أنا حي عند حي لم يحاسبني بشي
قال فرجع الأستاذ إلى بيته و لزم فراشه مريضا مما أثر فيه حال الفتى فلحق به فمن قرأ إِيَّاكَ نَعْبُدُ على قراءة الشاب فقد قرأ ثم قال الله يقول العبد اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لا الضَّالِّينَ فيقول الله هؤلاء لعبدي و لعبدي ما سأل فإذا قال العارف اهْدِنَا أحضر الاسم الإلهي الهادي و سأله أن يهديه الصراط المستقيم أن يبينه له و يوفقه إلى المشي عليه و هو صراط التوحيدين توحيد الذات و توحيد المرتبة و هي الألوهية بلوازمها من الأحكام المشروعة التي هي حق الإسلام في قوله صلى الله عليه و سلم إلا بحق الإسلام و حسابهم على الله فيحضر في نفسه الصراط المستقيم الذي هو عليه الرب من حيث ما يقود الماشي عليه إلى سعادته أخبر الله تعالى عن هود أنه قال إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فإن العارف إذا مشى على ذلك الصراط الذي عليه الرب تعالى على شهود منه كان الحق أمامه و كان العبد تابعا للحق على ذلك الصراط مجبورا و كيف لا يكون تابعا مجبورا و ناصيته بيد ربه يجره إليه فإن الله يقول ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فدخل في حكم هذه الآية جميع ما دب علوا و سفلا دخول ذلة و عبودية و الناس في ذلك بين مكاشف يرى اليد في الناصية أو مؤمن فكل دابة دخلت عموما ما عدا الإنس و الجن فإنه ما دخل من الثقلين إلا الصالحون منهم خاصة و لو دخل جميع الثقلين لكان جميعهم على طريق مستقيم صراط الله من كونه ربا يقول تعالى وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ و قال في حق الثقلين خاصة على طريق الوعيد و التخويف حيث لم يجعلوا نواصيهم بيده و هو أن يتركوا إرادتهم لإرادته فيما أمر به و نهى سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ و لهذا قال صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يريد الذين وفقهم الله و هم العالمون كلهم أجمعهم و الصالحون من الإنس مثل الرسل و الأنبياء و الأولياء و صالحي المؤمنين و من الجان كذلك فلم يجعل الصراط المستقيم إلا لمن أنعم الله عليه من نبي و صديق و شهيد و صالح و كل دابة هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها فإذا حضر العارف في هذه القراءة جعل ناصيته بيد ربه في غيب هويته و من شذ شذ إلى النار و هم الذين استثنى الله تعالى بقوله غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ أي إلا من غضب الله عليهم لما دعاهم بقوله حي على الصلاة فلم يجيبوا وَ لا الضَّالِّينَ فاستثني بالعطف من حاروهم أحسن حالا من المغضوب عليهم فمن لم يعرف ربه أنه ربه و أشرك معه في ألوهيته من لا يستحق أن يكون إلها كان من المغضوب عليهم فإذا أحضر العبد مثل هذا و أشباهه في نفسه عند تلاوته قالت الملائكة آمين و قال باطن الإنسان الذي هو روحه المشارك للملائكة في نشأتهم و طهارتهم آمين أي أمنا بالخير لما كان و التالي الداعي اللسان ثم يصغي إلى قلبه فيسمع تلاوة روحه فاتحة الكتاب مطابقة لتلاوة لسانه فيقول اللسان مؤمنا على دعائه أي دعاء روحه بالتلاوة من قوله اهْدِنَا فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة في الصفة موافقة طهارة و تقديس ذوات كرام بررة أجابه الحق عقيب قوله آمين باللسانين فإن ارتقى يكون الحق لسانه إلى تلاوة الحق كلامه فإذا قال آمين قالت الأسماء الإلهية آمين و الأسماء التي ظهرت من تخلق هذا العبد بها آمين فمن وافق تأمين أسمائه أسماء خالقه كان حقا كله فهذا قد أبنت لك أسلوب القراءة في الصلاة فاجر عليها على قدر اتساع باعك و سرعة حركتك و أنت أبصر ف ما مِنَّا إِلَّا من لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ و منا الصَّافُّونَ و الْمُسَبِّحُونَ
(فصل بل وصل في قراءة القرآن في الركوع)
و أما قراءة القرآن في الركوع فمن قائل بالمنع و من قائل بالجواز و الذي اتفقوا عليه التسبيح في الركوع و اختلفوا هل فيه قول محدود أم لا فمن قائل لا حد في ذلك و من قائل بالحد في ذلك و هو أن يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاثا و في السجود سبحان ربي الأعلى ثلاثا و القائل بهذا منهم من يرى وجوبه و أن الصلاة تبطل بتركه و أدناه ثلاث مرات و منهم من لا يقول بوجوبه و هم عامة العلماء و من قائل ينبغي للإمام أن يقولها خمسا حتى يدرك من وراءه أن يقولها ثلاثا فأقول في باب الأسرار لما كان المصلي في وقوفه بين يدي ربه في الصلاة له نسبة إلى القيومية ثم انتقل عنها إلى حالة الركوع الذي هو الخضوع و كذلك السجود لم تنبغ أن تكون هذه الصفة لله فشرع النبي صلى الله عليه و سلم على ما فهم من كلام الله لما نزل عليه فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم اجعلوها في ركوعكم ثم نزلقوله تعالى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال رسول الله صلى الله عليه و سلم اجعلوها في سجودكم فاقترن بهما أمر الله بقوله سَبِّحِ فأمر و أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم لنا بمكانها من الصلاة يقول نزهوا عظمة ربكم عن الخضوع فإن الخضوع إنما هو لله لا بالله فإنه يستحيل أن تقوم به صفة الخضوع و أضافه إلى الاسم الرب لأنه يستدعي المربوب و هو من الأمهات الثلاث و هو اسم كثير الدور و الظهور في القرآن أكثر من باقي الأسماء فإن أمهات الأسماء في القرآن ثلاثة الله و الرحمن و الرب ثم إن هذا الاسم لما تعلق التسبيح به لم يتعلق به مطلقا من حيث ما يستحقه لنفسه و إنما تعلق به مضافا إلى نفس المسبح فقال سبحان ربي العظيم و إنما تعلق به مضافا في حق كل مسبح لأن العلم به من كل عالم يتفاضل فيعتقد فيه شخص خلاف ما يعتقد فيه غيره فكل شخص يسبح ربه الذي اعتقده ربا و كم شخص ما يعتقد في الرب ما يعتقده غيره و يرى أن ذلك المعتقد الآخر فيما نسبه إلى ربه مما يستحيل عند هذا أن تكون له تلك الصفة و يكفر من أجلها فلو سبحه مطلقا باعتقاد كل معتقد لسبح هذا الشخص من لا يعتقد أنه ينزه فلهذا أضافه كل مسبح لما يقتضيه اعتقاده و حظ العارف أن يسبحه بلسان كل مسبح و ينظر في عظمة الله و تنزيهها عن قيام الخضوع بها و علوه عن السجود فإن العبد في سجوده يطلب أصل نشأة هيكله و هو الماء و التراب و يطلب بقيامه أصل روحه فإن الله يقول فيهم وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ و صارت حالة الركوع برزخا متوسطا بين القيام و السجود بمنزلة الوجود المستفاد للممكن برزخا بين الواجب الوجود لنفسه و بين الممكن لنفسه فالممكن عدم لنفسه فإن العدم لا يستفاد فإنه ما ثم من يفيده و الواجب الوجود وجوده لنفسه و ظهرت حالة برزخية و هي وجود العبد بمنزلة الركوع فلا يقال في هذا الوجود المستفاد هو عين الممكن و لا هو غير الممكن و لا يقال فيه هو عين الحق و لا هو غير الحق فله نسبتان يعرفهما العارف فيخطر للعارف في حال الركوع الحال البرزخى الفاصل بين الأمرين و هو المعنى المعقول الذي به يتميز الرب من العبد و هو أيضا المعنى المعقول الذي به يتصف العبد بأوصاف الرب و يتصف الرب بأوصاف المربوب لا بالصفات فإنه وصف لا صفة و إنما قلنا وصف لا صفة فإن الصفة يعقل منها أمر زائد و عين زائدة على عين الموصوف و الوصف قد يكون عين الموصوف بنسبة خاصة ما لها عين موجودة فافهم
(فصل بل وصل في الدعاء في الركوع)
اختلفوا في الدعاء في الركوع بعد اتفاقهم على جواز الثناء على الله فيه و وجوبه في مذهب من يراه شرطا في صحة الصلاة فمنهم من كره الدعاء في الركوع و منهم من أجازه و به أقول و اختلفوا في الدعاء في الصلاة فمنهم من قال لا يجوز أن يدعى في الصلاة بغير ألفاظ القرآن و منهم من أجاز ذلك فأقول لما كانت الصلاة معناها الدعاء صح أن يكون الدعاء جزءا من أجزائها و يكون من باب تسمية الكل باسم الجزء و أما من يكره الدعاء في الركوع فإن الحالة البرزخية لها وجهان وجه إلى الحق و وجه إلى الخلق فمن كان مشهده من الركوع الوجه الذي يطلب الحق كره الدعاء في الركوع و لم يحرمه لأن صفة القيومية قد يتصف بها الكون قال تعالى الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ و من رجح الوجه الذي يطلب الخلق من الركوع قال يجوز الدعاء في الركوع و به جاءت السنة و هو مذهب البخاري رحمه الله و كذلك من رجح أن لا يدعى في الصلاة بغير ألفاظ القرآن فإنه نظر إلى أن الله تعالى قد شرع الأدعية في القرآن فالعدول عنها إلى ألفاظ من كلام الناس من مخالفة النفس التي جبلت عليها حتى لا توافق ربها و هو الأدب الصحيح فإني كما لم أناجه في الصلاة إلا بكلامه كذلك لا ندعوه إلا بما أنزل علينا و شرعه لنا في القرآن أو في السنة مما شرع أن يقال في الصلاة و من أطلق الدعاء في الصلاة بأي نوع كان غلب على قلبه إنه ما ثم إلا الله و لا متكلم إلا الله إما بفعل يفعله كما ورد أن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده يعني في الصلاة أو أمر آخر
(فصل بل وصل في التشهد في الصلاة)
اختلف العلماء في وجوب التشهد في الصلاة و المختار منه فمن قائل بوجوبه و من قائل لا يجب فأقول لما كان التشهد على الحقيقة معناه الاستحضار فإنه تفعل من الشهود و هو الحضور و الإنسان مأمور بالحضور في صلاته فلا بد من التشهد و هو الأولى و الأوجه و لما كان الشاهد مخاطبا بالعلم بما يشهد به بخلاف الحاكم لم يصح الحضور و لا الاستحضار من غيرعلم المتشهد بمن يريد شهوده فلا يحضر معه من الحق إلا قدر ما يعلمه منه و ما خوطب بأكثر من ذلك و اختلفت مقالات الناس في الإله و إذا اختلفت المقالات فلا بد للعاقل إذا انفرد في علمه بربه أن يكون على مقالة من هذه المقالات التي أنتجها النظر و هي مختلفة فالسليم العقل من يترك ما أعطاه نظره في الله و نظر غيره من أصحاب المقالات بالنظر الفكري و يرجع إلى ما قالته الأنبياء عليهم السلام و ما نطق به القرآن فيعتقده و يحضر معه في صلاته و في حركاته و سكناته فهو أولى به من أن يحضر مع الله تعالى بفكره و قد يطرأ لبعض الناس في هذا غلط و ذلك أنه يرى أن الإنسان ما يثبت عنده الشرع إلا حتى يثبت عنده بالعقل وجود الإله و توحيده و إمكان بعثة الرسل و تشريع الشرائع فيرجح بهذا أن يحضر مع الحق في صلاته بهذا العلم و ليس الأمر كذلك فإنه و إن كان نظره هو الصحيح في إثبات وجود الحق و توحيده و إمكان التشريع و تصديق الشارع بالدلالات التي أتى بها فيعلم إن الشارع قد وصف لنا نفسه بأمور لو وقفنا مع العقل دونه ما قبلناها ثم إنا رأينا أن تلك الأوصاف التي جاءت من الشارع في حق الله و معرفته تطلبها أفعال العبادات و هي أقرب مناسبة إليها من المعرفة التي تعطيها الأدلة النظرية التي تستقل بها فرأينا أن نحضر مع الحق في تشهدنا و صلاتنا بالمعرفة الإلهية التي استفدناها من الشارع في القرآن و السنة المتواترة أولى من الحضور معه بمقالات العقول ثم ننظر فيما ورد من التشهد في الصلاة حتى نجري على ذلك الأسلوب كما فعلنا في التوجيه و القراءة و ما يقال في الركوع و السجود انتهى الجزء الثامن و الثلاثون
(بسم الله الرحمن الرحيم)
فنقول من ذلك (تشهد عمر رضي الله عنه) و هو التحيات لله الزاكيات لله السلام عليك أيها النبي و رحمة الله و بركاته السلام علينا و على عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدا عبد الله و رسوله أخذت به طائفة (و أما تشهد عبد الله بن مسعود) و هو التحيات لله و الصلوات و الطيبات السلام عليك أيها النبي و رحمة الله و بركاته السلام علينا و على عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدا عبده و رسوله أخذ به الأكثر من الناس لثبوت نقله (و أما تشهد ابن عباس) و هو التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله سلام عليك أيها النبي و رحمة الله و بركاته سلام علينا و على عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله أخذت به طائفة و كلها أحاديث مروية عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فالعارف إذا تشهد بهذا التشهد فإما أن يكون في حال قبض و هيبة و جلال عن اسم إلهي و إما أن يكون في حال أنس و جمال و بسط عن اسم إلهي و إما أن يكون في حال مراقبة و حضور لموازنة ذاته بما كلفته من العبادات في الصلاة فيعمر كل قوة من قوى نفسه في صلاته و كل جارحة من جوارح جسمه في صلاته بما يليق بها مما طلبه الحق منه من إلهيات أن يكون عليها في صلاته بالنظر إلى كل جارحة و قوة فيعمرها سواء كان في حال هيبة أو أنس و هو أكمل الأحوال فانحصر الأمر في ثلاثة مقامات مقام جلال و مقام جمال و مقام كمال فيتشهد بلسان الكمال و هو الأول للسالك فيقول التحيات لله أي تحيات كل محى و محى بها في جميع العالم و النسب الإلهية كلها لله أي من أجل الله الاسم الجامع الذي يجمع حقائقها و ذلك لأن كل تحية في العالم إنما هي مرتبطة بحقيقة إلهية كانت ما كانت فمتى ما لم يجمع الإنسان بنيته و قلبه كما جمع بلفظة التحيات بقوته من الحقائق الإلهية كلها إلا الحقيقة الواحدة المشروعة له في تحيته من حيث ما هو مقيد بها من جهة شرعه خاصة لم يستبر لنفسه في كمال صلاته و قوله الزاكيات لله يقول التحيات المطهرات الناميات أي التي ينمي خيرها على قائلها من الحقائق الإلهية التي أوجدت تلك التحيات بحسب ما تعطيه أسماؤها ثم يقول السلام عليك أيها النبي و رحمة الله و بركاته بالألف و اللام التي للجنس لا التي للعهد فيكون سلامه على النبي صلى الله عليه و سلم مثل تحياته للشمول و العموم أي بكل سلام و هذا يؤذن بأن العبد قد انتقل من مشاهدة ربه من حيث الإطلاق أو أمر ما من الأمور التي كان فيها في سجوده إلى مشاهدة الحق في النبي صلى الله عليه و سلم فلما قدم عليه بالحضور سلم عليه مخاطبا مواجهة بالنبوة لم يسلم عليه بالرسالة فإن النبوة في حق ذات النبي أعم و أشرف فإنه يدخل فيها ما اختص به في نفسه و ما أمر بتبليغه لأمته الذي هو منه رسول فعم و عرف ما ينبغي أن يخاطب به رسول الله صلى الله عليه و سلم في ذلك الحضور و أيه به من غير حرف نداء يؤذن ببعد لما هو عليه من حال قربه و لهذا جاء بحرف الخطاب ثم عطف بعد السلام عليه بالرحمة الإلهية لشمولها الامتنان و الوجوب فأضافها إلى الله لما رزقه صلى الله عليه و سلم من السلامة من كل ما يشنؤه في مقامه ذلك و عطف بالبركات المضافة إلى الهوية و البركات هي الزيادة و قد أمر أن يقول رَبِّ زِدْنِي عِلْماً فكان هذا المصلي في هذه التحيات يقول له سلام عليك و رحمته تقتضي الزيادات عندك من العلم بالله الذي هو أشرف الحالات عند الله كما جاء بالزاكيات في التحيات فناسب بين الزكاة و البركة و لهذا جعل الله تعالى البركة في الزكاة التي هي الصدقات لارتباطها بها لأن الصدقة إخراج ما كان في اليد و هي الزكاة و لا تبقي في الوجود خلاء فيعوضه الله و يملأ يديه من الخير العلمي و غيره من الثواب المحسوس في دار الكرامة ما لا يقدر قدره في مقابلة ما أخرجه ثم يقول السلام علينا و على عباد الله الصالحين فسلم على نفسه بشمول السلام و أجناسه كما سلم على النبي صلى الله عليه و سلم يقول تعالى فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ و الدخول في كل حال من أحوال الصلاة كالبيوت في الدار الجامعة تَحِيَّةً من عِنْدِ الله مُبارَكَةً طَيِّبَةً فجعلك رسولا من عنده إلى نفسك بهذه التحية المباركة لما فيها من زوائد الخير الطيبة فإنها حصلت له ذوقا فاستطابها كما أنها طيبة الأعراف بسيرانها من نفس الرحمن و جاء بنون الجمع في قوله السلام علينا يؤذن أنه مبلغ سلامه لكل جزء فيه مما هو مخاطب بعبادة خاصة و إنما سلم عليهم لكونه جاء قادما من عند ربه لغيبته عن نفسه حين دعاه الحق إلى مناجاته فكبر تكبيرة الإحرام فمنعته هذه الحالة أن ينظر إلى غير من دعاه إليه فلهذا سلم على نفسه بنون الجماعة و ذلك إذا كان هذا العبد قد دخل إلى بيت قلبه و نزه الحق أن يكون حالا فيه و إن وسعه كما قال الله لما يقتضيه جلال الله من عدم المناسبة بين ذاته تعالى و بين خلقه و رأى بيت قلبه خاليا من كل ما سوى الله و الحق لا يسلم عليه فإنه هو السلام و قد نهوا عن ذلك لأنهم كانوا يقولون السلام على الله في التشهد فقال لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام فلما دخل بيته و لم ير فيه أحدا أو نزه الحق أن يحوي عليه بيت قلبه فما بقي له أن يشهد سوى عالمه المكلف و ليس سوى نفسه و قد أمره الله إذا دخل بيتا خاليا من كل أحد أن يسلم على نفسه في قوله فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ فيكون العبد هنا مترجما عن الحق في سلامه لأنه قال تَحِيَّةً من عِنْدِ الله مُبارَكَةً كما جاء في سمع الله لمن حمده فكذلك يقولها في الصلاة نيابة عن الحق جل جلاله و تقدست أسماؤه لأنه ما ثم من حدث له حال دخول أو خروج فيكون السلام منه أو عليه فدل على أنه تجل خاص و لا بد فافهم إن أردت أن تكون من أهل هذا المقام في الصلاة ثم عطف من غير إظهار لفظ السلام على عباد الله الصالحين فشمل بالألف و اللام ليصيب سلامه كل عبد صالح لله في السموات و الأرض و لا ينوي من الصالحين ما هو المعهود في العرف ما ثم إلا صالح فإن الله يقول وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ فكل شيء ينزه ربه فهو إذن صالح هذا من علوم الايمان و الكشف فانو بالصالحين الذين استعملوا فيما صلحوا له و ليس سوى التسبيح فإن الله أخبر عنهم أنهم بهذه الصفة فلم يبق كافر و لا مؤمن إلا و قد شملت تفاصيله هذه الآية و لكن أكثر الناس لا يعلمون لأنهم لا يسمعون و لا يشهدون و لهذا لم يذكر لفظة السلام في هذا العطف و اكتفى بالواو تنبيها فإنه يدخل فيه من يستحق السلام عليه بطريق الوجوب و من لا يستحق ذلك بطريق الوجوب فسر حتى لا يتميز المستحق من غير المستحق رحمة منه بعباده أنه هو الغفور الرحيم و لم يعطف السلام الذي سلم به على نفسه على السلام الذي سلم به على النبي صلى الله عليه و سلم بل جعله مبتدأ فإن النبوة أعني نبوة التشريع طور آخر متميز عن طور الاتباع فإنه لو عطف عليه لفظ السلام على نفسه لسلم على نفسه أيضا من جهة النبوة للواو الذي يعطي الاشتراك و باب النبوة قد سده كما سد باب الرسالة و أعني نبوة التشريع و ما بقي بأيدينا إلا الوراثة إلى يوم القيامة يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الرسالة و النبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي و لا نبي فعين بهذا أنه لا مناسبة بيننا و بين الرسل في هذا المقام فحصل له الأولية صلى الله عليه و سلم على التعيين و حصل له الآخرية صلى الله عليه و سلم لا علىالتعيين فدخل بالسلام الثاني بحرف العطف في عباد الله الصالحين فإنه من الصالحين بلا شك من كل وجه فهو في المرتبة التي لا تنبغي لنا فابتدأنا بالسلام علينا في طورنا من غير عطف و اعلم أنه لم نقف على رواية عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في تشهده الذي كان صلى الله عليه و سلم يتشهد به بلسانه في تشهده في الصلاة في قولنا السلام عليك أيها النبي هل كان يقوله بهذا اللفظ أو يقوله بغير هذا اللفظ مثل عيسى عليه السلام إذ قال وَ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا أو لا يقول شيئا من ذلك و يكتفي بقولنا السلام علينا و على عباد الله الصالحين فإن كان قال مثل ما علمنا أن نقول من ذلك فله وجهان أحدهما أن يكون المسلم عليه هو الحق و هو نائب مترجم عنه تعالى في ذلك كما جاء في سمع الله لمن حمده و الوجه الآخر أن يقوم في دعائه في تلك الحالة في مقام غير مقام النبوة ثم يخاطب نفسه من حيث المقام الذي أقيم فيه نفسه أيضا من كونه صلى الله عليه و سلم نبيا و يحضره من أجل كاف الخطاب فيقول صلى الله عليه و سلم بلسانه للمقام الذي أحضره فيه أي أحضر نفسه فيه السلام عليك أيها النبي فعل الأجنبي ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدا عبد الله و رسوله فأما معنى الشهادة فقد تقدم في أول التشهد و هذا التوحيد هنا إنما هو توحيد ما يقتضيه عمل الصلاة عموما و ما يقتضيه حال كل مصل في صلاته خصوصا فإن أحوال المصلين تختلف في الصلاة بلا شك من كل وجه من وجوه الأحكام و من وجوه المقامات و من وجوه الأذواق فمن وجوه الأحكام فإن صلاة الحنفي تخالف صلاة المالكي و الشافعي في بعض الأحكام و من وجوه المقامات فإن صلاة المتوكل تخالف صلاة الزاهد و من وجوه الأذواق فإن صلاة الراضي تخالف صلاة الشكور و صلاة الصاحي تخالف صلاة السكران في الطريق الذوقي فإن الصحو و السكر هو من علوم الأذواق ثم عطف الشهادة بالعبودية لله و الرسالة على شهادة التوحيد ليعلم أنه من أطاع الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله فإنه صلى الله عليه و سلم ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى و ما عليه إلا البلاغ و الإبلاغ لا يكون إلا حال مبلغ من مبلغ عنه إلى مبلغ إليه و هو العطف بواو الاشتراك يؤذن بالقرب الإلهي من السيد بما فيه من العبودية لله و بالقرب من المرسل بما فيه من ذكر الرسالة المضافة إلى الهوية التي هي غيب لمن أرسلوا إليهم و للرسول من حيث إن الروح الأمين جاء بها إليه من عند ربه فهو أقرب سندا منا إلى المرسل و تلقاها رسول الله صلى الله عليه و سلم من الروح بربه لا بنفسه كما يتلقى العارفون ما يأتيهم من ربهم على ألسنة العالم و حركاتهم بربهم لا بأنفسهم فإنه من يرى ربه في نفسه يراه في غيره بلا شك كما يقول أهل الله في حال المتوكل من صح توكله في نفسه صح توكله في غيره و إنما قلنا تلقاها بربه لا بنفسه إذ لو تلقى المتلقي أمر ربه و وحيه بنفسه دون ربه لاحترق في موضعه من سطوات أنوار الروح الأمين أ لا تراه مع القوة الإلهية التي أيده الله بها كيف جاء إلى بيت خديجة ترجف بوادره يقول زملوني زملوني زملوني دثروني لاضطراب مفاصله و تخلل النور الروحاني مسالك ذاته فكان يسمع لها قضيض فبدأ في الشهادة حين عطفها باسمه محمدا لما جمع فيه من المحامد أي بها استحق العطف بحرف التشريك ثم قال عبد الله فذكره بعبودية الاختصاص ليعلم بحريته عن كل ما سوى الله و خلوص عبوديته لله ليس فيه شقص لكون من الأكوان ثم عطف بالرسالة على العبودية و على الله بالهوية فزاده في العبودية اختصاصين و هما النبوة و الرسالة و ذكر الرسالة دون النبوة لتضمنها إياها فلو ذكر النبوة وحدها كان يبقى علينا ذكر اختصاصه بالرسالة فيحتاج إلى ذكرها حتى نعلم بخصوص أوصافه و نفرق بينه و بين من ليس له منزلة الرسالة من عباد الله النبيين فهذا تشهد لسان الكمال (التشهد بلسان الجمال) و أما تشهد لسان الجمال فهو تشهد عبد الله بن مسعود الذي ذكرناه و هو على هذا الحد إلا ما اختص به فما أذكره و هو أن يقول صاحب هذا المقام بلسانه و الصلوات و الطيبات فأتى بالصلوات لعموم ما تدل عليه في الرحموتيات و الدعاء و أنواعه من الأحوال و كلها صلاة هو الذي يصلي عليكم و ملائكته و عطف عليها الطيبات من باب عطف النعوت فهي نعت معطوف للصلوات و عليها ليطيب بها نفسا و اختص أيضا في هذا التشهد بإضافة العبودية إلى الهوية لا إلى الله و هو مقام شريف في حق رسول الله صلى الله عليه و سلم حيث أخبر أنه صلى الله عليه و سلم في حال نظره في ربه من حيث ما تستحقه ذاته التي لا يحاط بها علما بل لا تعرف أصلا بالصفة الثبوتية و ليست سوى واحدة لا يصح أن تكون اثنتين لأن الفصل المقومفي حق ذاته يستحيل فلا مناسبة بين الله و بين خلقه فإنه من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ كيف يصح أن يشبه شيئا أو يشبهه شيء و هذا بخلاف اللسان الأول فإن الإضافة بالعبودية كانت إلى الله لا إلى الهوية و هو أن ينظر فيه من حيث ما يطلبه الممكن و يليق و هو دون ما تشهد به ابن مسعود (التشهد بلسان الجلال) أما التشهد بلسان الجلال فزاد على ما احتوى عليه التشهدان أن نعت التحيات بالمباركات أي التحيات التي يكون معها البركات و أسقط الزاكيات و كذلك أسقطها ابن مسعود فإنهما راعيا الاشتراك في الزيادة و راعى عمر ما في الزكاة من التقديس مع وجود الزيادة التي تشترك فيها مع البركة فاكتفى بالزاكيات لذلك و أنكر الزاكيات في التشهد جماعة من علماء الرسوم ممن لا علم له بعلوم الأذواق و مواقع اختلاف خطاب رسول الله صلى الله عليه و سلم و لم يأت في هذا اللسان في نعت التحيات بحرف عطف و قال فيه سلام بالتنكير و هو تشهد ابن عباس و ذلك أنه راعى خصوص حال كل مصل فإن أسماء الله مثل الممكنات لا نهاية لها و كل ممكن له خصوص وصف فله من الله اسم خاص به من ذلك الاسم خص بالوصف الذي يتميز به عن كل ممكن و هذا من أشرف علوم أهل الله و هو مذكور في قوله في دعائه صلى الله عليه و سلم اللهم إني أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم غيبك و أما أسماء الإحصاء فتسعة و تسعون مائة إلا واحد و لم يصح في تعيينها على الجملة نص و لا روى عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال هي هذه فما جاء ابن عباس بتنكير السلام إلا ليأخذ كل مصل من الاسم الذي يلقى إليه و يناجي الحق فيه و هو المسلم على نبي الله منا صلى الله عليه و سلم و علينا و على عباد الله الصالحين و كذلك اختص بعدم تكرار لفظ الشهادة فتركها فلم يشهد له بعبودية و لا رسالة بشهادة مستأنفة بل شهادته بالتوحيد أغنت و اكتفى بالواو لما فيها من قوة الاشتراك و ذلك مثل قوله تعالى شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ و لم يعطف بذكر الشهادة تشريفا لهم و إن كان قد فصلهم عن شهادته لنفسه بذكره لا إله إلا هو و أسقط هنا لفظ العبودية لتضمن الرسالة إياها
(فصل بل وصل في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه و سلم في التشهد في الصلاة)
اختلفوا في الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم في التشهد فمن قائل إنها فرض و به أقول و من قائل إنها ليست بفرض و كذلك اختلفوا في التعوذ من الأربع المأمور بها في التشهد و هو أن يتعوذ من عذاب القبر و من عذاب جهنم و من فتنة المسيح الدجال و من فتنة المحيا و الممات فمن قائل بوجوبها و من قائل بمنع وجوبها و بوجوبها أقول و لو لم يأمر بالتعوذ منها لكان الاقتداء برسول الله صلى الله عليه و سلم أولى إذ كان التعوذ منها من فعله لقوله تعالى لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ و قوله صلى الله عليه و سلم صلوا كما رأيتمونى أصلي فكيف و قد انضاف إلى فعله أمره أمته بذلك فالصلاة على النبي في الصلاة و غيرها دعاء من العبد المصلي لمحمد صلى الله عليه و سلم بظهر الغيب و قد ورد في الصحيح عنه صلى الله عليه و سلم أنه من دعا بظهر الغيب قال له الملك و لك بمثله و في رواية و لك بمثليه فشرع ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم و أمر بها الله في قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً ليعود هذا الخير من الملك على المصلي عليه من أمته صلى الله عليه و سلم و أمر بالسلام عليه بقوله وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً فأكده بالمصدر فقد يحتمل أن يريد بذلك السلام المذكور في التشهد و يحتمل أن يريد به السلام من الصلاة أي إذا فرغتم من الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم فسلموا من صلاتكم تسليما و بهذا الاحتمال تعلق من رأى وجوبها في الصلاة و أما الاستعاذة من عذاب القبر فإن القبر أول منزل من منازل الآخرة فيسأل الله أن لا يتلقاه في أول قدم يضعه في الآخرة في قبره عذاب ربه و أما الاستعاذة من عذاب جهنم فإنها الاستعاذة من البعد فإن جهنم معناه البعيدة القعر و المصلي في حال القربة و هو قريب من الانفصال من هذه الحالة المقربة فاستعاذ بالله أن لا يكون انفصاله إلى حال تبعده من الله بل إلى قرب من حالة دينية أخرى و أما الاستعاذة من فتنة المسيح الدجال فلما يظهره في دعواه الألوهية و ما يخيله من الأمور الخارقة للعادة من إحياء الموتى و غير ذلك مما ثبتت الروايات بنقله و جعل ذلك آيات له على صدق دعواه و هي مسألة في غاية الإشكال لأنها تقدح فيما قرره أهل الكلام في العلم بالنبوات فيبطل بهذه الفتنة كل دليل قرروه و أي فتنة أعظم من فتنة تقدح في الدليل الذي أوجب السعادة للعباد فالله يجعلنا من أهل الكشف و الوجود و يجمع لنا بين الطرفين المعقول و المشهود و أما فتنة المحيا و الممات ففتنة المحيا ففتنة الدجال و كل ما يفتن الإنسان عن دينه الذي فيه سعادته و أما الممات فمنها ما يكون في حال النزع و السياق من رؤية الشياطين الذين يتصورون له على صورة ما سلف من آبائه و أقاربه و إخوانه فيقولون له مت نصرانيا أو يهوديا أو مجوسيا أو معطلا ليحولوا بينه و بين الإسلام و منها ما يكون في حال سؤاله في القبر و هي حين يقول الملك له ما تقول في هذا الرجل و يشير إلى النبي صلى الله عليه و سلم فإذا لم ير الميت تعظيم الملك للرسول صلى الله عليه و سلم لأن المراد الفتنة ليتميز الصادق الايمان من الكافر و المرتاب فأما المؤمن يقول هو محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم جاءنا بالبينات و الهدى فآمنا و صدقنا و أما المنافق أو المرتاب و هو الذي يشك في نبوة النبي صلى الله عليه و سلم أنها من عند الله و يجعل ذلك من القوي الروحانية و غيرها ثم يرى عدم تعظيم الملك للرسول بهذا السؤال و هو قولهم ما تقول في هذا الرجل و لم يقولوا ما تقول في رسول الله صلى الله عليه و سلم فيقول المرتاب لو كان لهذا القدر الذي كان يدعيه في رسالته لم يكن هذا الملك يكني عنه بمثل هذه الكناية فيقول عند ذلك لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلت مثل ما قالوه فيشقى بذلك شقاء عظيما لم يكن يتخيله فهذا من فتنة الممات و القبر فاعلم ذلك و قد فرغ التشهد على التقريب و الاختصار
(فصل بل وصل في التسليم من الصلاة)
اختلفوا في التسليم من الصلاة فمنهم من قال بوجوبه و به أقول و منهم من قال ليس بواجب التسليم من الصلاة و اختلف القائلون بوجوبه فمن قائل الواجب من ذلك على المنفرد و الإمام تسليمة واحدة و منهم من قال اثنتين و من قائل إن الإمام يسلم واحدة و المأموم يسلم اثنتين و قد قيل عن صاحب هذا القول إن المأموم يسلم ثلاثا الواحدة للتحليل و الثانية للإمام و الثالثة لمن هو عن يمينه و الذي يقتضيه النظر إذا لم يكن هناك نص يوقف عنده لا في التوقيت و لا في التحجير أن يزاد على الثالثة تسليمة رابعة للمأموم إن كان على يساره أحد و للإمام تسليمتان أو ثلاثة من أجل التحليل إن كان الناس عن يمينه و يساره فإن لم يكن عن يساره أحد فيسلم اثنتين واحدة للتحليل و الثانية لمن هو عن يمينه و الثابت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه كان يسلم تسليمتين و ما في الحديث ما يقتضي أن الخروج من الصلاة يكون بعد التسليم و اعلم أن السلام لا يصح من المصلي إلا أن يكون المصلي في حال صلاته مناجيا ربه غائبا عن كل ما سوى الله من الأكوان و الحاضرين معه فإذا أراد الخروج من الصلاة و الانتقال من تلك الحالة إلى حالة مشاهدة الأكوان و الجماعة سلم عليهم سلام القادم لغيبته عنهم في صلاته عند ربه فإن كان المصلي لم يزل مع الأكوان و الجماعة إن كان في جماعة فكيف يسلم عليهم من هذه حالته فإنه ما برح عندهم فهلا استحيى هذا المصلي حيث يرى بسلامه من صلاته إنه كان عند الله في تلك الحالة فسلام العارف من الصلاة لانتقاله من حال إلى حال فيسلم تسليمتين تسليمة على من ينتقل عنه و تسليمة على من قدم عليه إلا أن يكون عند الله في صلاته فلا يسلم على من انتقل عنه لأن الله هو السلام فلا يسلم عليه
(فصل بل وصل فيما يقول الذي يرفع رأسه من الركوع و في الركوع)
يقول العارف الجامع لأكمل الصلوات إذا رفع رأسه من الركوع سمع الله لمن حمده نيابة عن ربه سبحانه و مترجما عنه فإنه من كلام ربه تبارك و تعالى ثم يسكت ثم يقول يرد على نفسه بلسانه اللهم ربنا و لك الحمد و ذلك أنه ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا و لك الحمد فإن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده فلهذا يستحب للمنفرد أن يسكت سكتة يفصل بها بين قوله سمع الله لمن حمده و بين قوله اللهم ربنا و لك الحمد ملء السموات و ملء الأرض و ملء ما بينهما و ملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء و المجد أحق ما قال العبد و كلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت و لا معطي لما منعت و لا ينفع ذا الجد منك الجد كما أنه يقول في حال ركوعه بعد قوله فيه سبحانه ربي العظيم و بحمده ثلاث مرات إن كان منفردا أو مأموما و إن كان إماما فإنه يقولها خمس مرات ليدرك المأموم أنه يقولها ثلاثا ثم يقول بعد هذا التسبيح اللهم لك ركعت و بك آمنت و لك أسلمت خشع لك سمعي و بصري و مخي و عظمي و عصبي اعلم أن العبد إذا ركع فقد أعلمتك أنه في حال برزخي بين القيامو السجود فيقول العارف بعد تسبيحه ربه بالتعظيم كما أوردناه يقول اللهم لك ركعت أي من أجل عزك و علوك في كبريائك خضعت تعظيما لك يقول لقيوميتك التي لا تنبغي إلا لك فإني لما قمت بين يديك لم أقم إلا امتثالا لأمرك حيث قلت وَ قُومُوا لِلَّهِ فقمت و أنا أخضع في ركوعي من خاطر ربما خطر لي في حال قيامي إني قمت لنفسي فاعترف بين يديك بركوعي إني لك ركعت و بك آمنت يقول بسببك أي بتأييدك صدقت لا بحولي و لا بقوتي أي لا حول لي و لا قوة إلا بك إذ كانت القلوب بيدك التي هي محل الايمان و لك أسلمت أي من أجلك كان انقيادي و لولاك ما تغيرت أحوالي معك في عباداتي فإنك الذي شرعت لي ذلك على لسان رسولك فعلا و قولا صلى الله عليه و سلم فصلى و ذكر ثم أمرنا فقال صلوا كما رأيتمونى أصلي و أنت القائل وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى فعلمنا أنه مأمور بأن يأمرنا فذلك أمرك لا أمره فإنك القائل من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله ثم يقول خشع لك سمعي فيما كلمتني به في حال مناجاتي إياك بكلامك ثم يقول و بصري بواو التشريك و ما ثم إلا الخشوع فكأنه يقول و خشع لك بصري حياء منك لعلمي بأنك تراني في حال ركوعي بين يديك فإنك في قبلتي كما أخبرني رسولك صلى الله عليه و سلم فأمرني أن أجعلك مشهودا في صلاتي كأني أراك بل يا ربي و إن مثلت في نفسي إني أراك فما أقدر أن أنكر علمي أنك تراني و ما سبب الحياء مني إلا علمي بأنك تراني لا بأني أراك فإنه لا يعزب عنك مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ وَ لا في الْأَرْضِ يا من يُدْرِكُ الْأَبْصارَ و لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ و يقول و مخي و عظمي و عصبي فإنك جعلت في كل ما ذكرت قوة يكون بها قوام نشأتي و ثبات هيكلي لتحصل نفسي بهذه القوي لبقاء هذه الصورة المكلفة ما أمرتها به أن تحصله من المعرفة بك فربما خطر لمخي و عظمي و عصبي الموصوفين بالخشوع لك لما كانت أسبابا لما ذكرناه فيدركها لذلك عجب و زهو فوجب على كل واحدة من هؤلاء أن يخشع لك بتبريه من الحول و القوة في السببية بأنك أنت الذي تحفظ على قوام نشأتي لتحصيل معارفي فإذا رفع العارف رأسه من الركوع يقول نيابة عن ربه سمع نفسه خطاب ربه سمع الله لمن حمده في قوله في حال ركوعه سبحان ربي العظيم و كل حمد و ثناء حمده به و أثنى عليه به من أول شروعه في صلاته ثم يرد بربه على ربه بحضور نفسه من كونها بربه بتأييده إياها في حولها و قوتها فيقول اللهم ربنا فيحذف حرف النداء لأن المصلي في حال قرب و النداء يؤذن بالبعد و أبقى المنادي و هو لبقاء نفسه في جواب ربه فيقول لك الحمد أي الثناء التام بما هو لك و منك فلا حامد و لا محمود إلا أنت و لك عواقب كل مثن في العالم و كل مثنى عليه و هو قوله ملء السموات و ملء الأرض و ملء ما بينهما و ملء ما شئت من شيء بعد يقول كل جزء من العالم العلوي و السفلي و ما بينهما و ما في الإمكان من الممكنات مما توجده و يبقى في العدم عينا ثابتة كل جزء منه معلوم بحكم الوجود و التقدير له ثناء خاص عليك من حيث عينه و إفراده و جمعه بغيره في قليل الجمع و كثيره أحمدك بلسانه و بلسان كل حامد من حمدك لنفسك و حمد من سواك لك فيكون لهذا الحامد بهذه الألسنة جميع ما يستدعيه من التجلي الإلهي و من الأجور المحسوسة لأجل طبيعته و تركيبه فإنه حمده لسانا و قلبا ظاهرا و باطنا و قوله أحق ما قال العبد أي أوجب ما يقوله عبد مثلي و لي أمثال لسيد مثلك و لا مثل لك و كلنا لك عبد يقول أنوب عن أمثالي و هم جميع الممكنات موجودها و معدومها ممن يقول بك في علمه عن حضور و ممن يقول بنفسه عن غيبة فأنوب عنهم في حمدك لمعرفتي بك التي منحتني و جهلهم بما ينبغي لجلالك لا مانع لما أعطيت من الاستعداد لقبول تجل مخصوص و علوم مخصوصة و لا معطي لما منعت و إذا لم تعط استعدادا عاما فما ثم سيد غيرك يعطي ما لم تعطه أنت و لا ينفع ذا الجد منك الجد أي من كان له حظ في الدنيا من سلطان و جاه و مال و تحكم بغيرك في علمه لا في نفس الأمر لم ينفعه ذلك عندك في الآخرة عند كشف الغطاء
(فصل بل وصل في السجود في الصلاة)
فإذا سجد و سبح بربه الأعلى و بحمده كما تقدم يقول في سجوده بعد تسبيحه اللهم لك سجدت و بك آمنت و لك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه و شق سمعه و بصره فَتَبارَكَ الله أَحْسَنُ الْخالِقِينَ اللهم اجعل في قلبي نورا و في سمعي نورا و في بصري نورا و عن يميني نورا و عن شمالي نورا و أمامي نورا و خلفي نورا و فوقي نورا و تحتي نورا و اجعل لي نورا و اجعلني نورا يقول العارف سجد وجهي أي حقيقتي فإن وجه الشيء حقيقته للذي خلقه أي قدره من اسمهالمدبر و أوجده من اسمه القادر البارئ المصور و شق سمعه بما أسمعه في كُنْ و أخذ الميثاق ثم التكليف و بصره بما أدركه ليعتبر في المبصرات فإن ذلك في حق هذه النشأة و أمثالها كما فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ و فتقهما بعد رتقهما ليتميزا فيظهر المؤثر و المؤثر فيه لوجود التكوين فَتَبارَكَ الله أَحْسَنُ الْخالِقِينَ إثباتا للأعيان ليصح قوله لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ثم دعا بالنور في كل عضو نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الذي مثله بالمصباح في الزجاجة مقام الصفا في المشكاة مقام الستر من الأهواء فلم تصبه مقالات القائلين فيه بأفكارهم الموقد بالزيت المضيء بالمقاربة و هو حكم الإمداد من الشجرة و هي الممد لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ في مقام الاعتدال لا تميل عن عرض إلى شرق فيحاط بها علما و لا إلى غرب فلا تعلم رتبتها نُورٌ عَلى نُورٍ وجود على وجود وجود جود عيني على وجود مفتقر ثم دعا بجعل النور في كل عضو و النفور هو النور و كل عضو فله دعوى بما خلقه الله عليه من القوة التي ركبها فيه و فطره عليها و لما علم ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم دعا أن يجعل الله فيه علما و هدى منفر الظلمة دعوى كل مدع من عالمه هذا ربط هذا الدعاء و آخر ما قال اجعلني نورا يقول اجعلني أنت فإنه نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ فهناك قال الحق تعالى كنت سمعه و بصره و رجله و يده و لسانه عند ما يسمع و يبصر و يتكلم و يبطش و يسعى يقول اجعلني نورا يهتدي بي كل من رآني في ظلمات بر ظاهره و بحر نفسه و باطنه فأعطاه القرآن و أعطانا الفهم فيه فإن هذه المنحة من أعلى المنح في رتبة هي أسنى المراتب و معناه غيبني عني و كن أنت بوجودي فيرى بصري كل شيء بك و يسمع سمعي كل مسموع بك فإن نور كل عضو إدراكه و هكذا جميع ما فصله و لكن بنور يقع به التمييز بين الأنوار و لذلك نكره في كل عضو و في نفسه و ذاته فيتميز نور الشمال من نور اليمين و نور الفوق من نور التحت و كذلك أنوار القوي و الجوارح ثم أقمني بعد هذا في عين الجمع و الوجود فتتحد الأنوار بأحدية العين فإن لم أكن هناك فبجعلك إياي نورا و إن كنت هناك فبجعلك في نورا أهتدى به في ظلمات كوني
