطيه و همك و عقلك و أكثر من هذا البسط في هذه المسألة ما يكون فالحق سبحانه يقدر الأشياء أزلا و لا يقال يوجد أزلا فإنه محال من وجهين فإن كونه موجدا إنما هو بأن يوجد و لا يوجد ما هو موجود و إنما يوجد ما لم يكن موصوفا لنفسه بالوجود و هو المعدوم فمحال أن يتصف الموجود الذي كان معدوما بأنه موجود أزلا فإنه موجود عن موجود أوجده و الأزلعبارة من نفي الأولية عن الموصوف به فمن المحال أن يكون العالم أزلي الوجود و وجوده مستفاد من موجدة و هو الله تعالى و الوجه الآخر من المحال الذي يقال في العالم أنه موجود أزلا لأن معقول الأزل نفي الأولية و الحق هو الموصوف به فيستحيل وصف وجود العالم بالأزل لأنه راجع إلى قولك العالم مستفيد الوجود من الله غير مستفيد الوجود من الله لأن الأولية قد انتفت عنه بكونه أزلا فيستحيل على العالم أن يتصف بهذا الوصف السلبي الذي هو الأزل و لا يستحيل الموصوف به و هو الحق أن يقال خلق الخلق أزلا بمعنى قدر فإن التقدير راجع إلى العلم و إنما يستحيل إذا كان خلق بمعنى أوجد فإن الفعل لا يكون أزلا فقد ثبت لك التقدير في الأزل كما ثبت لك التقدير في الزمان و أن الزمان متوهم لا وجود له و كذلك الأزل وصف سلبي لا وجود له فإنه ما هو عين الله و ما ثم إلا الله و ما هو أمر وجودي يكون غير الحق و يكون الحق مظروفا له فيحصره من كونه ظرفا كما يحصرنا الزمان من كونه ظرفا لنا على الوجه الذي ذكرناه فافهم و بعد أن عرفتك معنى الأوقات فلنرجع و نبين المراد بأوقات العبادات و من العبادات أوقات لصلوات
(فصل في أوقات الصلوات فنقول)
أوقات الصلاة منها معين و غير معين فغير المعين وقت تذكر الناسي و استيقاظ النائم فإن وقته عند ما يتذكران كان ناسيا أو يستيقظ إن كان نائما و الوقت المعين على قسمين قسم مخلص و قسم مشترك فالمخلص وسط الوقت الموسع في الصلوات كلها و آخر وقت الصبح و أول وقت الظهر فإنه لا يقع فيما ذكرناه اشتراك لصلاة أخرى كما يقع في أواخر الصلوات الأربع و المشترك هو الوقت الذي بين الصلاتين كالظهر و العصر و غيرهما بالخلاف المذكور المعلوم في ذلك عند علمائنا من علماء الشريعة نذكر ذلك في موضعه إن شاء الله عند كلامنا في أوقات الصلوات كلها صلاة صلاة على التفصيل اعتباره قلنا المصلي هو الثاني من السابق في الحلبة و إن الصلاة ثانية في المرتبة من شهادة التوحيد و قد قال الحق سبحانه قسمت الصلاة بيني و بين عبدي نصفين فجعله في حال الصلاة ثانيا له في القسمة الإلهية فقال في الصلاة مطلقا و ما قيد فرضا من تطوع و قد قلنا إن الوقت منه معين و هو في الاعتبار الفرض و غير معين و هو في الاعتبار التطوع فالعارف الذي هو على صلاته دائم و في مناجاته بين يدي ربه قائم في حركاته و سكناته فما عنده وقت معين و لا غير معين بل هو صاحب الوقت و من ليس له هذا المشهد فهو بحسب ما يذكره ربه من الحضور معه غير أن العارف الدائم الحضور إذا لم يفرق بين الأوقات بما يجده من المزيد و الفضل بين ما هو مفروض من ذلك الحضور و بين ما تطوع به من نفسه فهو ناقص المقام كامل الحال لاستصحابه الحضور الدائم فإن الحضور من الأحوال لا الحضور من وجه كذا فإن الحضور من وجه كذا للكمل من الرجال فالأول من أهل الحضور لا فرق عنده بين الوجوه لأنه مستغرق في الحال كاللذة المجهولة عند الإنسان التي لا يعرف سابها و الثاني من أهل الحضور و هو الكامل الدائم الحضور بحكم لوجوه كالواجد للذة بما هي لذة فهو ملتذ دائما و بما هي لذة عن طعم علم أو طعم جماع أو طعم شيء ملائم للمزاج يعلم الذائق ذلك ما بينهن من التمييز و الفرقان فإن أسماء الحق تعالى تختلف على قلوب الأولياء بفنون المعارف مع الآنات و الأنفاس فيجد في كل نفس و زمان علما لم يكن عنده بربه من حيث ما يعطيه ذلك النفس و الزمان من تجلى ذلك الاسم الخاص به و لما قسمنا الأوقات إلى مخلص و مشترك فاعلم أن الوقت في هذا الطريق هو ما أنت به في حالك أي شيء كنت به من حسن و سيئ و معرفة و جهل فلا يرتبط و كذلك الأوقات الزمانية بحسب ما يحدث الله فيها في حق كل شخص فالمخلص من الأوقات كل اسم إذا ورد عليك لم يقع في حكمه اشتراك و المشترك كل اسم له وجهان فصاعدا فالأول كالحي فإنه مخلص للحياة و كذلك العالم مخلص للعلم و الثاني الذي هو المشترك نظير الوقت المشترك كالاسم الحكيم فإن له وجها إلى العالم و وجها إلى المدبر فإن للاسم الحكيم حكمين حكما على مواضع الأمور و حكم وضعها في مواضعها بالفعل فكم من عالم لا يضع الشيء في موضعه و كم واضع للأشياء في مواضعها بحكم الاتفاق لا عن علم فالحكيم هو العالم بمواضع الأمور و وضعها في أماكنها على بصيرة فمن كان وقته الحكمة كان في الوقت المشترك و من كان في اسم لا يدل إلا على أمر واحد كالقادر و أمثاله كان في الوقت المخلص فهذه أوقات العارفين في صلواتهم المعنوية على مثال أوقاتهم الظاهرة في صلواتهم البدنية
(فصل في وقت صلاة الظهر)
قال تعالى إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً أي مفروضة في وقت معين سواء كان موسعا أو مضيقا فإنه معين و لا بد بقوله مَوْقُوتاً فمن أخرج صلاة مفروضة عن وقتها المعين له كان ما كان من ناس أو متذكر فإنه لا يقضيها أبدا و لا تبرأ ذمته فإنه ما صلى الصلاة المشروعة إذ كان الوقت من شروط صحة تلك الصلاة فليكثر النوافل بعد التوبة و لا قضاء عليه عندنا لخروج وقتها الذي هو شرط في صحتها و وقت الناسي و النائم وقت تذكره و استيقاظه من نومه و هو مؤد و لا بد لا يسمى قاضيا على الاعتبار الذي يراه الفقهاء لا على ما تعطيه اللغة فإن القاضي و المؤدي لا فرق بينهما في اللسان فكل مؤد للصلاة فقد قضى ما عليه فهو قاض بأدائه ما تعين عليه أداؤه من الله فلنقل أما وقت صلاة الظهر فاتفق العلماء بالشريعة أن وقت الظهر الذي لا تجوز قبله هو الزوال و اختلفوا منها في موضعين في آخر وقتها الموسع و في وقتها المرغب فيه فأما آخر وقتها الموسع فمن قائل هو أن يكون ظل كل شيء مثله و من أصحاب هذا القول من يقول إن ذلك المثل الذي هو آخر وقت الظهر هو أول وقت العصر و من قائل منهم إنه آخر وقت الظهر خاصة فإن أول وقت العصر إنما هو المثلان و إن ما بين المثل و المثلين لا يصلح لصلاة الظهر و أما وقتها المرغب فيه فمن قائل أول الوقت للمنفرد أفضل و من قائل أول الوقت أفضل للمنفرد و الجماعات إلا في شدة الحر و من قائل أول الوقت أفضل بإطلاق في انفراد و جماعة و حر و برد و لكل قائل استدلال ليس هذا موضعه اعتباره الاستواء هو وقوف العبد المربوب في محل النظر من غير ترجيح فيما يعمل أي بأي نية يقصد العبادة هل يعتبر بذلك أداء ما يلزمه من حق العبودية و كونه مربوبا أو يعتبر ما يلزمه بذلك من أداء حق سيده و ربه فهو في حال الاستواء من غير ترجيح فإذا زالت الشمس ترجح عند ذلك الزوال عنده أن يعبده لما تستحقه الربوبية على العبودية من الإنعام على هذا العبد من وقت الطلوع إلى وقت الاستواء فيعبده شكرا لهذه النعمة و إن نظر إلى زوالها بعين المفارقة لطلب الغروب عنه و إسدال الحجاب دونه عبده ذلة و فقرا و انكسارا و طلبا للمشاهدة فلا يزال يرقبها إلى الغروب و من الغروب يرقب آثارها بصلاة المغرب و التنفل بعدها لي مغيب الشفق فيغيب أثرها فيبقى في ظلمة الليل سائلا باكيا متضرعا يراعي نجوم الليل لاستنارتها بنور الشمس و يسأل و يتضرع إلى طلوع الفجر فيرى آثار المجيء و قبول دعائه فيعبده شكرا على ذلك و هو يشاهد آثار القبول فيؤدي فرض الصبح و لا يزال مراقبا بالذكر إلى أن تنجلي طالعة فإذا ابيضت و زال عنها التغير الذي يحول بين البصر و بين بياضها من حجب أبخرة الأرض و هي الأنفاس الطبيعية قام إجلالا على قدم الشكر إلى حد الاستواء فلا يزال في عبادة الفرح و الشكر إلى أن تزول فيرجع إلى عبادة الصبر و الافتقار و توقع المفارقة ما دام حيا فهو بين عبادتين و ذلك أنه لما سمع الرسول صلى الله عليه و سلم يقول ترون ربكم كما ترون الشمس فاعتبر ذلك في عبادته في صلواته المفروضة و التطوع شكرا و فقرا بين نعمة و بلاء و شدة و رخاء فإن المؤمن من استوى خوفه و رجاؤه فهو يدعو ربه خوفا من حد الزوال إلى الغروب الشفقي و طمعا بقية ليلته إلى طلوع الفجر إلى طلوع الشمس إلى حد الاستواء طمعا أن لا يكون حجاب بعد ذلك هكذا هي عبادات العارفين فافهم فأما آخر الوقت الموسع فهو آخر أحكام الاسم الإلهي المخصوص بذلك الوقت و هو الاسم الظاهر كما إن أول الزوال حكم الاسم الإلهي الأول في الظهور الخاص بالعبادة المشروعة إلى أن يكون ظل كل شيء مثله و هو آخر الوقت كذلك حكم الاسم الإلهي إذا قام به هذا العبد في عبادته الخاصة به في هذا الوقت و استوفاه بحيث أن يكون إذا قابلة به كان مثله أي لم يبق في الاسم الإلهي حكم يختص به بهذا الوقت إلا و أثره ظاهر في هذا العبد فقد انقضى حكم هذا الاسم الإلهي في هذا العبد فخرج وقت الظهر و دخل وقت العصر و هو حكم اسم آخر بين الاسمين فرقان متوهم لا ينقسم معقول غير موجود و هو برزخ بينهما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في الحديث الثابت عنه لا يخرج وقت صلاة حتى يدخل وقت الأخرى يعني في الأربع الصلوات لدليل آخر فإنه إذا خرج وقت الصبح لم يدخل وقت الظهر حتى تزول الشمس بخلاف الظهر و العصر و المغرب و العشاء و الصبح فاعلم ذلك فإن اليوم أربع و عشرون ساعة و هو أربعة أرباع كل ربع ست ساعات فمن طلوعالشمس إلى الظهر ربع اليوم ست ساعات و ليس بمحل لصلاة مفروضة بحكم التعيين و إنما قلنا بحكم التعيين من أجل الناسي و النائم فإن الوقت ما عين إيقاع الصلاة في ذلك الوقت و إنما عينه للناسي تذكره و للنائم تيقظه شرعا فسواء كان في ذلك الوقت أو في غيره فلهذا حررنا القول في ذلك و قلبا بحكم التعيين فإن مذهبي في كل ما أورده إني لا أقصد لفظة بعينها دون غيرها مما يدل على معناها إلا لمعنى و لا أزيد حرفا إلا لمعنى فما في كلامي بالنظر إلى قصدي حشو و إن تخيله الناظر فالغلط عنده في قصدي لا عندي و كان من زوال الشمس إلى طلوعها من اليوم الثاني وقتا مستصحبا لصلوات معينة مفروضة فيها متى وقعت وقعت في وقتها المعين لها كذلك الإنسان مقسم على أربعة أرباع الثلاثة الأرباع منه متعبدة لله بأعمال مخصوصة كالثلاثة الأرباع من اليوم فارباع الإنسان ظاهره و باطنه الذي هو قلبه و لطيفته التي هي روحه المخاطب منه و طبيعته فظاهره و قلبه و روحه لا ينفك عن عبادة أصلا تتعلق به فأما أن يطيع و إما أن يعصي و الربع الواحد طبيعته و هو مثل زمان طلوع الشمس إلى الزوال من اليوم فهو يتصرف بطبعه مباحا له ذلك لا حرج عليه إلا إن شاه أن يلحقها بسائر أرباعه في العبادات فيعمل المباح له عمله من كونه مباحا شرعا و يحضر مع الايمان به كالمصلي من طلوع الشمس و إضاءتها إلى أول الزوال أعني الاستواء فلا يمنع من ذلك و هو ليس بوقت وجوب لشيء من الصلوات الخمس معين فافهم و أما اعتبار الوقت المرغب فيه على ما ذكرناه من الاختلاف و اتفق الكل على الأولية أو الأكثر و اختلفوا في الأحوال فاعلم إن الأول أفضل الأشياء و أعلاها لأنه لا يكون عن شيء بل تكون الأشياء عنه فلو كان عن شيء لم تصح له الأولية على الإطلاق فكذلك العبد يسعى في أن يعبد ربه من حيث أولية ربه لا من حيث أولية عينه فإن أولية عينه عن أوليات كثيرة قبله و أعني بذلك الأسباب فهو سبحانه السبب الأول الذي لا سبب لأوليته فإذا عبده العارف في تلك الأولية المنزهة عن إن يتقدمها أولية انسحبت عبادة هذا العارف من هناك على عبادة كل مخلوق خلقه الله من أول المخلوقات إلى حين وجوده و هي الأولية المؤثرة في إيجاد الكائنات فقد عبده في الوقت المرغب فيه سواء عبده بصفة خاصة من أعضائه المكلفة كصلاة الفذ المنفرد أو عبده بجميع أعضائه كصلاة الجماعة أو في زمان الحر أي في شدة خوفه و مجاهدته و حرقة اشتياقه و وجده و ولهه و كلفه أو في برد أي في حال علمه و ثلج يقينه و برده على أي حالة كان فالأولية أفضل له فإن الله يقول آمرا سارِعُوا و سابِقُوا و أثنى على من هذه حالته فقال أُولئِكَ يُسارِعُونَ في الْخَيْراتِ وَ هُمْ لَها سابِقُونَ فالمبادرة إلى أول الأوقات في العبادات هو الأحوط و المطلوب من العباد في حال التكليف و لهذا الاحتراز و الاحتياط يحمل الأمر الإلهي إذا ورد معرى عن قرائن الأحوال التي يفهم منها الندب أو الإباحة على الوجوب و يحمل النهي كذلك على الحظر إذا تعرى عن قرينة حال تعطيك الكراهة و لا تتوقف عن حمل الأمر و النهي على ما قلناه إلا بقرينة حال تخرجهما عن حكم الوجوب في الأمر و حكم الحظر في النهي فقد بان لك يا أخي اعتبار الأوقات مطلقا و اعتبار الوقت المرغب فيه بعد أن عرفناك بمذاهب علماء الشريعة فيه للجمع بين العبادتين الظاهرة في حسك و الباطنة في عقلك فتكون من أهل الجمع و الوجود فإنك إذا طلبت الطريق إلى الله من حيث ما شرعه الله كان الحق الذي هو المشرع غايتك و إذا طلبته من حيث ما تعطيه نفسك من الصفاء و الالتحاق بعالمها من التنزه عن الحكم الطبيعي عليها كان غايتها الالتحاق بعالم الروحاني خاصة و من هناك تنشأ لها شرائع الأرواح تسلك عليها و بها حتى يكون الحق غايتها هذا إن فسح الله له في الأجل و إن مات فلن يدرك ذلك أبدا و قد أفردنا لهذه الطريقة خلوة مطلقة غير مقيدة في جزء يعمل عليها المؤمن فيزيد إيمانا و يعمل بها و عليها غير المؤمن من كافر و معطل و مشرك و منافق فإذا و في العمل عليها و بها كما شرطناه و قررناه فإنه يحصل له العلم بما هو الأمر عليه في نفسه و يكون ذلك سبب إيمانه بوجود الله إن كان معطلا و بتوحيد الله إن كان مشركا و بحصول إيمانه إن كان كافرا و بإخلاصه إن كان منافقا أو مرتابا فمن دخل تلك الخلوة و عمل بتلك الشرائط كما قررنا أثمرت له ما ذكرناه و ما سبقني إليها أحد في علمي إلا إن كان و ما وصل إلي فإن الله لا تحجير عليه يؤتي الحكمة من يشاء فإني أعلم أن أحدا من أهل الطريق ما يجهلها إن كان صاحب كشف تام و لكن ما ذكروها و لا رأيت أحدا منهم نبه عليها إلا الخلوات المقيدة و لو لا ما سألني فيها أخونا و ولينا أبو العباس أحمد بن علىابن ميمون بن آب التوزري تم المصري المعروف بالقسطلاني المجاور الآن بمكة ما خطر لنا الإبانة عنها فربما اتفق لمن تقدمنا مثل هذا فلم نبهوا عليها لعدم السائل
(فصل بل وصل في وقت صلاة العصر) اختلف علماء الشريعة في أول وقتها مع آخر وقت صلاة الظهر و في آخر وقت صلاة العصر فمن قائل إن أول وقت العصر هو بعينه آخر وقت الظهر و هو إذا صار ظل كل شيء مثله و اختلف القائلون بهذا القول فمن قائل إن ذلك الوقت مشترك للصلاتين معا و مقداره أن يصلي فيه أربع ركعات إن كان مقيما أو ركعتين إن كان مقصرا و من قائل آخر وقت الظهر هو الآن الذي هو أول وقت العصر و هو زمان لا ينقسم جاء الحديث الثابت في إمامة جبريل عليه السلام بالنبي صلى الله عليه و سلم أنه صلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول و في الحديث الثابت الآخر إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال آخر وقت الظهر ما لم يدخل وقت العصر و حديث آخر ثابت لا يخرج وقت صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى فالحديث الأول يعطي الاشتراك في الوقت و الحديثان الآخران يعطي الزمان الذي لا ينقسم فيرفع الاشتراك و القول هنا أقوى من الفعل لأن الفعل يعسر الوقوف على تحقيق الوقت به و هو من قول الصاحب على ما أعطاه نظره و قول النبي صلى الله عليه و سلم يخالف ما قال الصاحب و حكم به على فعل صلاة جبريل عليه السلام بالنبي صلى الله عليه و سلم فيكون كلام رسول الله صلى الله عليه و سلم مفسرا للفعل الذي فسره الراوي و الأخذ بقول رسول الله صلى الله عليه و سلم هو الذي أمرنا الله أن نأخذ به قال الله تعالى وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ فكان ينبغي في هذه المسألة و أمثالها أن لا يتصور خلاف و لكن الله جعل هذا الخلاف رحمة لعباده و اتساعا فيما كلفهم به من عبادته لكن فقهاء زماننا حجروا و ضيقوا على الناس المقلدين للعلماء ما وسع الشرع عليهم فقالوا للمقلد إذا كان حنفي المذهب لا تطلب رخصة الشافعي فيما نزل بك و كذلك لكل واحد منهم و هذا من أعظم الرزايا في الدين و الحرج و الله يقول ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ من حَرَجٍ و الشرع قد قرر حكم المجتهد له في نفسه و لمن قلده فأبوا فقهاء زماننا ذلك و زعموا أن ذلك يؤدي إلى التلاعب بالدين و هذا غاية الجهل منهم فليس الأمر و الله كما زعموا مع إقرارهم على أنفسهم أنهم ليسوا بمجتهدين و لا حصلوا في رتبة الاجتهاد و لا نقلوا عن أئمتهم إنهم سلكوا هذا المسلك فأكذبوا أنفسهم في قولهم إنهم ما عندهم استعداد الاجتهاد و الذي حجروه على المقلدين ما يكون إلا بالاجتهاد نعوذ بالله من العمي و الخذلان فما أرسل الله رسوله إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ و أي رحمة أعظم من تنفيس هذا الكرب المهم و الخطب الملم و أما آخر وقت العصر فمن قائل إن آخر وقتها أن يصير ظل كل شيء مثليه و من قائل إن آخر وقتها ما لم تصفر الشمس و من قائل إن آخر وقتها قبل أن تغرب الشمس بركعة و به أقول الاعتبار قد تقدم الاعتبار في الوقت المشترك بالأسماء الإلهية في حق المتخلق بها من أهل الله و غير المشترك فليؤخذ في كل الصلوات مطلقا و ما بقي من الاعتبار في هذا الفصل إلا الاعتبار في الآن الذي لا ينقسم و في الاصفرار أما اعتبار الآن الفاصل بين الوقتين فهو المعنى الفاصل بين الاسمين اللذين لا يفهم من كل واحد منهما اشتراك فطهر حكم كل اسم منهما على الانفراد و هو حد الواقف عندنا فإن الإنسان السالك إذا انتقل من مقام قد احتكمه و حصله تخلقا و ذوقا و خلقا إلى مقام آخر يريد تحصيله أيضا يوقف بين المقامين وقفة يخرج حكم تلك الوقفة عن حكم المقامين عن حكم المقام الذي انتقل عنه و عن حكم المقام الذي يريد الانتقال إليه يعرف في تلك الوقفة بين المقامين و هو كالآن بين الزمانين آداب المقام الذي ينتقل إليه و ما ينبغي أن يعامل به الحق فإذا أبين له عنه دخل في حكم المقام الذي انتقل إليه على علم فإن المقامات في هذا الطريق كأنواع الأعمال في الشريعة مثل الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و الجهاد و غير ذلك فكما إن لكل نوع من هذه الأعمال علم يخصه كذلك لكل مقام آداب و معاملة تخصه و قد بين ذلك محمد بن عبد الجبار النفري في كتابه الذي سماه بالمواقف و القول وقفت على أكثره و هو كتاب شريف يحوي على علوم آداب المقامات يقول في ترجمة الموقف اسم الموقف يقول في انتقاله إلى موقف العلم مثلا و هو من جملة مواقفه في ذلك الكتاب فقال موقف العلم ثم قال أوقفني في موقف العلم و قال لي يا عبدي لا تأتمر للعلم و لا خلقتك لتدل على سواى ثم قال قال لي الليل لي لا للقرآن يتلى الليل لي لا للمحمدة و الثناء إلى أن ينتهي إلى جميع ما يوقفه الحق عليه فإذا عرف حينئذ يدخل إلى ذلك المقام و هو يعرف كيف يتأدب مع الحق في ذلك المقام قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الله أدبني فحسن أدبي فهذا هو الآن الذي بين الصلاتين فأهل الأذواق من أهل الله يوقفون فيه فيعطون آداب الصلاة التي ينبغي أن يعامل الله بها في ذلك اليوم الخاص هكذا في صلوات كل يوم مع الله في مقام العلم فهذا هو الآن الذي بين الصلاتين و أما اعتبار الاصفرار في أنه الحد الآخر وقت العصر فاعلم أولا أن الاصفرار تغيير يطرأ في عين الناظر فيحكم به أنه في نور الشمس من أبخرة الأرض الحائلة بين البصر و بين إدراك خالص نور الشمس فاعتباره ما يطرأ في نفس العبد في حكم لاسم الإلهي الحق من الخواطر النفسية العرضية في نفس ذلك الحكم فينسبه إلى الحق بوجه غير مخلص و ينسبه إلى نفسه بوجه غير مخلص و يقع مثل هذا في الطريق من الأديب و من غير الأديب فأما وقوعه من الأديب فهو الذي يعرف أن النور في نفسه لم يصفر و لا تغير و هو أن يعلم أن الحكم للاسم الإلهي مخلص لا حكم لنفس معه و إنما هو ذلك الحكم ربما تعلق عنده اسم عيب عرفا أو شرعا فينزه جناب الحق تعالى عن ذلك الحكم بأن ينسبه إليه و لكن بمشيئة الله و يقول وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ هذا هو العيب عرفا فأضاف المرض إلى نفسه إذ كان عيبا عنده و أضاف الشفاء إلى ربه إذ كان حسنا و مع هذا القصد فإن الظاهر في اللفظ إزالة حكم الاسم الإلهي الذي أمرضه فلما علم الخليل عليه السلام هذا القدر نادى ذلك الاسم الذي أمرضه بقوله رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين يقول إنه أخطأ و إن كان قصد الأدب حيث نسب المرض لنفسه و ما نسبه إلى حكم الاسم إلهي الذي أمرضه و ما قصد إلا الأدب معه حتى لا يضيف ما هو عيب عندهم عرفا لي حكم لاسم الإلهي فيفهم من هذا الاعتراف أن الحكم كان للاسم الإلهي و هو كان مقصود الاسم فجمع هذا العارف بين أدبين في هذه المسألة بين أدب نسبة المرض إلى نفسه و بين الأدب في التعريف إن ذلك المرض حكم ذلك الاسم الإلهي من غير تصريح لكن بالتضمين و الإجمال في قوله رب اغفر (أَنْ يَغْفِرَ) لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ و لم يسم الخطيئة ما هي يوم الدين يقول يوم الجزاء و هكذا في قوله وَ ما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ و هو قول يوشع فتى موسى لموسى عليهما السلام و في الحقيقة ما أنساه إلا اسم إلهي حكم عليه بذلك فأضافه إلى الشيطان أدبا مع ذلك الاسم الإلهي الذي أنساه أن يعرف موسى عليه السلام بحياة الحوت لما أراد الله من تمام ما سبق به العلم الإلهي من زيادة الاقدام التي قدر له أن يقطع بها تلك المسافة و يجاوز بها المكان الذي كان فيه خضر فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً أي يتبعان الأثر إلى أن عادا إلى المكان فوجداه تنبيها من الله و تأديبا لما جاوزه من الحد في إضافته العلم إلى نفسه بأنه أعلم من في الأرض في زمانه فلو كان عالما لعلم دلالة الحق التي هي عين اتخاذ الحوت سربا و ما علم ذلك و قد علمه يوشع و نساه الله التعريف بذلك ليظهر لموسى تجاوزه الحد في دعواه و لم يرد ذلك إلى الله في علمه في خلقه القصة إلى آخرها و فيها ما يتعلق باعتبار الصفرة التي دخلت على نور الشمس في قوله في قتل الغلام فَأَرَدْنا فجعل الضمير يعود على الاسم الإلهي و عليه على الاسم الإلهي بما كان في ذلك القتل من الرحمة بالأبوين و بالغلام و عليه بقتل نفس زكية بغير نفس فظاهره جور فشرك في الضمير بينه و بين الله فدخل في نسبة الفعل إلى الله في الظاهر اصفرار أي تغيير باشتراك اسم الخضر في الضمير معه مع قصد الأدب ثم قال وَ ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي أي الحق علمني الأدب معه فهذا قد أبنت لك اعتبار الآن و اصفرار الشمس فأطرده حيث وجدت معنى الآن الفاصل بين الزمانين و الصفرة التي دخل على النور الخالص من اسمه النور سبحانه مثل قوله تعالى بأنه نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ فلما لم يطلق على نفسه اسم النور المطلق الذي لا يقبل الإضافة و قال نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ليعلمنا ما أراد بالنور هنا فأثر حكم التعليم و الإعلام في النور المطلق الإضافة فقيدته عن إطلاقه بالسموات و الأرض فلما أضافه نزل عن درجة النور المطلق في الصفة فقال مَثَلُ نُورِهِ أي صفة نوره يعني المضاف إلى السموات و الأرض كَمِشْكاةٍ إلى أن ذكر الصباح و مادته و أين صفة نور السراج و إن كان بهذه المثابة من صفة النور الذي أشرقت به السموات و الأرض فعلمنا سبحانه في هذه الآية الأدب في النظر في أسمائه إذا أطلقناها عليه بالإضافة كيف نفعل و إذا أطلقناها عليه بغير الإضافة كيف نفعل مثل قوله يَهْدِي الله لِنُورِهِ من يَشاءُ فأضاف النور هنا إلىنفسه لا إلى غيره و جعل النور المضاف إلى السموات و الأرض هاديا إلى معرفة نوره المطلق كما جعل المصباح هاديا إلى نوره المقيد بالإضافة و تمم ذلك بقوله كَذلِكَ يَضْرِبُ الله الْأَمْثالَ ثم نهانا عن مثل هذا فقال فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ الله يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ و الله اسم جامع لجميع الأسماء الإلهية محيط بمعانيها كلها و ضرب الأمثال يخص اسما واحدا معينا فإن ضربنا الأمثال لله و هو اسم جامع شامل فما طبقنا المثال على الممثل فإن المثال خاص و الممثل به مطلق فوقع الجهل بلا شك فنهينا أن نضرب المثل من هذا الوجه إلا أن نعين اسما خاصا ينطبق المثل عليه فحينئذ يصح ضرب المثل لذلك الاسم الخاص كما فعل الله في هذه الآية فقال الله و ما ضرب المثل للاسم الله و إنما عين سبحانه اسما آخر و هو قوله نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ فضرب المثل بالمصباح لذلك الاسم النور المضاف أي هكذا فافعلوا و لا تضربوا الأمثال لله فإني ما ضربتها فافهموا فهمنا الله و إياكم مواقع خطابه و جعلنا ممن تأدب بما عرفناه من آدابه أنه اللطيف بإحبابه