(فصل بل وصل فيما يقول المصلي بين السجدتين في الصلاة من الدعاء)
يقول المصلي إذا جلس بين السجدتين في الصلاة اللهم اغفر لي و ارحمني و ارزقني و اجبرني و اهدني و عافني و اعف عني يقول العارف استرني و استر من أجلي استرني من المخالفات حتى لا تعرف مكاني فتقصدني نفسك عني إذ قد قلت إن سبحاتك محرقة أعيان كل موصوف بالوجود و إن كان وجودك و لكن كما أثر في الممكن صفة الوجود و لم يكن بالوجود موصوفا كذلك أثر نسبته إلى الممكن إن قيل فيه بوجود و إن كان مقيدا بالحدوث حادث و لكن الحضرة الإلهية موصوفة بالغيرة على وجودها من أجل دعوى هذا المدعي فلو لم تصدر منه الدعوى لما تسلط عليه فلا بد إذا ارتفعت الحجب أن تحرق سبحات ما أدركه البصر من الخلق يعني الطبيعي فإن عالم الأمر أنوار قلما يحترق بل يندرج في النور الأعظم فإن عالم الأمر ما عنده دعوى فيحترق عالم الخلق فيصير رمادا فما ألحقه بالعدم فبقي رمادا لا عودي له فاذن ما أعدمت سوى الدعوى بإحالة العين التي أعطى استعدادها الدعوى إلى عين ما لها دعوى و قوله و ارحمني برحمة الوجوب التي لا تحصل إلا بعد رحمة الامتنان بما أعطيتني من التوفيق لتحصيل رحمة الوجوب حتى أكون كل شيء وسعته رحمتك فيطلب العارف رحمة الامتنان في عين الوجوب بالتوفيق للعمل الصالح الموجب لرحمة الاختصاص فيريد أخذها من عين المنة التي يطلبها إبليس و أشياعه من الجن و الإنس مع وصف هذا العارف بالعصمة و الحفظ عن المخالفة و الخذلان الموجب للحرمان ثم يقول و ارزقني يعني من غذاء المعارف الذي يحيا به قلبي كما رزقتني من غذاء الجسوم بما أبقيت به جسدي الطبيعي و هيكلي ثم يقول و اجبرني الجبر لا يكون إلا بعد كسر و هو المهيض في اللسان و المهيض هو المكسور بعد جبر و هو كسر العارفين فإن العبد مكسور في الأصل بإمكانه فجبره إنما هو بأن ألحقه بالوجوب و لكن بغيره فلما أوجده بهذا الجبر كسرته المعرفة بنفسه و بربه فردته إلى إمكانه فهذا كسر بعد جبر و الجبر لا يكون إلا عن كسر فلهذا قلنا هو المهيض في اللسان كما أيضا يقول و اجبرني يعني أوقفني على جبري في اختياري فإن العبد مجبور في اختياره وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله رَبُّ الْعالَمِينَ يقول الله أنا مع المنكسرة قلوبهم من أجلي ثم يقول و اهدني بين لي ما نتقي و وفقني للبيان في الترجمة عنك لعبادتك بما تهبني من جوامع الكلم ليصح ورثي من رسولكصلى الله عليه و سلم فإنه قال صلى الله عليه و سلم أعطيت شيئا لم يعطهن نبي قبلي و ذكر منها فقال و أوتيت جوامع الكلم ثم يقول و عافني من أمراض القلوب التي هي أغراضها لا من أمراض الجسوم فإنك في غاية القرب عند من أمرضت جسمه فإنك قلت لي في الخبر الصحيح الذي بلغه إلى رسولك صلى الله عليه و سلم عنك أنك قلت مرضت فلم تعدني فأقول لك و كيف تمرض و أنت رب العالمين فقال صلى الله عليه و سلم إنك تقول مجيبا لي إن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما أنك لوعدته لوجدتني عنده و من أنت عنده سبحانك فما شقي و ما أمرضت عبدك إلا لتعوده و تكون عنده فمن أراد أن يجدك فليعد المرضى سبحانك تسبيحا لا ينبغي إلا لك ثم يقول و اعف عني يقول كثر خيرك لي و قلل بلاءك عني أي قلل ما ينبغي أن يقلل و كثر ما ينبغي أن يكثر و ليس إلا عفوك عن خطيئتي التي طلبت منك أن تسترني عنها حتى لا تصيبني فاتصف بها و العفو من الأضداد يطلق بإزاء الكثرة و القلة فتب عني يا رب فإني لا أستطيع التحرك إلى ما أمرتني بعمله لزمانتي مع إرادة التحرك
(فصل بل وصل في القنوت في الصلاة)
اختلفوا في القنوت فمن قائل إنه مستحب في صلاة الصبح و من قائل إنه سنة و من قائل إنه لا يجوز القنوت في صلاة الصبح و إنما موضعه الوتر و من قائل يقنت في كل صلاة و من قائل لا قنوت إلا في رمضان و من قائل لا قنوت إلا في النصف الآخر من رمضان و من قائل في النصف الأول من رمضان و هو دعاء يدعو به المصلي و منهم من يراه قبل الركوع و منهم من يراه بعد الركوع و من الناس من لا يرى القنوت إلا في حال الشدة و به أقول و هو مستحب عندي و قد روى في صفة قنوت الوتر دعاء خاص و قد روى في قنوت الصبح دعاء خاص لم يثبت فليدع من يرى القنوت بأي شيء شاء بحسب حاله غير أنه يجتنب السب و اللعنة في القنوت و ليدع بخير الدنيا و الآخرة و ما يزلف عند الله مثل ما ثبت في قنوت الوتر من قوله صلى الله عليه و سلم اللهم اهدني فيمن هديت و عافني فيمن عافيت و تولني فيمن توليت و بارك لي فيما أعطيت و قني شر ما قضيت إنك تقضي و لا يقضى عليك و أنه لا يذل من واليت و لا يضل من هديت تباركت و تعاليت فهذا تعليم من النبي صلى الله عليه و سلم كيف ندعو الله في قنوتنا و في كل دعاء فالعارف ينظر فيما علم إن يدعو به أو بما يشبهه فهو يطلب من الله أن يهديه فيمن هداه فإن وقف مع صفة اللفظ فهو يطلب في المستقبل أن يكون في الماضين و المستقبل لا يكون في الماضي إلا أن يجمعهما وجه فينظر العارف فيجد أن الجامع بين الماضي و المستقبل إنما هو العدم إذ كان الوجود لا يصح إلا للحال و الوجود لا يكون إلا لله فإن وجود الحال وجود ذاتي لا يصح فيه العدم و له الدوام و بهذا وصفه أهل العربية فقالوا في تقسيم الأفعال إن فعل الحال يسمى الدائم و هو موجود بين طرفي عدم لا يمكن فيهما وجود أصلا و هو الماضي و المستقبل و هو عين العبد فهو الموصوف بالعدم فقيده بالماضي و هو العدم و بالمستقبل و هو عدم فاهدني للمستقبل و هديت للماضي و العدم لا يقع فيه تمييز فلهذا شرع له أن يقول اهدني فيمن هديت و أمثاله فإذا حصلت الهداية و هي عين وجود الحال و الحال ظرف محقق و لهذا جاء بقي فقال فيمن و العدم لا يكون ظرفا لأن المعدوم لا شيء و العدم عبارة عن لا شيء و لا شيء لا يكون ظرفا لغير شيء فالمفهوم من قوله اهدني فيمن هديت و أمثاله بقوة ما تعطيه في أي إذا كسوتني وجود الهداية و التولي و ما وقع السؤال فيه فليكن في الحال الذي له الدوام فلا يوصف بالماضي فيلحق بالعدم و لا بالمستقبل و لا يكون له وجود و الحق منزه عن التقييد في أفعاله بالزمان و العبد الذي هو المخلوق في الماضي موصوف بليس و في المستقبل موصوف بليس و في حال اتصافه بالوجود من حيث ذاته موصوف بليس فكما إن ليس له حقيقة لا ينفك عنها بل هي عينه كذلك أيس الذي هو الوجود هو للحق سبحانه حقيقة لا يوصف بنقيضه بل الوجود عينه و إن سلب عن نفسه الفعل و أضافه إلى السبب فإن ذلك غير مؤثر في وجوده للحق لما تحققنا من أن العبد عدم و العدم لا ينسب إليه شيء و في ذلك قلنا
يقول الله على لسان فرعون أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى و هو سبحانه الأعلى حقيقة فإن الله هو ربنا الأعلى فَأَخَذَهُ الله نَكالَ الْآخِرَةِ وَ الْأُولى إِنَّ في ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى العبرة في ذلك للعالم فإن الله وصف العلماء بالخشية فقال إِنَّما يَخْشَى الله من عِبادِهِ الْعُلَماءُ فيعتبر العالم كما أخبر الله من أين أخذ فرعون و هذه صفة الحق ظهرت بلسان فرعون فعلم أنه ما قالها نيابة عن الحق كما يقول المصلي سمع الله لمن حمده فلما غاب عن النيابة في ذلك القول طلبت الصفة موصوفها فرجعت إلى الحق جل جلاله و بقي فرعون معرى عنها على أنه ما لبسها قط عند نفسه فإن الله قد طبع عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ أن يدخله كبرياء إذ لا ينبغي ذلك الوصف إلا لمن لا يتقيد فهو الأعلى عن التقييد فكان الجزاء لفرعون لغيبته عن هذا المقام أن أخذه الله نَكالَ الْآخِرَةِ وَ الْأُولى أي أوقفه على تقييده أنه ليس له هذا الوصف فالأولى للماضي و هي كلمة ما عَلِمْتُ لَكُمْ من إِلهٍ غَيْرِي و الآخرة للمستقبل و هي كلمة أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى و هما عندنا إن الله أخذه نَكالَ الْآخِرَةِ وَ الْأُولى في الأولى فاطلع بما أعلمه الله في أخذه ذلك عن الإطلاق الذي ادعاه بالتقييد الذي هو النكال فإن النكل في اللسان هو القيد و لما رأينا الله قد عبر بالنكال عرفنا إن النقيض هو الذي سلبه و هو الإطلاق ففي موطن يقول سبحانه ادعوني و في موطن يعرفنا بأنه قد قضى القضية و ما يبدل القول لديه و ما سبق العلم به فهو كائن و لا ينجي حذر من قدر و في ذلك قلت بيتين فيهما رمز حسن و هما
فينبغي للعبد إذا قرأ القرآن أو تكلم بما تكلم به أو كلمه غيره أو سمع من سمع بأي لسان كان يتكلم فإنه ليس في العالم صمت أصلا فإن الصمت عدم و الكلام على الدوام إذ فائدة الكلام الإفهام بالمقاصد للسامعين و الأحوال مفهمة و هي الكلام و لا يخلو موجود أن يكون على حال ما فحاله هو عين كلامه لأنه المفهم الذي ينظر إليه ما هو عليه في وقته فلا لسان أفصح من لسان الأحوال و قرائن الأحوال تفيد العلوم التي تجيء بطريق العبارات و العبارات من جملة الأحوال عندنا فانطلق في الاصطلاح اسم الكلام على العبارات و العارفون بالله عندهم الوجود كله كلمات الله لا تنفد أبدا فافهم ما ينبغي للعبد أن يعرف من ذلك إذا سمع كلاما أو تكلم هو أن يفرق ما بين ما هو العبد فيه نائب عن الله و ما هو الله فيه مترجم عن العبد و يميز ذلك بالصفة فإن الصفة تطلب موصوفها فإنه لا يقبلها إلا من هي له فإذا تضمن الكلام صفة لا تنبغي إلا للعبد فالعبد صاحبها و إن وصف الحق بها نفسه و إذا تضمن الكلام صفة لا تنبغي إلا لله فالله صاحبها و إن وصف العبد بها نفسه فهكذا تعتبر الكلام كله ممن وقع سواء كان بالعبارات أو بالأحوال فهذا معنى قوله إِنَّ في ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى و هو العالم و قوله في ذا إشارة إلى ما تقدم في القصة و الذي تقدم في القصة قوله أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى و أخذ الله له نكال الآخرة و الأولى أي هذه الدعوى أوجبت هذا الأخذ و إن الصفة طلبت موصوفها و هو الله و بقي فرعون عريا عنها فلم يكن له من يحميه عن الأخذ يقول الله عن نفسه جعت فلم تطعمني نيابة عن عبد جاع فلم تطعمه فطلبت الصفة موصوفها و هو العبد فهكذا فهم العارفون الحقائق
(فصول بل وصول في أفعال الصلاة)
(فصل بل وصل في رفع الأيدي في الصلاة)
اختلف العلماء في رفع الأيدي في الصلاة أعني في حكمها و في المواضع التي يرفعها فيها و في حد الرفع فيها إلى أين ينتهي بها فأما الحكم فمن قائل إن رفع اليدين سنة في الصلاة و من قائل إنه فرض و هؤلاء انقسموا أقساما فمنهم من أوجب ذلك في تكبيرة الإحرام فقط و منهم من أوجب ذلك في الاستفتاح و عند الانحطاط إلى الركوع و عند الرفع من الركوع و منهم من أوجب ذلك في هذين الموضعين و عند السجود و أما المواضع التي ترفع فيها الأيدي في الصلاة فمن قائل عند تكبيرة الإحرام فقط و من قائل عند تكبيرة الإحرام و عند الركوع و عند الرفع من الركوع و من قائل يرفعها عند السجود و عند الرفع من السجود و هو حديث وائل بن حجر و من قائل إذا قام من الركعتين و هو رواية مالك بن الحويرث عن النبي صلى الله عليه و سلم و أما أنا فرأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم في رؤيا مبشرة فأمرني أن أرفع يدي في الصلاة عند تكبيرة الإحرام و عند الركوع و عند الرفع من الركوع و أما الحد الذي ترفع إليه اليدان فمن قائل إلى المنكبين و من قائل إلى الأذنين و من قائل إلى الصدر و لكل قائل حديث مروي أثبتها إلى المنكبين و حديث الأذنين أثبت من حديث الصدر و الذي أذهب إليه في هذه المسألة أن الأحاديث المروية في ذلك إنما هي في حكاية فعله صلى الله عليه و سلم ما روى أنه أمر بذلك و قد قال صلوا كما رأيتمونى أصلي و معلوم أن الصلاة تحوي على فرائض و سنن فلا يفهم من هذا الحديث أن أفعال الصلاة فرض جميعها لمعارضة الإجماع لهذا المفهوم فلنصلها و نرفع أيدينا في علم الشارع من غير تعيين فرض أو سنة كما أحرم علي بن أبي طالب بإحرام النبي صلى الله عليه و سلم حين لم يعلم بما أحرم و أقره على ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم و ما أنكر عليه فنرفع أيدينا في الصلاة على حكم الشرع فيها فنقبلها على ذلك الحكم و أما الحد فمذهبي فيه أنه بفعله يقتضي التخيير فإن الأحاديث وردت بحدود مختلفة فعلية فآية حالة فعل المصلي أجزأته فرضا كان أو سنة و الأولى الرفع إلى الأذنين و لكن ينبغي أن يكون رفعهما على الصدر إلى حذو المنكبين إلى الأذنين فيجمع بين الثلاثة الأحوال و كذلك المواضع تعمها كلها عند تكبيرة الإحرام و عند الركوع و عند الرفع من الركوع و عند السجود و عند الرفع من السجود و عند القيام من الركعتين فإن ذلك لا يضره فإنه قد ورد و ما ورد أن ذلك يبطل الصلاة فما ورد ما يعارض ذلك و غاية المفهوم من حديث ابن مسعود و البراء بن عازب أنه كان عليه السلام يرفع يديه عند الإحرام مرة واحدة لا يزيد عليها أي أنه رفع مرة واحدة لم يصنع ذلك مرتين عند الإحرام و يحتمل أن يريدا بقولهما لا يزيد عليها أي لا يرفعهما مرة أخرى في باقي الصلاة فما هو نص و قد ثبتت الزيادة برفعه عند الركوع و عند الرفع منه و غير ذلك و الزيادة من العدل الثقة مقبولة فالأولى رفعهما في جميع المواطن التي جاءت الرواية بالرفع فيها و أما اعتبار العارف في ذلك فإن رفع الأيدي يؤذن بأن الذي حصل فيها قد سقط عند رفعها فكان الحق يقول له معلما إذا وقفت بين يدي فقف فقيرا محتاجا لا تملك شيئا و كل شيء ملكتك إياه فارم به وقف صفر اليدين و اجعله خلف ظهرك فإني في قبلتك و لهذا يستقبل بكفيه قبلته قائمة ليعلم أنه صفر اليدين مما كان فيهما ثم إنه إذا حطهما رجعت بطون الأكف تنظر إلى خلف و هو موضع ما رمته من يدها ثم إن الله يعطيه في كل حال من الأحوال أحوال الصلاة ما يقتضيه جزاء ذلك الفعل فإذا ملكه تركه و أعلم الحق برفع يديه أنه قد تركه في الموضع الذي ينبغي له أن يتركه و قد توجه طالبا فقيرا صفر اليدين إلى الوهب الإلهي فيعطيه أيضا فيرفع يديه و هي خالية هكذا في جميع المواطن التي علمه رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يرفع فيها يديه و قد يرفعها من باب الحول و القوة إذ كانت محل القدرة الأيدي فيرفع يديه إلى الله معترفا أن الاقتدار لك لا لي و أن يدي خالية من الاقتدار فمن رفعها إلى الصدر اعتبر كون الحق في قبلته و من رفعها إلى الأذنين اعتبر كون الحق فوقه من قوله وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ في كل خفض و رفع يفعل ذلك يقول بذلك الرفع من يديه أن لا حول لي و لا قوة في كل خفض و رفع و أن القوة لك لا إله إلا أنت انتهى الجزء التاسع و الثلاثون
(فصل بل وصل في الركوع و في الاعتدال من الركوع)
اختلف العلماء في الركوع و في الاعتدال من الركوع فمن قائل إنه غير واجب و من قائل بوجوبه (الاعتبار) في ذلك الخضوع واجب في كل حال إلى الله تعالى باطنا و ظاهرا فإذا اتفق أن يقام العبد في موطن يكون الأولى فيه ظهور عزة الايمان و جبروته و عظمته لعز المؤمن و عظمته و جبروته فيظهر في المؤمن من الأنفة و الجبروت ما يناقض الخضوع ففي ذلك الموطن لا يكون الخضوع واجبا بل ربما الأولى إظهار صفة ما يقتضيه ذلك الموطن قال تعالى فَبِما رَحْمَةٍ من الله لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا من حَوْلِكَ هذا موطن يجب أن تكون المعاملة فيه كما ذكر و قال في الموطن الآخر يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَ الْمُنافِقِينَ وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ فهو من باب إظهار عزة الايمان بعز المؤمن و ثبت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال في غزوة و قد تراءى الجمعان من يأخذ هذا السيف بحقه فأخذه أبو دجانة فمشى به بين الصفين خيلاء مظهر الإعجاب و التبختر فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم هذه مشية يبغضها الله و رسوله إلا في هذا الموطن فإذا علمت إن للمواطن أحكاما فافعل بمقتضاها تكن حكيما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال للرجل الذي علمه فروض الصلاة اركع حتى تطمئن راكعا و ارفع حتى تطمئن واقفا فالواجب اعتقاد كونه فرضا
(فصل بل وصل في هيأة الجلوس)
فمن قائل يفضي بأليتيه إلى الأرض و ينصب رجله اليمنى و يثني اليسرى و الرجل و المرأة في ذلك على السواء و قال آخرون ينصب الرجل اليمنى و يقعد على اليسرى و فرق آخرون بين الجلسة الوسطى و الآخرة فقال في الوسطى ينصب اليمنى و يقعد على اليسرى و قال في الجلسة الآخرة يفضي بأليته إلى الأرض و ينصب رجله اليمنى و يثني اليسرى و كل قائل له مستند إلى حديث فما فعل من ذلك أجزأه (الاعتبار في ذلك) الجلوس في الصلاة جلوس العبد بين يدي السيد و ليس له أن يجلس إلا أن يأمره سيده و قد أمر المصلي بالجلوس في الصلاة و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إنما أنا عبد أجلس كما يجلس العبد فأحسن الحالات في الجلوس في الصلاة هو الجلوس الذي يكون فيه أقرب إلى الوقوف بين يدي سيده هذا إذا كان حال العارف حال ما ينبغي أن يكون عليه العبد من حيث ما هو عبد و إن كان العارف في محل النظر في أصل معرفته بنفسه ليعرف ربه فالأولى في جلوسه أن يفضي بأليته إلى الأرض في آخر جلوسه و لا بد فإنه أقرب إلى النظر في ذاته بخلاف الجلسة الوسطى فإن جلوسه فيها عارض عرض له من الحق أجلسه أي رده في النظر إلى نفسه لمعرفة يريد تحصيلها فيكون كالمستوفز لأنه مدعو إلى الوقوف و هي الركعة الثالثة و الطمأنينة في الركوع و السجود و أحوال الانتقالات كلها في أحوال الصلاة المراد بها الثبات لتحقيق ما يتجلى له فيها لأنه إذا أسرع بأدنى ما ينطلق عليه اسم راكع يفوته علم كبير لا يناله إلا من ثبت فلهذا أمر بالطمأنينة في هذه المواطن فإن العجلة من الشيطان إلا في خمس و هي مذكورة في بابها فالمسارعة إلى الخيرات مشروع يعد الثبات و الاطمئنان في الخير الذي أنت فيه فلا مناقضة بين الطمأنينة و المسارعة
(فصل بل وصل في الجلسة الوسطى و الأخيرة)
اختلف العلماء في الجلسة الوسطى و الاخيرة فقائل في الوسطى إنها سنة و ليست بفرض و شذ قوم فقالوا إنها فرض و الأصل الذي أعتمد عليه في أفعال الصلاة كلها أن لا تحمل أفعاله صلى الله عليه و سلم على الوجوب حتى يدل الدليل على ذلك و أما الجلسة الاخيرة فبعكس الوسطى و الأكثرون إنها فرض و شذ قوم فقالوا إنها ليست بفرض و من قائل إن الجلستين سنة و هو أضعف الأقوال و بقي الجلوس في وتر من الصلاة يذكر بعد هذا إن شاء الله في فصله (الاعتبار في ذلك) أما الجلسة الوسطى فإنها كما قلنا عارض عرض لأجل القيام بعدها إلى الركعة الثالثة و العارض لا يتنزل منزلة الفرض و لهذا سجد من سها عنه و فرق بينه و بين الركن إذا فإنه و لم يقترن بالجلسة الوسطى أمر فيحمل على الوجوب و إنما هو أمر عارض عرض للمصلي في مناجاته من التجليات البرزخيات دعاه أن يسلم عليه لما شرع فيه من التحيات فلما رأى أن ذلك المقام يدعوه إلى التحية تعين عليه إن يجلس له كما يفرض عليه في الجلسة الآخرة التي هي فرض و الحكمة في ذلك المشهودة إن أصل الصلاة يقتضي الشفعية للقسمة المذكورة فيها بين الله و بين العبد فأقلها ركعتان إلا الوتر فإن له خصوص وصف أذكره في الوتر إذا جاء إن شاء الله و لما ثبت عين الشفع بوجود الركعتين فتميز الرب من العبد فقد حصل المقصود فلا بد من الجلوس كما يكون في صلاة الصبح و في الصلاة الليلية مثنى مثنى و في صلاة السفر و قول الراوي في أول فرض الصلاة إنها فرضت ركعتين ثم زيد في صلاة الحضر و أقرت في السفر على الأصل فلما عرض لهذا الشفع في الصلاة الثلاثية و الرباعية إن الشيئين إذا تألفا صح على كل واحد منهما اسم الشيئين و من الناس من قال كانا شيئا واحدا و قد تألف بوجود الركعتين الأوليين نسبة شيئية الصلاة للعبد و نفي نسبة شيئية الصلاة للربفإنه قال عن نفسه إنه يصلي علينا فكانت الركعتان في الرباعية لهذا و لما أراد أن يفصل بين الشيئيتين الأوليين و الأخريين ليتميزا فصل بينهما بالجلسة و هذا هو العارض الذي عرض له حتى جلس فإن فاته سجد له و لم يأت به كما يأتي بالركن إذا فاته و أما وقوع الجلوس بعد الثنتين في المغرب فلأمر آخر خلاف هذا و ما هي بجلسة وسطي لأنه ليس بعدها ركعتان فهي في الثلثين و في الرباعية في النصف و ذلك أن ينبه بأن الشيئين إذا تألفا كانا شيئا واحدا فذلك الواحد هو عين الركعة الثالثة من المغرب يشير بأن هاتين الركعتين المقسمتين بين عبد و رب هي في المعنى واحدة لأن المعنى الواحد يتضمن الثاني من جميع وجوهه و ليس الآخر كذلك لأن الآخر يتضمنه من وجه و لا يتضمنه من وجه فمن الوجه الذي يتضمنه ظهرت للرباعية ركعتان بعد الجلسة الوسطى الركعة الواحدة للواحد لتضمنه معنى الآخر و الأخرى للآخر لتضمنه معنى الأول و يبقى الوجه الواحد الذي لا أخ له بمنزلة الوتر الذي زادنا الله إلى صلاتنا و هو ركعة واحدة لا ثاني لها و هو الوجه الذي ينفرد به الحق عنا من حيث ذاته و صورة ذلك في المعارف أن العبد يطلب الواجب الوجود لنفسه لأنه ممكن فلا بد له من مرجح فالعبد يتضمن الرب بوجوده بلا شك فركعة المغرب اكتفى بها لأنها تتضمن الثانية و وجود الواجب لنفسه له وجه لتضمن الممكن و هو وجه كونه إلها قادرا مريدا فقد تكون ركعة المغرب إلهية من هذا الوجه و له سبحانه وجه أيضا إلى نفسه لا يتضمن وجود الممكن جملة واحدة و هو الغني الذي له على الإطلاق فهو بالنظر إليه سبحانه لا يلزم من النظر فيه من حكم ذاته وجود العالم و لا بد إلا أن ننظر فيه من حيث ما يطلبه الممكن فتظهر النسب عند ذلك و كونه قادرا فيطلب المقدور و مريدا فيطلب المراد فالوتر المفروض المراد له هو الوجه الذي للحق من حيث ما لا يطلب الأكوان و لا تطلبه الأكوان إذا لم ننظر في ذواتها قال الله عز و جل فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ و العالمون هنا هو الدلالات على الله فهو يقول في هذه الآية إنه غني عن الدلالات عليه فرفع إن يكون بينه و بين العالم نسبة و وجه يربطه بالعالم من حيث ذلك الوجه الذي هو منه غني عن العالمين و هو الذي تسميه أهل النظر وجه الدليل يقول الحق ما ثم دليل علي فيكون له وجه يربطني به فأكون مقيدا به و أنا الغني العزيز الذي لا تقيدني الوجوه و لا تدل على أدلة المحدثات فدليل الحق على الحق وجود الحق في عين وجود الممكن للممكن من حيث ما هو وجوده وجود عين الحق لا من حيث إنه موجود عن الحق أو مفتقر إلى الحق فإن الممكن لا يفتقر إلا لأمر ممكن يعني أنه يمكن أن يحصل له و يمكن أن لا يحصل و الافتقار إلى الممكن من الممكن محال و الافتقار إلى الواجب بنفسه من الممكن في غير ممكن محال فلا افتقار لممكن و لا لواجب أصلا فالواجب الوجود غني على الإطلاق و الممكن ليس بفقير لممكن على الإطلاق و لا لغير ممكن فإن تحصيل ما ليس بممكن لممكن محال فالحق لا يحصل منه في العبد شيء و لا للعبد منه شيء فالظاهر من الممكنات و أعيانها وجود الحق و الممكنات باقية على أصلها من الإمكان لا تبرح أبدا فمعنى الاستفادة هي دلالة الحق بوجوده عليها لا دلالتها عليه فإنها لا تدل عليه أبدا فالناظر في هذه المسألة يتوهم أن الكون دليل على الله لكونه ينظر في نفسه فيستدل و ما علم إن كونه ينظر راجع إلى حكم كونه متصفا بالوجود فالوجود هو الناظر و هو الحق فلو لم تتصف ذاته بالوجود فبما ذا كان ينظر فما نظر إلا الحق في الحق فانتج له الحق نفسه فقال عرفت الله بالله و هو مذهب الجماعة إذا ضربت الواحد في الواحد كان الخارج واحدا فافهم
(فصل بل وصل في التكتيف في الصلاة)
اختلف العلماء في وضع إحدى اليدين على الأخرى في الصلاة فكرهها قوم في الفرض و أجازها في النفل و رأى قوم أنها من سنن الصلاة و هذا الفعل مروي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم كما روى في صفة صلاته أيضا أنه لم يفعل ذلك و قد ثبت أيضا أن الناس كانوا يؤمرون بذلك (اعتبار ذلك عند أهل الله) تختلف أحوال المصلي بين يدي ربه عز و جل في قيامه بحسب اختلاف ما يناجيه به فإن اقتضى ما يناجيه به التكتيف تكتف و إن اقتضى السدل و هو إرسال اليدين أرسلهما كما أنه إذا اقتضت الآية الاستغفار استغفر و إذا اقتضت الدعاء سأل و إذا اقتضت تعظيم الجناب العالي عظم و إذا اقتضت السرور سر و إذا اقتضت الخشوع خشع فهو بحسبما يناجيه به فلذلك ما ينبغي أن يقيد المصلي في مناجاته بصفة خاصة و لهذا قال بالتخيير في هذه المسألة من قال و كل هذه الهيئات جائزة و حسنة
(فصل بل وصل في الانتهاض من وتر صلاته)
ذهبت طائفة أن المصلي إذا كان في وتر من صلاته أن لا ينهض حتى يستوي قاعدا و اختار آخرون أن لا يقعد و إن انتهض من سجوده نفسه (اعتبار أهل الله في ذلك) المصلي بحسب ما يدعوه الحق إليه فإن دعاه و هو في حال سجوده إلى القعود قعد ثم ينهض و إن دعاه إلى النهوض نهض فهو بحسب ما يلقى إليه في نفسه و قد تقدم الكلام في الجلوس في الصلاة قبل هذا فلتجر على ذلك الاعتبار و أما الجلوس بين السجدتين فهو ليجمع في سجوده بين السجود عن قيام و السجود عن قعود فمن السجود عن الجلوس يقف منه على أسرار نزول الحق من العرش الذي استوى عليه سبحانه بالاسم الرحمن إلى السماء الدنيا فيكون العبد في حال جلوسه بين السجدتين يناجي الرحمن من حيث إنه استوى على العرش و في سجوده من جلوسه يناجي الحق بالاسم الرب من حيث نزوله إلى عباده في الثلث الباقي من الليل فيتجلى له من هذه الأحوال ما يكون له به مزيد علوم مما تعطيه ما تتضمنه هذه الأحوال من الذكر و الدعاء و الهيئات كل على حسب شربه
(فصل بل وصل فيما يضع في الأرض إذا هوى إلى السجود)
اختلف الناس فيما يضع المصلي في الأرض إذا هوى إلى السجود هل يضع يديه قبل ركبته أم لا فذهب طائفة إلى وضع اليدين قبل الركبتين و ذهب قوم إلى وضع الركبتين قبل اليدين (اعتبار أهل الله في ذلك) اليدان محل الاقتدار و الركبتان محل الاعتماد فمن اعتمد على ربه مع الاقتدار الذي يجده من نفسه كالحلم مع القدرة قال بوضع الركبتين قبل اليدين و من رأى أن اليدين محل العطاء و الكرم و رأى قوله تعالى فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً قدم اليدين على الركبتين ثم إن المعطي لا يخلو من إحدى حالتين إما أن يعطي و هو صحيح شحيح يخشى الفقر و يأمل الحياة و إما أن يعطي و هو من الثقة بالله و الاعتماد على الله بحيث أن لا يخطر له الفقر و الحاجة ببال لعلمه بأن الله أعلم بمصالحه فمن كانت هذه حالته قدم ركبتيه على يديه و من كانت حركاته الشح يجاهد نفسه خشي الفقر و بذل المجهود من نفسه في العطاء قدم يديه على ركبتيه و الساجد أي حال قدم من هاتين الحالتين فإن الأخرى تحصل له في سجوده و لا بد فمن اعتمد و توكل حصل له صفة الجود و الإيثار و جميع مراتب الكرم و العطاء و من أعطى لله عن جبن و فزع أثمر له ذلك العطاء بهذه الحال التوكل و الاعتماد على الله و الذي رجح الشارع تقديم اليدين
(فصل بل وصل في السجود على سبعة أعظم)
اتفق العلماء رضي الله عنهم على أنه من سجد على الوجه و اليدين و الركبتين و أطراف القدمين فقد تم سجوده و اختلفوا إذا سجد على وجهه و نقصه عضو من تلك الأعضاء هل تبطل صلاته أم لا فمن قائل تبطل و من قائل لا تبطل و لم يختلفوا أن من سجد على جبهته و أنفه فقد سجد على وجهه و اختلفوا فيمن سجد على جبهته دون أنفه أو على أنفه دون جبهته فمن قائل إن من سجد على جبهته دون أنفه جاز و إن سجد على أنفه دون جبهته لم يجز و من قائل إنه يجوز أن يسجد على أنفه دون جبهته و على جبهته دون أنفه و من قائل إنه لا يجوز إلا أن يسجد عليهما معا (و الاعتبار في ذلك) السبع الصفات ترجع إليها جميع الأسماء الإلهية و تتضمنها و هي الحياة و العلم و الإرادة و القدرة و الكلام و السمع و البصر فلو نقص منها صفة أو نسبة على الاختلاف الذي بينا في كونها نسبا أو صفات فقد بطل الجميع أي لم يصح كون الحق إلها و هذا اعتبار الذي لا يجيز الصلاة إلا بالسجود على السبعة الأعضاء فإنها للحضرة الإلهية بمنزلة الأعضاء لهذا الساجد و الذي يقول إن الوجه لا بد منه بالاتفاق كالحياة من هذه الصفات التي هي شرط في وجود ما بقي من الصفات السبع أو النسب على الاختلاف الذي بينا فمن عالم يقول إن السمع و البصر راجعان إلى العلم و إن العلم يغني عنهما و إنهما للعلم مرتبتان عينهما المسموع و المبصر فهما من العلم تعلق خاص قال بجواز الصلاة إذا نقص عضو ما هذه الأعضاء معسجود الوجه كالحياة و لما كانت الحياة تقتضي الشرف و العزة لنفسها على سائر الصفات و الأسماء لكون هذه الصفات في وجودها مشروطة بوجود الحياة و كانت العزة و الحياة مرتبطتين كالشيء الواحد مثل ارتباط الجبهة و الأنف في كونهما عظما واحدا و إن كانت الصورة مختلفة فمن قال إن المقصود الوجه و أدنى ما ينطلق عليه اسم الوجه يقع به الاجتزاء أجاز السجود على الأنف دون الجبهة و على الجبهة دون الأنف كالذي يرى أن الذات هي المطلوبة الجامعة و من نظر إلى صورة الأنف و صورة الجبهة و نظر إلى الأولى باسم الوجه فغلب الجبهة و إن الأنف و إن كان مع الجبهة عظما واحدا لم يجز السجود على الأنف دون الجبهة لأنه ليس بعظم خالص بل هو للعضلية أقرب منه إلى العظمية فتميز عن الجبهة فكانت الجبهة المعتبرة في السجود كذلك الحياة هي المعتبرة في الصفات و إن العزة و إن كانت لها بالإحاطة فإن العلم له الإحاطة أيضا فاشتركا فلم ير للعزة أثرا في هذا الأمر و من قال لا بد أن يكون وجه الحق منيع الحمى عزيزا لا يغالب قال بالسجود على الجبهة و الأنف معا و لما كان الأنف في الحس محل التنفس و التنفس هو الحياة الحيوانية كانت نسبته إلى الحياة أقرب النسب و بوجود هذه السبعة ثم نظام العالم و كان مألوها مربوبا و لم يبق في الإمكان حقيقة إمكانية تطلب أمرا زائدا على هذه السبعة فليس في الإمكان أبدع من هذا العالم لأنه ليس في الوجود أكمل من الحق و كماله في ألوهته بهذه الصفات المنسوبة إليه سبحانه فلو انعدمت صفة واحدة من هذه الصفة أو نسبة لم تصح المرتبة التي أوجدت العالم و لم يكن للعالم وجود و قد وجد فالمرتبة موجودة فالكمال حاصل و الارتباط معقول و لو ارتفع السبب لارتفع المسبب و لو زال المسبب من العقل لم يجد السبب من يظهر فيه أثره فيزول كونه سببا و كونه سببا إنما هو لذاته فينعدم السبب لانعدام المسبب من كونه سببا لا غير لا من حيث العين المنسوب إليها السببية فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ من ذاته و كلامنا إنما هو من كونه إلها فكلامنا في المرتبة لا في العين كما نتكلم في السلطان من كونه سلطانا لا من كونه إنسانا و لا فائدة في الكلام إلا في حقائق المراتب لأن بها يعقل التفاضل بين الأعيان يقول أبو طالب المكي رحمه الله إن الأفلاك تدور بأنفاس العالم و إذا أعطى الأمر ما في قوته بحيث لا يبقى عنده شيء يعطيه هلك من كونه معطيا و المعتبر في بقاء العالم إنما هو عين جوهره الذي أظهرت كونه صورة ما فالصور لا يلزم من انعدام شيء منها انعدام العالم من حيث جوهريته إلا أن لا تكون الصورة أصلا فيعدم العالم من حيث جوهره لانعدام جميع الصور و يتعلق بهذا الباب مسائل من الإلهيات كثيرة
(فصل بل وصل في الإقعاء)
أريد أن أعطى أصلا في هذه المسألة يسرى في جميع مسائل الشرع فنقول إن الشارع إذا أتى بلفظ ما فإنه يحمل ذلك اللفظ على ما هو المفهوم منه بالمصطلح عليه في لغة العرب إلى أن يخصص الشارع ذلك اللفظ بوصف خاص يخرجه بذلك الوصف عن مفهوم اللسان المصطلح عليه فإذا عين الشارع ما أراده بذلك اللفظ صار ذلك الوصف بذلك اللفظ أصلا فمتى ورد اللفظ به من الشارع فإنه يحمل على المفهوم منه في الشرع حتى يدل دليل آخر من الشرع أو من قرائن الأحوال أنه يريد بذلك اللفظ المفهوم منه في اللغة أو أمرا آخر بعينه أيضا هذا مطرد في جميع ما يتلفظ به الشارع و مثاله لفظة الوضوء و الصلاة و الصيام و الحج و الزكاة و أمثال هذا ثم نرجع إلى ما نحن بسبيله فأقول إن الإقعاء المفهوم منه في اللغة إقعاء الكلب و القرد و صفته أن يجلس الرجل على أليتيه يفضي بهما إلى الأرض في الصلاة ناصبا فخذيه فهذه صفة الإقعاء إقعاء الكلب و السبع و لا خلاف اذكر بين العلماء أن هذه الهيئة ليست من صفات الصلاة و قد ورد النهي عن الإقعاء في الصلاة فنحن نحمله على الإقعاء المعروف في اللسان فإن خصصه الشرع بهيئة مخصوصة تخرجه عن المفهوم منه في اللسان منطوق بها وقفنا عندها و نعلم أن تلك الهيئة هي التي نهي عنها فقالت طائفة إن الإقعاء المنهي عنه هو أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين و أن يجلس على صدور قدميه و روى عن ابن عمر أنه كان يفعل ذلك لأنه كان يشتكي قدميه و الثابت عن ابن عمر أن قعود الرجل على صدور قدميه ليس من سنة الصلاة و كان ابن عباس يقول الإقعاء على القدمين في السجود على هذه الصفة هي سنة نبيكم صلى الله عليه و سلم (الاعتبار في ذلك) هيأة الإقعاء هيأة المستوفز المحتفز و هكذا ينبغي أن يكون العبد مع الله في أحواله و لهذا قال ابن عباس الإقعاء سنة نبيكم صلى الله عليه و سلم فإن العبد ينبغيأن يكون على هيأة الاحتفاز من أجل ورود أوامر سيده عليه لا يغفل مراقبا لها حتى إذا وردت عليه وجدته متهيئا لقبول ما جاءته به فسارع إلى امتثالها و لهذه الحالة أثنى على من هذه صفته بقوله تعالى أُولئِكَ يُسارِعُونَ في الْخَيْراتِ وَ هُمْ لَها سابِقُونَ فيهم قال وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ و كل من يطلب المسارعة في الأمور يكون حاله اليقظة و الحضور و الانتباه و الاستيفاز و الاحتفاز فاعلم ذلك فيخرج النهي عن الإقعاء في الصلاة أن لا يفعل من حيث التشبه بالكلاب و السباع في ذلك و ليفعل ذلك من حيث إنه مشروع على الهيئة المعقولة المنقولة في الموطن المنقولة إلينا فإنه من صفة الإقعاء اللغوي أن تكون يداه في الأرض كما يقعى الكلب و ليس هذا في الهيئة المشروعة في الإقعاء فلهذا قد ذكرنا من أفعال الصلاة و أقوالها ما يجري مجرى الأصول لما يتفرع منها
(فصل بل وصل في ذكر الأحوال في الصلاة)
و بعد أن ذكرنا أكثر الأقوال و الأفعال في الصلاة فلننتقل إلى الأحوال مثل صلاة الجماعة و حكمها و شروط الإمامة و من أولى بالتقديم و أحكام الإمام الخاصة به و مقام الإمام من المأموم و أحكامهم الخاصة بهم و ما يتبع المأموم فيه الإمام مما ليس يتبعه فيه و صفة الاتباع و ما يحمله الإمام عن المأموم و الأشياء التي بها إذا فسدت صلاة الإمام تعدت إلى المأموم على حسب ما فصلته الأئمة من علماء الشريعة و اختلاف العلماء في ذلك و نذكر اعتبارات ذلك كله عند العلماء بالله بحسب ما يقتضيه الطريق إلى الله في أعمال القلوب و الأسرار فإن هذا الطريق عند أصحاب الذوق ما هو طريق نقل فلنذكر أولا قبل ذكر هذه الأحوال حديثين مما يتعلق بأقوال الصلاة و أفعالها التي في الفصل قبل هذا فهما كالخاتمة له و إنما جعلتهما في فصل الأحوال لحاجة في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَ إِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ الحديث الواحد في تعليم النبي صلى الله عليه و سلم الصلاة للرجل الذي سأله أن يعلمه كيف يصلي و الحديث الثاني في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم تسليما أما الحديث الأول فهو حديث البخاري عن أبي هريرة و ذكر حديث الرجل الذي دخل المسجد و صلى فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم ارجع فصل فإنك لم تصل فقال الرجل علمني يا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تستوي قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم اجلس حتى تطمئن جالسا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها و له في طريق أخرى ثم ارفع حتى تستوي قائما يعني من السجدة الثانية و قال علي بن عبد العزيز عن رفاعة بن رافع في هذا الحديث إن الرجل قال للنبي صلى الله عليه و سلم لا أدري ما عبت علي فقال النبي صلى الله عليه و سلم إنه لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله و يغسل وجهه و يديه إلى المرفقين و يمسح برأسه و رجليه إلى الكعبين ثم يكبر الله و يحمده و يمجده و يقرأ من القرآن ما أذن الله له فيه و تيسر ثم يكبر و يركع فيضع كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصله و تسترخي ثم يقول سمع الله لمن حمده و يستوي قائما حتى يأخذ كل عظم مأخذه و يقيم صلبه ثم يكبر فيسجد و يمكن وجهه من الأرض حتى تطمئن مفاصله و تسترخي ثم يكبر فيرفع رأسه و يستوي قاعدا على مقعدته و يقيم صلبه فوصف الصلاة هكذا حتى فرغ ثم قال لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك خرجه النسائي و هذا أبين و قال النسائي في طريق آخر عن رفاعة أيضا فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك و إن انتقصت منها شيئا انتقص من صلاتك و لم تذهب كلها و قال في أوله إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد فأقم ثم كبر قال أبو عمر بن عبد البر هذا حديث ثابت الحديث الثاني و أما الحديث الثاني فهو الذي خرجه أبو داود في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم منهم أبو قتادة قال أبو حميد أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم قالوا فلم فو الله ما كنت بأكثرنا له تبعا و لا أقدمنا له صحبة قال بلى قالوا فأعرض قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يكبر حتى بقر كل عظم في موضعه معتدلا ثم يقرأ ثم يكبر و يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يركع و يضع راحتيه على ركبتيه ثم يعتدل فلا ينصب رأسه و لا يقنع ثم يرفع رأسه و يقولسمع الله لمن حمده ثم يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه معتدلا ثم يقول الله أكبر ثم يهوى إلى الأرض فيجافي يديه عن جنبيه ثم يرفع رأسه و يثني رجله اليسرى فيقعد عليها و يفتح أصابع رجليه إذا سجد و يسجد ثم يقول الله أكبر ثم يرفع و يثني رجله اليسرى و يقعد عليها حتى يرجع كل عضو إلى موضعه ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك ثم إذا قام من الركعتين كبر و يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما كبر عند افتتاح الصلاة ثم يصنع ذلك في بقية صلاته حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى و قعد متوركا على شقه الأيسر قالوا صدقت هكذا كان يصلي صلى الله عليه و سلم و قال أبو عيسى محمد بن سورة الترمذي في هذا الحديث كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائما و رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه و قال في الرفع من الركوع اعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه معتدلا و كذلك بين السجدتين و زاد في آخره ثم سلم و قال هذا حديث حسن صحيح و هذا ابتداء فصول الأحوال إن شاء الله نذكرها فصلا فصلا
(فصول الأحوال)
(فصل بل وصل في ذكر ما وقع من الاختلاف في صلاة الجماعة و اختلفوا في صلاة الجماعة هل هي واجبة على من سمع النداء أم ليست بواجبة)