(فصل بل وصل في وقت صلاة المغرب الشاهد)
اختلف علماؤنا في وقت صلاة المغرب هل لها وقت موسع كسائر الصلوات أم لا فمن قائل إن وقتها واحد غير موسع و من قائل إن وقتها موسع و هو ما بين غروب الشمس إلى مغيب الشفق و به أقول اعتبار الباطن في ذلك اعلم أنه إنما وقع الاختلاف لما كانت صلاة المغرب وترا و الوتر أحدي الأصل فينبغي أن يكون لها وقت واحد من أجل المناسبة في الوترية و لذلك ورد في إمامة جبريل عليه السلام برسول الله صلى الله عليه و سلم أنه صلى المغرب في اليومين في وقت واحد في أول فرض الصلوات لأن الملك أقرب إلى الوترية من البشر و المغرب وتر صلاة النهار كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم و ذلك قبل أن يزيدنا الله وتر صلاة الليل إن الله قد زادكم صلاة إلى صلاتكم و ذكر صلاة الوتر فأوتروا يا أهل القرآن فشبهها بالفرائض و أمر بها و لهذا جعلها من جعلها واجبة دون الفرض و فوق السنة و أثم من تركها و نعم ما نظر و تفقه و لما رأى النبي صلى الله عليه و سلم أن الله قد شرع وتر صلاة الليل و زاده إلى الصلاة المفروضة و فيها المغرب و هو وتر صلاة النهار و قال إن الله وتر يحب الوتر فقيد المغرب بوترية صلاة النهار و قيد الوتر بوترية صلاة الليل و قال إن الله وتر يحب الوتر يعني يحب الوتر لنفسه فشرع لنا وترين ليكون شفعا لأن الوترية في حق المخلوق محال قال تعالى وَ من كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ حتى لا تنبغي الأحدية إلا لله و لما رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الله قد شرع وتر صلاة الليل ليشفع به وتر صلاة النهار لينفرد سبحانه بحقيقة الوترية التي لا تقبل الشفعية فإنه ما ثم في نفس الأمر إله آخر يشفع وترية الحق تعالى كما شفعت وترية صلاة الليل وترية صلاة النهار فكان مما قال فيه وَ من كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ فخلق وترين فكان كل واحد منهما يشفع وترية صاحبه و لهذا لم يلحقها رسول الله صلى الله عليه و سلم بصلاة النافلة بل قال زادكم صلاة إلى صلاتكم يعني الفرائض ثم أمر بها أمته فلما سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد إمامة جبريل عليه السلام به صلى الله عليه و سلم عن وقت الصلاة صلى بالناس يومين صلى في اليوم الأول في أول الأوقات و صلى في اليوم الثاني في آخر الأوقات الصلوات الخمس كلها و فيها المغرب ثم قال للسائل الوقت ما بين هذين فجعل للمغرب وقتين كسائر الصلوات و ألحقها بالصلاة الشفعية و إن كانت وترا و لكنها وتر مفيد شفعية وتر صلاة الليل فوسع وقتها كسائر الصلوات و هو الذي ينبغي أن يعول عليه فإنه متأخر عن إمامة جبريل فوجب الأخذ به فإن الصحابة كانت تأخذ بالأحدث فالأحدث من فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم و إن كان صلى الله عليه و سلم كان يثابر على الصلاة في أول الأوقات فلا يدل ذلك على أن الصلاة ما لها وقتان و ما بينهما فقد أبان عن ذلك و صرح به و ما عليه صلى الله عليه و سلم إِلَّا الْبَلاغُ و البيان و قد فعل صلى الله عليه و سلم فهذا اعتبار و تعليل يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ و إلى سواء السبيل
(فصل بل وصل في وقت صلاة العشاء الآخرة)
اختلفت علماء الشريعة في وقتها في موضعين في أول وقتها و آخر وقتها فمن قائل إن أول وقتها مغيب حمرة الشفق و به أقول و من قائل إن أول وقتها مغيب البياض الذي يكون بعد الحمرة و الشفق شفقان و هو سبب الخلاف فالشفق الأول صادق و البياض الذي بعده هو الشفق الثاني تقع فيه الشبهة فإنه قد يشبه أن يكون شبه الفجر الكاذب الذي هو ذنبالسرحان و هو المستطيل و جعله الشارع من الليل و لا يجوز بظهوره صلاة الصبح و لا يمنع مريد الصوم من الأكل و يشبه أن يكون شبيه الفجر المستطير الذي يصلى بظهوره صلاة الصبح و لا يجوز للصائم أن يأكل بظهوره إلا أن الأظهر عندي إنه شبيه الفجر المستطير الذي يصلى بظهوره الصبح و ذلك لاتصاله بالحمرة إلى طلوع الشمس لا ينقطع بظلمة كما ينقطع الفجر الكاذب كذلك البياض الذي في أول الليل متصل بالحمرة فإذا غابت الحمرة بقي البياض فلو كانت بين البياض و الحمرة ظلمة قليلة كما يكون بين الفجر المستطيل و حمرة أسفار الصبح كنا نلحقها بالفجر الكاذب و نلغي حكمها فكان و الله أعلم أن الذي يراعي مغيب البياض في أول وقت العشاء أوجه و لكن إذا ثبت أن الشارع صلى في البياض بعد مغيب الشفق الأحمر فنقف عنده فللشارع إن يعتبر البياض و الحمرة التي تكون في أول الليل بخلاف ما نعتبرها في آخر الليل و إن كان ذلك عن آثار الشمس في غروبها و طلوعها و أما قوله تعالى و الصبح إذا تنفس فالأوجه عندي في تفسيره أنه الفجر المستطيل لانقطاعه كما ينقطع نفس المتنفس ثم بعد ذلك تتصل أنفاسه و أما آخر وقتها فمن قائل إنه ثلث الليل و من قائل إنه إلى نصف الليل و من قائل إنه إلى طلوع الفجر و به أقول و لقد رأيت قولا و لا أدري من قاله و لا أين رأيته إن آخر وقت صلاة العشاء ما لم تنم و لو سهرت إلى طلوع الفجر (الاعتبار في الباطن في ذلك الاعتبار في أول وقت هذه الصلاة و آخره) اعلم أن العالم قد قسمه الحق على ثلاث مراتب و قسم الحق أوقات الصلوات على ثلاث مراتب فجعل عالم الشهادة و هو عالم الحس و الظهور هو بمنزلة صلاة النهار فأناجي الحق بما يعطيه عالم الشهادة و الحس من الدلالة عليه و ما ينظر إليه من الأسماء و قد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في مثل هذا إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده يعني في الصلاة فناب العبد هنا مناب الحق و هذا من الاسم الظاهر فكان الحق ظهر بصورة هذا القائل سمع الله لمن حمده و كذلك قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه و سلم في حق الأعرابي فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله و هو ما سمع إلا الأصوات و الحروف من فم النبي صلى الله عليه و سلم و قال الله إن ذلك كلامي و أضافه إلى نفسه فكان الحق ظهر في عالم الشهادة بصورة التالي لكلامه فافهم و جعل عالم الغيب و هو عالم العقل و هو بمنزلة صلاة العشاء و صلاة الليل من مغيب الشفق إلى طلوع الفجر فيناجي المصلي ربه في تلك الصلاة بما يعطيه عالم الغيب و العقل و الفكر من الأدلة و البراهين عليه سبحانه و تعالى و هو خصوص دلالة لخصوص معرفة يعرفها أهل الليل و هي صلاة المحبين أهل الأسرار و غوامض العلوم المكتنفين بالحجب فيعطيهم من العلوم ما يليق بهذا الوقت و في هذا العالم و هو وقت معارج الأنبياء و الرسل و الأرواح البشرية لرؤية الآيات الإلهية المثالية و التقريب الروحاني و هو وقت نزول الحق من مقام الاستواء إلى السماء الأقرب إلينا للمستغفرين و التائبين و السائلين و الداعين فهو وقت شريف و من صلى هذه الصلاة في جماعة فكأنما قام نصف ليله و في هذا الحديث رائحة لمن يقول إن آخر وقتها إلى نصف الليل و جعل سبحانه عالم التخيل و البرزخ الذي هو تنزل المعاني في الصور الحسية فليست من عالم الغيب لما لبسته من الصور الحسية و ليست من عالم الشهادة لأنها معاني مجردة و أن ظهورها بتلك الصور أمر عارض عرض للمدرك لها لا للمعنى في نفسه كالعلم في صورة للبن و الدين في صورة القيد و الايمان في صورة العروة و هو من أوقات الصلوات وقت المغرب و وقت صلاة الصبح فإنهما وقتان ما هما من الليل و لا من النهار فهما برزخان بينهما من الطرفين لكون زمان الليل و النهار دوريا و لهذا قال تعالى يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَ يُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ من كور العمامة فيخفي كل واحد منهما بظهور الآخر كما قال يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ أي يغطيه و كذلك النهار يغشى الليل فيناجي المصلي ربه في هذا الوقت بما يعطيه عالم البرزخ من الدلالات على الله في التجليات و تنوعاتها و التحول في الصور كما ورد في الأخبار الصحاح غير أن برزخية صلاة المغرب هو خروج العبد من عالم الشهادة إلى عالم الغيب فيمر بهذا البرزخ الوتري فيقف منه على أسرار قبول عالم الغيب لعالم الشهادة و هو بمنزلة الحس الذي يعطي للخيال صورة فيأخذها الخيال بقوة الفكر فيلحقها بالمعقولات لأن الخيال قد لطف صورتها التي كانت لها في الحس من الكثافة فتروحنت بوساطة هذا البرزخ و سببه وتر صلاة المغرب فإن الفعل للوتر فهو الذي لطف صورتها على الحقيقة ليقبلها عالم الغيب و العقل لأن العقل لا يقبل صور الكثيف و الغيب لا يقبل الشهادة فلا بد أنيلطف البرزخ صورتها حتى يقبلها عالم الغيب و كذلك برزخ الفجر و هو خروج عالم الغيب إلى عالم الشهادة و الحس فلا بد أن يمر ببرزخ الخيال و هو وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فما هو من عالم الغيب و لا من عالم الشهادة فيأخذ البرزخ الذي هو الخيال المعبر عنه بوقت الفجر إلى طلوع الشمس المعاني المجردة المعقولة التي لها الليل فيكثفها الخيال في برزخه فإذا كساها كثافة من تخيله بعد لطافتها حينئذ وقعت المناسبة بينها و بين عالم الحس فتظهر صورة كثيفة في الحس بعد ما كانت صورة روحانية لطيفة غيبية فهذا من أثر البرزخ يرد المعقول محسوسا في آخر الليل و يرد المحسوس معقولا في أول الليل مثاله أن لصورة الدار في العقل صورة لطيفة معقولة إذا نظر إليها الخيال صورها بقوته و فصلها و كثفها عن لطافتها في العقل ثم صرف الجوارح في بنائها بجمع اللبن و الطين و الجص و جميع ما نحيله البناء المهندس فأقامها في الحس صورة كثيفة يشهدها البصر بعد ما كانت معقولة لطيفة تتشكل في أي صورة شاءت فزالت عنها في الحس تلك القوة بما حصل لها من التقييد فتبقى النهار كله مقيدة بتلك الصورة على قدر طول النهار فإن كان النهار لا انقضاء له كيوم الدار الآخرة فتكون الصورة لا ينتهي أمدها و إن كان أنهار ينقضي كيوم الدنيا و أيامها متفاضلة فيوم من أربع و عشرين ساعة و يوم من شهر و يوم من سنة و يوم من ثلاثين سنة و دون ذلك و فوق ذلك فتبقى الصورة مقيدة بتلك المدة طول يومها و هو المعبر عنه بعمرها إلى الأجل المسمى إلى أن يحيى وقت المغرب فيلطف البرزخ صورتها و ينقلها من عالم الحس و يؤديها إلى عالم العقل فترجع إلى لطافتها من حيث جاءت هكذا حركة هذا الدولاب الدائر فإن فهمت و عقلت هذه المعاني التي أوضحنا لك أسرارها علمت علم الدنيا و علم الموت و علم الآخرة و الأزمنة المختصة بكل محل و أحكامها و الله يفهمنا و إياك حكمه و يجعلنا ممن ثبت في معرفته قدمه فالليل ثلاثة أثلاث و الإنسان ثلاثة عوالم عالم الحس و هو الثلث الأول و عالم خياله و هو الثاني و عالم معناه و هو الثلث الآخر من ليل نشأته و فيه ينزل الحق و هو قوله وسعني قلب عبدي و قوله إن الله لا ينظر إلى صوركم و هو الثلث الأول و لا إلى أعمالكم و هو الثلث الثاني و لكن ينظر إلى قلوبكم و هو الثلث الآخر فقد عم الليل كله فمن قال إن آخر الوقت الثلث الأول فباعتبار ثلث الحس و من قال آخره إلى نصف الليل و هو وسط الثلث الثاني فباعتبار الثلث الثاني و هو عالم خياله لأنه محل العمل في التلطيف أو التكثيف و من قال إلى طلوع الفجر فباعتبار عالم المعنى من الإنسان و كل قائل بحسب ما ظهر له و قد وقع الإجماع بطلوع الفجر أنه يخرج وقت صلاة العشاء فالظاهر أن آخر الوقت إلى طلوع الفجر لمحل الإجماع و الاتفاق على خروج الوقت بطلوع الفجر و بقولنا يقول ابن عباس إن آخر وقتها إلى طلوع الفجر
(فصل بل وصل في وقت صلاة الصبح)
اتفق الجميع على إن أول وقت الصبح طلوع الفجر و آخره طلوع الشمس و اختلفوا في وقتها المختار فمن قائل إن الأسفار بها أفضل و من قائل إن التغليس بها أفضل و به أقول (الاعتبار في الباطن في ذلك) اعلم أنه من غلب على فهمه من قوله صلى الله عليه و سلم و قول الله تعالى في رؤية الله إن ذلك راجع إلى العلم و العقل لا إلى البصر و به قال جماعة من العقلاء النظار من أهل السنة فهم بمنزلة من يرى التغليس و من غلب على فهمه مما ورد في الشرع من الرؤية أن ذلك بالبصر و أنه لا يقدح في الجناب الإلهي و أن الجهة لا تقيد البصر و إنما تقيد الجارحة فهو بمنزلة من يرى الأسفار بصلاة الصبح بحيث أن يبقى لطلوع الشمس قدر ركعة أو يسلم مع ظهور حاجب الشمس و العجب من هذا أن الذي ذهب إلى أن الرؤية الواردة في الشرع محمولة على العلم لا على البصر يرى الأسفار بالصبح و أن الأكثر من الذين يرون أن الرؤية الواردة في الشرع يوم القيامة محمولة على البصر لا على العلم يرون التغليس بالصبح فهذا أحسن وجه في اعتبار هذا الوقت و أعمه و أعلاه و له اعتبارات غير هذا و لكن يجمعها كلها ما ذكرناه و لا يجمع تلك الاعتبارات التي تركناها حقيقة هذا الاعتبار الذي ذكرناه فلهذا اقتصرنا عليه وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى الجزء السادس و الثلاثون
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(فصل بل وصل في أوقات الضرورة و العذر فقوم أثبتوها و قوم نفوها)
و الخلاف مشهور بينهم في ذلك اعتبار الباطن في ذلك من نسب الأفعال إلى الله نفاها و من أثبت الفعل للعبد كسبا أو خلقا بأي وجه كان من هذين أثبتها
(فصل بل وصل في أوقات الضرورة عند مثبتيها)
اتفق العلماء بالشريعة على أنها لأربع للحائض تطهر في هذه الأوقات أو تحيض في هذه الأوقات و هي لم تصل و المسافر يذكر الصلوات في هذه الأوقات و هو حاضر أو الحاضر يذكرها فيها و هو مسافر و الصبي يحتلم فيها و الكافر يسلم و اختلفوا في المغمى عليه فمن قائل هو كالحائض لا يقضي الصلاة و من قائل يقضي فيما دون الخمس الاعتبار الباطن في ذلك الحائض تطهر في وقت الضرورة التائب من الكذب لضرورة و الطاهر تحيض الصادق يكذب للضرورة اعتبار المسافر و الحاضر المسافر بفكره أو بذكره يذكر ما فاته في وقت سفره في حصوله في المقام لنقص يشاهده فيه يعلم أنه نسي ذلك في وقت سفره و الحاضر يعني صاحب المقام يذكر في حال سفره ما فاته في وقت إقامته من الأدب مع الحق كقولهم اقعد على البساط و إياك و الانبساط لخلل يراه في سفره فيعلم إن ذلك من آثار ما فاته من الأدب في مقامه قال تعالى لَقَدْ لَقِينا من سَفَرِنا هذا نَصَباً و لم يكن قبل ذلك أصابه نصب ليتذكر دلالة الحوت اعتباره في الصبي يبلغ فيها العبد يكون تحت الحجر فإذا كان الحق سمعه و بصره و يده و قواه و جوارحه كما ورد فقد خرج عن الحجر فإذا أدركه هذا الحال و هو في حكم اسم إلهي لما ذا يكون الحكم فيه هل للاسم الذي كان تحت حكمه أو للاسم الذي انتقل إليه فإن الوقت مشترك و كذلك الاعتبار في الكافر يسلم في وقت الضرورة و الكافر هو صاحب الستر و الغيرة تغلب عليه و الغيرة على الحق لا تصح و في الحق تصح و للحق تصح و يغلب عليه إن لا غير و لا سيما إن عرف معنى هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ و ما ثم إلا هذه الأحوال و هو الكل إذ هو عينها فمن يغار أو ممن يغار أو على من يغار أو فيمن يغار أخبروني أخبروني إنني حرت في الله فما أصنعه و أما اعتبار المغمى عليه فهو صاحب الحال ما حكمه إذا أفاق في هذا الوقت أو أخذه الحال في هذا الوقت هو مع الاسم المهيمن على ذلك الوقت الحاكم فيه
(فصل بل وصل في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها)
الأوقات المنهي عن الصلاة فيها هي بالاتفاق و الاختلاف خمسة أوقات وقت طلوع الشمس و وقت غروبها و وقت الاستواء و بعد صلاة الصبح و بعد صلاة العصر اعتبار ذلك في الباطن وَ لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى الشمس الحق و الصلاة المناجاة فإذا تجلى الحق كان البهت و الفناء فلم يصح الكلام و لا المناجاة فإن هذا المقام الإلهي يعطي أنه تعالى إذا أشهدك لم يكلمك و إذا كلمك لم يشهدك إلا أن يكون التجلي في الصورة عند ذلك تجمع بين الكلام و المشاهدة و إذا غاب المشاهد عن نفسه لم تصح المناجاة لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك بلا شك و قد علمت إن العبد غائب عند الشهود لاستيلاء المشهود عليه فلا مناجاة و في وقت الاستواء يغيب عنك ظلك فيك و ظلك حقيقتك و النور قد صف بك من جميع الجهات و غمرك فلا يتعين لك أمر تسجد له إلا و عينه من خلفك كما هو من أمامك و من عن يمينك و شمالك و فوقك فلا يجذبك من جميع جهاتك لأنك نور من جميع جهاتك و الصلاة نور فاندرجت الأنوار في الأنوار و الصلاة لا تصلي لها و أما بعد الصبح إلى طلوع الشمس فهو وقت خروجك من عالم البرزخ إلى عالم الشهادة و الصلاة لم يفرض وقتها إلا في الحس لا في البرزخ و كذلك بعد صلاة العصر فإن السفل بضم الحبيب يغني عن مخاطبته لسريان اللذة في ذلك الضم
(فصل في الصلوات التي لا تجوز في هذه الأوقات المنهي عن الصلاة فيها)
فمن قائل هي الصلاة كلها بإطلاق و من قائل هي ما عدا المفروض من سنة أو نفل و من قائل هي النفل دون السننو من قائل هي النفل فقط بعد الصبح و العصر و النفل و السنن معا عند الطلوع و الغروب و أما عندنا فإن هذه الأوقات هي للفرائض للنائم و الناسي يتذكر أو يستيقظ فيها و لقضاء النوافل إذا شغل عنها أن يصليها في الوقت الذي كان عينه لها اعتبار الباطن في ذلك المناجاة الإلهية بين الله و بين عبده على أربعة أقسام مناجاة من حيث إنه يراك و مناجاة من حيث إنك تراه و مناجاة من حيث إنه يراك و تراه و مناجاة لبعض أهل النظر في الاعتقادات بالأدلة من حيث إنك لا تراه علما في اعتقاد و لا تراه بصرا في اعتقاد و لا يراك بصرا في اعتقاد و لا علما في اعتقاد من نفى عنه العلم بالجزئيات لكن تراه علما لاندراج الجزء في الكل و هذا ما هو اعتقادنا و لا اعتقاد أهل السنة بل هو سبحانه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ و قال أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ الله يَرى و قال النبي صلى الله عليه و سلم في الخبر الصحيح عنه أنه يراك و قد نبهناك على مأخذ الاعتبارات في هذه الأقسام و أنت تعرف قسمك منها و من عرف قسمه فمن هناك يثبت مناجاته أو يحيلها
(فصول بل وصول الأذان و الإقامة)
الأذان الإعلام بدخول الوقت و الدعاء للاجتماع إلى الصلاة في المساجد و الإقامة الدعاء إلى المناجاة الإلهية الاعتبار في الباطن في ذلك الأذان الإعلام بالتجلي الإلهي لتتطهر الذوات لمشاهدته و الإقامة للقيام لتجليه إذا ورد يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
(فصل بل وصل في صفات الأذان)