فمن قائل إنها سنة و من قائل إنها فرض على الكفاية و من قائل إنها فرض متعين على كل مكلف (الاعتبار في ذلك) لما شرع الله للمصلي أن يقول إِيَّاكَ نَعْبُدُ بنون الجمع دل على أنه مطلوب بكل جزء منه بالصلاة معا في حال واحد و لهذا سميت التكبيرة الأولى تكبيرة الإحرام أي يحرم على العبد في صلاته أن يتصرف بعضو من أعضائه فيما ليس من الصلاة و كل ما أبيح له من الفعل فيها فهو من الصلاة و لكن لا من صلاة كل مصل إلا لمصل عرض له في صلاته من ذلك شيء ففعله و هي أمور منصوصة عليها و كل فعل يجوز أن يفعل في الصلاة فهو صلاة لأن الشارع عينها فلا تبطل الصلاة بفعل شيء منها فحضور جماعة العبد مع الله تعالى في الصلاة واجب بلا شك فعلى كل عضو من أعضائه في الصلاة صلاة و أقل ما ينطلق عليه اسم الجماعة اثنان يقول الله قسمت الصلاة بيني و بين عبدي نصفين و وصف نفسه بأنه يصلي علينا و قد أدخل نفسه مع العبد في الصلاة و كل يصلي مع ربه بلا شك فهو في جماعة بلا شك و يكون الحق إماما و العبد مأموما لأنه هو الذي يقيمه و يقعده و يكون العبد إماما في المناجاة فإن الله جعل ابتداء القول إليه فما ثم مصل فذا فإن غاب عن الحضور مع الله في هذه الصلاة فقد انفرد في هذه العبادة بنفسه دون ربه و هذا هو الفذ في الاعتبار و هو على هذا و إن كان في جماعة من عالمه فهو في حكم الفذ و الفذ الآخر أن يفرد الصلاة للرب لغلبة مشاهدته إياه و فنائه عن نفسه فلا يشهد نفسه مصليا مع شهود وقوع الصلاة منه بربه فهذا أيضا يلحق بصلاة الفذ فإذا كوشف العبد على كل جزء منه في صلاته أنه مسبح بحمد ربه في صلاته و كل جزء فإن عن نفسه بشهوده فهو من حيث ما هو مجموع في جماعة فله أجر الجماعة و له أجر الفذ بكل جزء منه بالغا ما بلغت أجزاؤه فإن شئت قلت إنه صلى فذا و إن شئت قلت إنه صلى في جماعة و الحق الإمام ثم إن من العارفين من يقيمه الحق في مقام الإمامة و يكون الحق مأموما و ذلك مثل قوله صلى الله عليه و سلم إن الله لا يمل حتى تملوا فهو يجري معك ما دمت تجري معه و هو قوله تعالى من هذا الباب فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ و قوله من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي و من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم فهذا معنى الإمام و المأموم فهو سبحانه قدمك في هذا الموضع و أمثاله و مثل أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ و مثل إمامته بك فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي في دعائه إياهم ثم يدعونه اقتداء بدعائه فيجيبهم بإجابتهم إياه فانظر ما أكرم هذا الرب مع الغني المطلق الذي وصف به نفسه كيف ربط نفسه بعبده في جميع ما أمره به من العبادة ذلك هو الفضل المبين
(فصل بل وصل فيمن صلى وحده ثم أدرك الجماعة أو صلى في جماعة ثم إنه أدرك جماعة أخرى)
اعلم أنه من صلى ثم أتى المسجد فلا يخلو من أحد وجهين إما أن صلى منفرد أو في جماعة فإن كان صلى منفردا يعيد معهم كل الصلوات إلا المغرب فقط و قالت طائفة يعيد إلا المغرب و العصر و قالت طائفة إلا المغرب و الصبح و من قائل إلا الصبحو العصر و قالت طائفة يعيد الصلوات كلها و أما إذا صلى في جماعة فهل يعيد في جماعة أخرى فمن قائل يعيد و من قائل لا يعيد و أما مذهبنا في مثل هذه المسألة أن الجماعة فرض إذا قدر عليها فإن لم يقدر عليها فيصلي منفردا فإن أدرك الجماعة و لو كان صلى في جماعة فإنه يصلي مع الجماعة إذا أدركها إجابة لندائه في الإقامة حي على الصلاة و هي له نافلة في الحالتين و له أجر الجماعة إذا لم يقدر عليها
(وصل في اعتبار ذلك في النفس)
لما عين الشارع المناجاة للصلاة و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم الحديث و فيه و جعلت قرة عيني في الصلاة أعلاما بأنه من أهل مشاهدة الحق فيها على وجه أتم من مشاهدة الاتباع في قوله في الإحسان أن تعبد الله كأنه تراه و ما خص عبادة من عبادة و الله يقول إِنَّ الله يُحِبُّ التَّوَّابِينَ و هم الذين يكثرون الرجوع إليه سبحانه في كل حال يرضيه و لا حال أشرف من الصلاة لجمعها بين الشهود و المناجاة و قال وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ و الطهارة من شروط الصلاة و المحب يتمنى و يشتهي أنه لا يزال في مشاهدة محبوبه على الدوام و مناجاته فكيف إذا دعاه الحبيب إلى ذلك بقوله حي على الصلاة قد قامت الصلاة فبالضرورة يبادر و يسابق إلى ما دعاه ليلتذ بشهوده و مناجاته فيرى من هذا حاله إعادة الصلوات في الجماعة متى أقيمت و دعي إليها و إن كان قد صلى منفردا أو في جماعة و قد بينا معنى الفذ و الجماعة في الفصل الذي قبل هذا و أما من ذهب إلى أنه لا يعيد الصلاة فهم العارفون كما إن الذين يرون الإعادة هم المحبون و ذلك أن العارفين علموا إن الإعادة محال و أن التجلي الذي كان له في صلاته غير التجلي الذي يكون له في الصلاة الأخرى إلى ما لا يتناهى فلما استحال عنده التكرار و الإعادة للاتساع الإلهي لم تصح عنده الإعادة فالمحب يصلي معيدا و هو لا يعلم و العارف يصلي لا على جهة الإعادة و هو يعرف فالعلم أشرف المقامات و الحب أشرف الأحوال و الجامع بين المقامين المحبة و المعرفة يقول بالإعادة للتجلي و بعدم الإعادة للمتجلي له فله الأولية في كل صلاة فرضا كانت أو نفلا و أما من لا يرى إعادة المغرب فإن المغرب وترية العبد و الوتر الليلي وترية الحق فإن وتر الليل ركعة واحدة و الأحدية له تعالى و جل و وترية المغرب ثلاث ركعات فجمع بين الشفع و الوتر و هو أول الأفراد و إن الله وتر يحب الوتر فلا يرى العبد ربه من حيث شفعيته و إنما يراه من حيث وترية الفردية و لله وترية الفردية في كونه إلها و وترية الأحدية من كونه ذاتا و إذا رأى العبد ربه من حيث وتريته الإلهية الفردية من تلك الوترية الإلهية الفردية يرى وترية الذات الأحدية لا من جهة وترية العبد الفردية فلم ير الله إلا بالله فلو أعاد المغرب لصارت وترية العبد شفعا فلم يكن يرى ربه وترا أبدا فقال بترك الإعادة للمغرب دون غيرها من الصلوات و من قال بإعادة المغرب قال يعيدها بوترية الفردانية الإلهية لا بوتريته فتبقى وتريته على فرديتها لا تصير شفعا بإعادة صلاة المغرب فإن الحق متميز عن الخلق بلا شك من كل وجه و أما من لم ير إعادة الصبح فإن الصبح الأول عين الفرض و كذلك العصر و الصبح الثاني و العصر الثاني هما نافلة و الإنسان في أداء الفرض عبد محض عبودية اضطرار و هو في النفل عبد اختيار و عبودية الاضطرار أشرف في حقه من عبودية الاختيار لأن له في عبودية الاختيار الامتنان بالاسترقاق قال تعالى يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ و لما شبه الحق رؤية العباد إياه برؤيتهم الشمس صار للشمس عندهم مزيد رتبة و لا سيما للمحبين لكون الحبيب ضرب برؤيتها المثل في رؤيته في التشبيه فهم إذا رأوها كأنهم يرون الله لأن رؤيتهم إياها تذكرهم ما وعدهم الله به من رؤيته فيريدون أن لا تطلع الشمس عليهم إلا و هم موصوفون بعبودية الاضطرار و لا تغرب عليهم الشمس إلا و هم أيضا في عبودية الاضطرار كما يريدون رؤية الله في حال الاضطرار و العبودية المحضة فإن لذتها أتم و أحلى كما إن رؤيتها أعم و أجلي و لتكون الشمس في غروبها و طلوعها تقول لربها تركناهم عبيد اضطرار و أتيناهم و هم عبيد اضطرار كما تقول الملائكة الذين يعرجون في صلاة الصبح و صلاة العصر فيسألهم الحق جل جلاله و هو أعلم بهم كيف تركتم عبادي فيقولون تركناهم و هم يصلون و أتيناهم و هم يصلون فلا تنصرف عنهم الملائكة الذين كانوا معهم و لا تأتيهم الملائكة الأخر إلا عند شروعهم في الصلاة سواء قاموا إليها في أول الوقت أو في آخره كل إنسان لا تنصرف عنه ملائكته إلا كما قلنا و لهذا عند أهل الايمان و أهلالكشف إن المصلي إذا أراد أن يكبر تكبيرة الإحرام في صلاة الصبح و العصر يقول و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته لأنهم في ذلك الوقت تنصرف عنهم الملائكة الذين كانوا فيهم و ترد عليهم الملائكة الذين يأتون إليهم و هم عند إتيانهم يسلمون على العبد و عند انصرافهم يسلمون أيضا و الله قد أمرنا بقوله وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها فوجب على كل مؤمن عند حق إيمانه و حقيقته أن يرد في ذلك الوقت السلام عليهم و إلا فهو طعن في إيمانه إن حضر مع هذا الخبر و نذكره في ذلك الوقت و أما صاحب الكشف فهو على علم عين و المؤمن على بصيرة و من استثنى العصر دون الصبح رأى أنه لا يستقبل الغيب إلا بعبودية الاضطرار لأن الغيب الأصل و هو هوية الحق و لا يفارق الغيب الهوية قال و الصبح خروج من الغيب إلى الشهادة فلا أبالي بالشهادة على أية حالة كنت من العبودية من اضطرار و اختيار لأن الفرض الوقوف في العبودية و أن الشهادة محل الدعوى لأنه محل الحركة و المعاش و رؤية الأغيار و حجابيات الأفعال و من استثنى الصبح دون العصر قال أريد أن استقبل الاسم الظاهر بعبودية الاضطرار و لا أبالي باستقبال الليل بأي عبودية استقبلته بعبودية الاضطرار و لا بعبودية الاختيار و لهذا تنفل بعد العصر رسول الله صلى الله عليه و سلم و ما تنفل بعد الصبح فقط و ذلك أن هذا الذي مذهبه التنفل بعد العصر إن شاء يقول الليل له الغيب و له الاسم الباطن و له من القوة بحيث إنه يجعلني مضطرا شئت أم أبيت و ليس النهار كذلك فإن استقبلته بعبودية الاختيار فهو يحكم على سلطانه و يردني مضطرا فكل طائفة راعت أمرا ما في الاعتبار في الصلوات التي لا ترى إعادتها إذا صلتها و قد تقدم معرفة المنفرد و الجماعة
(فصل بل وصل فيمن أولى بالإمامة)
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يؤم القوم أقرؤهم لكتاب فقالت طائفة أفقههم لا أقرؤهم فهذه مسألة خلاف بين أصحاب هذا القول و بين رسول الله صلى الله عليه و سلم فإني سألت القائلين بهذا المذهب هل بلغكم هذا الحديث فاعترفوا فقالوا رويناه و علمناه و بقول رسول الله صلى الله عليه و سلم أقول و لا حجة للقائلين بخلاف ما قاله و لا سيما رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول في هذا الحديث فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ففرق بين الفقيه و القارئ و أعطى الإمامة للقارئ ما لم يتساويا في القراءة فإن تساويا لم يكن أحدهما أولى بالإمامة من الآخر فوجب تقديم العالم الأعلم بالسنة و هو الأفقه ثم قال عليه السلام فإن كانوا في العلم بالسنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم إسلاما و لا يؤم الرجل في سلطانه و لا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه و هو حديث متفق على صحته و به قال أبو حنيفة و هو الصحيح الذي يعول عليه و أما تأويل المخالف للنص بأن الأقرأ كان في ذلك الزمان الأفقه فقد رد هذا التأويل قوله صلى الله عليه و سلم فأعلمهم بالسنة و اعلم أن كلام الله لا ينبغي أن يقدم عليه شيء أصلا بوجه من الوجوه فإن الخاص إن تقدمه من هو دونه فليس بخاص و أهل القرآن هم أهل الله و خاصته و هم الذين يقرءون حروفه من عجم و عرب و قد صحت لهم الأهلية الإلهية و الخصوصية فإذا انضاف إلى ذلك المعرفة بمعانيه فهو فضل في الأهلية و الخصوصية لا من حيث القرآن بل من حيث العلم بمعانيه فإن انضاف إلى ذينك إلى حفظه و العلم بمعانيه العمل به فنور على نور على نور فالقارئ مالك البستان و العالم كالعارف بأنواع فواكه البستان و تطعيمه و منافع فواكهه و العامل كالآكل من البستان فمن حفظ القرآن و علمه و عمل به كان كصاحب البستان علم ما في بستانه و ما يصلحه و ما يفسده و أكل منه و مثل العالم العامل الذي لا يحفظ القرآن كمثل العالم بأنواع الفواكه و تطعيماتها و غراستها و الآكل الفاكهة من بستان غيره و مثل العامل كمثل الآكل من بستان غيره فصاحب البستان أفضل الجماعة الذين لا بستان لهم فإن الباقي يفتقرون إليه (وصل) في اعتبار ذلك الأحق بالإمامة من كان الحق سمعه و بصره و يده و لسانه و سائر قواه فإن كانوا في هذه الحالة سواء فأعلمهم بما تستحقه الربوبية فإن كانوا في العلم بذلك سواء فاعرفهم بالعبودية و لوازمها و ليس وراء معرفة العبودية حال يرتضى يقوم مقامه أو يكون فوقه لأنهم لذلك خلقوا قال تعالى وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ و الإمامة على الحقيقة إنما هي لله الحق تعالى جل جلاله و أصحاب هذه الأحوال إنما هم نوابه و خلفاؤه و لهذا وصفهم بصفاته بل جعل عينه عين صفاتهم فهو الإمام لا هم قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ الله و قال تعالى من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله و قال أَطِيعُوا الله وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ أي أصحاب الأمر و أصحاب الأمر على الحقيقة هم الذين لا يقف لأمرهم شيء لأنهم بالله يأمرون كما به يسمعون كما به يبصرون فإذا قالوا الشيء كن فإنه يكون لأنهم به يتكلمون فهذا معنى و أولي الأمر منكم في الاعتبار و لهذا كانت طاعة السلطان واجبة فإن السلطان بمنزلة أمر الله المشروع من أطاعه نجا و من عصاه هلك
(فصل بل وصل في إمامة الصبي غير البالغ)
إذا كان قارئا اختلفوا في إمامة الصبي غير البالغ إذا كان قارئا فأجاز ذلك قوم مطلقا و منع من ذلك قوم مطلقا و أجازه قوم في النفل دون الفريضة اعتبار الأمر في ذلك يقال صبا فلان إلى كذا إذا مال إليه لما كان الصبي يميل إلى حكم الطبيعة و نيل أغراضه سمي صبيا أي مائلا إلى شهواته و هو غير البالغ حد العقل الذي يوجب التكليف و كانت الطبيعة في الرتبة دون العقل فلم يصح لها التقدم و لا لمن مال إليها و إن كان مائلا إليها بحق فإن لها مقام التأخر فلا بد أن يتأخر و المتأخر لا يكون إماما مقدما فإنه نقيض حكم ما هو فيه فمن راعى هذا الاعتبار لم يجز إمامة الصبي و إن كان قارئا و من راعى كونه حاملا للقرآن جعل الإمامة للقرآن لا للصبي و كانت إمامة الصبي في حكم التبعية لأجل القرآن فأجاز إمامة الصبي قال تعالى وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا يعني حكم الإمامة و قالوا كَيْفَ نُكَلِّمُ من كانَ في الْمَهْدِ صَبِيًّا قالَ إِنِّي عَبْدُ الله آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا و هو مقام الإمامة مع تسميته صبيا و من جعل عبودية الصبي عبودية اختيار لسقوط التكليف عنه و رأى أن النافلة عبادة اختيار أجاز صلاة الصبي إماما في النفل دون الفرض للمناسبة في الاختيار
(فصل بل وصل في إمامة الفاسق)
فردها قوم بإطلاق و أجازها قوم بإطلاق و فرق قوم بين الفاسق المقطوع بفسقه و بين المظنون فسقه فلم يجيزوا الإمامة للمقطوع بفسقه و أن المصلي وراءه يعيد و استحبوا الإعادة لمن صلى خلف المظنون فسقه في الوقت و فرقوا أيضا بين من يكون فسقه بتأويل و بين من يكون بغير تأويل فأجازوا الصلاة خلف المتأول و لم يجيزوها لغير المتأول و بالإجازة على الإطلاق أقول فإن المؤمن ليس بفاسق أصلا إذ لا يقاوم الايمان شيء مع وجوده في محل العاصي (الاعتبار في ذلك) الفاسق من خرج عن أصله الحقيقي و هو كونه عبدا لأنه لهذا خلق فإنه لا بد أن يكون عبدا لله أو عبدا لهواه فما برح من الرق فلم يبق خروجه إلا عن الإضافة التي أمر أن ينضاف إليها فتجوز إمامته لأن الموفق من عباد الله يأتم بهذا الفاسق فإنه يراه قائما بعبوديته في حق هواه الذي فيه شقاؤه فيتعلم منه استيفاء حق العبودية التي أمره الله أن يكون بها عبدا له فيقول أنا أولى بهذه الصفة في حق الله من هذا العبد في حق هواه فلما رأينا أولياء الله يأتمون به و ينفعهم ذلك عند الله و يكون هذا الاقتداء سببا في نجاتهم صحت إمامته و قد صلى عبد الله بن عمر خلف الحجاج و كان من الفساق بلا خلاف المتأولين بخلاف فكل من آمن بالله و قال بتوحيد لله في ألوهته فالله أجل أن يسمى هذا فاسقا حقيقة مطلقا و إن سمي لغة لخروجه عن أمر معين و إن قل و المعاصي لا تؤثر في الإمامة ما دام لا يسمى كافرا و أما الفسق المظنون فبعيد من المؤمن إساءة الظن بحيث أن يعتقد فسوق زيد بالظن لا يقع في ذلك مؤمن مرضي الايمان عند الله و هذا كله في الأحوال الظاهرة و أما الباطنة فذلك إلى الله أو من أعلمه الله ثم يرتقي العارف بالنظر في الفسوق مما يذمه الشرع إلى ما تعطيه اللغة و لكن في الاعتبار لا في الحكم الظاهر و هو إذا خرج الإنسان عن إنسانيته بخروجه عن حكم طبيعته عليه إلى عالم تقديسه من الأرواح العلا فهل تصح له إمامة هنالك أم لا فمن أصحابنا من قال تصح إمامته بالعالم الأعلى على الإطلاق و هو مذهبنا و من أصحابنا من قال لا يؤم إذا خرج عن حكم طبيعته إلا بالأرواح المفارقة للأجسام الطبيعية من الجن و الإنس و سبب اختلافهم أن كل صاحب كشف أخبر عما رأى في كشفه في ذلك الوقت و المكاشف قد يطلع وقتا على الأمر من جميع جهاته و قد يطلع على بعض وجوهه و يستر الله عنه ما شاء من وجوه ذلك الأمر فيحكم المكاشف على الكل فيكون صحيح الكشف مخطئا في تعميم الحكم ثم يرى أنه من حيث روحه من جملةالأرواح الملكية فيقول و إن خرجت عن طبيعتي فلم أخرج عن ملكيتي لما في من عالم الأمر فيطلب النفوذ و الخروج أيضا عن روحه كما خرج عن طبيعته فيخرج بسره الرباني فتقوم له الأسماء الإلهية فيؤم بها نحو خالقه و هو يقدمها فكل اسم له حقيقة و هذا العبد مجموع تلك الحقائق كلها فتصح له الإمامة في ذلك الموطن مع خروجه عن طبيعته و روحه و ما من موطن يخرج عنه إلا و يلحقه فيه ذم من طائفة لأن تلك الطائفة ترى في هذا العبد أنه متعبد بمجموعه و هو الصحيح فتسميه فاسقا و لكن يعذر فإن السلوك يعطي التحليل حتى ينتهي فإذا انتهى يتركب طورا بعد طور كما يتحلل حتى يكمل فيزول عنه اسم الفسوق في كل عالم فهذا اعتبار إمامة الفاسق
(فصل بل وصل في إمامة المرأة)
فمن الناس من أجاز إمامة المرأة على الإطلاق بالرجال و النساء و به أقول و منهم من منع إمامتها على الإطلاق و منهم من أجاز إمامتها بالنساء دون الرجال (الاعتبار في ذلك) شهد رسول الله صلى الله عليه و سلم لبعض النساء بالكمال كما شهد لبعض الرجال و إن كانوا أكثر من النساء في الكمال و هو النبوة و النبوة إمامة فصحت إمامة المرأة و الأصل إجازة إمامتها فمن ادعى منع ذلك من غير دليل فلا يسمع له و لا نص للمانع في ذلك و حجته في منع ذلك يدخل معه فيها و يشرك فتسقط الحجة فيبقى الأصل بإجازة إمامتها اعلم أن الإنسان عالم في نفسه كبير من جهة المعنى و إن كان صغير الحجم و لهذا يقول إِيَّاكَ نَعْبُدُ بنون الجمع و جعل جوارحه و قواه الظاهرة و الباطنة منقادة لما يحكم فيها المقدمون عليها و هو العقل و النفس و الهوى و كل واحد منهم قد يؤم بالجماعة في وقت ما فالطاعات كلها المقربة للعقل و المباحات للنفس و المخالفات للهوى و قد قيل للعقل إذا سئمت النفس من اتباعك في الأمور المقربة و اقتدائها بك في وقت إمامتك و تقدمت هي في المباحات و أمت بك فاتبعها و صل خلفها حافظا لها لئلا يخدعها الهوى فإن الهوى يتبعها في ذلك الحال عسى يوقع بها في محظور ففي مثل هذا الموطن تجوز إمامة النفس و هي إمامة المرأة و إمامة العقل بمنزلة إمامة الرجل المسلم البالغ العالم الولد الحلال و إمامة الهوى بمنزلة إمامة المنافق و الكافر و الفاسق و إمامة النفس بمنزلة إمامة المرأة
(فصل بل وصل في إمامة ولد الزنا)
اختلفوا في إمامة ولد الزنا فمن مجيز إمامته و من مانع من ذلك (الاعتبار في ذلك) ولد الزنا هو العلم الصحيح عن قصد فاسد غير مرضي عند الله فهو نتيجة صادقة عن مقدمة فاسدة فالإنسان و إن طلب العلم لغير الله فحصوله أولى من الجهل فإنه إذا حصل قد يرزق صاحبه التوفيق فيعلم كيف يعبد ربه فتجوز إمامة ولد الزنا و هو الاقتداء بفتوى العالم الذي ابتغى بعلمه الرياء و السمعة ليقال فأصل طلبه غير مشروع و حصول عينه في وجود هذا الشخص فضيلة
(فصل بل وصل في إمامة الأعرابي)
اختلفوا في إمامة الأعرابي فمن مجيز إمامته و من مانع من ذلك (الاعتبار في ذلك) الجاهل بما ينبغي للإمام أن يعلمه لا يصلح للامامة لأن الإمام يقتدى به و هو لا يعلم و لا يتعلم فلا تجوز إمامة من هذه صفته لأنه لا يعلم ما يجب عليه مما لا يجب فالمقتدي به ضال و ليس هو بمنزلة صلاة المفترض خلف المتنفل فإن الإمام إذا تنفل و خالف المأموم في نيته فما خالفه فيما هو فرض في الصلاة نافلة كانت أو فريضة لأنها تشتمل على فروض و سنن فاركانها فروض كلها و سننها كذلك في النافلة و الفريضة فما فعل المتنفل الذي هو الإمام في صلاته إلا ما تفرض عليه أن يفعله من أركان صلاته من ركوع و سجود و غير ذلك و كذلك سننها و المفترض مقتد به في هذه الأفعال التي هي فرض عليهما فعلها فما اقتدى الذي نوى الفرض خلف المتنفل إلا بما هو فرض على المتنفل فاعلم ذلك