اعلم أن الأذان على أربع صفات الصفة الأولى تثنية التكبير و تربيع الشهادتين و باقيه مثنى و بعض القائلين بهذه الصفة يرون الترجيع في الشهادتين و ذلك أن يثني الشهادتين أولا خفيا ثم يثنيها مرة ثانية مرفوع الصوت بها و هذا الأذان أذان أهل المدينة الصفة الثانية تربيع التكبير الأول و الشهادتين و تثنية باقي الأذان و هذا أذان أهل مكة الصفة الثالثة تربيع التكبير الأول و تثنية باقي الأذان و هذا أذان أهل الكوفة الصفة الرابعة تربيع التكبير الأول و تثليث الشهادتين و تثليث الحيعلتين يبتدئ بالشهادة إلى أن يصل إلى حي على الفلاح ثم يعيد ذلك على هذه الصفة ثانية ثم بعيدها أيضا على تلك الصورة ثالثة الأربع الكلمات نسقا ثلاث مرات و هذا أذان أهل البصرة اعتبار الباطن في ذلك تثنية التكبير للكبير و الأكبر و تربيعه للكبير و الأكبر و لمن تكبر نفسا و حسا مشروعا كان ذلك التكبر كحديث أبي دجانة أو غير مشروع و التربيع في الشهادتين للأول و الآخر و الظاهر و الباطن و تثنية ما بقي لك و له تعالى و تثليث الأربع الكلمات على نسق واحد في كل مرة و هو كما قلنا مذهب البصريين إعلام بالمرة لواحدة لعالم الشهادة و بالثانية لعالم الجبروت و بالثالثة لعالم الملكوت و عند أبي طالب المكي الثانية لعالم الملكوت و الثالثة لعالم الجبروت تحقيق ذلك هو أن الإنسان إذا نظر بعين بصره و عين بصيرته إلى الأسباب التي وضعها الله تعالى شعائر و أعلاما لما يريد تكوينه و خلقه من الأشياء لما سبق في علمه أن يربط الوجود بعضه ببعضه و دل الدليل على توقف وجود بعضه على وجود بعضه و سمع ثناء الحق تعالى على من عظم شعائر الله و إن ذلك التعظيم لها من تقوى القلوب في قوله تعالى في كتابه العزيز وَ من يُعَظِّمْ شَعائِرَ الله فَإِنَّها من تَقْوَى الْقُلُوبِ قال عند ذلك الله أكبر يقول و إن كانت عظيمة في نفسها بما تدل عليه و عظيمة من حيث إن الله أمر بتعظيمها فموجدها و خالقها الآمر بتعظيمها أكبر منها و هذه هي أكبر للمفاضلة و هي أفعل من فلما أتمها كوشف هذا الإنسان الناطق بها على حقارة الأسباب في أنفسها لا نفسها و افتقارها لي موجدها لإمكانها افتقار المسببات على السواء و رآها عينا و كشفا عند كشف الغطاء عن بصره ناطقة بتسبيح خالقها و تعظيمه فإنه القائل وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ تسبيح نطق يليق بذلك الشيء لا تسبيح حال و لهذا قال لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ لاختلاف ما يسبحون به إلا لمن سمعه إِنَّهُ كانَ حَلِيماً حيث لم يؤاخذ و لم يعجل عقوبة من قال إنه تسبيح حال غَفُوراً ساترا نطقهم عن أن تتعلق به الأسماع إلا لمن خرق الله له العادة فقد ورد أن الحصى سبح بحضور من حضر من الصحابة في كف رسول الله صلى الله عليه و سلم و ما زال الحصى مسبحا و ما خرق اسم العادة إلا في إسماع السامعين ذلك بتعلقها بالمسموع و ما قال وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إلا في معرض الرد على من يقول أنه تسبيح حال فإن العالم كله قد تساوى في الدلالة فمنيقول بتسبيح الحال فقد أكذب الله في قوله تعالى لا تَفْقَهُونَ و أما قوله تعالى وَ من يُعَظِّمْ حُرُماتِ الله فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ يعني خير إله ممن يعظم شعائر الله إذا جعلنا خير بمعنى أفعل من ليميز بين تعظيم الشعائر و تعظيم حرمات الله فإن حرمة الله ذاتية فهو يقتضي التعظيم لذاته بخلاف الأسباب المعظمة فإن الناظر في الدليل ما هو الدليل له مطلوب لذاته فينتقل عنه و يفارقه إلى مدلوله فلهذا العالم دليل على الله لأنا نعبر منه إليه تعالى و لا نبغي أن نتخذ الحق دليلا على العالم فكنا نجوز منه إلى العالم و هذا لا يصح فما أعلى كلام النبوة حيث قال من عرف نفسه عرف ربه و قال تعالى أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى كذا و عدد المخلوقات لتتخذ أدلة عليه لا ليوقف معها فهذا الفرق بين حرمات الله و شعائر الله فنقول ثاني مرة الله أكبر تعظيما لحرمة الله لا بمعنى المفاضلة و ذلك معروف في اللسان فمعناه الله الكبير لا أفعل من فهو الكبير واضع الأسباب و أمرنا بتعظيمها و من لا عظمة له ذاتية لنفسه فعظمته عرض في حكم الزوال فالكبير على الإطلاق من غير تقييد و لا مفاضلة هو الله فهذه التكبيرة الثانية المشروعة في الأذان و أنها لهاتين الصورتين فإن ربع التكبير فيكون تثنية التكبيرة الواحدة على الحد الذي ذكرناه حسا و عقلا أي كما كبره اللسان بلفظ المفاضلة كذلك كبيرة عقلا كأنه يقول الله أكبر باللسان كما هو أكبر بالعقل أي هو أكبر بدليل الحسر و دليل العقل ثم يثني التكبيرة الأخرى أيضا حسا و عقلا فيقول الله أكبر أي هو الكبير لا بطريق المفاضلة حسا الله أكبر أي هو الكبير لا بطريق المفاضلة عقلا حرمة و شرعا فهذا مشهد من ربع التكبير في الأذان الذي هو الإعلام بالإعلان ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله خفيا يسمع نفسه و هو بمنزلة من يتصور الدليل أولا في نفسه ثم بعد ذلك يتلفظ به و ينطق معلنا في مقابلة خصمه أو ليعلم غيره مساق ذلك الدليل و ذلك أن يشهد هذا المؤذن في هذه الشهادة أنه يرى الأسباب المحجوبة عن المعرفة بالله التي أعطيت قوة النطق و حجبت عن إدراك الأمر في نفسه بالجهل أو عن إدراك ما ينبغي لجلال الله من إضافة الكل إليه بحجاب الغفلة فيقول الجاهل أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى أو المستخف و هو ضرب من الجهل أو يقول ما عَلِمْتُ لَكُمْ من إِلهٍ غَيْرِي و قد يمكن أن يكون كاذبا عند نفسه عالما بأنه كاذب لكنه فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ و يقول أنا أنعمت على فلان أنا وليت فلانا أنا علمت فلانا لعلم الذي عنده و القرآن و لو لا أنا ما علم شيئا مما علمه و سمع الله يقول أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ و قال يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ من قَبْلِكُمْ و هي الأسباب التي وجدتم عندها ثم قال لمن يرى إنا وجدنا بالأسباب لا عندها فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنه أوجد الأسباب و أوجدكم عندها لا بها فيقول عند ذلك أشهد أن لا إله إلا الله أي لا خالق إلا الله فينفي ألوهية كل من ادعاها لنفسه من دون الله و أثبتها لمستحقها لو ادعاها مع الله كالمشرك فشهد بذلك لله عقلا و شرعا و حسا و معنى هذا كله مع نفسه كمتصور الدليل أولا ثم يرفع بها صوته ليسمع غيره من متعلم و مدع و جاهل و غافل عن قوله تعالى الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ و أمثاله مثل خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ فقطع حكم لأسباب فهذا معنى الشهادة و تثنيتها و تربيعها و كذلك قوله أشهد أن محمدا رسول الله و هو أنه لما تشهد بالتوحيد بما أعطاه الدليل شهد به علما لا على طريق القربة لأن الإنسان من حيث عقله لا يعلم أن التلفظ بذلك و أن النظر في معرفة ذلك يقرب من الله و إنما حظه أن يعلم أن نفسه تشرف بصفة العلم على من يجهل ذلك و أن التصريح به و بكل دليل على مثل هذا العلم على جهة تعليم من لا يعلم و إرداع المعاند تشريفا لهذا النفس على نفس من ليس له ذلك لأنه لا حكم للعقل في اتخاذ شيء قربة إلى الله فجاء الرسول من عند الله فأخبره أن يقول ذلك و أن ينظر في ذلك أن يخفيه في نفسه و يسره و في التعليم و الإرداع للغير إذا أعلن به أن يكون ذلك على طريق القربة إلى الله فيكون مع كونه علما عبادة فيقول العالم المؤمن إذا أذن أو قال مثل ما يقول المؤذن أشهد أن محمدا رسول الله علما و عبادة و يقولها العامي تقليدا و تعبدا و التثنية في هذه الشهادة الرسالية و التربيع و الحكم فيها على حكم شهادة التوحيد سواء في المراتب التي ذكرناها سواء فإن ثلث كأذان البصريين الأربع الكلمات على نسق واحد في كل مرة فهو أن يقولها في المرة الأولى علما و في المرة الثانية تعليما لأنه معلن و في المرة الثالثة عبادة فهي كلها علم و تعليم و عبادة فافهم و ما خالف البصريون الكوفيين و الحجازيين و المدنيين إلا في هذا أعني التثليث و النسق و كل سنة و الإنسان مخبر يؤذن بأي صفة شاء من ذلك كله و هو مذهبنا كالروايات المختلفة في صلاة الكسوف و غير ذلك ثم إن الله شرع لنا في الأذان بعد الشهادتين أن نقول حي على الصلاة مثنى ندعو بالواحدة نفسي و ندعو بالثانية غيري و معناه أقبلوا على مناجاة ربكم فتطهروا و ائتوا المساجد بالمرة الواحدة و من كان في المسجد يقول له في المرة الثانية حين يثنيها طهروا قلوبكم و احضروا بين يدي ربكم فإنكم في بيته قصدتموه من أجل مناجاته و كذلك قوله حي على الفلاح بالاعتبارين أيضا و التفسيرين في المرتين يقول للخارج و الكائن في المسجد و لنفسه و لغيره أقبلوا على ما ينجيكم فعله من عذابه بنعيمه و من حجابه بتجليه و رؤيته و أقبلوا بالثانية من حي على الفلاح على ما يبقيكم في نعيمكم و لذة مشاهدتكم ثم يقول الله أكبر الله أكبر لنفسه و لغيره و لمن هو ينتظر الصلاة كالحاضر في المسجد و من هو خارج في أشغاله يقول الله أكبر مما أنتم فيه أي الله أولى بالتكبير من الذي يمنعكم من الإقبال الذي أمرناكم به على الصلاة و على الفوز و البقاء في الحيعلتين و إنما لم يربع الثاني فإنه ليس مثل الأول فإن الثاني أعني التكبير و الحيعلتين إنما المقصود بذلك القربة و العقل لا يستقل بإدراكها فهي للشرع خاصة فلهذا لم يربع الحيعلتين و لا التكبير الثاني و ثنى لكونه خاطب نفسه و غيره و الكائن في المسجد و غير الكائن ثم قال لا إله إلا الله فختم الأذان بالتوحيد المطلق لما كان الأذان يتضمن أمورا كثيرة فيها أفعال منسوبة إلى العبد فربما يقع في نفس المدعو أنه ما دعي إلى أن يفعلها إلا و الفعل له حقيقة و الداعي أيضا كذلك فيخاف عليه أن يضيف الفعل إلى نفسه خلقا كما يراه بعضهم و ما جعله الله دليلا عليه من جملة الأدلة على توحيده إلا انفراده بالخلق مثل قوله أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ فهي ألوهية خفية في نفس كل إنسان و هو الشرك الخفي المعفو عنه فختم الأذان بالتوحيد من غير تثنية و لا تثليث و لا تربيع و هذا هو التوحيد المطلق الذي جاءت به الأنبياء من عند الله عن الله و هي أفضل كلمة قالها رسول الله صلى الله عليه و سلم و النبيون من قبله فيتنبه السامعون كلهم أنه لا إله إلا الله فوحد لطلبه التوحيد على الإطلاق و ما زاد على التوحيد في كل أذان مشروع من الأربعة مذاهب في ذلك و أما التثويب في أذان صلاة الصبح و هو قولهم الصلاة خير من النوم من الناس من يراه من الأذان المشروع فيعتبره و من الناس من يراه من فعل عمر فلا يعتبره و لا يقول به و أما مذهبنا فإنا نقول به شرعا و إن كان من فعل عمر فإن الشارع قرره بقوله من سن سنة حسنة و لا شك أنها سنة حسنة ينبغي أن تعتبر شرعا و هي بهذا الاعتبار من الأذان المسنون إلا في مذهب من يقول إن المسنون هو الذي فعل في زمان النبي صلى الله عليه و سلم و عرفه و قرره أو يكون هو الذي سنه صلى الله عليه و سلم فيكون حاصله عند صاحب هذا القول أنه لا يسمى سنة إلا ما كان بهذه الصفة فما هو خلاف يعتبر و لا يقدح و أما من زاد حي على خير العمل فإن كان فعل في زمان رسول الله صلى الله عليه و سلم كما روى أن ذلك دعا به في غزوة الخندق إذ كان الناس يحفرون الخندق فجاء وقت الصلاة و هي خير موضوع كما ورد في الحديث فنادى المنادي أهل الخندق حي على خير العمل فما أخطأ من جعلها في الأذان بل اقتدى إن صح هذا الخبر أو سن سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها و ما كرهها من كرهها إلا تعصبا فما أنصف القائل بها نعوذ بالله من غوائل النفوس
(فصل بل وصل في حكم الأذان)
فمن قائل إنه واجب و من قائل إنه سنة مؤكدة و القائل بوجوبه منهم من يراه فرضا على الأعيان و منهم من يراه فرض كفاية و من قائل إن الأذان فرض على مساجد الجماعات و هو مذهب مالك و في رواية عنه إنه سنة مؤكدة و لم يره على المنفرد لا فرض و لا سنة و من قائل إنه هو واجب على الأعيان و من قائل إنه واجب على الأعيان على الجماعات سفرا و حضرا و من قائل سفرا لا غير و من قائل إنه سنة للمنفرد و الجماعة إلا أنه آكد في حق الجماعة و اتفق الجميع على أنه سنة مؤكدة أو فرض على المصر و به كان يقول شيخنا أبو عبد الله بن العاص الدلال بإشبيلية سمعته من لفظه غير مرة و كان يقول إذا اجتمع أهل مصر على ترك الأذان أو ترك سنة وجب غزوهم و احتج بالحديث الثابت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا غزا قوما صبحهم فإن سمع نداء لم يغر و إن لم يسمع نداء أغار الاعتبار في الباطن في ذلكحق كل نفس إن تدعو نفسها و غيرها إلى طاعة الله بعد وضع الشريعة قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لمالك بن الحويرث و لصاحبه إذا كنتما في سفر فأذنا و أقيما الحديث و الإنسان مسافر مع الأنفاس منذ خلقه الله دنيا و آخرة لا يصح له أن يكون مقيما أبدا و لو أقام زائدا على نفس واحد لتعطل فعل الإله في حقه فالحق سبحانه في كل نفس في الخلق في شأن و هو أثره في كل عين موجودة بكيفية خاصة أشهدنا الله دقيقها و جليلها فما أعز صاحبها عند الله فمن فاته مراعاة أنفاسه في الدنيا و الآخرة لقد فاته خير كثير
(فصل بل وصل في وقت الأذان)
اتفق العلماء على أنه لا يؤذن للصلاة قبل دخول وقتها ما عدا الصبح فإن فيه خلافا فمن قائل بجواز ذلك أنه يؤذن لها قبل الفجر و من قائل بالمنع و به أقول فإن الأذان قبل الوقت إنما هو عندي ذكر بصورة الأذان ما هو الأذان على جهة الإعلام بدخول وقت الصلاة فقد كان بلال يؤذن بليل و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لا يمنعكم أذان بلال عن الأكل و الشرب يعني في رمضان و لمن يريد الصوم فإنه يؤذن بليل فكلوا و اشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم و كان رجلا أعمى فكان لا يؤذن حتى يقال له أصبحت أصبحت فالمؤذن عندي لا يجب إلا بعد دخول الوقت و من قائل لا بد للصبح من أذانين أذان قبل الوقت و أذان بعده و قال أبو محمد بن حزم لا بد للصبح من أذان بعد الوقت اعتبار الباطن في ذلك دعاء النفوس إلى الله من الله في نفس الأمر و دعاؤها من الأكوان بالنظر إلى الغافلين أو الجهلاء الذين هم تحت حكم الأسماء الإلهية أو التصريف الإلهي و هم لا يشعرون فلهذا قلنا في نفس الأمر فاعلم إن للوقت سلطانا لا يحكم فيه غيره فلا بد أن يتعين عند المحكوم عليه سلطان الوقت و هو الاسم الإلهي الخاص بذلك الوقت فلا يمكن أن يدعى لها بطريق الوجوب إلا بعد دخول الوقت فعند ذلك يكون ممن دعا إِلَى الله عَلى بَصِيرَةٍ فإنه دعاء خاص في كل وقت بما يليق بذلك الوقت فإن دعا في غير وقته وقع الإنسان في الجهل فإنه يدعوه بما يخرجه عن سلطان حكمه الذي يرتقبه السامع في نفسه فلا بد من الدعاء له بعد دخول وقته حتى يتعين من هو صاحب الوقت من هذه الأسماء الإلهية انظر هل يصح منك الشكر قبل دخول حكم الاسم المنعم فإذا كان وقتك النعمة و دخل وقتها بوجودها عندك دعيت إلى شكر المنعم و إنما دخل الخلاف في الصبح لجهل السامع بمقصود الشارع بذلك الذكر فإنه دعاء لصاحب الوقت بخلاف سائر الصلوات فإن الليل لما كان محلا للنوم و نام الناس شرع النداء الآخر الذي هو الأول لإيقاظ النائمين فهو دعاء للانتباه و الاستعداد لإيقاع صلاة الصبح في أول الوقت فهو نداء تحضيض و تحريض و جعل بصورة الأذان المشروع للصلاة أي من أجل الصلاة دعوناكم لتتذكروها فتتأهبوا لها فإذا دخل وقتها وجب الإعلام بدخول الوقت لجهل السامعين بدخول أول الوقت فإنه يخفى على أكثر الناس فإن أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ فيعلمون بالأذان المشروع لدخول الوقت أن الوقت قد دخل و كذلك الحكم في الاعتبار الغافل عن حكم الاسم الإلهي فيه ينبهه الداعي من نومة الغفلة بأنه تحت حكم اسم إلهي يصرفه و أنه لا حول و لا قوة له إلا به فإذا انتبه من نوم غفلته و تذكر بعقله عرف عند ذلك أي اسم هو صاحب الوقت فاذعن له بحسب ما تقتضيه حقيقة ذلك الاسم الإلهي في حق هذا الشخص قال تعالى وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ و قال وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ و إنما ذهبنا إلى أن الأذان قبل الصبح هو ذكر و نداء بصورة الأذان ما هو الأذان المشروع بالإعلام لدخول الوقت أن النبي صلى الله عليه و سلم قال إن بلالا ينادي بليل و لم يقل يؤذن و كذا قال في ابن أم مكتوم ينادي لموضع الشبهة فإنه كان أعمى فكان لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت أي قاربت الصباح قال الراوي و كان بين نداء بلال و نداء ابن أم مكتوم قدر ما ينزل هذا و يصعد هذا فسماه نداء لهذا الاحتمال أعني أذان ابن أم مكتوم فإن الفصاحة في لسان العرب تطابق الألفاظ في سبق لما قال في بلال إنه ينادي بليل و يؤيد ما ذهبنا إليه حديث ابن عمر إن بلالا أذن قبل طلوع الفجر فسماه ابن عمر أذانا لما عرف من قرينة الحال فأمره رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يرجع فينادي ألا إن العبد نام ليعرف الناس أن وقت الصلاة ما دخل فإن الأذان المشروع إنما هو لدخول وقت الصلاة فلما عرف من بلال أنه قصد الأذان و أن السامعين ربماأوقعوا الصلاة في غير وقتها أمره أن يعرف الناس أنه قد غلط في أذانه و لهذا يكون من المؤذنين بالليل الدعاء و التذكير و تلاوة آيات من القرآن و المواعظ و إنشاد الشعر المزهد في الدنيا المذكر الموت و الدار الآخرة ليعلم الناس إذا سمعوا الأذان منهم أنهم يريدون بذلك ذكر الله كما تقدم و أنه لإيقاظ النائمين لا لدخول الوقت و يكون لدخول الوقت مؤذن خاص يعرف بصوته و كذا هو في الاعتبار لتنوع الأحوال على أهل الله لا بد لهم من علامات يفرقون بها بين الأحوال التي تعطيها الأسماء الإلهية فافهم
(فصول في الشروط في هذه العبادة)
قال بعض العلماء و هي ثمانية شروط و عددها فقال إن منها هل من شرط من أذن أن يكون هو الذي يقيم أم لا الثاني هل من شرط الأذان أن لا يتكلم المؤذن في أثنائه أم لا الثالث هل من شرطه أن يكون المؤذن على طهارة أم لا الرابع هل من شرطه أن يتوجه المؤذن إلى القبلة أم لا الخامس هل من شرطه أن يكون المؤذن قائما أم لا يكون السادس هل يكره الأذان للراكب أم ليس يكره السابع هل من شرطه البلوغ أم لا الثامن هل من شرطه أن لا يأخذ أجرا على الأذان أم يأخذ الأجر اختلف علماء الشريعة في هذه الشروط و أدلتهم ما بين قياس و معارضة أخبار بين صحيح و سقيم و مذهبنا أن الأذان يصح بوجودها و عدمها و العمل بها أولى إن اتفق و لا يمنع من ذلك مانع و أما الاعتبار في ذلك في الشروط كلها التي ذكرناها فاعلم إن الداعي قد يكون الاسم الإلهي الذي يدعو به الحق إلى الحق و هو عين الداعي الذي يقوم به بين يدي الحق في أي شيء دعا إليه من الأحوال و قد يكون غيره من الأسماء فلا يشترط من إذن فهو يقيم فإن فيه حرجا الداعي إلى الحق قد يتكلم في أثناء دعائه إلى الحق لحال يطلبه بذلك لا يجوز له التأخر عنه إما لأدب إلهي أو لفرض تعين عليه و قد لا يتكلم ما لم يقدح في فهم السامع ما يخرجه عن أن يكون داعيا له و هذا اعتبار الشرط الثاني الداعي قد يدعو بحاله و هو طهارته و هو أفضل و قد يدعو بما ليس هو عليه في حاله و هو خير بكل وجه كما قال الحسن ابن أبي الحسن البصري و كان من أهل طريق الله العلية منهم لو لم يعظ أحد أحدا حتى يعظ نفسه ما وعظ أحد أحدا أبدا و لفاعل المنكر أن ينهى عن المنكر و إن لم يفعل اجتمع عليه إثمان فاعلم ذلك و هذا هو اعتبار الشرط الثالث الداعي إن قصد بدعائه وجه الله فهو أولى و إن قصد بذلك دنيا فلا يمنعه ذلك من الدعاء إلى الله و الأول أفضل و يرجى للآخر أن ينتفع بدعوته سامع فيدعو له فيسعد بدعائه فهذا بمنزلة استقبال القبلة بالأذان و هو الشرط الرابع الداعي إن كان قائما بحقوق ما يدعو إليه فهو أولى من قعوده عن ذلك في دعائه و هذا اعتبار الشرط الخامس الداعي هل يكون في دعائه حاضرا مع عبوديته و ذلته أو يكون في حال نظره لعزة نفسه و تكبرها و عجبها و هو الذي يؤذن راكبا و حضوره مع ذلته أولى و هو اعتبار الشرط السادس الداعي هل ينبغي له أن يدعو قبل بلوغه إلى المعرفة بمن يدعو إليه كدعاء المقلد أو لا يدعو حتى يعرف من يدعو إليه و هو اشتراط البلوغ في الأذان و هذا اعتبار الشرط السابع الداعي إلى الله هل من شرطه أن لا يأخذ أجرا على دعائه فهو عندنا أفضل إنه لا يأخذ و إن أخذ جاز له ذلك فإن مقام الدعوة إلى الله يقتضي الأجرة فإنه ما من نبي دعا قومه إلا قيل له قل ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ من أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الله فأثبت الأجرة على دعائه و سألها من الله لا من المدعو حتى إن رسول الله صلى الله عليه و سلم ما سأل منا في الأجر على تبليغ الدعاء إِلَّا الْمَوَدَّةَ في الْقُرْبى و هو حب أهل البيت و قرابته صلى الله عليه و سلم و أن يكرموا من أجله كانوا ما كانوا و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن أحق ما أخذتم عليه كتاب الله في حديث الذي رقى اللديغ بفاتحة الكتاب و استراح فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم اضربوا فيها بسهم يعني في الغنم التي أخذوها أجرا على ذلك فالإنسان الداعي بوعظه و تذكيره عباد الله إن آخذ أجرا فله ذلك فإنه في عمل يقتضي الأجر بشهادة كل رسول و إن ترك أخذه من الناس و سأله من الله فله ذلك و سبب ترك الرسل لذلك و سؤالهم من الله الأجر كون الله هو الذي استعملهم في التبليغ فكان الأجر عليه تعالى لا على المدعو و إنما أخذ الراقي الأجر من اللديغ لأن اللديغ استعمله في ذلك و لذلك قال النبي صلى الله عليه و سلم اضربوا لي بسهم لأن الرسول عليه السلام هو الذي أفاد الراقي ما رقى به ذلك اللديغ و ينظر إلى قريب من هذا حديث بريرة في قوله هو لها صدقة و لنا هدية لأنها بلغت محلها و هذا هو الشرط الثامن و اعلم أن هذا الأجر أجر تفضل إلهي عينه السيد لعبده فإن العبد لا ينبغي له استحقاق الأجر على سيده فيما يستعمله فيه فإنه ملكه و عين ماله و لكن تفضل سيده عليه بأن عين له على عمله أجرا و سره خلقه على الصورة فإن عبيدنا إخواننا فافهم و أما العلماء بالله عز و جل فأجرهم مشاهدة سيدهم إذا رجعوا إليه من التبليغ الذي أمرهم به فإنهم حزنوا لمفارقة ذلك المشهد الأقدس و مشاهدة الأكوان فوعدهم بأنهم إذا رجعوا إليه كان لهم المزيد في المشاهدة فأخبروا الناس أن أجرهم على الله
(فصل بل وصل فيمن يقول مثل ما يقول من يسمع الأذان)
و اختلف علماء الشريعة في ذلك فمن قائل إنه يقول مثل ما يقول المؤذن كلمة بكلمة إلى آخر النداء و من قائل إنه يقول مثل ما يقول المؤذن إلا إذا جاء بالحيعلتين فإن السامع يقول لا حول و لا قوة إلا بالله و بالقول الأول أقول فإنه أولى إلا أن يثبت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ذكر الحوقلة في ذلك فأنا أقول به و لا أشترط أن يمشي السامع مع المؤذن في كل كلمة و لكن إن شاء قال مثل ما يقول المؤذن في أثر كل كلمة و إن شاء إذا فرغ يقول مثله و ذلك في المؤذن الذي يؤذن للاعلام في المنارة أو على باب المسجد أو في نفس المسجد ابتداء عند دخول الوقت من قبل أن يعلم من في المسجد إن وقت الصلاة دخل فهذا هو المؤذن الذي شرع له الأذان و أما المؤذنون في المسجد بين الجماعة الذين يسمعون الأذان فهم ذاكرون الله بصورة الأذان فلا يجب على السامع أن يقول مثله فإن ذلك عندنا بمنزلة السامع يقول مثل ما قال المؤذن و لم يشرع لنا و لا أمرنا أن نقول مثل ما يقول السامع إذا قال ما يقول المؤذن اعتبار ذلك في الباطن قال تعالى فيما يقوله الرسول صلى الله عليه و سلم أَدْعُوا إِلَى الله عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَ من اتَّبَعَنِي و المؤذن داع إلى الله بلا شك ثم قال وَ من اتَّبَعَنِي و هو غير النبي يدعو بمثل دعوة النبي عليه السلام عباد الله إلى توحيد الله و العمل بطاعته و هو بمنزلة السامع للمؤذن الذي أمره الشارع أن يقول مثل ما يقول المؤذن لا يزيد على ذلك و لا ينقص كذلك ينبغي للداعي إلى الله أن يدعو بشرعه المنزل المنطوق به حاكيا لا يزيد على دعاء رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو قوله صلى الله عليه و سلم نضر الله امرأ سمع مني كلمة فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع و هذه مسألة اختلف الناس فيها أعني في هذا الخبر في نقله على المعنى و الصحيح عندي إن ذلك لا يجوز جملة واحدة إلا أن يبين الناقل أنه نقل على المعنى فإن الناقل على المعنى إنما ينقل إلينا فهمه من كلام رسول الله صلى الله عليه و سلم و ما تعبدنا الله بفهم غيرنا إلا بشرط في الأخبار بالاتفاق و في القرآن بخلاف في حق الأعجمي الذي لا يفهم اللسان العربي فإن هذا الناقل على المعنى ربما لو نقل إلينا عين لفظه صلى الله عليه و سلم ربما فهمنا مثل ما فهم أو أكثر أو أقل أو نقيض ما فهم فالأولى نقل الحديث كما ننقل القرآن فالداعي إلى الله لا يزيد على ما جاء به رسول الله صلى الله عليه و سلم من الإخبار بالأمور المغيبة إلا إن أطلعه الله على شيء من الغيب مما علمه الله فله أن يدعو به مما لا يكون مزيلا لما قرره الشرع بالتواتر عندنا أي على طريق يفيد العلم لا بد من هذا فعلى هذا الحد يكون الاعتبار في القول مثل ما يقول المؤذن حتى لو قال السامع سبحان الله عند قول المؤذن الله أكبر لم يمتثل أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم و من لم يمتثل أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يمتثل أمر الله فإن الله يقول وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ و قال من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله و أمرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن تقول مثل ما يقول المؤذن و إن كان قال هذا السامع خيرا و كذلك لو قال الله الكبير لم يقل مثله إلا إن قال المؤذن الله الكبير و فيه خلاف في حق المؤذن بهذا اللفظ فمن أجاز ذلك أوجب على السامع أن يقول مثله فلو قال السامع الله أكبر فقد قال الأذان المشروع المنصوص عليه المنقول بالتواتر و بين قول الإنسان الله الكبير و قوله الله أكبر فرقان عظيم فاذن لا ينبغي أن تنقل الأخبار إلا كما تلفظ بها قائلها إلا في مواضع الضرورة و ذلك في الترجمة لمن ليس من أهل ذلك اللسان فأما في القرآن فينبغي إن ينقل المسطور و يقرر لفظه كما ورد و بعد ذلك يترجم عنه حتى يخرج من الخلاف و يكون في الترجمة مفسرا لا تاليا و أما في غير القرآن فله إن يترجم على المعنى بأقرب لفظ يكون بحكم المطابقة على المعنى كما كان في الخبر النبوي
(فصل بل وصل في الإقامة)
للاقامة حكم و صفة أما حكمها فاختلف الناس فيها فقوم قالوا إنها سنة مؤكدة في حق الأعيان و الجماعات أكثر من الأذان و قوم قالوا هي فرض و هو مذهب بعض أهل الظاهر فإن أرادوا أنها فرض من فروض الصلاة تبطل الصلاة بسقوطها و إن لم يقولوا ذلك صحت الصلاة و يكون عاصيا بتركها على أني رأيت لبعضهم إن الصلاة فتبطل بتركها و من قائل إنه من تركها عامدا بطلت صلاته و هو مذهب ابن كنانة اعتبار ذلك في الحكم الإقامة لأجل الله فرض لا بد منه و الإقامة لما أمرنا الله أن أقيم له فنحن فيه بحسب قرائن الأحوال فإذا أعطت قرينة الحال إن ذلك الأمر على الوجوب أوجبناها مثل قوله أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ و مثل قوله أَقِيمُوا الصَّلاةَ و مثل قوله أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ فهذا هو حد الواجب فإن رجحت الوزن في القضاء فهو أفضل فإنك قد امتثلت أمر الله فإنه ما رجح الميزان حتى اتصف بالإقامة التي هي حد الواجب ثم رجح و الذي يخسر الميزان ما بلغ بالوزن حد الإقامة حتى يحصل الواجب مثل ما فعل المرجح فما حمدنا المرجح إلا لحصول إقامة الوزن لا للترجيح ثم أثنينا عليه ثناء آخر بالترجيح فالمرجح محمود من وجهين فاعلم و حمده من جهة الإقامة أعلى لأنه الحمد الوجوبي فحمد الترجيح نافلة إلا فيمن يحمل الأمر في ذلك على الوجوب و هو قوله صلى الله عليه و سلم في القاضي ما عليه إذا وزنت فارجح فأمره بالرجحان و أكد في ذلك قولا و فعلا و إذا لم يكن الأمر على الوجوب لقرينة حال كانت الإقامة بحسب ذلك فهذا اعتبار حكم الإقامة بوجه ينفع في دين الله من وقف على هذا الكتاب و عمل بما قررناه فيه فإنه ما قررنا فيه أمرا غير مشروع لله الحمد و إن كنا لم نتعرض لذكر الأدلة مخافة التطويل فما خرجنا بحمد الله عن الكتاب و السنة فيه كما قال الجنيد علمنا هذا مقيد بالكتاب و السنة (و أما صفة الإقامة) فعند قوم التكبير الذي في أولها مثنى و ما بقي فيها فرد و التكبير الذي بعد الإقامة مثنى و عند قوم مثل ذلك إلا الإقامة فإنها مثنى و قوم خيروا بين التثنية و الإفراد و قوم قالوا بالتثنية في الكل و تربيع و التكبير الأول مع الاتفاق في توحيد التهليل الآخر الاعتبار أما من ثنى أي من زاد على الواحدة فللمراتب التي ذكرناها في الأذان على السواء و لم نعدل لاعتبار آخر لأنها جاءت في ظاهر الشريعة بلفظ الأذان لا بلفظ آخر إلا الإقامة فانفردت بها الإقامة عن الأذان و هي قوله قد قامت الصلاة فهو إخبار عن ماض و الصلاة مستقبلة فهي بشرى من الله لعباده لمن جاء إلى المسجد ينتظر الصلاة أو كان في الطريق يأتي إليها أو كان في حال الوضوء بسببها أو كان في حال القصد إلى الوضوء قبل الشروع فيه ليصلي بذلك الوضوء فيموت في بعض هذه المواطن كلها فله أجر من صلاها و إن كانت ما وقعت منه فجاء بلفظ الماضي لتحقق الحصول فإذا حصلت بالفعل فله أجر الحصول بالفعل و أجر الحصول الذي يحصل لمن مات في هذه المواطن قبل إن يدخل في الصلاة و قد ورد في الخبر أن الإنسان في صلاة ما دام ينتظر الصلاة فلهذا جاء بلفظ الماضي و هو الحاصل في قوله قد قامت الصلاة و إقامة الصلاة تمام نشأتها و كمالها أي هي لكم قائمة النشأة كاملة الهيئة على حسب ما شرعت فإذا دخلتم فيها و أجرتم الأجر الثاني فقد يكون مثل الأول في إقامة نشأتها و قد لا يكون فإن المصلي قد يأتي بها خداجا غير كاملة فتكتب له خداجا من حيث فعله بخلاف ما تكتب له قبل الفعل فانظر ما أعظم فضل الله على عباده و سبب ذلك قول الله تعالى قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فإنه لو أثابه عليها قبل وقوعه بحسب علمه به فيها من إخداجها ربما قال العبد لو أحييتني حتى أؤديها لأقمت نشأتها على أكمل الوجوه فأعطى الله جل و عز سبحانه عبده ذلك الثواب على أكمل الأداء لله الحمد و المنة على ذلك
(فصل بل وصل في القبلة)
اتفق المسلمون على إن التوجه إلى القبلة أعني الكعبة شرط من شروط صحة الصلاة لو لا إن الإجماع سبقني في هذه المسألة لم أقل به إنه شرط فإن قوله تعالى فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله نزلت بعده و هي آية محكمة غير منسوخة و لكن انعقد الإجماع على هذا و على قوله تعالى فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله محكما في الحائر الذي جهل القبلة فيصلي حيث يغلب على ظنه باجتهاده بلا خلاف و إن ظهر له بعد ذلك أنه صلى لغير القبلة لم يعد بخلاف في ذلك بخلاف من لم يجد سبيلا إلى الطهارة فإنه قد وقع الخلاف فيه هل يصلى أم لا ثم إنه لا خلاف إن الإنسان إذا عاين البيت إن الفرض عليه هو استقبال عينه و أما إذا لم ير البيت فاختلف علماؤنا في موضعين من هذه المسألة الموضع الواحد هل الفرض هو العين أو الجهة و الموضع الثاني هل فرضه الإصابة أو الاجتهاد أعني إصابة العين أو الجهة عند من أوجب العين فمن قائل إن الفرض هو العين و من قائل إن الفرض هو الجهة و بالجهة أقول لا بالعين فإن في ذلك حرجا و الله يقول وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ من حَرَجٍ و أعني بالجهة إذا غابت الكعبة عن الأبصار و الصف الطويل قد صحت صلاتهم مع القطع بأن الكل منهم ما استقبلوا العين هذا معقول الاعتبار التحديد في القبلة إخراج العبد عن اختياره فإن أصله و أصل كل ما سوى الله الاضطرار و الإجبار حتى اختيار العبد هو مجبور في اختياره و مع أن الله فاعل مختار فإن ذلك من أجل قوله وَ يَخْتارُ و قوله وَ لَوْ شِئْنا و لا يفعل إلا ما سبق به علمه و تبدل العلم محال يقول تعالى ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ و قال فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ و ما رأيت أحدا تفطن لهذا القول الإلهي فإن معناه في غاية البيان و لشدة وضوحه خفي و قد نبهنا عليه في هذا الكتاب و بيناه فإنه سر القدر من وقف على هذه المسألة لم يعترض على الله في كل ما يقضيه و يجريه على عباده و فيهم و منهم و لهذا قال لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ فلو كنت عاقلا تفهم عن الله كفتك هذه الآية في المقصود ثم نرجع إلى اعتبار ما كنا بصدده فنقول إن الصلاة دخول على الحق و جاء في الخبر الصحيح أن الصلاة نور و الإنسان ذو بصر في باطنه كما هو في ظاهره فلا بد له من الكشف في صلاته فمن جملة ما يكشفه في صلاته كونه مجبورا في اختياره الذي ينسبه إليه فشرع له في هذا الموطن و في العبادات كلها التحديد في الأشياء حتى يكون في تصرفاته بحكم الاضطرار و هو أصل يشمل كل موجود و لا أحاشي موجودا من موجود لمن كان ذا بصر حديد و أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ حتى في حكم المباح هو فيه غير مختار لأنه من المحال أن يحكم عليه بحكم غير الإباحة من وجوب أو ندب أو حظرا و كراهة فلهذا شرع له استقبال البيت إذا أبصره حين صلاته و استقبال جهته إذا غاب عنه و فرضه في اجتهاده بالغيبة إصابة الاجتهاد لا إصابة العين و ذلك لو كان فرضه إصابة العين فإن العبد مأمور بأن يستقبل ربه بقلبه في صلاته بل في جميع حركاته و سكناته لا يرى إلا الله و قد علمنا إن ذات الحق و عينه يستحيل على المخلوق معرفتها فمن المحال استقبال عين ذاته بقلبه أي من المحال أن يعلم العاقل ربه من حيث عينه و إنما يعلمه من حيث جهة الممكن في افتقاره إليه و تميزه عنه بأنه لا يتصف بصفات المحدثات على الوجه الذي يتصف به المحدث الممكن لأنه ليس كمثله شيء فلا يعرفه إلا بالسلوب و هذا سبب قولنا بالجهة لا بالعين و الإصابة إصابة الاجتهاد لا إصابة العين و لهذا كان المجتهد مأجورا على كل حال و لا سيما و الاجتهاد في مذهبنا في الأصول كما هو في فروع الأحكام لا فرق و أما قول رسول الله صلى الله عليه و سلم في المجتهد إنه مصيب و مخطئ فمعناه عندنا في هذه المسألة و أمثالها أن المجتهد في الإصابة ما هي إصابة العين أو إصابة الجهة أن المصيب من قال إصابة الجهة و المخطئ من قال إصابة العين فإن إصابة الجهة في غير الغيم المتراكم ليلا أو نهارا في البراري لا يقع إلا بحكم الاتفاق فأحرى إصابة العين لا بحكم العلم و ما تعبدنا الله بالإرصاد و لا بالهندسة المنبئة على الإرصاد المستنبط منها أطوال البلاد و عروضها فإنا بكل وجه إذا أخذنا نفوسنا بها على غير يقين فتبين إن الفرض على المكلف الاجتهاد لا الإصابة فلا إعادة على من صلى و لم يصب الجهة إذا تبين له ذلك بعد ما صلى كذلك الاعتبار في الباطن إذا وفى الناظر النظر حقه أصاب العجز عن الإدراك فاعتقده و ما ثم إلا العجز فالحق عند اعتقاد كل معتقد بعد اجتهاده يقول تعالى وَ من يَدْعُ مَعَ الله إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ به فافهم كما هو عند ظن عبده به إلا أن المراتب تتفاضل و الله أوسع و أجل و أعظم أن ينحصر في صفة تضبطه فيكون عند واحد من عباده و لا يكون عند الآخر يأبى الاتساع الإلهي ذلك فإن الله يقول وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ و فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله و وجه كل شيء حقيقته و ذاته فإنه سبحانه لو كان عند واحد أو مع واحد و لا يكون عند آخر و لا معه كان الذي ليس هو عنده و لا معه يعبد و همه لا ربه و الله يقول وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ أي حكم و من أجله عبدت الآلهة فلم يكن المقصود بعبادة كل عابد إلا الله فما عبد شيء لعينه إلا الله و إنما أخطأ المشرك حيث نصب لنفسه عبادة بطريق خاص لم يشرع له من جانب الحق فشقي لذلك فإنهم قالوا في الشركاء ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله فاعترفوا به و ما يتصور في العالم من أدنى من له مسكة من عقل التعطيل على الإطلاق و إنما معتقد التعطيل إنما هو يعطل صفة ما اعتقدها المثبت فمن استقبل عين البيت إن كان يبصره أو الجهة إن غاب عنه بوجهه و استقبل ربه في قبلته كما شرع له في قلبه و حسه في خياله إن ضعف عن تعليق العلم به من حيث ما يقتضيه جلاله فإن المصلي و إن واجه الحق في قبلته كما ورد في النص فإنه كما قال من وَرائِهِمْ مُحِيطٌ فهو السابق و الهادي فهو سبحانه الذي نواصي الكل بيده الهادي إلى صراط مستقيم و الذي يسوق الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَ تَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
(فصل بل وصل في الصلاة في داخل البيت)
فمن قائل بمنع الصلاة في داخل الكعبة على الإطلاق و من قائل بإجازة ذلك على الإطلاق و من العلماء من فرق في ذلك بين النفل و الفرض و كل له مستند في ذلك يستند إليه اعتبار ذلك في الباطن و بعد تقرير الحكم في الظاهر الذي شرع لنا و تعبدنا به و لم نمنع من الاعتبار بعد هذا التقرير فنقول هذه حالة من كان الحق سمعه و بصره و لسانه و يده و رجله لكن في حال إجالة كل جارحة فيما خلقت له هكذا قيد الصادق في خبره و في ذلك ذكرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ و لما كانت هذه الحالة الواردة من الشارع في الخبر الصحيح عنه و تأيد الكشف بذلك الخبر عند السامع حالة النوافل و نتيجتها لهذا تنفل في الكعبة رسول الله صلى الله عليه و سلم لما دخلها كما ورد و كان يصلي الفريضة خارج البيت كما كان يتنفل على الراحلة حيث توجهت به فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله و قد علمنا إن الأمر في نفسه قد يكون كما نراه و نشهده و هذا هو الذي أعطى مشاهدة هذا المقام فهو يراه سمع غيره كما يراه سمع نفسه فالكرامة التي حصلت لهذا الشخص إنما هي الكشف و الاطلاع لا أنه لم يكن الحق سمعه ثم كان إلا أن يتعالى الله عن العوارض الطارئة و هذه المسألة من أعز المسائل الإلهية فمن استصحب هذا الحكم في الظاهر أجاز الصلاة كلها فرضها و نفلها داخل الكعبة فإن كل ما سوى الله لا يمكنه الخروج عن قبضة الحق فهو موجدهم بل وجودهم و منه استفادوا الوجود و ليس الوجود خلاف الحق و لا خارجا عنه يعطيهم منه هذا محال بل هو الوجود و به ظهرت الأعيان يقول القائل بحضرة رسول الله صلى الله عليه و سلم مرتجزا و هو يسمع
و الله لو لا الله ما اهتدينا و لا تصدقنا و لا صلينا
و رسول الله صلى الله عليه و سلم يعجبه ذلك و يصدقه في قوله فنحن به سبحانه و له كما ورد في الخبر الصحيح فإذا نظرنا إلى ذواتنا و إمكاننا فقد خرجنا عنه و إمكاننا يطلبنا بالنظر و الافتقار إليه فإنه الموجد أعياننا بجوده من وجوده و هو اعتبار قوله وَ من حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فتفسيره من كل جهة خرجت مصليا فاستقبل المسجد الحرام و في الإشارة من حيث خرجت إلى الوجود أي من زمان خروجك من العدم إلى الوجود و في الاعتبار يقول بأي وجه خرجت من الحق إلى إمكانك و مشاهدة ذاتك فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ يقول فارجع بالنظر و الاستقبال مفتقرا مضطرا إلى مأمنه خرجت فإنه لا أين لك غيره فانظر فيه تجده محيطا بك مع كونه مستقبلك فقد جمع بين الإطلاق و التقييد فأنت تظن إنك خرجت عنه و ما استقبلت إلا هو و هو من ورائك محيط و حيثما كنتم من الأسماء الإلهية و الأحوال فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ ذواتكم شَطْرَهُ أي لا تعرضوا عنه و وجه الشيء عينه و ذاته فإن الإعراض عن الحق وقوع في العدم و هو الشر الخالص كما إن الوجود هو الخير الخالص و الحق هو الوجود و الخلق هو العدم قال لبيد ألا كل شيء ما خلا الله باطل فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم في هذا القول إنه أصدق بيت قالته العرب و لا شك أن الباطل عبارة عن العدم و أما حكم هذه الآية في الظاهر إن صلاة الفرض تجوز داخل الكعبة إذ لم يرد نهي في ذلك و لا منع و قد ورد و ثبت حيثما أدركتك الصلاة فصل إلا الأماكن التي خصصها الدليل الشرعي من ذلك لا لأعيانها و إنما ذلك لوصف قام بها فيخرج بنصه ذلك القدر لذلك الوصف و قوله وَ من حَيْثُ خَرَجْتَ أي و إذ خرجت من الكعبة أو من غيرها و أردت الصلاة فول وجهك شطرها أي لا تستقبل بوجهك في صلاتك جهة أخرى لا تكون الكعبة فيها فقبلتك فيها ما استقبلت منها و كذلك إذا خرجت منها ما قبلتك إلا ما يواجهك منها سواء أبصرتها أو غابت عن بصرك و ليس في وسعك أن تستقبل ذاتها كلها بذاتها لكبرها و صغر ذاتك جرما فالصلاة في داخلها كالصلاة خارجا عنها و لا فرق فقد استقبلت منها و أنت في داخلها ما استقبلت و لا تتعرض بالوهم لما استدبرت منها إذا كنت فيها فإن الاستدبار في حكم الصلاة ما ورد و إنما ورد الاستقبال و ما نحن مع المكلف إلا بحسب ما نطق به من الحكم فلا يقتضي عندنا الأمر بالشيء النهي عن ضده فإنه ما تعرض في النطق لذلك فإذا تعرض و نطق به قبلناه فإذا لم تعمل بما أمرك الله به فقد عصيته و لو كان الأمر بالشيء نهيا عن ضده لكان على الإنسان خطيئتين أو خطايا كثيرة بقدر ما لذلك المأمور به من الأضداد و هذا لا قائل به فإنما يؤاخذ الإنسان بترك ما أمر بفعله أو فعل ما أمر بتركه لا غير فهو ذو وزر واحد و سيئة واحدة فلا يجزى إلا مثلها و قد أخذت المسألة حقها ظاهرا و باطنا حقا و خلقا شرعا و اعتبارا وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
(فصل بل وصل في ستر العورة)
اتفق العلماء على إن ستر العورة فرض بلا خلاف و على الإطلاق أعني في الصلاة و في غيرها و سأذكر حدها في الرجل و المرأة اعتبار ذلك في الباطن وجب على كل عاقل ستر السر الإلهي الذي إذا كشفه أدى كشفه من ليس بعالم و لا عاقل إلى عدم احترام الجناب الإلهي الأعز الأحمى فإن حقيقة العورة الميل و لهذا قال من قال إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ أي مائلة تريد السقوط لما استنفروا فأكذبهم الله عند بغيه بقوله وَ ما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً يعني بهذا القول مما دعوتهم إليه و منه الأعور فإن نظره مال إلى جهة واحدة و كذلك ينبغي أن يستر العالم عن الجاهل أسرار الحق في مثل قوله ما يَكُونُ من نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ و قوله وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ من حَبْلِ الْوَرِيدِ و قوله كنت سمعه و بصره و لسانه فإن الجاهل إذا سمع ذلك أداه إلى فهم محظور من حلول أو تحديد فينبغي أن يستر ما تعطف الحق به على قلوب العلماء و مال عز و جل سبحانه و تقدس بخطابه مما يقتضيه جلاله من الغني على الإطلاق عن العالمين إلى قوله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه و سلم جعت فلم تطعمني مرضت فلم تعدني ظمئت فلم تسقني فليستر علم هذا عن الجاهل و لا يزيد على ما فسره به قائله سبحانه شيئا كما ستره الحق بقوله أما أن فلانا مرض فلو عدته وجدتني عنده و هذا أشكل من الأول لكنه أعطى في هذا التفسير للعلماء بالله علما آخر به تعالى لم يكن عندهم و ذلك أنه في الأول جعل نفسه سبحانه عين المريض و الجائع و في تفسيره تعالى جعل نفسه عائد المريض بكونه عنده فإن من عاد مريضا فهو عنده و أين هذا من جعله نفسه عين المريض و كل قول من ذلك حق و لكل حق حقيقة و أما الستر الذي في ذلك للعامي أن يقال له في قوله لوجدتني عنده إن حال المريض أبدا الافتقار و الاضطرار إلى من بيده الشفاء و ليس إلا الله فالغالب عليه ذكر الله مع الأناة في دفع ما نزل به بخلاف الأصحاء و هو سبحانه قد قال أنا جليس من ذكرني و هذا وجه صحيح و يقنع العامي به و يبقى العالم بما يعلمه من ذلك على علمه فهذا هو سر الميل الإلهي عن نظر العامي
(فصل بل وصل في ستر العورة في الصلاة)