(فصل بل وصل في إمامة الأعمى)
فمن مجيز إمامة الأعمى و من مانع إمامته و الله أعلم (اعتبار ذلك) الأعمى هو الحائر الذي هو في محل النظر لم يترجح عنده شيء و ليس بواقف فيكون شاكا و الأصل حكم الفطرة التي ولد عليها فهو مؤمن في حال نظره و حيرته ما لم يقف أو يرجح فتجوز إمامته بأصل الفطرة لاستنابة رسول الله صلى الله عليه و سلم ابن أم مكتوم على المدينة يصلي بالناس و هو أعمى
(فصل بل وصل في إمامة المفضول)
اختلف العلماء في إمامة المفضول فمنهم من أجازها و منهم من منع من ذلك صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم خلف عبد الرحمن بن عوف بلا خلاف و قضى ما فاته و قال أحسنتم (اعتبار ذلك) الفاضل يصلي خلف المفضول ليرقى همته و يرغبه في طلب الأنفس و الأعلى سياسة و حسن تربية فإنه داع إلى الله تعالى على بصيرة إن الله يفتح للكبير بصدق توجه الصغير فالصغير مفيد الكبير و إمامه من حيث لا يشعر و كم من مريد صادق وقعت له واقعة و هو معتنى به فعرضها على الشيخ و قد كان الشيخ ما عنده معنى تلك الواقعة و قد استفرغت همة المريد و قطعت إن واقعته لا يعرف حل أشكالها إلا هذا الشيخ ففتح الله على ذلك الشيخ فيها بهمة ذلك المريد و صدقه فيه عناية من الله بالمريد و ينتفع الشيخ تبعا و إن كان الشيخ أعلى منه في المقام و لكن ليس من شرط كل مقام إذا دخله الإنسان ذوقا أن يحيط بجميع ما يتضمنه من جهة التفصيل فإنا نعلم قطعا أنا نجتمع مع الأنبياء عليهم السلام في مقامات و بيننا و بينهم في العلم بأسرارها بون بعيد يكون عندهم ما ليس عندنا و إن شملهم المقام فهذه إمامة المفضول فافهم و لا تغالط نفسك فتقول أنا شيخ هذا فأنا أعلم منه بما تطلبه التربية و قد لا تكون أعلم منه بما تنتجه و قد رأينا ذلك معاينة في حق أشخاص و الحمد لله انتهى الجزء الأربعون
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(فصل بل وصل في حكم الإمام إذا فرغ من قراءة الفاتحة هل يقول آمين أم لا يقولها)
اختلف العلماء في ذلك فمن قائل يؤمن و من قائل لا يؤمن (وصل في الاعتبار في ذلك) إن جعل الإنسان نفسه أجنبية عنه فإنه يخاطبها مخاطبة الأجنبي يقول الله تعالى وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَ نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ به نَفْسُهُ و هذا يجده كل إنسان ذوقا تقتضيه نشأته و رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول للإنسان المكلف إن لنفسك عليك حقا فأضاف النفس إليه و الشيء لا يضاف إلى ذاته فجعل النفس غير الإنسان و أوجب لها عليه حقا تطلبه منه فإن كان هو التالي فلا لنفسه عند فراغ الفاتحة آمين و إن كانت النفس التالية فلا بد أن يقول هو آمين و الإنسان واحد العين كثير بالقوى و يؤيده قوله فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ و بادرني عبدي بنفسه في القائل نفسه فمن كان هذا مشهده قال يؤمن الإمام و المنفرد و من رأى أن الإمام عين واحدة أو يرى أنه قال بربه في قوله بي يسمع و بي يبصر و بي يتكلم و قد كان الشيخ أبو مدين ببجاية يقول ما رأيت شيئا إلا رأيت الباء عليه مكتوبة يشير إلى هذا المقام و هي تسمى باء الإضافة مثل قوله أيضا فمن كان مشهده هذا يقول لا يؤمن الإمام و التأمين أولى بكل وجه فإن المكلف مأمور إذا دعا أن يبدأ بنفسه و قوله آمين دعاء يقول اللهم أمنا بالخير و بما قصدناك فيه و الإنسان بحكم حاله و مشهده و في الحديث الثابت إذا أمن الإمام فآمنوا و الحديث الآخر إذا قال الإمام و لا الضالين فقولوا آمين
(فصل بل وصل متى يكبر الإمام)
فمن قائل بعد تمام الإقامة و استواء الصفوف و من قائل قبل أن يتم الإقامة و من قائل بعد قول المؤذن قد قامت الصلاة و بالتخيير أقول في ذلك (الاعتبار) الإقامة للقيام بين يدي الله تعالى فإنه يقول حي على الصلاة و استواء الصفوف مثل صفوف الملائكة عند الله تعالى الذين أقسم بهم في قوله وَ الصَّافَّاتِ صَفًّا و هي إشارة إلى إقامة العدل فإن الإنسان بروحه ملك مدبر لما ولاة الله عليه من هذه النشأة الذي أشار إليه بالبلد الأمين لكونه أما جامعة مثل مكة التي هي أم القرى و الفاتحة أم الكتاب فلا بد من فروض الأحكام لإقامة العدل في العبادات التي خوطب بها جماعة الجوارح فاجتماع الهم على ذلك واجب ظاهرا و باطنا فمن رأى مثل هذا يكبر بعد الإقامة و استواء الصفوف كأنه يقول الله أكبر من أن يتقيد تكبيره بمثل هذه الصفة لإحاطته إطلاقا بكل حال و وجه فإنه أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ فإنه عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فلما كلف عباده بالمشي على صراط خاص عينه لهم كان من عدل إليه سعد و من عدل عنه شقي و من راعى المسارعة إلى الخيرات و السباق إلى المناجاة كبر عند سماعه حي على الصلاة في الإقامة إلا أن يكون هو المقيم فلا يتمكن له حتى يفرغ من لا إله إلا الله و حينئذ يكبر و إنما قلنا يبادر بالتكبير الإقامة و هو قول المؤذن قد قامت الصلاة ليصدق المؤذن في قوله قد قامت الصلاة لأنه جاء بلفظ الفعل الماضي فيبني صلاته على قاعدة صدق فيفوز في الثواب ب مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ في جَنَّاتٍ وَ نَهَرٍ أي في ستور من علوم جارية واسعة كلما قلت هذا جاء غيره لأن النهر جار على الدوام بالأمثال و اعلم أن أول إقامة الصلاة تكبيرة الإحرام كعجب الذنب من إقامة النشأة فإذا قال المؤذن قد قامت الصلاة قبل تكبيرة الإمام لم يصدق و تجوز في الكلام و علم الأذواق و الأسرار لا يحمل التجوز في الكلام فإنه على الحقيقة و الكشف يعمل و روح الإنسان ما هو بيده فلو قبض الإمام و قد قال المؤذن قد قامت الصلاة و لم يكبر الإمام لعلمنا أنه قبض مكذبا و لا ينفعه هنا قوله صلى الله عليه و سلم إن الإنسان في صلاة ما دام ينتظر الصلاة و نحن في هذا الموطن بحكم الصلاة المنتظرة بالألف و اللام و لا نشك أن العارفين في حركاتهم و سكناتهم في صلاة و مناجاة و لكن المطلوب منه في هذه الحالة الصلاة المشروع لنا إقامة نشأتها من تكبيرة الإحرام إلى التسليم و ما بينهما ترتيب أعضاء نشأتها حتى تقوم خلقا سويا يشهدها ببصره من أنشأها و لا سيما من أنشأها بربه فإنها تخرج من أكمل النشآت ليس للنفس فيها حظ فهذه صلاة إلهية لا كونية و من جعل الإقامة من المؤذن أو من نفسه من نفس إقامة نشأة الصلاة كبر بعد الإقامة و تكون الصلاة مشتركة في نشأتها إلا في حق المقيم بنفسه لا بالمؤذن فإنه لا فرق في أول إنشاء صورة الصلاة عنده من الإقامة إلا أن يكون المقيم الذي هو المؤذن و الإمام يتصرفان بربهما على قدم فنائهما عن أنفسهما فقد تكون نشأة الصلاة نشأة إلهية و لكن لا تقوى في الصورة قوة الواحد لأن مزاج كل واحد من الشخصين يفارق الآخر و الحق ما يتجلى إلا بحسب القابل اعلم أن العبد يقيم سره بين يدي ربه في كل حال فهو مصل في كل حال ففي أي وقت كبر من هذه الأوقات التي وقع فيها الخلاف بين علماء الرسوم فقد أصاب فإن الصلاة قد قامت فإن الله قرر حكم المجتهد شرعا منه كلفنا به و يخرج قوله حي على الصلاة في الإقامة خطابا للجوارح لتصرفها في غير تلك الأفعال الخاصة بهذه الحالة و خطابا للروح بل للكل بالخروج من حال هو فيه إلى حال أخرى أي أقبل عليها و إن كنت في صلاة فتكون من الذين هم على صلاتهم دائمون و عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ
(فصل بل وصل في الفتح على الإمام)
اختلف العلماء في الفتح على الإمام فمن قائل بالفتح عليه و من قائل لا يفتح عليه و يركع حيث أرتج عليه و من قائل لا يفتح عليه إلا إذا استطعم و من قائل لا يفتح عليه إلا في الفاتحة و صاحب هذا القول يقول من فتح عليه في السورة فقد بطلت صلاة الفاتح (وصل الاعتبار) من قال بالخاطر الأول قال لا يفتح على الإمام و كذلك من قال بالوقت و من قال بمراعاة الأنفاس و أما من قال بما سبقت به السابقة في أول الشروع و راعى ذلك الخاطر و جعل الحكم له فإن نوى عند ما شرع قراءة سورة أو آيات معلومات ثم ارتج عليه فله أن يتم ما نوى فيستطعم المأموم فيطعم المأموم و يفتح عليه إذا ارتج عليه و قد سأل النبي صلى الله عليه و سلم عن أبي حين ارتج عليه يقول له لم لم تفتح علي لأن أبيا كان حافظا للقرآن فراعى القصد الأول بالقراءة فأراد تمامه و الإرتاج على العبد في الصلاة من أدل دليل على وجود عين العبد و أعني بوجود عينه ثبوته لأن ذلك ليس من صفات الحق فإن صلى بربه فينبغي للمصلي أن يكون مع الحق بحسب الوقت فلا ينظر إلى ماض و لا إلى مستقبل فلا يستفتح و لا يفتح عليه و لكن يركع حيث انتهى به ربه من كلامه فذلك الذي تيسر له من القرآن قال تعالى فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ من الْقُرْآنِ و قد فعل فلا ينبغي أن يكون لمخلوق في الصلاة أثر ينسب إليه و هو مذهب علي بن أبي طالب و الجواز مذهب ابن عمر
(فصل بل وصل في موضع الإمام)
اختلف العلماء في موضع الإمام فمن قائل بأنه يجوز أن يكون أرفع من موضع المأمومين و من قائل بالمنع من ذلك و قوم استحبوا من ذلك اليسير و مذهبنا أي شيء كان من ذلك جاز و ارتفاع موضع الإمام أولى لأجل الاقتداء به علىالتعيين (وصل الاعتبار في ذلك) المناسبات في الأمور أولى من عدم المناسبات و مرتبة الإمامة أعلى من مرتبة المأموم فينبغي أن يكون في تلك المرتبة الأفضل و الأعلى و ينبغي أن يكون في موضعه أرفع لأنه في مقام الاقتداء به فلا بد أن يكون له الشرف على المأموم فإنه موضع للمأموم و لهذا سمي إماما فله حالتان و حالتان فالحالتان الأوليان أن يكون إماما مأموما معا في حال واحدة فيقتدي بأضعف المأمومين في صلاته فهو مأموم و يقتدي به المأموم في ركوعه و سجوده و جميع أفعاله فهو إمام و الحالتان الأخريان حالة يسمى بها مصليا فهو مع ربه في هذه الحالة و هو إمام لغيره فله حالة أخرى فمن راعى كونه مصليا منع أن يكون له شفوف على المصلين و إن كثروا فإنهم أئمة بعضهم لبعض من الإمام إلى آخر الصفوف و من راعى كونه إماما كان أولى أن يكون موضعه أرفع من المأموم فهو بحسب مشهده
(فصل بل وصل في نية الإمام الإمامة)
اختلف العلماء هل يجب للإمام أن ينوي الإمامة أم لا فمن قائل بوجوبها و من قائل بأنها لا تجب و به أقول و إن نوى فهو أولى (وصل الاعتبار) ينبغي للمصلي أن يكون له شغل بربه لا بغير ربه فإن الصلاة قسمها الله بينه و بين المصلي فليس له أن ينوي الإمامة و من رأى أن قوله تعالى قسمت الصلاة بيني و بين عبدي نصفين من غير نظر إلى التفصيل الوارد بعد هذا القول في قراءة أم القرآن أدخل حكم رعاية المأموم في هذا القول أي المصلي إذا كان إماما أو مأموما فإن الصلاة مقسومة بيني و بين عبدي نصفين فينوي التوجه إلي و ينوي التوجه إلى القبلة و ينوي القربة بهذه العبادة إلي و ينوي الإمامة بالمأمومين و ينوي المأموم بهذه العبادة القربة إلي و ينوي الايتمام بالإمام و كل مصل بحسب ما يقع له و يشهده الحق في مناجاته
(فصل بل وصل في مقام المأموم من الإمام)
لا يخلو المأموم إما أن يكون واحدا أو اثنين أو أكثر من اثنين و لا يخلو ما أن يكون رجلا أو رجلين أو امرأة أو صبيا فأما المأموم إذا كان رجلا بالغا واحدا فإنه يقيمه عن يمينه فإن كان صبيا أقامه عن يمينه مثل الرجل و قيل عن يساره ليمتاز حكم الصبي من حكم الرجل فإن كان رجلين أقام أحدهما عن يمينه و الآخر عن يساره و إن شاء أقامهما خلفه و إن كان رجلا و صبيا فحكمهما مثل حكم الرجلين فإن كان امرأة كانت خلف الإمام إذا انفردت فإن كان معها رجل واحد فالرجل عن يمين الإمام و المرأة خلفه و إن كان أكثر من واحد مع وجود المرأة أقام الرجال خلفه و المرأة أو النساء خلف الرجال (وصل الاعتبار) ورد في الأخبار الندب إلى التخلق بأخلاق الله قال عليه السلام ما كان الله لينهاكم عن الربا و يأخذه منكم و ما من وصف وصف الحق به نفسه إلا و قد ندبنا إلى الاتصاف به و هذا معنى التخلق و الاقتداء و الائتمام و هذه الإمامة عينها فالإمام على الحقيقة هو الله تعالى و المأموم المخلوقون فلا يخلو الإمام أن ينظر نفسه واحدا من حيث أحديته و هو ما يختص به و يتميز عن كل من سواه مع الحق أو ينظر نفسه مع الحق من حيث شفعيته أو ينظر مع الحق من حيث فرديته و هو الثلاثة أعني ثالث اثنين أو ينظر نفسه من حيث إنه لم يكمل كما كمل غيره أو ينظر نفسه مع الحق من كونه مائلا إلى طبيعته و هو الصبي من صبا إذا مال أو ينظر نفسه مع الحق من كونه مائلا إلى طبيعته لا من حيث عقله فيكون بمنزلة المرأة فلا يخلو من أن يستحضر عقله مع طبيعته و الحق تعالى في هذه الأحوال كلها إمام فاليمين للقوة و كلتا يديه يمين للقربة و إسقاط الحول و القوة و الخلف للاقتداء و الاتباع فانظر أيها المصلي بأي حال حضرت في صلاتك مما ذكرناه فقم به في المقام الذي بيناه من الإمام تكن قد أتيت بالصلاة المشروعة و لكن مشهودك الحق و إمامك من حيث ما وصفه الشارع لا من حيث ما دل عليه دليل العقل حتى تكون ذا دين في عقلك و عقدك عملك و إن لم تفعل انتقص من عبادتك على قدر ما أدخلت فيها من عقلك من حيث فكرك و نظرك
(فصل بل وصل في الصفوف وصل فيمن صلى خلف الصف وحده)
أجمع العلماء على إن الصف الأول مرغب فيه و كذلك التراص و تسوية الصف إلا من شذ في ذلك فقال من قدر على الصف الأول و لم يصل فيه بطلت صلاته و كذلك التراص و تسوية الصفوف إذا لم يوجد بطلت الصلاة و لما ثبت الأمربذلك حمله بعض الناس على الندب و حمله بعض على الوجوب و هو الذي ذكرناه من أنه تبطل الصلاة بعدم هذه الصفة و الذي أقول به إن الصلاة صحيحة و هم عصاة أما الصف الأول فورد الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في المسابقة إليه ثم إنه قال فيه ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه يريد الاقتراع و أما التسوية فإنهم دعوا إلى حال واحدة مع الحق و هي الصلاة فساوى في هذه الدعوة بين عباده فلتكن صفتهم فيها إذا أقبلوا إلى ما دعاهم إليه تسوية الصفوف لأن الداعي ما دعا الجماعة إلا ليناجيهم من حيث إنهم جماعة على السواء لا يخص واحد دون آخر فيجب أن يكونوا على السواء و الاعتدال في الصف لا يتأخر واحد من الصف و لا يتقدم بشيء منه يؤدي إلى اعوجاجه فإنهم يناجون من هذه الحيثية و ينبغي أن تكون الصور الباطنة و الهمم من المصلين متساوية في نسبة التوجه إلى الله تعالى و الإخلاص له في تلك العبادة التي دعاهم إليها من حيث ما هم مصلون و إن الله لما اصطفى منهم واحدا سماه إماما ليناجيه عن الجماعة بما يحب أن يهبه للجماعة و جعله كالترجمان بين يديه و بين أيديهم مقبلا على ربهم فيجب على الجماعة السكوت و الإنصات و الانتظار لما يرد عليهم من سيدهم بوساطة ذلك الإمام و لهذا جاء في حديث جابر أن قراءة الإمام كافية عن الجماعة فإنه الذي قدمه الحق للمناجاة فلما كان الإمام هو المقصود في النيابة عن الجماعة و أمر الشرع أن يأتموا به في كل ما يفعله مما شرع له فعله وجب عليهم الإنصات و الاقتداء بكل ما يفعله الإمام في صلاته و أما التراص في الصف فهو أن لا يكون بين الإنسان و بين الذي يليه خلل من أول الصف إلى آخره و سبب ذلك أن الشياطين تسد ذلك الخلل بأنفسها و هم في محل القربة من الله تعالى فينبغي أن يكونوا في القرب بعضهم من بعض بحيث أن لا يبقى بينهم خلل يؤدي إلى بعد كل واحد من صاحبه فتكون المعاملة فيما بينهم من أجل الخلل نقيض ما دعوا إليه من صفة القربة فيتخلل تلك الخلل و الفرج البعداء من الله لمناسبة البعد الذي بين الرجلين في الصف في الصلاة فينقصهم من رحمة القرب الذي للمصلي في الصف بقدر الخلل و بمرتبة ذلك الشيطان من البعد عن الله فإذا ألزقت المناكب بعضها ببعض انسد الخلل و لم تجد صفة البعد عن الله محلا تقوم به لأن الشيطان الذي هو محل البعد عن الله ليس هناك و إنما تفرح الشياطين بخلل الصف و تدخل فيه لما ترى من شمول الرحمة التي يعطي الله للمصلين فتزاحمهم في تلك الفرج لينا لهم من تلك الرحمة شيء بحكم المجاورة من عين المنة لمعرفتهم بأنهم البعداء عن الله و ما هم هؤلاء الشياطين الذين يوسوسون في الصلاة فإن أولئك محلهم القلوب فهم على أبواب القلوب مع الملائكة تلقي إلى النفس و تنكت في القلب ما يشغله عما دعي إليه و من جملة ما تلقي إليه أن لا يسد الخلل الذي بينه و بين صاحبه لوجهين الوجه الواحد ليتصف بالمخالفة فيؤديه إلى البعد عن الله فإن الشيطان إنما كان بعده عن الله لمخالفته لأمر الله و الوجه الثاني في حق أصحابهم من الشياطين ليتخللوا ذلك الخلل فتصيبهم رحمة المصلين فيناجي الإمام ربه و يناجيه و لهذا شرع كناية الجمع في مناجاة الصلاة و أن لا يخص الإمام نفسه في الدعاء دونهم فإنه لسان الجماعة فالمكاشف يشهد هذا كله و يأخذ عن الله مما يعطيه بوساطة هذا الإمام ما يأتي به الله و سواء كان ذلك الإمام قد و في حق ما دعي إليه من الحضور مع الله أم لا فيتلقاه كل من هذه صفته من الله فيسعد الإمام بمثل هذا المأموم و أما غير المكاشف و غير الحاضر في الصلاة بقلبه إذا اجتمع هو و الإمام في عدم الحضور كان الإمام من الأئمة المضلين فإن حضر الجماعة مع الله ما عدا الإمام كان الإمام ضالا وحده و إن سعد فبمن خلفه و إن حضر الإمام وحده و لم تحضر قلوب الجماعة في تلك الصلاة شفع الإمام في الجماعة كلها فإنه العين المقصودة من الجماعة فقد حصل المقصود و لهذا ينبغي أن يختار للامامة أهل الدين و الخير و المشتغلين بالله و إن كانوا قليلين من العلم فهم أولى بالإمامة من العلماء الغافلين لأن المراد من المصلي الحضور مع الله فلا يحتاج من العلم المصلي من حيث ما هو مصل إلا أن يعرف أنه بين يدي ربه يناجيه بما يسر الله له من تلاوة كتابه لا غير ذلك فلا يبالي بما نقصه من العلم في حال صلاته حتى إن المصلي لو أحضر في مناجاته مبايعة و مسائل طلاق و نكاح لم يكن بينه و بين الغافل عن صلاته فرق و إنما يكون مع الله من حيث ما هو بين يديه في عبادة خاصة دعاه إليها يحرم عليه فيها في باطنه ما حرم عليه في ظاهره فكما لا ينبغي أن يلتفت بوجهه التفاتا يخرجه عن القبلة كذلك لا ينظر بقلبه إلى غيرمن يناجيه و هو الله و كما لا يشتغل بلسانه بسوى كلام ربه أو ذكره الذي شرع له لا يصح فيها شيء من كلام الناس كذلك يحرم عليه في باطنه كلامه النفسي مع من يشاريه أو يبايعه أو يتحدث معه في باطنه في نفس صلاته من أهل و ولد و إخوان و سلطان سواء فلهذا لا يشترط في الإمام كثرة العلم و إنما الغرض ما يليق بهذه الحالة فإن اتفق أن يكون من هذه حالته من الدين و المراقبة و الحياء من الله كثير العلم راسخا سيدا كان الأولى بالتقدم فإنه الأفضل ممن ليس له ذلك فالصفوف إنما شرعت في الصلاة ليتذكر الإنسان بها وقوفه بين يدي الله يوم القيامة في ذلك الموطن المهول و الشفعاء من الأنبياء و المؤمنين و الملائكة بمنزلة الأئمة في الصلاة يتقدمون الصفوف فكم شخص يكون هنا مأموما من أهل الصفوف يكون غدا إماما أمام الصفوف و يكون إمامه الذي كان في الدنيا يصلي به مأموما غدا فيا لها من حسرة و صفوفهم في الصلاة كصفوف الملائكة عند الله كما قال تعالى وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا و قال وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا من أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ و هو الإمام النائب عن الجماعة و أمرنا الحق أن نصف في الصلاة كما تصف الملائكة يتراصون في الصف و إن كانت الملائكة لا يلزم من خلل صفها لو اتفق أن يدخلها خلل أعني ملائكة السماء دخول الشياطين لأن السماء ليست بمحل للشياطين و لا بمكان و إنما يتراصون لتناسب الأنوار حتى يتصل بعضها ببعض فتنزل متصلة إلى صفوف المصلين فتعمهم تلك الأنوار فإن كان في صف للمصلين خلل دخلت فيه الشياطين أحرقتهم تلك الأنوار و كذلك يكونون في الكثيب في الزور العام يصفون كما يصفون في الصلاة فمن دخله خلل في صفه هنا و كان قادرا على سده بنفسه فلم يفعل حرم هنالك في ذلك الموطن بركته و إن لم يقدر على سده عمته البركة هناك و كل مصل بين رجلين فإنه ينضم إلى أحدهما ثم يجذب الآخر إليه فإن انجذب إليه كان و إلا كان الإثم على ذلك و يكون الواحد الذي ينضم إليه هو الذي يلي جانب الإمام و لا بد فإن كان في الصف الأول نقص و هو يراه و هو قادر على الوصول إليه و لا يمشي إلى الصف الأول حتى يتمه أعني يسد الخلل الذي فيه لم ينفعه تراصه في الصف الذي هو فيه جملة واحدة فإنه ما تعين عليه إلا الأول فاعلم