اختلف العلماء هل هي شرط في صحة الصلاة أم لا فمن قائل إن ستر العورة من سنن الصلاة و من قائل إنها من فروض الصلاة و أما اعتبار ذلك في النفس فقد أعلمناك ما مفهوم العورة آنفا و في هذه المسألة لما ثبت أن المصلي يناجي ربه و أن الصلاة قد قسمها الله نصفين بينه و بين عبده فمن غلب أن الحق هو المصلي بأفعال عبده أعني الأفعال الظاهرة من العبد في الصلاة كما ثبت أن الله قال على لسان عبده في الصلاة سمع الله لمن حمده عند الرفع من الركوع و العبد هو القائل بلا شك و قال فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله و الرسول صلى الله عليه و سلم هو التالي بلا شك قال إن ستر العورة من فروض الصلاة أي مثل هذا لا يظهر في العامة يريد معناه و سره الذي يعرفه العالم بل يؤمن به العامي كما جاء وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ و من رأى أن لا مرتبة في هذه المسألة بين العالم و العامي و أنه ما فيها إلا ما ورد النص به و لو أدى عند السامع إلى ما أداه إذا لم يخرج عن مقتضى اللسان في ذلك و إن تفاضلت درجاتهم كان ستر العورة عنده من سنن الصلاة لا من فروضها وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
(فصل بل وصل في حد العورة)
فمن قائل إن العورة في الرجال هي السوءتان و من قائل هي من الرجال من السرة إلى الركبة و هي عندنا السوءتان فقطالاعتبار في ذلك في النفس ما يذم و يكره و يخبث من الإنسان هو العورة على الحقيقة و السوءتان محل لما ذكرناه فهو بمنزلة الحرام و ما عدا السوءتين مما يجاوزهما من السرة علوا و من الركبة سفلا هو بمنزلة الشبهات فينبغي أن يتقى فإن الراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه
(فصل بل وصل في حد العورة من المرأة)
فمن قائل إنها كلها عورة ما خلا الوجه و الكفين و من قائل بذلك و زاد أن قدميها ليستا بعورة و من قائل إنها كلها عورة و أما مذهبنا فليست العورة في المرأة أيضا إلا السوءتين كما قال تعالى وَ طَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما من وَرَقِ الْجَنَّةِ فسوى بين آدم و حواء في ستر السوأتين و هما العورتان و إن أمرت المرأة بالستر فهو مذهبنا لكن لا من كونها عورة و إنما ذلك حكم مشروع ورد بالستر و لا يلزم أن يستر الشيء لكونه عورة اعتبار ذلك في النفس المرأة هي النفس و الخواطر النفسية كلها عورة فمن استثنى الوجه و الكفين و القدمين فلأن الوجه محل العلم لأن المسألة إذا لم تعرف وجهها فما علمتها و إذا استتر عنك وجه الشيء فما علمته و أنت مأمور بالعلم بالشيء فأنت مأمور بالكشف عن وجه ما أنت مأمور بالعلم به فلا يستر الوجه من كونه عورة فإنه ليس بعورة و أما اليدان و هما الكفان بهما محل الجود و العطاء و أنت مأمور بالسؤال فلا بد للمعطي أن يمد يده بما يعطي فلا يستر كفه فإنه المالك للنعمة التي تطلبها منه فلا بد أن تتناولها إذا جاد عليك بها و الجود و الكرم مأمور بهما شرعا و قد ورد أن اليد العليا خير من اليد السفلي فعم يد السائل و المعطي فلا بد للمعطي أن يناول و للسائل أن يتناول و أما القدمان فلا يجب سترهما و أنهما ليستا بعورة لأنهما الحاملتان للبدن كله و نقلاته من مكان إلى مكان و من كان حكمه التصريف فيتعذر ستره و احتجابه فلا بد أن يظهر و يبرز ضرورة فيبعد إن يكون عورة تستر
(فصل بل وصل في اللباس في الصلاة)
اتفق العلماء على أنه يجزي الرجل من اللباس في الصلاة الثوب الواحد اعتباره في النفس الموحد في الصلاة هو الذي لا يرى نفسه فيها بل يرى أن الحق يقيمه و يقعده و هو كالميت بين يدي الغاسل فهذا معنى الثوب الواحد
(فصل بل وصل)
في الرجل يصلي مكشوف الظهر و البطن فذهب قوم إلى جواز صلاته و ذهب قوم إلى أنه لا تجوز صلاته اعتبار النفس في ذلك الظاهر و الباطن و هو عمل القلب في الصلاة و عمل الجوارح فالرجل المصلي إذا انكشف له ظاهر أمره في صلاته و باطنه لم ير نفسه مصليا و إنما رأى نفسه يصلي بها فهذا بمنزلة من قال بإبطال صلاته فإن صاحب هذا الكشف على هذا النظر بطلت إضافة الصلاة إليه مع وقوع الصلاة منه و من حصل له هذا الكشف و قال لا يمكن أن يكون الأمر إلا هكذا و بهذا القدر من الفعل يسمى مصليا قال بجواز صلاته
(فصل بل وصل فيما يجزي المرأة من اللباس في الصلاة)
اتفق الجمهور على الدرع و الخمار فإن صلت مكشوفة فمن قائل تعيد في الوقت و بعده و من قائل تعيد في الوقت و أما المرأة المملوكة فمن قائل إنها تصلي مكشوفة الرأس و القدمين و من قائل بوجوب تغطية رأسها و من قائل باستحباب تغطية رأسها اعتبار النفس في ذلك لا فرق بين المملوكة و الحرة فإن الكل ملك لله فلا حرية عن الله فإذا أضيفت الحرية إلى الحلق فهو خروجهم عن رق الغير لا عن رق الحق أي ليس لمخلوق على قلوبهم سبيل و لا حكم فهذا معنى الحرية في الطريق و قد تقدم الكلام في الثوب الواحد و بقي الاعتبار في تغطية الرأس هنا و اعلم أن المرأة لما كانت في الاعتبار النفس و الرأس من الرئاسة و النفس تحب الظهور في العالم برئاستها لحجابها عن رياسة سيدها عليها و طلب شفوفها على أمثالها و لهذا قيل آخر ما يخرج من قلوب الصديقين حب الرئاسة أمرت النفس أن تغطي رأسها أي تستر رياستها فإنها في الصلاة بين يدي ربها و لا شك أن الرئيس بين يدي الملك في محل الافتقار فإذا خرج إلى من هو دونه أظهر رياسته عليه فلهذا أمرت النفس المملوكة إن تغطي رأسها في الصلاة
(فصل بل وصل في لباس المحرم في الصلاة)
فمن قائل بجواز صلاته و هو مذهبنا و إن كنت أكره له ذلك و من قائل لا تجوز و من قائل باستحباب الإعادة في الوقت و هو عندنا عاص بلباس ما لا يحل له و إن جازت صلاته فإنه عندنا من الذين خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً اعتبار النفس في ذلك ما في كل موطن برزق الإنسان العصمة في أحواله و التوفيق في جميع أموره فهو فيما يوفق فيه موفق و فيما يخذل فيه مخذول في الوقت الواحد كالذاكر لله بقلبه و لسانه و هو يضرب بيده في تلك الحالة من يأثم بضربه و من حرم عليه ضربه فلا يقدح ذلك في ذكره كما لا يرفع ذلك الذكر إثمه أو حكم إنه أتى حراما فإن الذكر لا يحلله و لهذا عندنا تصح الصلاة في الدار المغصوبة فهو مأثوم من وجه مأجور من وجه
(فصل بل وصل في الطهارة من النجاسة في الصلاة)
فمن قائل إنها من فروض الصلاة و أنها لا تصح إلا بإزالتها و من قائل إنها سنة و قد مضى الكلام فيها في الطهارة و من قائل إن إزالة النجاسة فرض على الإطلاق و من هذا مذهبه لا يلزم منه أن يقول إن إزالتها شرط في صحة الصلاة بل يكون مصليا صحيح الصلاة و عاصيا من حمله النجاسة في الصلاة اعتبار ذلك في النفس النجاسة عند من يرى إزالتها فرضا تقتضي البعد عن الله و الصلاة تقضي بالقرب للمناجاة فمن غلب القرب على البعد أزال حكمها و من غلب البعد على القرب لم تصح عنده الصلاة و الأولى أن يقال إن العبد متنوع الأحوال و إنه بكله لله و إنه بما كان منه لله لله ف إِنَّ الله لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فصلاته مقتولة سواء صلى بالنجاسة أو لم يصل و الأولى إزالتها بلا خلاف قل ذلك أو كثر و منزلها أن الإنسان لا يحضر مع الله في كل حال لما جبل عليه من الغفلة و الضيق فاعلم ذلك و بالله التوفيق
(فصل بل وصل في المواضع التي يصلى فيها)
فمن الناس من ذهب إلى إجازة الصلاة في كل موضع لا تكون فيه نجاسة و منهم من استثنى من ذلك سبعة مواضع المزبلة و المجزرة و المقبرة و قارعة الطريق و الحمام و معاطن الإبل و فوق ظهر الكعبة و منهم من استثنى من ذلك المقبرة و الحمام و منهم من استثنى المقبرة فقط و منهم من كره الصلاة في هذه المواضع المنهي عنها و إن لم يبطلها اعتبار النفس في ذلك قوله تعالى وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ و المصلي يناجي ربه و قوله الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ و قول عائشة رضي الله عنها في رسول الله صلى الله عليه و سلم على ما علمت من أحواله إنه كان صلى الله عليه و سلم يذكر الله على كل أحيانه و ليس للأماكن أثر في حجاب القلب عن ربه إلا لأصحاب الأحوال و إنما الأثر في ذلك للغفلة أو للجهل في العموم أو للحال في أصحاب الأحوال و أما ذكر هذه الأماكن المنهي عنها فإنها كلها تناقض الطهارة و قد تقدم الكلام في الطهارة من النجس و اعتباره و ما بقي من هذه السبعة إلا الصلاة فوق ظهر البيت و ذلك أنك مأمور بالاستقبال إليه في الصلاة و أنت في هذه الحالة لا فيه و لا مستقبله فلم تصل الصلاة المشروعة فإن شطر المسجد الحرام لا يواجهك و من أجاز ذلك حمل في الاعتبار الوجه على الذات و لا شك أنك بذاتك شطر المسجد الحرام فإنك على ظهره و الأرض كلها مسجد
(فصل بل وصل في البيع و الكنائس)
اختلف الناس في البيع و الكنائس أعني في الصلاة فيها فكرهها قوم و أجازها قوم و فرق قوم بين أن تكون فيها صور أم لا تكون اعتبار النفس في ذلك هل يناجي الحق شخصان من مرتبة واحدة ذلك عندنا لا يصح للتوسع الإلهي قال تعالى لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً تفسير أو إشارة فإن صلينا في مثل هذه الأماكن فمن شرعنا لا من شرعهم فافهم و الله الملهم
(فصل بل وصل في الصلاة على الطنافس و غير ذلك مما يقعد عليه)
اتفق العلماء على الصلاة على الأرض و اختلفوا في الصلاة على الطنفسة و غير ذلك مما يقعد عليه على الأرض فالجمهور على إباحة السجود على الحصير و ما يشبهه مما تنبته الأرض و الكراهة في السجود على غير ذلك الاعتبار في النفس في ذلك لما قال الحق تعالى قسمت الصلاة بيني و بين عبدي بنصفين فأثبتك في الصلاة و ما نفاك و له الوصف الأعلى الأنزه و لك الوصف الأنزل الأدنى فكل نزول منك إلى أرض عبوديتك أو لوازمها فإنه قادح فيما أمرت بتعميمه فإنه سماكعبدا في الصلاة و العبودة هي الذلة و قال تعالى في وصف الأرض إنه جعلها لنا ذلولا فنمشي في مناكبها فهي تحت أقدامنا و هذا غاية الذلة من يكون يطئوها الذليل و لما كانت بهذه المنزلة من الذلة أمرنا أن نضع عليها أشرف ما عندنا في ظاهرنا و هو الوجه و إن نمرغه في التراب فعل ذلك جبر الانكسار الأرض بوطء الذليل عليها الذي هو العبد فاجتمع بالسجود وجه العبد و وجه الأرض فانجبر كسرها فإن الله عند المنكسرة قلوبهم فكان العبد في ذلك المقام بتلك الحالة أقرب إلى الله سبحانه من سائر أحوال الصلاة لأنه سعى في حق الغير لا في حق نفسه و هو جبر انكسار الأرض من ذلتها تحت وطء الذليل لها فتنبه لما أشرت إليك فإن الشرع ما ترك شيئا إلا و قد أشار إليه إيماء علمه من علمه و جهله من جهله و لهذا لم يعلم أسرار هذه الأمور إلا أهل الكشف و الوجود فإن جميع العالم يخاطبونهم و يعرفونهم بحقائقهم و لقد أخبرني أبو العباس الحريري بمصر سنة ثلاث و ستمائة عن أبي عبد الله القرياقى أنه كان يمشي معه في سويقة وردان و كان قد اشترى قصرية صغيرة لابن صغير كان عنده ليبول فيها فضمهم منزل و القصرية عنده جديدة و معهم رجال صالحون فأرادوا أكل شيء فطلبوا إداما يأتدمون به فاتفق رأيهم على أن يشتروا قطارة السكر فقالوا هذه القصرية ما مسها قذر و هي جديدة على حالها فملئوها قطارة و قعدوا يأكلون إلى أن فرغوا و انصرف الناس و مشى صاحب القصرية بها مع أبي العباس قال أبو العباس فو الله لقد سمعت بإذني هذه و سمع معي الشيخ أبو عبد الله القرياقى القصرية و هي تقول بعد أن أكل في أولياء الله أكون وعاء للقذر و الله لا كان ذلك و انتفضت من يده و سقطت على الأرض فتكسرت قال أبو العباس فأخذنا من كلامها حال فلما قال لي ذلك قلت له إنكم غبتم عن وجه موعظة القصرية إياكم ليس الأمر كما زعمتم و كم من قصرية أكل فيها من هو خير منكم و بعد ذلك استعملت في القذر و إنما قالت لكم يا إخواني لا ينبغي لكم بعد أن جعل الله قلوبكم أوعية لمعرفته و تجليه أن تجعلوها وعاء للاغيار و ما نهاكم الله أن تكون قلوبكم وعاء له ثم تكسرت أي هكذا فكونوا مع الله فقال لي ما جعلنا بالنا لما نبهتنا عليه
(فصل بل وصل في اشتمال الصلاة على أقوال و أفعال)
أما الشروط المشترطة في الصلاة فمنها أقوال و منها أفعال أما الأفعال فجميع الأفعال المباحة التي ليست أفعال الصلاة إلا قتل الحية و العقرب في الصلاة فإنهم اختلفوا في ذلك و اتفقوا على أن الفعل الخفيف لا يبطل الصلاة الاعتبار في النفس في ذلك عقرب الهوى و حية الشهوة تخطر للمناجي ربه فهل يقتلهما أو يصرفهما في مصرفهما الذي عين لهما الشارع لما علم العارف أن قتلهما محال فيهوي ما عند الله بهواه و يشتهي دوام مناجاته بشهوته فيرى بأن لا يقتلهما من هذا مذهبه و يرى قتلهما من يرى أنهما قد حالا بينه و بين مناجاته ربه و أما الأقوال فإنها أيضا التي ليست من أقوال الصلاة فلم تختلف العلماء في أنها تفسد الصلاة عمدا إلا أن العلماء اختلفوا من ذلك في موضعين الموضع الواحد إذا تكلم ساهيا و الموضع الآخر إذا تكلم عامدا لإصلاح الصلاة و من قائل و هو قول شاذ إن من تكلم في الصلاة عامد الأحياء نفس أو أمر كبير إنه يبني على ما مضى من صلاته و لا يفسدها ذلك و هو مذهب الأوزاعي و من قائل إن الكلام عمدا لإصلاح الصلاة لا يفسدها و من قائل إن الكلام يفسدها كيف كان إلا مع النسيان و من قائل إن الكلام يفسدها مع النسيان و مع غير النسيان الاعتبار المصلي يناجي ربه فإذا ناجى غيره من أجله ما زال من مناجاة ربه و إذا ناجى غيره لا من أجل ربه فقد خرج عن صلاته و النسيان في مناجاة الحق غير معتبر إلا من غلب من أصحابنا على المناجي مشاهدة الحجاب فإن الله لا يناجي عبده إلا من وراء حجاب كما قال تعالى وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ الله إِلَّا وَحْياً أَوْ من وَراءِ حِجابٍ و أقرب الحجب الصورة التي يقع فيها التجلي هذا أقرب الحجب فإنه ما هو الصورة و لا غيرها فمن شغلته الصورة عن نسبة ما هو الصورة أو شغله ما هو الصورة عن نسبة هو الصورة فهو الناسي في الحالتين فيكون حكمه في الاعتبار كحكمه في الظاهر من الخلاف الواقع بين العلماء فافهم
(فصل بل وصل في النية في الصلاة)
فمن قائل إنها شرط في صحة الصلاة بل قد اتفق العلماء عليها إلا من شذ اعتبار النفس في ذلك قد يقصد العبد مناجاة ربهو قد يأتيه الأمر بغتة فإن موسى مشى ليقبس نارا فكلمه ربه و لم يكن له قصد في ذلك و الأصل في العبادات كلها أنها من الله ابتداء لا مقصودة للمكلفين إلا ما شذ من ذلك كآية الحجاب و غيرها في حق عمر بن الخطاب و إنما يمنع القصد في الباطن المعتبر لأن الحقيقة تعطي أن ما ثم شيء خارج عن الحق أو تخلى الحق عنه حتى يقصده في أمر يكون فيه بل هو في نسبة الكل إليه نسبة واحدة فإلى أين أقصد و هو معي حيث كنت و على أي حال كنت فما بقي القصد جهة القربة إلى الله و إنما متعلق القصد حال مخصوص مع الله قصدته عن حال مخصوص مع الله خرجت منه به إليه و الأحوال مختلفة فمن راعى اختلاف الأحوال قال بوجوب النية و على هذا النحو تنوعت الشرائع و جاءت و من راعى الحضور و لم ينظر إلى الأحوال كان صاحب حال فلم يعرف النية فإنه في العين قال تعالى في حق من هذا حاله من باب الإشارة لا التفسير فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ و مثله إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَ أَرى انتهى الجزء السابع و الثلاثون
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(فصل بل وصل في نية الإمام و المأموم)
اختلف علماء الشريعة في نية الإمام و المأموم هل من شرط نية المأموم أن توافق نية الإمام في الصلاة أعني في تعيين الصلاة و في الوجوب فمن قائل إنه يجب و من قائل إنه لا يجب و لكل قائل حجة ليس هذا موضعها اعتبار النفس في ذلك الصحيح إنه لا يجب لأنه أمر غيبي و لا يكون الائتمام إلا بما يتعلق به الحس من سماع أو مشاهدة و لهذا فصل الشارع ما أجمله في الائتمام فذكر الأفعال المدركة بالحس بأي حس أدركها و ما ذكر النية فإنها من عمل القلب فإنه تكليف ما لا يوصل إلى معرفته و من علم إن الاتساع الإلهي يحيل أن يكرر الحق التجلي لشخص أو يتجلى لشخصين في صورة واحدة علم أن نية المأموم لا ترتبط بنية الإمام إلا في الصلاة من كونها ذات أفعال و لكل امرئ ما نواه فإن القصد بالتجلي الامتنان من المتجلي على المتجلي له و القصد من المتجلي له العلم و الالتذاذ بذلك التجلي
(فصل بل وصل في حكم الأحوال في الصلاة)
اعلم أن الصلاة تشتمل على أقوال و أفعال و يكون حكمها بحسب الأحوال فإن جميع العبادات تنبني على الأحوال و هي المعتبرة للشارع فيكون الحكم يتوجه على المكلف من جهة الحال التي بكون عليها و الأسماء تابعة للأحوال و لهذا يراعيها الشارع في الحكم على المكلف قيل لمالك بن أنس ما تقول في خنزير الماء فأفتى بتحريمه فقيل له أ ليس هو من سمك البحر فقال رضي الله عنه أنتم سميتموه خنزيرا ما زادهم على ذلك كذلك الخمر المحرم شربها إذا تخللت زال عنها اسم الخمر لزوال الحال الذي أوجب له اسم الخمر فسمي خلا لحال آخر طرأ عليه و الجوهر عين الجوهر فانتقل الحكم من التحرم إلى الحل و الظاهر و الباطن في هذا على السواء في الحكم فإن الاعتبار إنما هو من الشرع لمن عقل عنه
(فصل بل وصل في التكبير في الصلاة)
اختلف علماء الشريعة في التكبير في الصلاة على ثلاثة مذاهب فمن ذاهب إلى أنه كله واجب في الصلاة و من ذاهب إلى أنه كله ليس بواجب نقيض الأول و من ذاهب إلى أنه ليس بواجب إلا تكبيرة الإحرام فقط اعتبار النفس في ذلك تكبير الله واجب على كل حال و لكن من شرطه مشاهدة الإنسان نفسه فإن لم يشاهد إلا الله و لم ير لغير الله عينا فلا يجب التكبير لأنه ما ثم على من فإن الله لا يجب عليه شيء و أن التكبير لا يعقل إلا بوجود الأغيار أو تقدير وجود الأغيار ثم إن القائلين لا مشهود لهم إلا الله شاهدا و مشهودا و شهادة و أعم من هذه الحالة في الفناء ما يكون فإن شاهده من حيث أسماؤه الإلهية الحسنى أوجب التكبير من حيث نسبها أي من نسب بعضها لبعض فإن الاسم الحي له مهيمنية على جميع الأسماء و الاسم العالم أعم في التعلق من الاسم المريد و القادر فالتكبير لا بد منه فإن حقائق الأسماء تطلبه لتفاضلها و إن نظر في الأسماء الإلهية من حيث ما تجتمع فيه و هو المسمى بها فإنها موضوعة من المتكلم للدلالة على عين المسمى و إن كان لها حقائق في نفوسها مما يكون متعلقة التنزيه أو الأغيار لم ير التكبير و من فرق بين الصلاة و غيرها من العبادات رأى وجوبتكبيرة الإحرام فقط ينبه بها نفسه أنها ممنوعة محجور عليها التصرف فيما يخرجها عن هذه العبادة المختصة المسماة صلاة و قد انحصرت المذاهب في الاعتبار و الحمد لله
(فصل بل وصل في لفظ التكبير في الصلاة)
اختلف علماء الشريعة في صفة لفظ التكبير في الصلاة فمن قائل لا يجزئ إلا لفظة الله أكبر و من قائل يجزئ بغير الصيغة و لكن فيه لا بد من حروف التكبير و هي الكاف و الباء و الراء و من قائل يجوز التكبير على المعنى كالأجل و الأعظم و مذهبنا في ذلك أن اتباع السنة أولى فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول صلوا كما رأيتمونى أصلي و ما نقل إلينا قط إلا هذا اللفظ الله أكبر تواتر ذلك عندنا الاعتبار في ذلك ما عين الشرع لفظا في عبادة نطقية دون غيره من الألفاظ مما في معناه إلا و قد أراد ما يمتاز به ذلك اللفظ من طريق المعنى عند العلماء بالله عما يقع فيه الاشتراك فالأولى بنا مراعاة الاقتداء و مراعاة المعنى الذي يقع به الامتياز علمنا ذلك المعنى أو جهلناه فإن علمناه فوجب أن لا نعدل عنه و إن لم نعلمه فنأتي به على علم الذي شرعه فيه و لا نتحكم بسياق لفظ آخر و الله قد أمر نبيه صلى الله عليه و سلم بطلب الزيادة فقال له قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً و العالم إذا كان حكيما لا يعدل إلى أمر دون غيره مما يقارب معناه إلا لخصوص وصف فيعتبر ذلك و لا يعدل عنه فعلا كان أو قولا فإنه لا بد لمن يعدل عنه أن يحرم فائدة ذلك الاختصاص و يتصف بالمخالفة بلا شك
(فصل بل وصل في التوجيه في الصلاة)
فمن قائل بوجوبه و من قائل بعدم وجوبه و صورته أن يقول بعد التكبير وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا من الْمُشْرِكِينَ إِنَّ صَلاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيايَ وَ مَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَ بِذلِكَ أُمِرْتُ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ الحديث و من قائل له أن يسبح و إن لم يقل هذا اللفظ بعينه و من قائل يجمع بينهما بين التسبيح و التوجيه و أما الذي أذهب إليه فهو التوجيه في صلاة الليل في التهجد لا في الفرائض و أما في الفرائض فينبغي أن يقول بين التكبير و القراءة في نفسه لا يسمع غيره إذا كبر اللهم باعد بيني و بين خطاياي كما باعدت بين المشرق و المغرب اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج و الماء و البرد هذا هو الذي اختاره و به وردت السنة و مذهبنا الوقوف عندها و العمل بها و إن لم نوجب ذلك إذ لم يوجبه الله و لكن الاتباع أولي الاعتبار في ذلك عند أهل الله التوجيه في حال من حال إلى حال من الله بالله إلى الله مع الله في الله لله على الله من الله ابتداء بالله إعانة و تأييد إلى الله غاية و انتهاء مع الله صحبة و مراقبة في الله رغبة لله قربة من أجله على الله توكلا و اعتمادا ثم يعتبر ألفاظ ما ورد في التوجيه و كذلك تعتبر ما ذكرناه من الدعاء بين التكبير و القراءة و الماء الحياة فإنه جعل من الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أي بما تحيي به قلبي بذكرك و جوارحي بطاعتك حتى لا تتصرف إلا فيها فإنها شاهد مصدق يوم القيامة لمن تشهد عليه أو له كما ورد في القرآن العزيز من شهادة الجوارح و اعتبر البرد من برد اليقين كبرد الأنامل الوارد في الخبر الصحيح فحصل به من العلم على يقين فيبرد به ما يجده العبد المصطفى من حرارة الشوق إلى المراتب العلى عند المسبح الأعلى من العلم بالله و الثلج من ثلج القلب الذي هو سروره بما أكرمه الله به من تجليه و شهوده