(فصل بل وصل في المصلي خلف الصف وحده)
اختلف الناس فيه فمن قائل بصحة صلاته و من قائل بأنها لا تصح و الذي أذهب إليه في حكم من هذه حالته فإنه لا يخلو إما أن يجد سبيلا إلى الدخول في الصف أو لا يجد فإن لم يجد فليشر إلى رجل من أهل الصف أن يختلج إليه فإن لم يختلج إليه لجهله بما له في ذلك عند الله من الأجر فإن صلاة هذا الرجل صحيحة فإنه قد اتقى الله ما استطاع و لا يستطيع في هذه الحالة أكثر من هذا فإن قدر على شيء مما ذكرناه و لم يفعل فصلاته فاسدة فإن النبي عليه السلام أمر من كان صلى خلف الصف وحده أن يعيد و هو حديث وابصة بن معبد (اعتبار ذلك في النفس) القربات إلى الله لا تعلم إلا من عند الله ليس للعقل فيها حكم بوجه من الوجوه فإذا شرع الشارع القربات فهي على حد ما شرع و ما منع من ذلك أن يكون قربة فليس للعقل أن يجعلها قربة ثم نرجع إلى مسألتنا فلا يخلو هذا المصلي وحده خلف الصف مع القدرة على ما قلناه إما أن يكون من أهل الاجتهاد و يكون حكمه بإجازة ذلك الفعل و صحة صلاته عن اجتهاد أو لا يكون عن اجتهاد فإن كان عن اجتهاد فالصلاة صحيحة و إن لم يكن عن اجتهاد و كان مقلد المجتهد في ذلك بعد سؤاله إياه فصلاته صحيحة و إن فعل ذلك لا عن اجتهاد و لا عن سؤال فصلاته فاسدة و هكذا في جميع القربات المشروعة كما صحت صلاة الإمام بين يدي الجماعة في غير صف صحت صلاة من هو خلف الصف وحده فإن لطيفة الإنسان واحدة العين و لا تصف صفوف الجوارح عند الصلاة و لا ينبغي أن يكون أمامها فإنها لا تقبل الجهة فما صلت إلا وحدها و ظاهر الإنسان جماعة فهو في نفسه صف وحده فإن كل جزء منه مكلف بالعبادة و الصلاة و لا ينفصل بعضه عن بعضه فهو صف وحده فإن اشتغل ببعض جوارحه فيما ليس من الصلاة كان له ذلك الاشتغال في صف ذاته كالخلل الداخل في الصف فبطريق الاعتبار ما صلى الإنسان من حيث جملته إلا في صف و من حيث لطيفته وحده فإنها لا تقبل الصفوف لعدم التحيز و هذا على مذهب من يقول إنها غير متحيزة و أما من قال بتحيزها التحقت بجملة ذات المصلي فما صلى من هو في صف و منهو في غير صف إلا في صف من ذاته و بهذا أجاز من أجاز الصلاة خلف الصف وحده و قد بينا مذهبنا في ذلك بطريقة تعضدها أصول الشرع
(فصل بل وصل في الرجل أو المكلف يريد الصلاة فيسمع الإقامة هل يسرع في المشي إلى المسجد مخافة أن يفوته جزء من الصلاة أم لا)
فمن قائل لا يجوز الإسراع بل يأتي و عليه السكينة و الوقار و به أقول و من قائل يجوز الإسراع حرصا على الخير و أكره له ذلك (وصل اعتبار ذلك) المسارعة إلى الخيرات مشروعة و السكينة مشروعة و الوقار و الجمع بينهما أن تكون المسارعة بالتأهب المعتاد قبل دخول وقتها فيأتيها بسكينة و وقار فيجمع بين المسارعة و السكينة و إنما أمر العبد بالمسارعة إلى الخيرات لتصرفه في المباحات لا غير فمن كانت حالته أن لا يتصرف في مباح فهو في خير على كل حال و لذلك ورد ما يدل على الحالين معا فقيل سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ من رَبِّكُمْ و هي العبادة هنا من سارع إليها فقد سارع إلى المغفرة و قال في الحالة الأخرى أُولئِكَ يُسارِعُونَ في الْخَيْراتِ فجعل المسارعة فيها و في الأولى إليها فإنها ما هي نائبة عنه و هنا وجه أيضا و ذلك أن المغفرة لا تصح إلا بعد حصول فعل الخير الموجب لها فنحن نسارع في الخيرات إلى المغفرة فكان المسارع فيه غير المسارع إليه فالعبد إذا كان تصرفه في غير المباح فلا بد أن يكون في مندوب أو واجب فإن كان في مندوب و استشعر بحصول وقت واجب سارع إليه في مندوبة بإقامة أسبابه التي لا يصح ذلك الواجب إلا بها و معنى المسارعة هنا المبادرة إلى الأفعال التي هي شرط في صحة ذلك الواجب فمن رأى الجماعة واجبة و من قال بإتمام الصف و وجوبه و هو في خير فإنه آت إلى الصلاة مثلا فيسمع الإقامة فأمره الشارع أن يأتي إليه و عليه وقار و سكينة و سبب ذلك أن الحق لا يتقيد بالأحوال و أن الآتي إلى الصلاة في صلاة ما دام يأتي إليها أو ينتظرها فنفس الإسراع المشروع قد حصل و أما الإسراع بالحركة فإنه يقتضي سوء الأدب و تقييد الحق و لهذا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم للذي دب و هو راكع حتى دخل الصف و هو أبو بكرة زادك الله حرصا و لا تعد يعني إلى إسراع الحركة و ما قال له زادك الله إسراعا فإن الحرص أوجب له الإسراع فنبهه رسول الله صلى الله عليه و سلم على إن الحرص على الخير هو المطلوب و هو الإسراع المطلوب لله من العبد لا حركة الاقدام فإن ذلك يؤذن بتحديد الله و الله مع العبد حيث كان و قد وقع لك التفريط أولا بتأخرك فهنالك كان ينبغي لك الإسراع بالتأهب كما حكي عن بعضهم أنه ما دخل عليه منذ أربعين سنة وقت صلاة إلا و هو في المسجد و حكي عن آخر أنه بقي كذا سنة ما فاتته تكبيرة الإحرام مع الإمام و قوله بوقار يشير أن العبد ينبغي له أن يعامل الله في نفسه بما يستحقه من الجلال و الهيبة و الحياء فإن هذه الأحوال تؤثر ثقلا في الجوارح و تثبت الموازنة حركته مع الله أن يقع منه كما أمره الله بخضوع و خشوع و هو السكينة المطلوبة كما قال لو خشع قلبه لخشعت جوارحه يعني لسرى ذلك في جوارحه فإن السرعة بالإقدام لا تكون إلا ممن همته متعلقة بالجهة التي يسارع إليها من أجل الله لا بالله و ينبغي للعبد أن تكون همته متعلقة بالله فيكون المشهود له الحق تعالى و من كان بهذه المثابة كانت حالته الهيبة و السكون فلا تسمع إلا همسا قال تعالى وَ خَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً هذا مع الاسم الرحمن فكيف بمن لا يعرف أي اسم إلهي يمشي إليه أو يمشي به فمن كان حاله في الوقت ما يمشي إليه و يقصده أجاز الإسراع و من كان حاله مشاهدة من يقصد به قال لا يجوز فإنه تضييع للوقت و الشارع إنما يراعي وارد الوقت و وقت الآتي إلى الصلاة مشاهدة المقصود بها فشرع له السكينة و الوقار في الإتيان دون سرعة الأقدام إعظاما لحرمة الوقت و استيفاء لحقه
(فصل بل وصل)
متى ينبغي للمأموم أن يقوم إلى الصلاة إذا كان في المسجد ينتظر الصلاة فمن قائل في أول الإقامة و من قائل عند قوله حي على الصلاة و من قائل عند قوله حي على الفلاح و من قائل حتى يرى الإمام و هو الأولى عندي و من قائل لا توقيت في ذلك و قد ورد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تقوموا حتى تروني فإن صح هذا الحديث وجب العمل به و لا يعدل عنه و أما مذهبنا في ذلك إن لم يصح هذا الحديث المسارعة في أول الإقامة ثم إن عندنا و لو صح الحديثفإن هذا الحديث عندي إذا صح فحكم النبي عليه السلام في هذه المسألة في الانتظار إليه و لا نقوم حتى نراه كما أمر ما هو كحالنا اليوم فإن زمان وجود النبي كان الأمر جائزا أن ينسخ و أن يتجدد حكم آخر فكان ينبغي أن لا يقوموا لقول المؤذن حتى يروا النبي صلى الله عليه و سلم خرج إلى الصلاة فيعلمون عند ذلك أنه ما حدث أمر برفع حكم ما دعوا إليه بخلاف اليوم فإن حكم القيام إلى الصلاة باق فيقوم إذا سمع المؤذن يقيم مسارعا و إن اتفق أن يغلط المؤذن بأن يسمع حسا فيتخيل أنه الإمام فيقيم و الإمام ما خرج فما على من قام بأس في ذلك بل له أجر الإسراع إلى الخير و يرجع إلى مكانه إلى أن يخرج الإمام فإنه على يقين من بقاء حكم الصلاة (الاعتبار) المقيم للصلاة هو حاجب الحق الذي يدعو الخلق إلى الدخول على الله بهذه الحالة و الصفة التي دعاهم و شرع لهم أن يدخلوا عليه فيها فيسارعون في القيام بأدب و سكون كما ذكرنا و حضور لما يستقبلونه و استحضار لما ينادونه به من قراءة و ذكر و تكبير و تسبيح و دعاء معين عينه لهم لا يتعدونه في تلك الحالة فإذا فرغوا منها بالسلام دعوا بما شاءوا و لكن مما يرضى الله لا يدعون على مسلم و لا بقطيعة رحم
(فصل بل وصل)
فيمن أحرم خلف الصف خوفا أن يفوته الركوع مع الإمام ثم دب و هو راكع حتى دخل في الصف فمن الناس من كرهه و منهم من أجازه و منهم من فرق بين المنفرد و الجماعة في ذلك فكرهه للمنفرد و أجازه للجماعة (وصل الاعتبار) الركوع هو الخضوع لله تعالى و المبادرة إليه أولى غير إن مشيه راكعا حتى يدخل في الصف هو الذي ينبغي أن يكون متعلق الكراهة أو الجواز فمن رأى سد الخلل واجبا أو الصلاة خلف الصف لا تجزئ مشي على حاله حتى يدخل في الصف فإن الشارع ما أبطل صلاة أبي بكرة بذلك و دعا له و نهاه أن لا يعود فعلم أنه نهي كراهة فإن قالوا قضية في عين قلنا و نهيه أن لا يعود قضية في عين لأنه المخاطب أن لا يعود و لم ينه غيره عن ذلك و لكن بقرينة الحال علمنا إن المراد بذلك المصلي كان من كان أن يكون في حال صلاته على حد ما أمر به فكل ما هو من تمام الصلاة جاز التعمل إلى تحصيله في الصلاة و يتعلق بهذا مسائل على هذه القاعدة
(فصل بل وصل)
فيما يتبع فيه المأموم الإمام لا خلاف بين العلماء في وجوب اتباعه فيما نص الشارع عليه من أقوال و أفعال و اختلفوا في قوله سمع الله لمن حمده فمن الناس من قال بأنه لا يجب عليه أن يقولها مع الإمام و منهم من أجاز له أن يقولها و الأول أولى عندي للحديث الوارد (وصل الاعتبار) لما أنزل الإمام نائبا عن الحق في حق من يقتدى به صح له أن يقول سمع الله لمن حمده فهو ترجمان عن الحق للمأمومين يعرفهم بأن الله يقول ذلك حين حمدوه في تلاوتهم و تسبيحهم في ركوعهم فهو مخبر عمن استخلفه و لو أقام الله الإمام مقامه في الحال لقال سمعت لمن حمدني فأثبت بقوله سمع الله لمن حمده عين العبد و اعلم أنه ما عبده إلا من كونه إلها لا من حيث ذاته خلافا لقول رابعة العدوية فإن قيل فما تصنع في مثل قوله قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها و هو كلام الله لعبده عليه السلام و لم يقل سمعت يريد ما ذكرنا و ما يدريك لعل قوله سمع الله لمن حمده مثل هذا و لا سيما و النبي عليه السلام يقول إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده قلنا أما الآية فقد تكون تعريفا من جبريل الروح الأمين بأمر الله أن يقول له مثل هذا أي قل له يا جبريل قد سمع الله كما قيل لمحمد قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ و هو بشر فإن الحق لا يكون بشرا و هكذا جميع ما في كلام الله من مثل هذا فإن أضفته و لا بد إلى الحق فليكن الكلام لله من مرتبة خاصة إخبارا عن مرتبة أخرى خاصة إن شئت عبرت عنها بالذات و إن شئت عبرت عنها باسم إلهي فيقول الحق من كونه متكلما يا محمد قد سمع الله فيريد بالله هنا الاسم السميع أو العليم على مذهب من يرى أن سمعه علمه و الأول على من يرى أن سمعه حقيقة أخرى لا يقال هي هو و لا هي غيره و على الذي قيل الأول من يرى أن سمعه ذاته و هكذا سائر ما ينسب إليه من الصفات فللمأموم أن يقول سمع الله لمن حمده على هذا التفسير كله و إن ورد ذلك في حق الإمام فما ورد المنع منه في حق المأموم و لا في حق المنفرد و لا سيما و الإنسان إمام جماعة ذاته و ما من جزء فيه إلا و هو حامد لله فيعرف لسانه سائر ذاته بأن الله قد سمع لمن حمده و لا سيما من كشف له عن تسبيحكل شيء بحمده
(الفصل الآخر في الائتمام)
الائتمام لا يصح إلا مع العلم من المأموم فيما يأتم به من أفعال الإمام ظاهرا و باطنا و العامة بل أكثر الناس لا يعلمون من الإمام إلا الحركات الظاهرة من قيام و ركوع و رفع و سجود و جلوس و تكبير و تسليم و النية غيب من عمل القلب لا يطلع عليها المأموم فما كلفه الله أن يأتم به فيما لا يعلمه منه و لهذا قال عليه السلام إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا و لا تكبروا حتى يكبر و إذا ركع فاركعوا و لا تركعوا حتى يركع و إذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا و لك الحمد و إذا سجد فاسجدوا و لا تسجدوا حتى يسجد و ما تعرض للنية و لا لما غاب عن علم المأموم فذكر الأفعال الظاهرة التي يتعلق بإدراكها الحس و لا سيما و قد ثبت أن الصلاة الواحدة لا تقام في اليوم مرتين و أن أحد الصلاتين من المصلي وحده ثم يدرك الجماعة فيصلي معها أنها له نافلة فقد خالف الإمام في النية بالنص ثم إن للمأموم بهذا الحديث أن يقول سمع الله لمن حمده ثم يقول ربنا و لك الحمد للائتمام بإمامة فإنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه و سلم قال في صلاته و هو إمام سمع الله لمن حمده ربنا و لك الحمد
(الفصل الآخر في الائتمام بصلاة القاعد)
اتفق العلماء من أصحاب المذاهب و غيرهم أنه ليس للصحيح أن يصلي قاعدا فرضا إذا كان منفردا أو إماما و اختلفوا في المأموم إذا كان صحيحا فصلى خلف إمام مريض يصلي ذلك الإمام المريض قاعدا على ثلاثة أقوال فمن قائل إنه يصلي خلفه قاعدا و به أقول و من قائل إنهم يصلون خلفه قياما و من قائل لا تجوز إمامته إذا صلى قاعدا و أما إن صلوا خلفه قياما أو قعودا بطلت صلاتهم و قد ذكر بعض رواة مالك عن مالك قال لا يؤم الناس أحد قاعدا فإن أمهم قاعدا بطلت صلاتهم و صلاته فإن النبي صلى الله عليه و سلم قال لا يؤمن أحد بعدي قاعدا و هذا الحديث ضعيف جدا لأن في طريقه جابر بن يزيد الجعفي و ليس بحجة و مع ضعفه فالحديث مرسل و الصحيح الثابت إمامة القاعد (وصل الاعتبار في ذلك) الإمام على الحقيقة من نواصي الخلق بيده فلا يخلو المصلي المأموم أن يرى الإمام نائبا عن الحق كما جعله صلى الله عليه و سلم أو يراه مأموما مثله فإن رآه إماما فله الائتمام به على أي حال كان و إن رآه مأموما مثله جعل الحق إمامه و صلى قاعدا لأمره صلى الله عليه و سلم بذلك فإن هذا هو إمامه شرعا و من جعل الحق في قبلته و واجهه غاب عنه إمامه بلا شك و قد اختلفت حالة الإمام بالمرض من حال المأموم و المأموم إذا كان مريضا صلى خلف القائم للعذر و قد مضى اعتبار النية في الإمام و المأموم و قد أمر الإمام أن يقتدي بصلاة المريض في التخفيف به و لا يشق عليه و كل واحد منهما قد أمر بالاقتداء بالآخر و عين الشارع فيما ذا فلا ينبغي العدول عما عينه الشارع من ذلك لمن أراد اتباع السنة و الوقوف عند حكم الله و رسوله و إذا كان الإمام على الحقيقة هو الله و هو سبحانه لا يغفل عن حالات عبده في حركاته و سكناته و لا يشغله عن مراقبته شيء فإنه قال عن نفسه وَ كانَ الله عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً فينبغي للمأموم الذي هو العبد أن يقتدي به في المراقبة و الحضور فلا يغفل عن سيده في صلاته و لا يشغله شيء عن مراقبته في صلاته حتى يصح له أن يكون مؤتما به في مثل هذا الوصف من المراقبة و عدم الغفلة فاعلم ذلك
(فصل بل وصل في وقت تكبيرة الإحرام للمأموم)
أقوال الفقهاء في فمن قائل يكبر بعد فراغ الإمام من تكبيرة الإحرام استحسانا و إن كبر معه أجزأه و من قائل لا يجزيه أن يكبر معه و بالأول أقول أن يكبر بعد الفراغ لا يجزيه غير ذلك و من قائل لا يجزيه أن يكبر قبل الإمام و من قائل إن كبر قبل الإمام أجزأه و من قائل إن كبر مع تكبير الإمام و فرغ بفراغ الإمام أجزأه و إن فرغ المأموم من تكبيره قبل فراغ الإمام لم يجزه الإحرام للمأموم إما أن يعتبر فيه كونه مصليا فقط فيجزي قبل الإمام و معه و بعده و إن اعتبر كونه مصليا و مأموما لم يجزه أن يكبر قبل الإمام فإن النبي صلى الله عليه و سلم يقول و لا تكبروا حتى يكبر فنهي فإن علم أنه نهى كراهة أجزأه قبل الإمام و معه و إن علم أنه نهي تحريم لم يجزه (وصل الاعتبار في ذلك) ورد في الخبر أن العبد يقول في حال من الأحوال الله أكبر فيقول الله أنا أكبر يقول العبد لا الله إلا أنت يقول لا إله إلا أنا يقول العبد لا إله إلا الله لَهُ الْمُلْكُ وَ لَهُ الْحَمْدُيقول الله لا إله إلا أنا لي الملك و لي الحمد يصدق عبده و من هنا كان اسمه المؤمن و أمثاله فإذا كان الحق لا يقول شيئا من ذلك حتى يقول العبد فالعبد أولى بالاتباع فليس للمأموم أن يسبق إمامه بشيء من أفعال الصلاة و لا من أقوالها حتى في قراءة الفاتحة ليس له أن يشرع فيها إذا جهر بها حتى يفرغ منها أو يتبع سكتات الإمام فيها فيقرأ ما فرغ الإمام منها في سكتة الإمام و في صلاة السر يقرأها بحسب ما يغلب على ظنه إلا في الصلاة بعد الجلسة الوسطى فإنه يقرأها ابتداء
(فصل بل وصل فيمن رفع رأسه قبل الإمام)
فمن قائل إنه أساء و يرجع و صحت صلاته و من قائل صلاته تبطل (وصل الاعتبار) الإمام الحق و القيومية صفته فلا يجوز للمأموم أن يرفع قبل إمامه و أن صلاته تبطل فإنه في حال لا يصح فيها أن يكون مأموما لمثله و لا للحق فإن قيومية الحق به في رفعه من الركوع تسبق قيوميته إذ كل ما يقام فيه العبد إنما هو عن صفة إلهية ظلها هو الذي يظهر في العبد و الظل تبع بلا شك و العبد ظل لقول السلطان ظل الله في الأرض و إنما ورد هذا في الرفع لأن طلب العلو بل العلو له سبحانه بالاستحقاق و إنما الذي ينبغي للمأموم الاقتداء بالإمام في كل خفض و رفع فأما الخفض فربما تطلب النفس فيه للتخيل الفاسد الذي يطرأ من الجاهل فاعلم إن الحق وصف نفسه بالنزول فيسبق المأموم بخفضه نزول الحق إليه قبل نزوله و هويه إلى السجود فلا ينحط إلى السجود حتى يسبقه إمامه فإنه إن لم يكن يجد الحق في سجوده فلمن ينزل هذا العبد المصلي و ينحط بفعله ذلك فلا ينحط إلا للاله الذي وصف نفسه بالنزول من علوه إلى عبده فيقول العبد يا رب هذه صفتي فأنا أحق بها و إنما ضرورة الدعوى رفعتني عن مقام الانحطاط لكونك أخبرت أنك خلقتني على الصورة فشمخت نفسي على من نزل عن هذه الدرجة التي خصصتني بها ثم مننت علي بأن نزلت إلي فمن كان هذا مشهده و مشربه اقتدى بالإمام في جميع الأحوال و الأحكام
(فصل بل وصل فيما يحمله الإمام عن المأموم)