(فصل بل وصل في سكتات المصلي في الصلاة)
و هي بعد ما يكبر تكبيرة الإحرام و قبل الشروع في القراءة هذه السكتة الأولى و أما السكتة الثانية فعند الفراغ من قراءة الفاتحة و أما السكتة الثالثة فبعد الفراغ من القراءة و قبل الركوع سوى السكتات التي هي الوقوف على كل آية ليتراد إليه نفسه أو ليتدبر فيما قرأ و هذه السكتة الثالثة إنما هي لمن يقرأ قرآنا سوى الفاتحة بعد الفاتحة فإن اكتفى بالفاتحة فما هما إلا سكتتان فاعلم اعتبار أهل الله في ذلك من الناس من أنكر سكتات الإمام و منهم من استحبها و لا شك أن السكتات هي السنة فأما اعتبارها فالله يقول قسمت الصلاة بيني و بين عبدي بنصفين و قال صلى الله عليه و سلم اعبد الله كأنك تراه فالمصلي يتأهب لمناجاة ربه و يجعله نصب عينيه في قبلته و كذلك هو الأمر في نفسه لكن من غير تحديدو لا تشبيه بل كما يليق بجلاله فإن المصلي يواجه ربه في قبلته كذا ورد عن الصادق صلى الله عليه و سلم و المناجاة مفاعلة و المفاعلة فعل فاعلين في بعض المواطن هذا منها فإذا قال العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فالله عند هذا القول من العبد سميع فينبغي للعبد إذا فرغ من الآية أن يلقي السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ فيسكت حتى يرى ما يقول له الحق جل جلاله في ذلك أدبا مع الحق لا ينبغي له أن يداخله في الكلام فإن ذلك من الأدب في المحاورات و الحق أحق أن يتأدب معه فيقول الله حمدني عبدي فمن عبيد الله من يسمع ذلك القول بسمعه فإن لم تسمعه بسمعك فأسمعه إيمانا به فإنه أخبر بذلك و هكذا يقول لك في كل آية بحسب ما تقتضيه تلك الآية فمن الأدب الإصغاء لما يقوله القائل لك من ناجيته فإذا داخلته في كلامه أي في حال ما يكلمك فقد أسأت الأدب هذا عام في كل متكلم مع من يكلمه فالأمر بين سامع و متكلم لتحصيل الفائدة و اعلم أنه من لا أدب له لا تتخذه الملوك جليسا و لا سميرا و لا أنيسا
(فصل بل وصل في البسملة في افتتاح القراءة في الصلاة)
اختلف علماء الشريعة في قراءة بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في افتتاح القراءة في الصلاة فمن قائل بالمنع سرا و جهرا لا في أم القرآن و لا في غيرها من السور و ذلك في المكتوبة و أجازها في النافلة و من قائل تقرأ مع أم القرآن في كل ركعة سرا و من قائل يقرأ بها و لا بد في الجهر جهرا و في السر سرا و الذي أقول به أن التعوذ بالله من الشيطان الرجيم عند افتتاح قراءة القرآن في صلاة و في غيرها فرض للأمر الإلهي الوارد في قوله تعالى فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ من الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ و قراءة البسملة في القراءة في الصلاة فرضا كانت الصلاة أو نفلا في الفاتحة و السورة أولى من تركها فإن الفرض على المصلي أن يقرأ ما تيسر من القرآن و قد عين الله الذي أراد من القرآن في الصلاة و هو الذي تيسر فقد عرف بعد ما نكر و ذلك هو الفاتحة فإن تيسر له قراءة البسملة قرأها و إن لم تتيسر قراءتها في الفاتحة و غيرها فلا حرج و أما الفاتحة فلا بد منها في الصلاة و إن لم يقرأ الفاتحة فما هي الصلاة التي قسمها الحق بينه و بين عبده و البسملة عندنا آية من القرآن حيثما وردت من القرآن و هي آية إلا في سورة النمل في كتاب سليمان فإنها جزء من آية ما هي آية كاملة و الله أعلم الاعتبار عند أهل الله في ذلك فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ و لا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ و القرآن كلام الله و قد ورد إذا استطعم الإمام من خلفه فليطعمه فسماه طعاما فناسب الأكل فلهذا أتينا بآيات الأكل في الاعتبار و من قرأ القرآن معتقدا أنه كلام الله فقد سمي الله متكلما و إن كان هذا الاسم ما ورد فافهم فهمنا الله و إياك مواقع خطابه
(فصل بل وصل القراءة في الصلاة و ما يقرأ به من القرآن فيها)
من الناس من أوجب القراءة في الصلاة و عليه الأكثر و من الناس من لم ير وجوب القراءة و من الناس من أوجبها في بعض الصلاة و لم يوجبها في بعض و الذي أذهب إليه وجوب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة و إن تركها لم تجزه صلاته ثم اختلفوا أيضا فيما يقرأ به من القرآن في الصلاة فمنهم من أوجب قراءة أم القرآن في الصلاة إن حفظها و به أقول و ما عداها من القرآن ما فيه توقيت و من هؤلاء من أوجبها في كل ركعة و منهم من أوجبها في أكثر الصلاة و منهم من أوجبها في نصف الصلاة و منهم من أوجبها في ركعة من الصلاة و منهم من أوجب قراءة القرآن أي آية اتفقت و من هؤلاء من حد ثلاث آيات من قصار الآي و آية واحدة من طوال الآي كآية الدين و هذا في الركعتين الأوليين و أما في الركعتين الأخريين فاستحب قوم التسبيح دون القراءة و اتفق الجمهور و هم الأكثرون على استحباب القراءة في الصلاة كلها و به أقول اعتبار أهل الله في ذلك المصلي يناجي ربه و المناجاة كلام و القرآن كلام الله و العبد قاصر أن يعرف من نفسه ما ينبغي أن يكلم به ربه في وقت مناجاته التي دعاه إليها في صلاته فعلمه ربه كيف يناجيه و بما ذا يناجيه به لما قال قسمت الصلاة بيني و بين عبدي بنصفين ثم قال يقول العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فهذا إخبار من الحق يتضمن تعليم العبد ما يناجيه به فيقول الله حمدني عبدي الحديث فما ذكر في حق المصلي إذا ناجاه أن يناجيه بغير كلامه ثم إنه تعالى عين له من كلامه أم القرآن إذ كان لا ينبغي أن يناجي إلا بكلامه و بالجامع من كلامه و لأم هي الجامعة و هي أمالقرآن و بعد أن علمنا كيف نناجيه سبحانه و بما ذا نناجيه فالعالم العاقل الأديب مع الله إذا دخل في الصلاة أن لا يناجيه إلا بقراءة أم القرآن فكان هذا الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي رواه عن ربه تعالى مفسرا ل ما تَيَسَّرَ من الْقُرْآنِ و إذا ورد أمر مجمل من الشارع ثم ذكر الشارع وجها خاصا مما يكون تفسيرا لذلك المجمل كان الواجب عند الأدباء من العلماء أن لا يتعدوا في تفسير ذلك المجمل ما فسره به قائله و هو الله تعالى و أن يقفوا عنده و شرع المناجاة بالكلام الإلهي في حال القيام في الصلاة خاصة دون غيره من الأحوال لوجود صفة القيومية من كون العبد قائما في الصلاة و الله قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ و هنا علم كبير في قيام العبد بكلام الرب و ما له حديث إلا مع ربه بكلام ربه ما دام قائما فلمن يترجم و عمن يترجم و من هو المترجم و ما تكسب النفس التي هو قائم عليها و من هو العبد حتى يقول السيد جل جلاله يقول العبد كذا فيقول الله كذا لو لا العناية الإلهية و التفضل الرباني فإن قيل قد فهمنا ما أشرت به من صفة القيام و الرفع من الركوع قيام و لا قراءة فيه قلنا الرفع من الركوع إنما شرع للفصل بينه و بين السجود فلا يسجد إلا من قيام فلو سجد من ركوع لكان خضوعا من خضوع و لا يصح خضوع من خضوع لأنه عين الخروج عما يوصف بالدخول فيه فإن التواضع لا يكون إلا من رفعة فإن المهين النفس إذا ظهر منه التواضع فيما يرى فليس بتواضع و إنما ذلك مهانة نفس فيكون لا خضوع مثل عدم العدم هو عين الوجود فلهذا فصل بين السجدتين برفع ليفصل بين السجدتين حتى تتميز كل واحدة منهما بالفاصل الذي فصل بينهما فيعلم إن نم أمرا آخر و إن اشتركتا في الصورة مثل قوله وَ أُتُوا به مُتَشابِهاً كما لا نشك في حقيقة كلمة لا إله إلا الله من حيث ما هي لا إله إلا الله و قد ظهرت بالصورة في ستة و ثلاثين موضعا من القرآن و يعلم صاحب الذوق أن حكمها يختلف في الطعم باختلاف الموضع الذي ظهرت فيه فإن كنت تفهم كتشابه ركعات الصلاة في الصورة و لكل ركعة طعم و مذاق ما هو للأخرى كانت ما كانت و لا شك إذا فصل بين المثلين بالنقيض تميزا و من الآداب مع الملوك إذا حيوا حيوا بالانحناء و هو الركوع أو بوضع الوجه على الأرض و هو السجود تعظيما لهم و إذا توجهوا أو أثنى عليهم قام المثنى أو المكلم لهم بين أيديهم لا يكلمهم جالسا و لا في غير حال من أحوال القيام هذا هو الأدب المعروف ممن هو دون الملك مع الملك فكيف بمن هو عبد له لا يقبل الحرية و أما القرآن فلما كان المعقول في اللسان المعروف من إطلاق هذا اللفظ الجامع و الصلاة حالة يجتمع العبد فيها على سيده كما هي حالة أيضا جامعة بين الله و بين عبده حيث قسمها الله بينه و بين عبده في الصلاة وقعت المناسبة بين القرآن و بين الصلاة فلم ينبغ أن يقرأ فيها بغير القرآن و لما كان القيام يشبه الألف من الحروف الرقمية و هو أصل الحروف اللفظية و عنه ظهرت جميع الحروف بانقطاعه في مخارجها من الصدر إلى الشفتين فهو الجامع لأعيان الحروف و أعيان الحروف مراتبه و منازله في خروجه و سفره من القلب الذي هو عالم الغيب إلى الشهادة كان القيام جامعا لأنواع الهيئات و أصولها من ركوع و سجود و جلوس و إن كان الجلوس له من وجه شبه بالقيام لأنه نصف قيام فكانت قراءة القرآن من كونها جمعا في القيام أولى فإن القيام هو الحركة المستقيمة و الاستقامة هي المطلوبة من الله أن يوفق لها العبد فالعبد يقول اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ لكون الله تعالى قال له فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ فتعين بما ذكرناه في مجموعه وجوب قراءة أم القرآن في الصلاة في ركعة إذ كانت أقل ما ينطلق عليه اسم صلاة شرعا و هي الوتر و قد أوتر رسول الله صلى الله عليه و سلم بواحدة أو ترجيحها على غيرها من آي القرآن و إذا كان المتعين على المصلي في القيام قراءة أم القرآن إما بالوجوب و إما بالأولوية فلنبين في ذلك صورة قراءة العلماء بالله لها في مناجاتهم في الصلاة (وصل في وصف هذه الحال) اعلم أن المصلي لما كان ثانيا كما قررناه في الاشتقاق و أن كونه ثانيا ليس بأمر حقيقي و إنما كان ذلك بالإضافة إلى شهادة التوحيد في الايمان فتلك تثنية الايمان أي ظهوره في موطنين في موطن الشهادة و موطن الصلاة كما نثلثه مع الزكاة فما زاد و لهذا ذكر الله الزيادة في الايمان فقال فزادتهم إيمانا و هو عين واحدة و الكثرة إنما هي في ظهوره في المواطن كالواحد المظهر للاعداد المكثر لها و هو في نفسه لا يتكثر أ لا تراه إذا خلت مرتبة عنه لم يبق لتلك المرتبة حكم و لا عين و في معنى هذا يقول الله فيمن قال نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ ... أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا فنفى عنهم الايمان كله إذ نفوه من مرتبة واحدة فهم أولى باسم الكفر الذي هو الستر فإن الكافر الأصلي هو الذي استتر عنه الحق و هذا عرف الايمان و ستره فإنه قال نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ فهو أولى باسم الكفر من الذي لم يعرفه و لما لم تكن أولية الحق تقبل الثاني قال الله قسمت الصلاة بيني و بين عبدي فذكر نفسه و ذكر العبد و ما ذكر الأولية هنا لا له و لا لعبده بل ذكر البين له بالضمير و لعبده بالصريح و هو الحد الذي ينبغي أن يتميز به العبد من ربه إلا أنه تعالى قدم نفسه في البينية فقال بيني ثم أخر عن هذا التقدم بينية عبده فقال و بين عبدي فأضافه إليه تعالى ليعرفه أنه عبد له لا لهواه فإنه القائل أَ فَرَأَيْتَ من اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ فكان عنده عبدا لهواه و هو في نفس الأمر عبد ربه سبحانه فالعبد ما له إرادة مع سيده بل هو بحكم ما يراد به فالحق سبحانه هو الواجب الوجود لذاته و العبد هو الذي منه استفاد الوجود فإن أصله العدم فالحق يعطيه التقدم في هذه المرتبة إذ البينية لا تعقل إلا بين أمرين و الأمر إن هنا الرب و العبد ثم إن الحق جعل في مقابلة تقديم نفسه من قوله بيني تقديم العبد في القول على قول الحق فقال سبحانه يقول العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فقدم قول العبد ثم قال فيقول الله فجاء بقوله بعد قول العبد و ذلك ليتبين لنا أن له الأمر من قبل في قوله بيني فقدم و من بعد في قوله فيقول الله فهو الأول الآخر فأثبت للعبد الأولية في القول ليعلم أن الأولية الإلهية في قوله بيني لا تقتضي قبول الثاني فهذا الذي قد تخيل أنه ثان قد رجع أولا في القول في المناجاة فعرفناك إن المقصود التعريف بالمراتب لا التركيب المولد فإنه لَمْ يَلِدْ سبحانه في قوله و بين عبدي وَ لَمْ يُولَدْ في قوله فيقول الله حمدني عبدي و لو أن العقل يدركه حقيقة بنظره و دليله و يعرف ذاته لكان مولدا عن عقله بنظره فلم يولد سبحانه للعقول كما لَمْ يُولَدْ في الوجود و لَمْ يَلِدْ بإيجاده الخلق لأن وجود الخلق لا مناسبة بينه و بين وجود الحق و المناسبة تعقل بين الوالد و الولد إذ كل مقدمة لا تنتج غير مناسبها و لا مناسبة بين الله و بين خلقه إلا افتقار الخلق إليه في إيجادهم و هو الغني عن العالمين فكما ثبت أن أولية الحق لا تقبل الثاني كذلك أولية العبد في القول لا يكون الحق ثانيا لها إذ ليست بأولية عدد إذ كان الذي في مقابلة العبد هو الحق فإنه الذي يناجيه و ما تعرض لذكر الغير فمن كان في صلاته يشهد الغير معرى عن شهود الحق فيه أو شهوده في الحق أو شهود صدوره عن الحق و هو قول أبي بكر الصديق ما رأيت شيئا إلا رأيت الله قبله فما هو بمصلّ من ليست حالته ما ذكرناه من أنواع المشاهدة و إذا لم يكن مصليا لم يكن مناجيا و الحق لا يناجي بالألفاظ في هذه الحالة و إنما يناجي بالحضور معه فيكون القائل الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ إذا لم يكن حاضرا مع الله لسان العبد لا عينه و حقيقته فيقول الحق عند ذلك حمدني لسان عبدي لا عبدي المفروضة عليه مناجاتي و إذا حضر القائل في قوله يقول الله حمدني عبدي جبر له ما مضى بفضل الله فإن العبد إذا حضر تضمن حضوره حضور اللسان و سائر الجوارح لأن العين تجمعهم و إذا لم يحضر عينه لم تقم عنه جارحة من جوارحه و لا عن غير نفسها و لما تقدم نداء الحق عبده في الإقامة حي على الصلاة لهذا ابتدأ العبد بتكبيرة الإحرام فإن بقي على إحرامه إلى آخر صلاته و صدق في أنه أحرم و وفى وفى الله له فإنه قال لِيَجْزِيَ الله الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ و قال أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ فإنه لا مكره له و إن لم يف العبد في صلاته بإحرامه و أحضر أهله أو دكانه و ما كان من أغراضه معه فأمره إلى الله يفعل معه ما يقتضيه علمه فيه فقال العبد اقتداء في تكبيرة الإحرام الله أكبر لما خصص حالا من الأحوال سماها صلاة قال الله أكبر أن يقيد ربي حال من الأحوال بل هو في كل الأحوال لا بل هو كل الأحوال بل الأحوال كلها بيده لم يخرج عنه حال من الأحوال فكبره عن مثل هذا الحكم الوهم لا لحكم العقل فإن للوهم حكما في الإنسان كما للعقل حكما فيه و جعلها تكبيرة إحرام أي تكبيرة منع يقول تكبير لا يشاركه في مثل هذا الكبرياء كون من الأكوان و على الحقيقة التي أخبرنا بها كيف يشاركه من هو عينه إذ قال له إنه سمعه و بصره و لسانه و يده و رجله فالشيء لا يشارك نفسه فإنه ما ثم إلا واحد فهو المكبر و الكبير و هو الكبرياء ليس غيره يتعالى و يتنزه و يتقدس أن يكون متكبرا بكبرياء ما هو عينه فإذا قام العارف بين يدي الله بهذه الصفة و لم ير في وقوفه و لا في تكبيره غير ربه و أصغى إلى نداء ربه إذا قال له حي على الصلاة في الإقامة أي أقبل على مناجاتي و قد قال له وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ فإن المصلي في هذا المقام يخلع على الحق حلل الثناء يطلب بذلك البركة فيها فإنه قد علم إن الله يرد عليه عمله كما يقول الشخص عندنا لأهل الدين ألبس لي هذا الثوب على طريق البركة ثم يخلعه اللابس عليه يقول الحق لما ذكرناهأثنى على عبدي أي خلع على حلل الثناء و الحق سبحانه على الحقيقة المثنى على نفسه بلسان عبده كما أخبرنا أنه قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده فانظر ما أشرف مرتبة المصلي كيف وصفه الحق بأنه يخلع حلل الثناء على سيده و أين المصلي الذي تكون هذه حالته هيهات بل الناس استنابوا ألسنتهم لسوء أدبهم و عدم علمهم بمن دعاهم و بما دعوا له من طلب الثناء فلم يجيبوا إلا بظواهرهم و راحوا بقلوبهم إلى أغراضهم فهم المصلون الساهون في صلاتهم لا عن صلاتهم للحالة الظاهرة من الإجابة لندائه و لكونهم أقاموا ظواهرهم نوابا عنهم بين يدي القبلة عن أمر الله فلما دعاهم الحق إلى هذا المقام و جاء العالم بالله و كبر تكبيرة الإحرام كما ذكرناه و لم ير نفسه أهلا لمناجاة ربه إلا بعد تجديد طهارة لقوله وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ و الثوب في الاعتبار القلب قال العربي فسلي ثيابي من ثيابك تنسل و قيل في تفسير قوله وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ إنه أمر بتقصير ثيابه يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه في هذا المعنى
تقصيرك الثوب حقا أنقى و أبقى و اتقى
و لا شك أن العبد فرض عليه رؤية تقصيره في طاعة ربه فإنه يقصر بذاته عما يجب لجلال ربه من التعظيم فهو تنبيه إلهي على أن يطهر العبد قلبه إذ كان ثوب ربه الذي وسعه في قوله وسعني قلب عبدي فمثل هذا الثوب هو المأمور بتطهيره في هذا المقام ثم إن العارف رأى أن طهر قلبه لمناجاة ربه إذا طهره بنفسه لا بربه زاده دنسا إلى دنسه كمن يزيل النجاسة من ثوبه ببوله لكونه مائعا و أن التطهير المطلوب هنا إنما هو البراءة من نفسه ورد الأمر كله إلى الله فإن الله يقول وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ و لهذا لا يصح له عندنا أن يناجيه في الصلاة بغير كلامه لأنه لا يليق أن يكون في الصلاة شيء من كلام الناس و كذا ورد في الخبر أن الصلاة لا يصح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح الحديث ثم أيد هذا القول بما أمر به حين نزل قوله تعالى فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قال صلى الله عليه و سلم لنا اجعلوها في ركوعكم و لما نزلت سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال صلى الله عليه و سلم لنا اجعلوها في سجودكم فعمنا القرآن في أحوالنا من قيام و ركوع و سجود فما ذكره المصلي في شيء من صلاته إلا بما شرعه له على لسان رسول الله صلى الله عليه و سلم و عرفنا أنه ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى و إن لم نسم كل كلام إلهي قرآنا مع علمنا أنه كلام الله فالقرآن كلام الله و ما كل كلام الله قرآن فالكل كلامه فلا نناجيه في شيء من الصلاة إلا بكلامه كذلك التطهير الذي أمر به سبحانه في قوله وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ فيقول العارف في صلاته بين تكبيرة الإحرام و قراءة فاتحة الكتاب امتثالا لهذا الأمر اللهم باعد بيني و بين خطاياي و هي النجاسات المتعلقة بثوبه كما باعدت بين المشرق و المغرب و السبب في ذلك أن العبد العالم إذا دعاه الحق إلى مناجاته فقد خصه بمحل القربة منه فإذا أشهده خطاياه في موطن القرب و هي في ذاتها في كل البعد من تلك المكانة كان العبد في محل البعد عما طلب الحق منه من القرب فدعا الله قبل الشروع في المناجاة أن يحول بينه و بين مشاهدة خطاياه أن تظهر له في قلبه في هذا الموطن الذي هو موطن القربة و لذلك قال بعضهم في حد التوبة أن تنسى ذنبك فإن ذكر الجفاء في موطن الصفا جفا و ما رأيت فيمن رأيت أحدا تحقق بهذا المقام ذوقا إلا بعض الملوك في مقامه مع الخلق فلا يريد أن يظهر له شيء من خطاياه بتخيل أو تذكر كما باعدت بين المشرق و المغرب و في هذا التشبيه علم عزيز غزير و لكنه أراد هنا البعديين الضدين إذ كان الضدان لا يجتمعان و العلم الذي نبهنا عليه مبطون في هذين الضدين إذ يجتمعان في حكم ما كالبياض و السواد يجتمعان في اللون كالمحدث و غير المحدث في الوصف بالوجوب فالمشرق و إن بعد عن المغرب حسا فإنه يشاهد كل واحد صاحبه على التقابل و هو بعد حسي بالموضعين و بعد معنوي بالشروق و الغروب فإن الغروب يضاد الشروق و محل الشروق الذي هو المشرق بعيد جدا من محل الغروب الذي هو المغرب و لم يقل كما باعدت بين السواد و البياض فإن اللونية تجمع بينهما فانظر ما أحكم هذا التعليم و ما أحقه و أدقه و تأدب مع الله حيث طلب البعد من خطاياه و ما طلب إسقاطها عنه حتى لا يكون في ذلك الموطن في حظ نفسه يسعى و يطلب فيكون بمنزلة من وجه الملك فيه ليدخل عليه فلما دخل عليه طلب منه ابتداء ما يصلح لنفسه فهذا سيئ الأدب و إنما ينبغي له أن يطلب من الحق ما يليق مما تطلبه تلك الحالة من التأهب لمناجاة سيده فطلب البعد من الخطايا ما طلب الإسقاط (وصل فيه و منه) ثم قال اللهم نقني منخطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس و ذلك لما قال له عز و جل وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ فجاء في دعائه بلفظ الثوب أعلاما للحق لقوله حتى تعلم و هذا غاية الأدب حيث يترك علمه لإيمانه أي ما دعوتك إلا بما أمرتني به أن أفعله من تطهير الثوب لمناجاتك فلتكن أنت يا رب المتولي لذلك التطهير فإنه لا حول لي و لا قوة إلا بك و كل وصف لا يليق بجلالك فهو خطية من تخطيت و هو أن يتجاوز العبد حده فيخطو في غير محله و يجول في غير ميدانه فهو كالماشي في الأرض المغصوبة فإذا خطأ العبد في غير ما أمره به سيده سمي مخطئا و خاطئا و سميت تلك الفعلة و الحركة خطيئة فالعبد عبد و الرب رب (وصل لبقية الدعاء) ثم يقول اللهم اغسلني من خطاياي بالماء و الثلج و البرد أي تول أنت سبحانك غسل خطاياي فأضاف الغسل إليه يقول فإنك قد شرعت لي أن أقول لا حول و لا قوة إلا بالله و شرعت لي أن أقول إذا قلت إِيَّاكَ نَعْبُدُ أقول وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ أي على عبادتك فإن لم تتولني بقوتك و معونتك فيما أمرتني به من تطهير ذاتي لمناجاتك فكيف أناجيك في حالة جعلتها دنسا و أنت القائل وَ جَعَلْنا من الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ فاغسل خطاياي بالماء أي أحي قلبي بأن تبدل سيئاته حسنات بالتوبة و العمل الصالح فهذه الحياة هنا على هذا الحال بورود الماء على النجاسة و الدنس تطهير أي ما كان دنسا صار نقيا و ما كان نجسا صار طاهرا فإن دنسه و نجاسته لم تكن لذاته و إنما كان بحكم شرعي انفرد به هذا الموطن فلما اجتمع بالماء لورود الماء عليه كان للاجتماع حكم آخر سمي به نقاء و طهارة فعاد القبيح حسنا و السيئة حسنة فمثل هذا الفعل هو المطلوب لا إزالة العين بل إزالة الحكم فإن العين موجودة في الجمع بينها و بين الماء و قوله و الثلج يقال في الرجل إذا سر قلبه بأمر ما ثلج فؤاد الرجل أي هو في أمر يسر به فيقول يا رب إنك إذا فعلت مثل هذا الغسل سر قلبي حيث تطهر لما يرضيك بما يرضيك فينقلب غمه سرورا و قوله و البرد هو ما ينطفي من جمرة الاحتراق الذي قام بالقلب من كونه حين دعاه ربه لمناجاته على حالة لا يصلح أن يقف بها بين يدي ربه فيحب ما يطفي تلك النار فجاء بلفظ البرد من البرد و في رواية بالماء البارد فهو المستعمل في كلام العرب كذا رويناه عنهم قال شاعرهم
و عطل قلوصي في الركاب فإنها ستبرد أكبادا و تبكي بواكيا
يقول إن من الناس من كان في نفسه من حياتي حرقة و نار حسدا و عداوة إذا رأوا قلوصي معطلة عرفوا بموتي فبرد عنهم ما كانوا يجدونه بحياتي من النار و أبكت أوليائي الذين كانوا يحبون حياتي فانتقلت صفات هؤلاء إلى هؤلاء و هؤلاء إلى هؤلاء كما انتقل ذل الأولياء و تعبهم و نصبهم و مكابدتهم و كدهم في الدنيا في طاعة ربهم إلى الأشقياء من الجبابرة في النار و انتقل سرور الجبابرة و راحة أهل الثروة في الدنيا إلى أهل السعادة أهل الجنة في الآخرة فالذي ذكر هذا الشاعر في شعره هي حالة كل موجود إذ كل موجود لا بد له من عدو و ولي قال تعالى لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ فجعلهم أعداء له كما قال في جزائه إياهم ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ الله فإذا كان لله أعداء فكيف بأجناس العالم و كذلك الولاية لله أولياء و لكل موجود فالعالم بالله المشغول به من يقول ما ثم إلا الله و أنا فيفني الكل في جناب الحق و هو الأولى و هو الولي حقا إذ كانت هذه الحالة سارية حقا و خلقا فَإِنَّ الله عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ كما هو ولي للمؤمنين فهم عبيده أعداؤه فكيف حال عبيده بعضهم مع بعض بما فيهم من التنافس و التحاسد فإذا سأل العارف من الله هذا التطهير بعد تكبيرة الإحرام عند ذلك يشرع في التوجيه (وصل متمم لأكمل صلاة في التوجيه) و إنما ذكرنا هذا لأن العالم بالله يعمد إلى أكمل الصلوات عند الله في حالاتها من أقوال و أفعال و إن لم يكن بطريق الوجوب و لكن أولياء الله أولى بصورة الكمال في العبادات لأنهم يناجون من له الكمال المحقق بما يجب له فإن ذلك واجب عليهم أوجبته معرفتهم و شهودهم ابتداء التوجيه فيقول العبد وجهت وجهي فأضاف العبد الوجه إلى نفسه عن شرع ربه له فيه أدبا مع الله بحضوره مع الحق في أنه لسانه الذي يتكلم به و دعاه إلى هذه الإضافة قوله تعالى بيني و بين عبدي فأثبته و إنما هو بالحقيقة مضاف إلى سيده فإن العبد الأديب العارف هو وجه سيده إذ لا ينبغي أن يضاف إلى العبد شيء فهو المضاف و لا يضاف إليه فإذا أضاف السيد نفسه إليه فهو على جهة التشريف و التعريف مثل قوله وَ إِلهُكُمْ و مثل ذلك و أضاف فعل التوجيه إلى نفسه لعلمه أن الله قد أضاف العمل إلى العبد فقال يقول العبد الحمد لله و القول عمل من الأعمال فالعالم لا يزال أبدا يجري مع الحق علىمقاصده كما قال خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ فعرفه بالمواطن و كيف يكون فيها و لو تركه مع نفسه لعاد إلى العدم الذي خرج منه فأعطاه الوجود و لوازمه و ظهر فيه سبحانه بنفسه بما أظهر من الأفعال به و جعل للعبد أولا معلوما وجوديا و آخرا معلوما في الوجود معقولا في التقدير و ظاهرا ما ظهر منه له و باطنا بما خفي عنه منه فلما حده بهذه الحدود و عراه عنها و قال له ما أنت هو بل هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ فأبقى العبد في حال وجوده على إمكانه ما برح منه و لا يصح أن يبرح و أضاف الأفعال إليه لحصول الطمأنينة بأن الدعوى لا تصح فيها فإنه قال وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ و قال أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ فلهذا أضاف العالم التوجيه إلى نفسه و وجه الشيء ذاته و حقيقته أي نصبت ذاتي قائمة كما أمرتني ثم قال لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ و هو قوله فَفَتَقْناهُما أي الذي ميز ظاهري من باطني و غيبي من شهادتي و فصل بين القوي الروحانية في ذاتي كما فصل السموات بعضها من بعض ف أَوْحى في كُلِّ سَماءٍ بما جعل في كل قوة من قوى سماواتي و قوله وَ الْأَرْضَ ففصل بين جوارحي فجعل للعين حكما و للاذن حكما و لسائر الجوارح حكما حكما و هو قوله وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها و هو ما يتغذى به العقل الإنساني من العلوم التي تعطيه الحواس بما يركبه الفكر من ذلك لمعرفة الله و معرفة ما أمر الله بالمعرفة به فهذا و ما يناسبه ينظر العالم في الله بالتوجيه بقوله فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ و هو بحر واسع لو شرعنا فيما يحصل للعارف في نفسه الذي يوجب عليه أن يقول فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ ما وسعه كتاب و لكلت الألسن عن تعبير سماء واحدة منه ثم قال حَنِيفاً أي مائلا و الحنف الميل يقول مائلا إلى جناب الحق من إمكاني إلى وجوب وجودي بربي فيصح لي التنزه عن العدم فأبقى في الخير المحض فهذا معنى قوله حَنِيفاً ثم قال وَ ما أَنَا في هذا الميل من الْمُشْرِكِينَ يقول ما ملت بأمري كما قال العبد الصالح وَ ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي و إنما الحق علمني كيف أتوجه إليه و بما ذا أتوجه إليه و مما ذا أتوجه إليه و على أية حالة أكون في التوجه إليه هذا كله لا بد أن يعرفه العلماء بالله في التوجيه و إن لم يكونوا بهذه المثابة فما هم أهل توجيه و إن أتوا بهذا اللفظ فنفى عن نفسه الشرك و العبد و إن أضاف الفعل إلى نفسه فما هو شريك في الفعل و إنما هو منفرد بما يصح أن يكون له منفردا من ذلك الفعل و يكون الحق منفردا بما يصح أن يكون به منفردا من ذلك الفعل فالعبد لا يشاركه سيده في عبوديته فإن السيد لا يكون عبدا و العبد لا يكون سيدا لمن هو له عبد من حيث ما هو عبد له ثم قال إِنَّ صَلاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيايَ وَ مَماتِي فأضاف الكل إلى نفسه فإنه ما ظهرت هذه الأفعال و لا يصح أن تظهر إلا بوجوب العبد إذ يستحيل على الحق إضافة هذه الأشياء إليه بغير حكم الإيجاد فتضاف إلى الحق من حيث إيجاد أعيانها كما تضاف إلى العبد من كونه محلا لظهور أعيانها فيه فهو المصلي كما إن المحرك هو المتحرك ما هو المحرك فهو المتحرك حقيقة و لا يصح أن يكون الحق هو المتحرك كما لا يصح أن يكون المتحرك هو المحرك لنفسه لكونه نراه ساكنا فاعلم ذلك حتى تعرف ما تضيفه إلى نفسك مما لا يصح أن تضيفه إلى ربك عقلا و تضيف إلى ربك ما لا يصح أن تضيفه إلى نفسك شرعا وَ نُسُكِي هنا معناه عبادتي أي إن صلاتي و عبادتي يقول ذلتي وَ مَحْيايَ وَ مَماتِي أي و حالة حياتي و حالة موتي ثم قال لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أي لله أي إيجاد ذلك كله لله لا لي أي ظهور ذلك في من أجل الله لا من أجل ما يعود علي في ذلك من الخير فإن الله يقول وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فجعل العلة ترجع إلى جنابه لا إلي فلم يكن القصد الأول الخير لنا و إنما كان الإيثار في ذلك لجناب الحق الذي ينبغي له الإيثار فكان تعليما لنا من الحق و تنبيها و هو قول رابعة أ ليس هو أهلا للعبادة فالعالم من عبد الله لله و غير العالم يعبده لما يرجوه من الله من حظوظ نفسه في تلك العبادة فلهذا شرع لنا أن نقول لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أي سيد العالمين و مالكهم و مصلحهم لما شرع لهم و بين حتى لا يتركهم في حيرة كما قال تعالى في معرض الامتنان على عبده و وجدك ضالا فهدى أي حائرا فبين لك طريق الهدى من طريق الضلالة فطريق الهدى هنا هو معرفة ما خلقك من أجله حتى تكون عبادتك على ذلك فتكون على بينة من ربك ثم قال لا شَرِيكَ لَهُ وَ بِذلِكَ أُمِرْتُ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ أي لا إله في هذا الموضع مقصود بهذه العبادة إلا الله الذي خلقني من أجلها أي لا أشرك فيها نفسي بما يخطر له من الثواب الذي وعده الله لمن هذه صفته و قد ذهب بعضهم إلى الحضور مع الثواب في حال هذه العبادة و كفر من لم يقل به و هذا ليس بشيء و هو من أكابر المتكلمينغير أنه لم يكن من العلماء بالله من طريق الأذواق بل كان من أهل النظر الأكابر منهم و رد على العدوية فيما قالته و لا يعتبر عندنا ما يخالفنا فيه علماء الرسوم إلا في نقل الأحكام المشروعة فإن فيها يتساوى الجميع و يعتبر فيها المخالف بالقدح في الطريق الموصل أو في المفهوم باللسان العربي و أما في غير هذا فلا يعتبر إلا مخالفة الجنس و هذا سار في كل صنف من العلماء بعلم خاص و قوله و بذلك أمرت يعود على الجملة كلها و على كل جزء جزء منها بحسب ما يليق بذلك الجزء فلا يحتاج إلى ذكره مفصلا إذ قد حصل التنبيه على ما فيه لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ ثم قال و أنا من المسلمين أي من المنقادين لا و أمره في قوله وَ بِذلِكَ أُمِرْتُ ثم قال اللهم أنت الملك و ذلك أن الله تعالى لما دعاه إلى القيام بين يديه و ذلك أنه لا ينبغي أن يدعو إلى هذه الصفة إلا الملوك فخص هذا الاسم في التوجيه دون غيره و لهذا شرع التكتيف في الصلاة في حال الوقوف لأنه موطن وقوف العبد بين يدي الملك ثم يقول بالوصف الأخص لا إله إلا أنت و لم يقل لا ملك إلا أنت أدبا مع الله فإن الله قد أثبت الملوك في الأرض في قوله وَ جَعَلَكُمْ مُلُوكاً و نفى أن يكون في العالم إله سواه لا بالحقيقة و لا بحكم الجعل فقال العبد في التوجيه لا إله إلا أنت و لو قال لا ملك إلا أنت لكان نافيا لما أثبته الحق و ما أثبته الحق لا يلحقه الانتفاء كما أنه إذا نفى شيئا لا يمكن إثباته أصلا فإن كان لفظ هذا التوجيه نقلا عن الحق و هو من كلام الله فهو تصديق لما أثبته و نفاه و إن كان من لفظ النبي صلى الله عليه و سلم فهو من مقام الأدب مع الله حيث لم ينف ما أثبته الله و إن كان لا ملك إلا الله و لكن الله قد أثبت الملوك فهذا معنى لا إله إلا أنت عقيب قوله أنت الملك فإنه يظهر فيه عدم المناسبة فلما كانت الألوهية تتضمن الملك و لا يتضمن الملك الألوهية أتى بلفظ يدل معناه على وجود الملك الذي سماه و إن لم يظهر له لفظ فالإله ملك و ليس كل ملك إلها ثم يقول أنت ربي و أنا عبدك فقدم ربه و أخر نفسه و أضافها إلى ربه بحرف الخطاب لأنه بين يديه و انظر ما في هذا الكلام من الأدب يقول له أنت ربي و أنا عبدك الذي قسمت الصلاة بينك و بينه فمن حيث هذه العبودية الخاصة وقفت بين يديك و هي حالة مناجاة لا حالة أخرى فإن أحوال العبد تتنوع بتنوع ما يدعوه السيد إليه و إن كان عبدا في كل حالة ثم يقول ظلمت نفسي و اعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت يقول في هذا الكلام لما قال قبل التوجيه ذلك الدعاء الذي قدمناه بعد التكبير من سؤاله البعد بينه و بين خطاياه يقول ظلمت نفسي بما اكتسبت من الخطايا و اعترفت بين يديك بها قبل مناجاتك فاغفر لي ذنوبي أي فاستر ذنوبي من أجلي إنه لا يقدر على سترها إلا أنت فلا تراني فتأتيني فأكون بها مذنبا و لا أراها فتحلو لي فآتيها فأكون بها مذنبا و هو قوله باعد بيني و بين خطاياي كما باعدت بين المشرق و المغرب يقول إذا سترتها عني بهذا البعد لم نشهدها حتى أكون متفرغا لقبول ما دعوتني إليه فإنك إن أشهدتني ذنوبي و لم تسترها عني منعني الحياء و الدهش عند رؤيتها إن أعقل ما تريده مني مما دعوتني إليه فلم يذكر أيضا إسقاطها عني حتى لا يكون يسعى في حظ نفسه و إن المطلوب سترها في تلك الحال و لهذا العالم بالله مع توبته لا يزال متى ذكر ذنبه أثرت في نفسه وحشة المخالفة و إن لم يؤاخذ به فإن الحال تعطي ذلك ثم يقول و اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لاحسنها إلا أنت هو بمنزلة قوله في الدعاء اغسل خطاياي بالماء و الثلج و البرد أي وفقني لاستعمال مكارم الأخلاق في هذا الموطن مما يستحق أن أعاملك بها من الأدب في مناجاتك و الأخذ عنك و الفهم لما تورده علي في كلامك و فهم ما أناجيك به أنا من كلامك هذا كله من أحسن الأخلاق و في أفعالي بهيئات وقوفي بين يديك ظاهرا و باطنا كما شرعت لي فلا يهدي لأحسن الأخلاق إلا أنت أي أنت الموفق لهذه لا قوة لي على إتيان ذلك و لا تعيينه إلا بقوتك و بتعريفك إذ هذا مما لا يدرك بالاجتهاد بل بما تشرعه و تبينه لما كان قدرك مجهولا و ما ينبغي لجلالك غير معلوم و لا نقيس معاملتنا معك بمعاملة العبيد مع الملوك فإنك قلت ليس كمثلك شيء فالأدب الذي يخصنا في معاملتك ما نعلمه إلا منك ثم قال و اصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت ابتداء بالتعليم فتعرفني ما لا ينبغي أن يعامل به جلالك و ثانية أيضا بالاستعمال في ترك ما لا يحسن بقدرك إذ بيدك الأمر كله فقد تعلم العبد و لا تستعمله فيما علمته فاصرف عني سيئ الأخلاق بالعلم و الاستعمال ثم يقول لبيك و سعديك أي إجابة لك و مساعدة لما دعوتني إليه بقولك على لسان حاجب الباب حي على الصلاة ها أنا قد جئتمجيبا دعاءك لبيك و مساعدة لما تريده مني على نفسي بالقبول ثم يقول و الخير كله بيديك لما كان هو الخير المحض فإنه الوجود الخالص المحض الذي لم يكن عن عدم و لا إمكان عدم و لا شبهة عدم كان الخير كله بيديه ثم يقول و الشر ليس إليك يقول و لا يضاف الشر إليك و الشر المحض هو العدم أي لا يضاف إليك عدم الخير و لا ينبغي لجلالك و أتى بالألف و اللام لشمول أنواع الشر أي الشر المطلق و الشر المقيد بالصور الخاصة هذا كله ليس إليك أي ما سميته شرا أو هو شر لا ينبغي أن يضاف إليك أدبا و حقيقة و أقوى ما يحتج به المخالف في هذه المسألة قوله تعالى كَذلِكَ يُضِلُّ الله من يَشاءُ وَ يَهْدِي من يَشاءُ و قوله وَ من يُضْلِلِ الله فَما لَهُ من هادٍ فاعلم إن مطلق الضلالة الحيرة و الجهل بالأمر و بطريق الحق المستقيم فقوله فَيُضِلُّ الله من يَشاءُ أي من عرفه بطريق الضلالة فإنه يضل فيها و من عرفه بطريق الهداية فإنه يهتدي فيها مثل قوله في الهداية لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ و ما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ و لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ فالعقل السليم يهتدي به عند ما يسمع مثل هذا من الحق و لذا قال وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لكِنْ لا تُبْصِرُونَ و نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ من حَبْلِ الْوَرِيدِ و قوله و من أتاني يسعى أتيته هرولة و أمثال هذه فإن العقل السليم يحار في مثل هذه الأخبار و يتيه فهذا معنى يضل أي يحير العقول بمثل هذه الخطابات الصادرة من الله على ألسنة الرسل الصادقة المجهولة الكيفية و لا يتمكن للعقل أن يهتدي إلى ما قصده الحق بذلك مما لا يليق بالمفهوم ثم يرى العقل أنه سبحانه ما خاطبنا إلا لنفهم عنه و المفهوم من هذه الأمور يستحيل عليه سبحانه من كل وجه يفهمه العبد بضرب من التشبيه المحدث أما من طريق المعنى المحدث أو من طريق الحس و لا يتمكن للعقل أن لا يقبل هذا الخطاب فيحار فثم حيرة يخرج عنها العبد و يتمكن له الخروج منها بالعناية الإلهية و ثم حيرة لا يتمكن له الخروج عنها بمجرد ما أعطى الله للعقل من أقسام القوة التي أيده الله بها فيحار الدال في المدلول لعزة الدليل ثم يجيء الشرع بعد هذا في أمور قد حكم العقل بدليله على إحالتها فيثبت الشرع ألفاظا تدل على وجوب ما أحاله فيقبل ذلك إيمانا و لا يدري ما هو فهذا هو الحائر المسمى ضالا و قد روى أنه قال زدني فيك تحيرا أي أنزل إلي نزولا يحيله العقل من جميع وجوهه ليعرف عجزه عن إدراك ما ينبغي لك و لجلالك من النعوت و أما الشقاء و السعادة المعبر بهما عن الأمور التي تتألم بها النفوس و تتنعم فذلك مطلب عام للنفوس من حيث الحس و المحسوس و هذا الذي نحن بصدده أمر آخر يرجع إلى معرفة الحقائق ثم يقول أنا بك و إليك أي بك ابتداء لا بنفسي و هو قولنا إن الإنسان موجود بغيره و قوله و إليك أي و إليك يرجع عين وجودي فما أنا هو أنت هو فإنه ما استفدت منك إلا الوجود و أنت عين الوجود و أنا على أصل ذاتي من العدم ما تغير على حكم و لا حال في إمكاني لا أبرح ثم يقول تباركت أي البركة و الزيادة لك لا لي يقول أنت الوجود لك ثم كسوتنيه و لم أكن فكانت البركة و الزيادة في الوجود حيث ظهر بنسبتين فظهر بي و هو وجودك و نسب إليك و هو عينك ثم يقول و تعاليت أي فإنك تتعالى أن تظهر بغيرك فلا يكون الوجود المنسوب إليك غير هويتك هذا معنى قوله تباركت و تعاليت ثم يقول أستغفرك و أتوب إليك يقول أطلب التستر منك في اتصافي بالوجود لئلا أغيب عن حقيقتي فادعى الوجود و هو ليس أنا بل هو أنت و ما أنا أنت فأنا أنا على ما أنا عليه لذاتي و أنت أنت على ما أنت عليه لذاتك و مني فلك الظهور في بما وصفتني به من الوجود و ما لي ظهور فيك بما أنا عليه في حقيقتي من الإمكان ثم يقول و أتوب إليك أي و أرجع إليك من حيث ما وصفت به من الوجود إذ كنت أنت هو عين الوجود و الموصوف به أنا فرجوعه إليك هو قولي و أتوب إليك و فرغ ما يقوله العبد من الدعاء و التوجيه بين التكبير و القراءة فلنشرع إن شاء الله تعالى في قراءة الفاتحة بلسان العلماء بالله في حال الصلاة لا في حال غيره
(وصل في اعتبار قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة)
اعلم أن العالم بالله إذا فرغ من الذي ذكرناه يشرع في القراءة على حد ما أمره الله به عند قراءة القرآن من التعوذ لكونه قارئا لا لكونه مصليا و لما علمتك إن الله يقول عند قراءة العبد القرآن كذا جوابا على حكم الآية التي يقرأها فينبغي للإنسان إذا قرأ الآية أن يستحضر في نفسه ما تعطيه تلك الآية على قدر فهمه فإن الجواب يكون مطابقا لما استحضرتهمن معاني تلك الآية و لهذا ورد في الجواب أدنى مراتب العامة مجملا إذا العامي و العجمي الذي لا علم له بمعنى ما يقرأ يكون قول الله له ما ورد في الخبر فإن فصلت في الاستحضار فصل الله لك الجواب فلا يفوتنك هذا القدر في القراءة فإن به تتميز مراتب العلماء بالله و الناس في صلاتهم فإذا فرغ الإنسان من التوجيه فليقل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هذا نص القرآن و قد ورد في السنة الصحيحة أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم قال تعالى فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ من الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ فالعارف إذا تعوذ ينظر في الحال الذي أوجب له التعوذ و ينظر في حقيقة ما يتعوذ به و ينظر في ما ينبغي أن يعاذ به فيتعوذ بحسب ذلك فمن غلب عليه في حاله إن كل شيء يستعاذ منه بيد سيده و أن كل ما يستعاذ به بيد سيده و أنه في نفسه عبد محل التصريف و التقليب فعاذ من سيده بسيده و هو قوله صلى الله عليه و سلم و أعوذ بك منك و هذه استعاذة التوحيد فيستعيذ به من الاتحاد قال تعالى ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ و قال كَذلِكَ يَطْبَعُ الله عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ و قال الكبرياء ردائي و العظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما قصمته و من نزل عن هذه الدرجة في الاستعاذة استعاذ مما لا يلائم بما يلائم فعلا كان أو صفة هذه قضية كلية و الحال يعين القضايا و الحكم يكون بحسبها ورد في الخبر أعوذ برضاك من سخطك أي بما يرضيك مما يسخطك فقد خرج العبد هنا عن حظ نفسه بإقامة حرمة محبوبه فهذا لله ثم الذي لنفسه من هذا الباب قوله و بمعافاتك من عقوبتك فهذا في حظ نفسه و أي المرتبتين أعلى في ذلك نظر فمن نظر إلى ما يقتضيه جلال الله من أنه لا يبلغ ممكن أي ليس في حقيقة الممكن قبول ما ينبغي لجلال الله من التعظيم و أن ذلك محال في نفس الأمر لم ير إلا أن يكون في حظ نفسه فإن ذلك عائد عليه و من نظر في قوله إِلَّا لِيَعْبُدُونِ قال ما يلزمني من حق ربي إلا ما نبلغه قوتي فأنا لا أعمل إلا في حق ربي لا في حق نفسي فشرع الشارع الاستعاذتين في هذين الشخصين و من رأى أن وجوده هو وجود ربه إذ لم يكن له من حيث هو وجود قال أعوذ بك منك و هي المرتبة الثالثة و ثبت في هذه المرتبة عين العبد فالقارئ للقرآن إذا تعوذ عند قراءة القرآن علمه المكلف و هو الله تعالى كيف يستعيذ و بمن يستعيذ و ممن يستعيذ فقال له فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ من الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ فأعطاه الاسم الجامع و ذكر له القرآن و ما خص آية من آية لذلك لم يخص اسما من اسم بل أتى بالاسم الله فالقارئ ينظر في حقيقة ما يقرأ و ينظر فيما ينبغي أن يستعاذ منه في تلك الآية فيذكره في استعاذته و ينظر فيما ينبغي أن يستعاذ به من أسماء الله أي اسم كان فيعينه بالذكر في استعاذته و لما كان قارئ القرآن جليس الله من كون القرآن ذكرا و الذاكر جليس الله ثم زاد أنه في الصلاة حال مناجاة الله فهو أيضا في حال قرب على قرب كنور على نور كان الأولى أن يستعيذ هنا بالله و تكون استعاذته من الشيطان لأنه البعيد يقال بئر شطون إذا كانت بعيدة القعر و البعد يقابل القرب فتكون استعاذته في حال قربه مما يبعده عن تلك الحالة فلم يكن أولى من اسم الشيطان ثم نعته بالرجيم و هو فعيل فأما بمعنى المفعول فيكون معناه من الشيطان المرجوم يعني بالشهب و هي الأنوار المحرقة قال تعالى وَ جَعَلْناها يعني الكواكب رُجُوماً لِلشَّياطِينِ و الصلاة نور و رجمه الله بالأنوار فكانت الصلاة مما تعطي بعد الشيطان من العبد قال تعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ بسبب ما وصفت به من الإحرام و إن كان بمعنى الفاعل فهو لما يرجم به قلب العبد من الخواطر المذمومة و اللمات السيئة و الوسوسة و لهذا كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا قام يصلي من الليل و كبر تكبيرة الإحرام قال الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا و الحمد لله كثيرا و الحمد لله كثيرا و الحمد لله كثيرا و الحمد لله كثيرا و سبحان الله بكرة و أصيلا و سبحان الله بكرة و أصيلا و سبحان الله بكرة و أصيلا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخه و نفثه و همزه قال ابن عباس همزه ما يوسوسه في الصلاة و نفثه الشعر و نفخه الذي يلقيه من الشبه في الصلاة يعني السهو و لهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم إن سجود السهو ترغيم للشيطان فوجب على المصلي أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم بخالص من قلبه يطلب بذلك عصمة ربه و لما لم يعرف المصلي بما يأتيه الشيطان من الخواطر السيئة في صلاته و الوسوسة لم يتمكن أن يعين له ما يدفعها به فجاء بالاسم الله الجامع لمعاني الأسماء إذ كان في قوة هذا الاسم حقيقة كل اسم دافع في مقابلة كل خاطر ينبغي أن يدفع فهكذا ينبغي للمصلي أن يكون حاله في استعاذته إن و فقه الله ثم يقول بعد الاستعاذة بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِفإذا قالها يقول الله يذكرني عبدي فينبغي على هذا أن يكون العامل في بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اذكر فتتعلق الباء بهذا الفعل إن صح هذا الخبر و إن لم يصح فيكون الفعل اقرأ بسم الله فإنه ظاهر في اقرأ باسم ربك هذا يتكلفه لقولهم إن المصادر لا تعمل عمل الأفعال إلا إذا تقدمت و أما إذا تأخرت فتضعف عن العمل و هذا عندنا غير مرضي في التعليل لأنه تحكم من النحوي فإن العرب لا تعقل و لا تعلل فيكون تعلق البسملة عندي بقوله الحمد لله بأسمائه فإن الله لا يحمد إلا بأسمائه غير ذلك لا يكون و لا ينبغي أن نتكلف في القرآن محذوفا إلا لضرورة و ما هنا ضرورة فإن صح قول رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الله تبارك و تعالى إن العبد إذا قال بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في مناجاته في الصلاة يقول الله يذكرني عبدي فلا نزاع هكذا روى هذا الخبر عبد الله بن زياد بن سمعان عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاث غير تمام فقيل لأبي هريرة إنا نكون وراء الإمام فقال اقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني و بين عبدي نصفين و لعبدي ما سأل يقول عبدي إذا افتتح الصلاة بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فيذكرني عبدي يقول العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قال الله حمدني عبدي و سيأتي الحديث مفصلا في كل كلمة إن شاء الله تعالى كما ذكرت ألفاظ التوجيه إلى آخر الفاتحة و ذكره سلم هذا الحديث من حديث سفيان بن عيينة عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة و لم يذكر البسملة فيه فإذا قال العالم بالله بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ علق الباء بما في الحمد من معنى الفعل كما قلنا يقول لا يثني على الله إلا بأسمائه الحسنى فذكر من ذلك ثلاثة أسماء الاسم الله لكونه جامعا غير مشتق فينعت و لا ينعت به فإنه للأسماء كالذات للصفات فذكره أولا من حيث إنه دليل على الذات كالاسماء الأعلام كلها في اللسان و إن لم يقو قوة الإعلام لأنه وصف للمرتبة كاسم السلطان فلما لم يدل إلا على الذات المجردة على الإطلاق من حيث ما هي لنفسها من غير نسب لم يتوهم في هذا الاسم اشتقاق و لهذا سميت بالبسملة و هو الاسم مع الله أي قولك بسم الله خاصة مثل العبدلة و هو قولك عبد الله و كذلك الحوقلة و هو الحول و القوة مع الله ثم قال إن العبد قال بعد بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ من الأسماء المركبة كمثل بعلبك و رام هرمز فسماه به من حيث ما هو اسم له لا من حيث المرحومين و لا من حيث تعلق الرحمة بهم بل من حيث ما هي صفة له جل جلاله فإنه ليس لغير الله ذكر في البسملة أصلا و مهما ورد اسم إلهي لا يتقدمه كون يطلب الاسم و لا يتأخر كون يطلبه الاسم في الآية فإن ذلك الاسم ينظر فيه العارف من حيث دلالته على الذات المسماة به لا من حيث الصفة المعقولة منه و لا من حيث الاشتقاق الذي يطلبه الكون بخلاف الاسم الإلهي إذا ورد في أثر كون أو في أثره كون أو بين كونين فإنه إذا ورد الكون في أثره فذلك الكون نتيجته و به يتعلق و إياه يطلب فإنه صادر عنه إذا تدبرته وجدته مثل قوله الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ و إذا تقدم الكون و جاء الاسم الإلهي في أثره فإنه الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ كان على العكس من الأول مثل اتَّقُوا الله و قوله وَ يُعَلِّمُكُمُ الله فأظهر التقوى ما يتقى منه و هو الاسم الله و في الأول أظهر الاسم الإلهي عين الإنسان و كذلك وَ يُعَلِّمُكُمُ الله أظهر التعليم الاسم الإلهي و هو الله فإذا وقع الكون بين اسمين إلهيين كان الكون للأول بحكم النتيجة و للآخر بحكم المقدمة مثل وقوع العالمين بين الاسم الرب و الرحمن في قوله الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ و مثل قوله وَ اتَّقُوا الله وَ يُعَلِّمُكُمُ الله فوقع وَ يُعَلِّمُكُمُ بين اسمين تقدمه الاسم الله و تأخر عنه الاسم الله بمعنيين مختلفين فأثر فيه الاسم الأول طلب التعليم و قبل التعليم بالاسم الثاني و كذلك إذا وقع الاسم الإلهي بين اسم إلهي يتقدمه و بين كون يتأخر عنه مثل الاسم الرب بين الله و العالمين في قوله الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ في آخر الزمر أو بين كون يتقدمه و اسم إلهي يتأخر عنه مثل قوله الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ملك ف الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تقدمه كلمة الْعالَمِينَ و تأخر عنه ملك (مالِكِ) يَوْمِ الدِّينِ فأظهر عين الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لافتقارهم إلى الرحمتين الرحمة العامة و الخاصة و الواجبة و الامتنانية و طلب الرحمن الرحيم ملك (مالِكِ) يَوْمِ الدِّينِ ليظهر من كونه ملكا سلطان الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فإن الرحمة من جانب الملك هي رحمة عزة و امتنان مع استغناء بخلاف رحمة غير الملك كرحمة الأم بولدها للشفقة الطبيعية فتدفع الأم بالرحمة على ولدها ما تجده من الألم بسببه في نفسها فنفسها رحمته و لنفسها سعتو احتجبت عن علم ذلك بولدها فالمنة لولدها عليها بالسببية لا لها و وقعت الرحمة بالولد تبعا بخلاف رحمة الملك فإنها عن عز و غنى عن هذا المرحوم الخاص من رعاياه و كذلك إذا وقع الاسم الإلهي بين اسمين إلهيين مثل قوله هُوَ الله الْخالِقُ الْبارِئُ فوقع الاسم الخالق بين الاسم الله و الاسم البارئ و كذلك الاسم الْبارِئُ بين الْخالِقُ و الْمُصَوِّرُ و هذا كثير فالخالق صفة لله و موصوف للباري فعلى هذا الأسلوب تجري تلاوة العارفين في الكتابين في القرآن و كتاب العالم بأسره فإنه كتاب مسطور و رقه المنشور الذي هو فيه الوجود و كذلك تجري أذكارهم و هكذا في الأكوان إذا وقع كون بين كونين يكون للأول ابنا و للثاني بعده أبا في الذي يفهم من ذلك كان ما كان فلهذا قال الله في قول العبد بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ذكرني عبدي و ما قيد هذا الذكر بشيء لاختلاف أحوال الذاكرين أعني البواعث لذكرهم فذاكر تبعثه الرغبة و ذاكر تبعثه الرهبة و ذاكر يبعثه التعظيم و الإجلال فأجاب الحق على أدنى مراتب العالم و هو الذي يتلو بلسانه و لا يفهم بقلبه لأنه لم يتدبر ما قاله إذا كان التالي عالما باللسان و لا ما ذكره فإن تدبر تلاوته أو ذكره كانت إجابة الحق له بحسب ما حصل في نفسه من العلم بما تلاه فتدبر ما نصصناه لك ثم قال قال الله تعالى فإذا قال العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ في الصلاة يقول الله حمدني عبدي فيقول العارف الحمد لله أي عواقب الثناء ترجع إلى الله و معنى عواقب الثناء أي كل ثناء يثنى به على كون من الأكوان دون الله فعاقبته ترجع إلى الله بطريقين الطريق الواحدة الثناء على الكون إنما هو بما يكون عليه ذلك الكون من الصفات المحمودة التي توجب الثناء عليه أو بما يكون منه من الآثار المحمودة التي هي نتائج عن الصفات المحمودة القائمة به و على أي وجه كان فإن ذلك الثناء راجع إلى الله إذ كان الله هو الموجد لتلك الصفات و الآثار لا لذلك الكون فرجعت عاقبة الثناء إلى الله و الطريق الأخرى أن ينظر العارف فيرى إن وجود الممكنات المستفاد إنما هو عين ظهور الحق فيها فهو متعلق الثناء لا الأكوان ثم إنه ينظر في موضع اللام من قوله لله فيرى إن الحامد عين المحمود لا غيره فهو الحامد المحمود و ينفي الحمد عن الكون من كونه حامدا و نفي كون الكون محمودا فالكون من وجه محمود لا حامد و من وجه لا حامد و لا محمود فأما كونه غير حامد فقد بيناه فإن الحمد فعل و الأفعال لله و أما كونه غير محمود فإنما يحمد المحمود بما هو له لا لغيره و الكون لا شيء له فما هو محمود أصلا كما ورد في مثل هذا المتشبع بما لا يملك كلابس ثوبي زور فيحضر العارف في قوله الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ جميع ما ذكرناه و ما يعطيه الاسم الرب من الثبات و الإصلاح و التربية و الملك و السيادة هذه الخمسة يطلبها الاسم الرب و يحضر ما يعطيه العالم من الدلالة عليه تعالى فلا يكون جواب الله في قوله حمدني عبدي إلا لمن حمده بأدنى المراتب لأنه لكرمه يعتبر الأضعف الذي لم يجعل الله له حظا في العلم به تعالى رحمة به لعلمه أن العالم يعلم من سؤاله أو قراءته ما حضر معه في تلك القراءة من المعاني فيجيبه الله على ما وقع له و يدخل في إجمال ما خاطب به عبده العامي القليل العلم أو الأعجمي الذي لا علم له بمدلول ما يقرأه فافهم و الله الملهم ثم قال عن الله يقول العبد الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يقول الله أثنى على عبدي يعني بصفة الرحمة لاشتقاق هذين الاسمين منها و لم يقل في ما ذا لعموم رحمته و لأن العامي ما يعرف من رحمة الله به إلا إذا أعطاه ما يلائمه في غرضه و إن ضره أو ما يلائم طبعه و لو كان فيه شقاؤه و العارف ليس كذلك فإن الرحمة الإلهية قد تأتي إلى العبد في الصورة المكروهة كشرب الدواء الكرية الطعم و الرائحة للمريض و الشفاء فيه مبطون فإذا قال العارف الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أحضر في نفسه مدلول هذا القول من حيث ما هو الحق موصوفا به و من حيث ما يطلبه المرحوم لعلمه بذلك كله و يحضر في قلبه أيضا عموم رحمته الواحدة المقسمة على خلقه في الدار الدنيا إنسهم و جنهم و مطيعهم و عاصيهم و كافرهم و مؤمنهم و قد شملت الجميع و رأى أن هذه الرحمة الواحدة لو لم تعط حقيقتها من الله أن يرزق بها عباده من جماد و نبات و حيوان و إنس و جان و لم يحجبها عن كافر و مؤمن و مطيع و عاصي عرف أن ذاتها من كونها رحمة تقتضي ذلك ثم جاء الوحي من أثر هذه الرحمة الواحدة بأن هذه الرحمة الواحدة السارية في العالم التي اقتضت حقيقتها أن تجعل الأم تعطف على ولدها في جميع الحيوان و هي واحدة من مائة رحمة و قد ادخر سبحانه لعباده في الدار الآخرة تسعا و تسعين رحمة فإذا كان يوم القيامة و نفذ في العالم حكمه و قضاؤه و قدره بهذه الرحمة الواحدة و فرغ الحساب و نزل الناس منازلهم من الدارين أضاف سبحانه هذه الرحمة إلى التسع و التسعين رحمة فكانت مائة فأرسلها على عباده مطلقة في الدارين فسرت الرحمة فوسعت كل شيء فمنهم من وسعته بحكم الوجوب و منهم من وسعته بحكم الامتنان فوسعت كل شيء في موطنه و في عين شيئيته فتنعم المحرور بالزمهرير و المقرور بالسعير و لو جاء لكل واحد من هذين حال الاعتدال لتعذب فإذا اطلع أهل الجنان على أهل النار زادهم نعيما إلى نعيمهم فوزهم و لو اطلع أهل النار على أهل الجنان لتعذبوا بالاعتدال لما هم فيه من الانحراف و لهذا قابلهم بالنقيض من عموم المائة رحمة و قد كان الحكم في الدنيا بالرحمة الدنيا ما قد علمتم و هي الآن أعني في الآخرة من جملة المائة فما ظنك و كفى فبمثل هذا النظر يقول العارف في الصلاة الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ و من هنا يعرف ما يجيبه الحق به من هذا نظره ثم قال الله يقول العبد ملك (مالِكِ) يَوْمِ الدِّينِ يقول الله مجدني عبدي و في رواية فوض إلى عبدي هذا جواب عام ورد عام كما قررنا ما المراد به فإذا قال العارف ملك (مالِكِ) يَوْمِ الدِّينِ لم يقتصر على الدار الآخرة بيوم الدين و رأى أن الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لا يفارقان ملك (مالِكِ) يَوْمِ الدِّينِ فإنه صفة لهما فيكون الجزاء دنيا و آخرة و كذلك ظهر بما شرع من إقامة الحدود و ظهور الفساد في الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ و هذا هو عين الجزاء فيوم الدنيا أيضا يوم الجزاء و الله ملك يوم الدين فيرى العارف أن الكفارات سارية في الدنيا و أن الإنسان في الدار الدنيا لا يسلم من أمر يضيق به صدره و يؤلمه حسا و عقلا حتى قرصة البرغوث و العثرة فالآلام محدودة موقتة و رحمة الله تعالى غير موقتة فإنها وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فمنها ما تنال و تحكم من طريق الامتنان و هو أصل الأخذ لها الامتنان و منها ما يؤخذ من طريق الوجوب الإلهي في قوله كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ و قوله فَسَأَكْتُبُها فالناس يأخذونها جزاء و بعض المخلوقات من المكلفين تنالهم امتنانا حيث كانوا فافهم فكل ألم في الدنيا و الآخرة فإنه مكفر لأمور قد وقعت محدودة موقتة و هو جزاء لمن يتألم به من صغير و كبير بشرط تعقل التألم لا بطريق الإحساس بالتألم دون تعقله و هذا المدرك لا يدركه إلا من كشف له فالرضيع لا يتعقل التألم مع الإحساس به إلا أن أباه و أمه و أمثالهما من محبيه و غير محبيه يتألم و يتعقل التألم لما يرى في الرضيع من الأمراض النازلة به فيكون ذلك كفارة لمتعقل الألم فإن زاد ذلك العاقل الترحم به كان مع التكفير عنه مأجورا إذ في كل كبد رطبة أجر و كل كبد فإنها رطبة لأنها بيت الدم و الدم حار رطب طبع الحياة و أما الصغير إذا تعقل التألم و طلب النفور عن الأسباب الموجبة للألم و اجتنبها فإن له كفارة فيها لما صدر منه مما آلم به غيره من حيوان أو شخص آخر من جنسه أو إباية عما تدعوه إليه أمه أو أبوه أو سائل يسأله أمرا ما فأبى عليه فتألم السائل حيث لم يقض حاجته هذا الصغير فإذا تألم الصغير كان ذلك الألم القائم به جزاء مكفرا لما آلم به ذلك السائل بإبايته عما التمسه منه في سؤاله أو كان قد آذى حيوانا من ضرب كلب بحجر أو قتل برغوث و قملة أو وطء نملة برجله فقتلها أو كل ما جرى منه بقصد و بغير قصد و سر هذا الأمر عجيب سار في الموجودات حتى الإنسان يتألم بوجود الغيم و يضيق صدره به فإنه كفارة لأمور أتاها قد نسيها أو يعلمها فهذا كله يراه أهل الكشف محققا في قوله ملك (مالِكِ) يَوْمِ الدِّينِ فيقول الله فوض إلى عبدي أو مجدني عبدي أو كلاهما إلا أن التمجيد راجع إلى جناب الحق من حيث ما تقتضيه ذاته و من حيث ما تقتضي نسبة العالم إليه و التفويض من حيث ما تقتضي نسبة العالم إليه لا غير فإنه وكيل لهم بالوكالة المفوضة ففي حق قوم يقول مجدني عبدي و في المقصد و في حق قوم يقول فوض إلى عبدي و في المقصد أيضا فإن العبد قد يجمع بين المقصدين فيجمع الله له في الرد بين التمجيد و التفويض فهذا النصف كله مخلص لجناب الله ليس للعبد فيه اشتراك ثم قال الله يقول العبد إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يقول الله هذه بيني و بين عبدي و لعبدي ما سأل فهذه الآية تتضمن سائلا و مسئولا مخاطبا و هو الكاف من إِيَّاكَ فيهما و نَعْبُدُ و نَسْتَعِينُ هما للعبد فإنه العابد و المستعين فإذا قال العبد إِيَّاكَ وحد الحق بحرف الخطاب فجعله مواجها لا على جهة التحديد و لكن امتثالا لقول الشارع لمثل ذلك السائل في معرض التعليم حين سأله عن الإحسان فقال له صلى الله عليه و سلم أن تعبد الله كأنك تراه فلا بد أن تواجهه بحرف الخطاب و هو الكاف أو حرف التاء المنصوبة في المذكر المخفوضة في المؤنث فإني قد أنث الخطاب من حيث الذات و هذا مشهد خيالي فهو برزخي و جاءت هذه الآية برزخية وقع فيها الاشتراك بين الحق و بين عبده و ما مضى من الفاتحة مخلص للهو ما بقي منها مخلص للعبد و هذه التي نحن فيها مشتركة و إنما وحده و لم يجمعه لأن المعبود واحد و جمع نفسه بنون الجمع في العبادة و العون المطلوب لأن العابدين من العبد كثيرون و كل واحد من العابدين يطلب العون و المقصود بالعبادات واحد فعلى العين عبادة و على السمع و البصر و اللسان و اليد و البطن و الفرج و الرجل و القلب فلهذا قال نَعْبُدُ و نَسْتَعِينُ بالنون و إن العالم نظر إلى تفاصيل عالمه و إن الصلاة قد عم حكمها جميع حالاته ظاهرا و باطنا لم ينفرد بذلك جزء عن آخر فإنه يقف بكله و يركع بكله و يجلس بكله فجميع عالمه قد اجتمع على عبادة ربه و طلب المعونة منه على عبادته فجاء بنون الجماعة في نعبد و نستعين فترجم اللسان عن الجماعة كما يتكلم الواحد عن الوفد بحضورهم بين يدي الملك فعلم العبد من الحق لما أنزل عليه هذه الآية بإفراده نفسه أن لا يعبد إلا إياه و لما قيد العبد بالنون أنه يريد منه أن يعبده بكله ظاهرا و باطنا من قوى و جوارح و يستعين على ذلك الحد و متى لم يكن المصلي بهذه المثابة من جمع عالمه على عبادة ربه كان كاذبا في قراءته إذا قال إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فإن الله ينظر إليه فيراه متلفتا في صلاته أو مشغولا بخاطره في دكانه أو تجارته و هو مع هذا يقول نَعْبُدُ و يكذب فيقول الله له كذبت في كنايتك بجمعيتك على عبادتي أ لم تلتفت ببصرك إلى غير قبلتك أ لم تصغ بسمعك إلى حديث الحاضرين أ لم تعقل بقلبك ما تحدثوا به فأين صدقك في قولك نَعْبُدُ بنون الجمع فيحضر العارف هذا كله في خاطره فيستحيي أن يقول في مناجاته في صلاته إِيَّاكَ نَعْبُدُ لئلا يقال له كذبت فلا بد أن يجتمع من هذه حالته على عبادة ربه حتى يقول له الحق صدقت إذا تلا في جمعيتك علي في عبادتك إياي و طلب معونتي روينا في هذا الباب على ما حدثنا به شيخنا المقري أبو بكر محمد بن خلف بن صاف اللخمي عن بعض المعلمين من الصالحين أن شخصا صبيا صغيرا كان يقرأ عليه القرآن فرآه مصفر اللون فسأله عن حاله فقيل له إنه يقوم الليل بالقرآن كله فقال له يا ولدي أخبرت أنك تقوم الليل بالقرآن كله فقال هو ما قيل لك فقال يا ولدي إذا كان في هذه الليلة فأحضرني في قبلتك و اقرأ على القرآن في صلاتك و لا تغفل عني فقال الشاب نعم فلما أصبح قال له هل فعلت ما أمرتك به قال نعم يا أستاذ قال و هل ختمت القرآن البارحة قال لا ما قدرت على أكثر من نصف القرآن قال يا ولدي هذا حسن إذا كان في هذه الليلة فاجعل من شئت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم أمامك الذين سمعوا القرآن من رسول الله صلى الله عليه و سلم و اقرأ عليه و احذر فإنهم سمعوه من رسول الله صلى الله عليه و سلم فلا تزل في تلاوتك فقال إن شاء الله يا أستاذ كذلك افعل فلما أصبح سأله الأستاذ عن ليلته فقال يا أستاذ ما قدرت على أكثر من ربع القرآن فقال يا ولدي اتل هذه الليلة على رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي أنزل عليه القرآن و اعرف بين يدي من تتلوه فقال نعم فلما أصبح قال يا أستاذ ما قدرت طول ليلتي على أكثر من جزء من القرآن أو ما يقاربه فقال يا ولدي إذا كان هذه الليلة فلتكن تقرأ القرآن بين يدي جبريل الذي نزل به على قلب محمد صلى الله عليه و سلم فاحذر و اعرف قدر من تقرأ عليه فلما أصبح قال يا أستاذ ما قدرت على أكثر من كذا و ذكر آيات قليلة من القرآن قال يا ولدي إذا كان هذه الليلة تب إلى الله و تأهب و اعلم أن المصلي يناجي ربه و إنك واقف بين يديه تتلو عليه كلامه فانظر حظك من القرآن و حظه و تدبر ما تقرأه فليس المراد جمع الحروف و لا تأليفها و لا حكاية الأقوال و إنما المراد بالقراءة التدبير لمعاني ما تتلوه فلا تكن جاهلا فلما أصبح انتظر الأستاذ الشاب فلم يجيء إليه فبعث من يسأل عن شأنه فقيل له إنه أصبح مريضا يعاد فجاء إليه الأستاذ فلما أبصره الشاب بكى و قال يا أستاذ جزاك الله عني خيرا ما عرفت أني كاذب إلا البارحة لما قمت في مصلاي و أحضرت الحق تعالى و أنا بين يديه أتلو عليه كتابه فلما استفتحت الفاتحة و وصلت إلى قوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ نظرت إلى نفسي فلم أرها تصدق في قولها فاستحييت أن أقول بين يديه إِيَّاكَ نَعْبُدُ و هو يعلم أني أكذب في مقالتي فإني رأيت نفسي لاهية بخواطرها عن عبادته فبقيت أردد القراءة من أول الفاتحة إلى قوله ملك (مالِكِ) يَوْمِ الدِّينِ و لا أقدر أن أقول إِيَّاكَ نَعْبُدُ إنه ما خلصت لي فبقيت أستحيي أن أكذب بين يديه تعالى فيمقتني فما ركعت حتى طلع الفجر و قد رضت كبدي و ما أنا إلا راحل إليه على حالة لا أرضاها من نفسي فما انقضت ثالثة حتى مات الشاب فلما دفن أتى الأستاذ إلى قبره فسأله عن حاله فسمع صوت الشاب من قبره و هو يقول له يا أستاذ