اتفق علماؤنا على أنه لا يحمل الإمام عن المأموم شيئا من فرائض الصلاة ما عدا القراءة فإنهم اختلفوا في ذلك فمن قائل إن المأموم يقرأ مع الإمام فيما أسر به و لا يقرأ معه فيما جهر به و من قائل لا يقرأ معه أصلا و من قائل يقرأ معه فيما أسر أم الكتاب و غيرها و فيما جهر أم الكتاب فقط و به أقول و بعضهم فرق في الجهر بين من يسمع قراءة الإمام و بين من لا يسمع فأوجب على المأموم القراءة و إذا لم يسمع و نهاه عنها إذا سمع و الذي أذهب إليه بعد وجوب قراءة الفاتحة على كل مصل من إمام و غير إمام أنه إن قرأ في نفسه كان أفضل إلا أن يكون بحيث يسمع الإمام فالإنصات و الاستماع لقراءة الإمام واجب لأمر الله الوارد في قوله وَ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا و ما خص حال صلاة من غيرها و القرآن مقطوع به عند الجميع و إذا لم يسمع إن لم يقرأ المأموم أعني غير الفاتحة أجزأته صلاته إلا فاتحة الكتاب كما قلنا فإنه لا بد منها لكل مصل فإن الله قسم الصلاة بينه و بين عبده و ما ذكر إلا الفاتحة لا غير فمن لم يقرأها فما صلى الصلاة المشروعة التي قسمها الله بينه و بين عبده و لكن يتبع المأموم بقراءة الفاتحة سكتات الإمام فيجمع بين الآية و الخبر و إن لم يسكت الإمام و يكره له ذلك فليقرأها المأموم في نفسه بحيث أن لا يسمعه الإمام آية آية حتى يفرغ منها و لا يجهر على الإمام بقراءته (وصل الاعتبار في ذلك) لما احتوت الصلاة على أركان و هي فروض الأعيان لم تجز فيها نفس عن نفس شيئا و كل ما ليس بفرض و يجبره سجود السهو فإن الإمام يحمله عن المأموم و معناه أن المأموم إذا نقصه أو زاد لم يسجد لسهوه و ذلك أن الفروض حقوق الله فحق الله أحق بالقضاء و ما عدا الفروض و إن كانت حقا من حيث ما هي مشروعة و هي على قسمين منها ما جعل لها بدل و هو سجود السهو و هي الأفعال التي للشرع بها اعتناء من حيث ما فيها من الإنعام الذي يقرب من إنعام الفرائض بالشبه و لهذا جعل لها بدل و منها ما هي حقوق للعبد مما رغب فيها فإن شاء عمل بها و إن شاء تركها و ما جعل لها بدل فإن عمل بها كان له ثواب و إن لم يفعلها لم يكن عليه حرج و لم يحصل له ذلك الثواب الذي يحصل من فعلها كرفع الأيدي في كل خفض و رفع عمدا فإن كان في نفسه الرفع أو من مذهبه لما اقتضاه دليله فلم يفعل نسيانا و سهوا فإنه يسجد لسهوه لا لرفع اليدين فإن السجود ما شرعه الله إلا للسهو هنا لا للمسهو عنه بدليل أنه لو تركه عمداأو عن اجتهاد لم يسجد له بخلاف ما جعل له بدل و ليس بفرض فإن الصلاة تبطل بتركه عمدا أو بفعل ما لم يشرع له فعله عمدا و فرق بين الجلسة الوسطى و بين جلسة الاستراحة و الجلسة التي بين السجدتين في كل ركعة و الجلسة الاخيرة و حكم ذلك كله مختلف و اعتباره في العماء و في العرش و في السماء الدنيا و في الأرض عند جلوس العبد في مجلسه فالعماء للجلوس بين السجدتين و العرش للجلسة الاخيرة و السماء للجلسة الوسطى و مع جلوسي في الأرض حيث كنت من مجالسي لجلوس الاستراحة و أما من جلس في وتر من صلاته فما حكمه حكم لجلسة الوسطى فإنه لم يشرع له تركها و جلسة الاستراحة شرع له فعلها فلو تعمد جلوس الاستراحة فقد تعمد ما شرع له و لم تبطل صلاته و إن جلس في وتر من صلاته ناسيا و هو يريد القيام سجد لسهوه لا لجلوسه و له أجر الجلوس و أجر ما سها عنه لسجود السهو الذي هو ترغيم للشيطان و له أجر من أنكى في عدو الله و في عدوه فإن الله يقول وَ لا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَ لا يَنالُونَ من عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ به عَمَلٌ صالِحٌ و الشيطان من الكفار لقول الله فيه وَ كانَ من الْكافِرِينَ و سيأتي ما يليق بهذا كله في السهو من هذا الباب إن شاء الله تعالى
(فصل بل وصل في ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام في الصحة و البطلان)
اختلف العلماء هل صحة انعقاد صلاة المأموم مرتبطة و به أقول و إن اقتدى به فيما أمر أن يقتدي به فيه بصحة صلاة الإمام أولا فمن الناس من رأى أنها مرتبطة و منهم من لم ير أنها مرتبطة و لهذا اختلفوا في الإمام إذا صلى و هو جنب و علموا بذلك بعد الصلاة فمن يرى الارتباط قال صلاتهم فاسدة و من لم ير الارتباط قال صلاتهم صحيحة و هو الذي أذهب إليه و فرق قوم بين أن يكون الإمام عالما بجنابته أو ناسيا فقالوا إن كان عالما فسدت صلاتهم و إن كان ناسيا لم تفسد صلاتهم (وصل الاعتبار في ذلك) لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا وُسْعَها و ما في وسع الإنسان أن يعلم ما في نفس غيره و لا يحيط علما بأحوال غيره فكل مصل إنما هو على حسب حاله مع الله و لهذا ما أمره الشرع في الائتمام بإمامة إلا فيما يشاهده من الإمام من رفع و خفض فإن كوشف بحال الإمام كان حكمه بحسب كشفه فإذا علم إن الإمام على غير طهارة فليس له أن يقتدي به من وقت علمه و صح له ما مضى من صلاته معه قبل علمه و لا اعتبار في ذلك لنسيان الإمام أو عمده فإن الإمام عنده من وقت علمه في غير صلاة شرعا و ما أمره الله أن يرتبط أعني أن يقتدي إلا بالمصلي فإن كان الإمام ناسيا لجنابته أو حدثه فهو مصل شرعا و صلاة المأموم صحيحة شرعا و ائتمامه بمن هو مصل شرعا و إن علم المأموم أن الإمام على غير طهارة فإن تمكن للمأموم أن يعلمه بحدثه في نفس صلاته أعلمه بحيث أن لا تبطل صلاة المأموم بذلك الإعلام فإن الله يقول وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ و إن لم يتمكن صلى لنفسه فإذا فرغ من صلاته أعلمه بحدثه سواء فرغ الإمام أو لم يفرغ فإن تذكر الإمام أو قلده تتطهر و إن لم يتذكر و لم يقلده فهو بحسب ما يقتضيه علمه و مذهبه في ذلك و صلاة المأموم صحيحة انتهى الجزء الحادي و الأربعون بانتهاء السفر السادس من هذه النسخة و الحمد لله
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(وصل في فصول الجمعة)
(فصل بل وصل في الخلاف في وجوبها)
اختلف العلماء في وجوب الجمعة فمن قائل إنها من فروض الأعيان و من قائل إنها من فروض الكفاية و من قائل إنها سنة (وصل في الاعتبار) ليس لهذه الصلاة قدم في توحيد الذات و لا نتيجة في حال العالم بها العامل لكن لها العلم بأحدية الكثرة و كذلك من يرى أن الذات اقتضت لنفسها وجود العالم فلا ينتج هذا العلم ما يرد من الله على قلب العبد و لا في تجليه في هذه الصلاة و ذلك أنها مبنية في وجودها و حقيقتها على الزائد على الواحد فهي من حضرة الأسماء الإلهية فإن وقوعها لا يصح من المنفرد بخلاف الصلوات كلها فإنها تصح من المنفرد و كل صلاة ما عدا الجمعة تعطي ما تعطي الجمعة من حيث ما هي صلاة من تكبيرة الإحرام إلى التسليم منها و تعطي ما لا تعطيه الجمعة من العلم بأحدية الحق التي لها الغنيعلى الإطلاق و من العلم برجوع النسب أو الصفات إلى عين وحدة فاعلم ذلك
(وصل في فصل فيمن تجب عليه الجمعة)
اتفق العلماء على أنها تجب على من تجب عليه الصلوات المفروضة ثم زادوا أربعة شروط اثنان متفق عليهما و اثنان مختلف فيهما فالمتفق عليهما الذكورة و الصحة و أنها لا تجب على المرأة و المريض و الاثنان المختلف فيهما المسافر و العبد فمن قائل إن الجمعة تجب على المسافر و به أقول و تجب على العبد فللعبد أن يتأهب فإن منعه سيده فيكون السيد من الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله و من قائل إنه لا تجب عليهما و قد ورد خبر متكلم فيه إن الجمعة واجبة إلا على أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض و في رواية أخرى إلا خمسة و ذكر المسافر (وصل في اعتبار ذلك) لما كان من شرطها ما زاد على الواحد و أنها لا تصح بوجود الواحد فاعلم إن العقل قد علم إن لله أحدية ذاتية لا نسبة بينها و بين طلب الممكنات و قد ذكرناها و العاقل يعلمها فمن المحال أن يعقل العقل وجود العالم من هذه الأحدية فوجب عليه بصلاة الجمعة أن يرجع إلى النظر فيما يطلبه الممكن من وجود من له هذه الأحدية فنظر فيه من كونه إلها يطلب المألوه فهذه معرفة أخرى لا تصح إلا بالجماعة و هو تركيب الأدلة و ترتيبها فوجبت صلاة الجمعة على العقل الموصوف به العاقل و لما كانت المرأة ناقصة عقل و دين فالعقل الذي نقص منها هو عقل هذه الأحدية الذاتية فوجبت الجمعة على الرجل و هو الجمع بين العلم بتلك لاحدية و بين العلم بكونه إلها و نقص عقل المرأة عن علم تلك الأحدية فلم يجب عليها أن تجمع بينها و بين العلم بالله من كونه إلها و أما العبد الذي يسقط عنه وجوب الجمعة عند من يقول به و هو العبد المستحضر لجبر الله له في اختياره فإن الحقيقة تعطي أن العبد مجبور في اختياره فلما لم يتمكن له أن يجمع بين الحرية و العبودة لم تجب عليه الجمعة و كل من ذكرناه و نذكر أنه لا تجب عليه الجمعة أنه إذا حضرها صلاها كذلك إذا حضرت مواطن الاعتبارات المانعة للمذكورين من الوجوب أنها لا تجب عليه فإن فنى عنها بحال يخالفها وجبت الجمعة أي وجب عليه علم ما لم يكن يجب عليه علمه كمريم و آسية اللتين حصل لهما درجة الكمال فتعين عليهما علم الأحدية الذاتية و علم الأحدية الإلهية التي هي أحدية الكثرة و أما المريض و هو الذي لا يقول بالأسباب و لا يعلم حكمتها فلم يحصل له مقام الصحة حيث فإنه من العلم بالله قدر ما تعطيه حكم لأسباب و من لم يعط حاله هذا العلم و يقدح في تجريده و يخاف عليه لم يجب عليه أن يجمع بين لعلم بحكم الأسباب و بين العلم بتجريد التوحيد عنها و أما المسافر فإن حاله يقتضي أن لا تجب عليه الجمعة فاته ما بين ابتداء الغاية و انتهاء الغاية فهو بين من و إلى فلا تعطي حالته أن يجمع بين من و إلى التي تطلبها لا من التي هي في إلى إلى إلى أخرى فإن إلى تلك غابت فيها من و لو لا إلى الأخرى ما عرفت أن في نفس إلى الأولى من فما نهاية إلا و لها بداية و لا ينعكس فلا تجب عليه الجمعة من حيث ما هو عين من الأولى و الذي نقول بوجوبها عليه إنما هو مع من التي تتضمنها إلى الأولى و إلى الثانية و الثالثة و كذا إلى ما لا نهاية له فلو لا المنازل في الطريق و المقامات ما عقل لمن غاية فإلى تطلب من و من لا تطلب إلى و أما الصبي فهو المائل إلى طبيعته لا يعرف غيرها و لا يصح كونه صبيا إلا بهذه الصفة فمن المحال أن يرفع رأسه إلى معرفة حقيقته التي يصح له بالعلم بها الجمعة فلهذا اعتبرنا أن الصبي لا تجب عليه الجمعة
(وصل في فصل شروط الجمعة)
اتفق العلماء على أنها شروط الصلاة المفروضة المتقدمة و قد ذكرناها ما عدا الوقت و الأذان فإنهم اختلفوا في ذلك و كذلك اختلفوا في الشروط المختصة بها و سأذكرها
(وصل في فصل الوقت)
فمن قائل إن وقتها وقت الزوال يعني وقت صلاة الظهر و من قائل إن وقتها قبل الزوال و أنا أقول بالتخيير بين الوقتين (وصل الاعتبار في ذلك) قال تعالى أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ثم قال ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا فأمرنا بالنظر إليه و النظر إليه معرفته و لكن من حيث إنه مد الظل و هو إظهاره وجود عينك فما نظرت إليه من حيث أحدية ذاته في هذا المقام و إنما نظرت إليه من حيث أحدية فعله في إيجادك في الدلالة و هو صلاة الجمعة فإنها لا تجوز للمنفرد فإنمن شرطها ما زاد على الواحد فمن راعى هذه المعرفة الإلهية قال بصلاتها قبل الزوال لأنه مأمور بالنظر إلى ربه في هذه الحال و المصلي يناجي ربه و يواجهه في قبلته و الضمير في عليه يطلبه أقرب مذكور و هو الظل و يطلبه الاسم الرب و إعادته على الرب أوجه فإنه بالشمس ضرب الله المثل في رؤيته يوم القيامة فقال على لسان نبيه صلى الله عليه و سلم ترون ربكم كما ترون الشمس بالظهيرة أي وقت الظهر و أراد عند الاستواء بقبض الظل في الشخص في ذلك الوقت لعموم النور ذات الرائي و هو حال فنائه عن رؤية نفسه في مشاهدة ربه ثم قال ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً و هو عند الاستواء ثم عاد إلى مده بدلوك الشمس و هو بعد الزوال فعرفه بعد المشاهدة كما عرفه الأول قبل المشاهدة و الحال الحال قال إن وقت صلاة الجمعة بعد الزوال لأنه في هذا الوقت ثبتت له المعرفة بربه من حيث مده الظل و هنا تكون إعادة الضمير من عليه على الرب أوجه فإنه عند الطلوع يعاين مد الظل فينظر ما السبب في مدة فيرى ذاته حائلة بين الظل و الشمس فينظر إلى الشمس فيعرف من مده ظله ما للشمس في ذلك من الأثر فكان الظل على الشمس دليلا في النظر و كان الشمس على مد الظل دليلا في الأثر و من لم يتنبه لهذه المعرفة إلا و هو في حد الاستواء ثم بعد ذلك بدلوك الشمس عاين امتداد الظل من ذاته قليلا قليلا جعل الشمس على مد الظل دليلا فكان دلوكها نظير مد الظل و كان الظل كذات الشمس فيكون الدلوك من الشمس بمنزلة المد من الظل فالمؤثر في المد إنما هو دلوك الشمس و المظهر للظل إنما هو عين الشمس بوجودك فقام وجودك في هذه المسألة مقام الألوهة لذات الحق لكونه ما أوجد العالم من كونه ذاتا و إنما أوجده من كونه إلها فانظر يا ولي مقام ذاتك من حيث وجودك تر ما أشرف نسبته فوجودك وجود الحق إذ الله ما خلق شيئا إلا بالحق و بميل الشمس عنك يمتد ظلك فهي معرفة تنزيه جعل ذلك دليلا لتعتقده فإن الشمس تبعد عنك و كلما بعدت عنك نبهتك أنك لست مثله و لا هو مثلك إلا أن يحجبك عن رؤيتها فهو التنزيه المطلق الذي ينبغي لذات الحق كما أنه في طلوعها و طلبها إياك بالإنقاء إلى الاستواء تشمر ظلك شيئا بعد شيء لنعلمك أن بظهورها في علوها تمحوك و تفنيك إلى أن لا تبقي منك شيئا من الظل خارجا عنك و هو نفي الآثار بسببك و لهذا لم تشرع الصلاة عند الاستواء لفناء الظل فلمن ذا الذي يصلي أو إلى من تواجه في صلاتك و الشمس على رأسك و لذا قال في أهل المدينة و ما كان على خطها شرقوا يعني في التوجه إلى القبلة في الصلاة و لا تغربوا أي راقبوا الشمس من حيث ما هي شارقة فإنها تطلع فتفنيكم عنكم فلا يبقى لكم مقام و لا أثر قال تعالى يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فنبه ع إن ذلك هو المقام الأشرف بخلاف الدلوك فإن الدلوك يمكن أن ينظر الإنسان فيه إلى امتداد ظله و يمكن أن ينظر إلى تنزيه الحق في ميلة عنه بخلاف الشروق في الدلالة فقال صلى الله عليه و سلم شرقوا و لا تغربوا أي خدوا معرفتكم بالله من هذا الدليل فإنه أرفع للاحتمال من الغروب و بعد أن تبين هذا فمن صلى قبل الزوال الجمعة أصاب و من صلاها بعد الزوال أصاب و الذي أذهب إليه أن صلاتها قبل الزوال أولى لأنه وقت لم يشرع فيه فرض فينبغي أن يتوجه إلى الحق سبحانه بالفرضية في جميع الأوقات فكانت صلاتها قبل الزوال أولى و إن كان قد يتفق أن يكون ذلك وقت أداء فرض صلاة في حق الناسي و النائم إذا تذكرا و لكن بحكم التبعية يكون ذلك فإن المعتبر إنما هو التذكر أو اليقظة في أي وقت كان بخلاف صلاة الجمعة إذا جعلناها قبل الزوال فتعين لها الوقت كما تعينت أوقات الصلوات المفروضات و إن الله قد أشار إلى نعيم مشاهدته و مصاحبته من غير تخصيص و لا تقييد فقال بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ و قال وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ فاعلم ذلك
(وصل في فصل في الأذان للجمعة)
قال تعالى إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ من يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ الله و من وقت النداء يكون الثواب من البدنة إلى البيضة و هو حين يشرع الخطيب في خطبته و من جاء من وقت طلوع الشمس إلى وقت النداء فله من الأجر بحسب بكوره و هي مسألة خلاف فالبدنة من وقت تعيين السعي فأما الأذان فإن جمهور العلماء اتفقوا على إن وقته هو إذا جلس الإمام على المنبر و اختلفوا هل يؤذن بين يدي الإمام مؤذن واحد فقط أو أكثر من واحد فمن قائل لا يؤذن بين يدي الإمام إلا واحد فقط و هو الذي يحرم به البيع و الشراء و قال آخرون بل يؤذن اثنان فقط و قال آخرون يؤذن ثلاثة و لكلقائل حجة و استناد إلى أثر و الذي أذهب إليه في هذه المسألة أن الأذان لصلاة الجمعة كالأذان للصلوات المفروضة كلها و قد تقدم الكلام على الأذان في الصلوات قبل هذا إلا أنه لا يجوز أن يؤذن اثنان و لا جماعة معا بل واحد بعد واحد فإن ذلك خلاف السنة (وصل الاعتبار في ذلك) الأذان الإعلام و هو دعاء الحق عباده لمعرفته من حيث ما هو إله الناس و ربنا و رب آبائنا و هو قوله صلى الله عليه و سلم من عرف نفسه عرف ربه فذكره بالإضافة و ما قال ذلك مطلقا فإن الحق سبحانه لا يعين لفظا و لا يقيد أمرا إلا و قد أراد من عباده أن ينظروا فيه من حيث ما خصصه و أفرده لتلك الحالة أو عينه بتلك العبارة و متى لم ينظر الناظر في هذه الأمور بهذه العين فقد غاب عن الصواب المطلوب و لما كانت الجمعة لا تصح إلا بالجماعة علمنا إن الأذان الذي هو الإعلام بالإعلان للإتيان و السعي إلى هذا التجلي الخاص لا بد أن يعطي ما لا يعطي المنفرد و قد بينا ذلك و ما يبقى إلا اختلاف مقامات الناظرين في ذلك بين مؤذن واحد و اثنين و ثلاثة و لا توقيت عندنا في ذلك إلا أنه لا بد من أذان و الواحد أدناه فإن زاد جاز و لكن واحد بعد واحد فأما الأذان الواحد فيراه من يرى صلاة الجمعة من حيث ما هي صلاة فقط و من يرى الاثنين فيرى كونها صلاة في جماعة فلا تجزى للمنفرد و من رأى الثلاثة في الأذان لها فلكونها صلاة في جماعة ليوم خاص و حالة مخصوصة لا تكون في سائر الأيام بخلاف الصلوات المفروضة في كل يوم فمن اعتبر هذه الأحوال الثلاثة قال بثلاثة مؤذنين فيقول الأول حي على الصلاة و يقول الثاني حي على الصلاة في الجماعة و يقول الثالث حي على الصلاة في الجماعة في هذا اليوم فاعلم كل مؤذن بحالة لم يعلم بها الآخر و اعتبر العلماء ذلك و لو انفرد واحد جاز
(وصل في فصل الشروط المختصة بيوم الجمعة في الوجوب و الصحة)
فمن جملة شروطها الجماعة و اختلفوا في مقدار الجماعة فمن قائل واحد مع الإمام و به أقول حضرا و سفرا عندي و من قائل اثنان سوى الإمام و من قائل ثلاثة دون الإمام و من قائل أربعون و من قائل ثلاثون و من قائل اثنا عشر و منهم من لا يشترط عددا و لكن رأى أنه يجوز بما دون الأربعين و لا يجوز بالثلاثة و الأربع و هذا الشرط من شروط الوجوب و الصحة أي به تجب الجمعة و تصح (وصل الاعتبار في ذلك) أما الواحد مع الإمام فهو حظ من يعرف أحدية الحق من أحدية نفسه فيتخذ أحدية نفسه على أحدية ربه دليل قال الشاعر
و في كل شيء له آية تدل على أنه واحد
و آية كل شيء عنده أحديته إذ كان كل موجود لا بد أن يمتاز عن غيره بأحدية لا تكون لغيره و تلك الأحدية هي على الحقيقة حقيقة أنيته و هويته فيعلم من ذلك أن ربه على خصوص وصف في هويته لا يمكن أن يكون ذلك لسواه و أما من قال اثنان فهو الذي يعرف توحيده من النظر في شفعيته فيرى كل ما سوى الحق لا يصح له الانفراد بنفسه و إنه مفتقر إلى غيره فهو مركب من عينه و من اتصافه بالوجود المستفاد الذي لم يكن له من حيث عينه و أما من قال بالثلاثة و هو أول الأفراد فهو الذي يرى أن المقدمتين لا تنتج إلا برابط فهي أربعة في الصورة و ثلاثة في المعنى فيرى أنه ما عرف الحق إلا من معرفته بالثلاثة فاستدل بالفرد على الواحد و هو أقرب في النسبة من الاستدلال بالشفع على الأحدية و أما من قال بالأربعين فاعتبر الميقات الموسوي الذي أنتج له معرفة كلام الحق من حيث ما قد علمتم من قصته المذكورة في القرآن و كذلك أيضا من حصلت له معرفة ربه من إخلاصه أربعين صباحا و هي الخلوة المعروفة في طريق القوم فإنهم يتخذونها لتحصيل معرفة الله بما يحصل لهم فيها من الإخلاص مع الله من المشوب و أما من قال بالثلاثين فنظر إلى الميقات الأول الموسوي و علم إن ذلك هو حد المعرفة إلا أنه طرأ أمر أخل به فزاد عشرا جبرا لذلك الخلل فهو بالمعنى ثلاثون فمن سلم ميقاته من ذلك الخلل فإن مطلوبه من العلم بالله يحصل بالثلاثين قال تعالى وَ واعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً و من هذا الحد لما جرى من نساء رسول الله ص ما جرى أداه ذلك إلى الانفراد مع الله و هجرهم فإلى من نسائه شهرا لعلمه أن المقصود يحصل بهذا التوقيت فلما فرغ الشهر ناجاه الحق بآية التخيير فخير نساءه فإنه كان المطلوب بذلك التوقيت ما فتح له به فإن الحق يجري مع العبد في فتحه على حسب قصده و السبب الذي أداه إلى الانفرادبه فمن أداه إلى الانفراد به إطلاق لأمر إليه فكانت نتيجته في خلوته مطلقة فيرى سريانه في الإلهية سريان الوجود الإلهي في الموجودات و هو أتم الكشف الكياني و أعلاه و من هنا شرع التخلق بالأسماء الإلهية و إلا فأي نسبة بين الممكن و الواجب الوجود لنفسه و أما من قال بالاثنتي عشر فاعتبر نهاية الإنسان و مرتبته العلوية و هي اثنا عشر و اعتبر أيضا أسماء الأعداد البسائط دون المركبات و هي اثنا عشر من واحد إلى تسعة و العقد ثلاثة و هي العشر و المئون و الآلاف فهذه اثنا عشر و بعد هذا ما ثم عدد إلا مركب في هذه الأصول فهي جمعية البسائط فاعلم ذلك و أما من لم يشترط عددا و قال بدون الأربعين و فوق الأربعة التي هي عشر الأربعين فإن الأربعين قامت من ضرب الأربعة في العشرة فهي عشر الأربعين فكما أنه نزل عن الأربعين ارتفع عن الأربعة و لم يقف عندها فيقول لا تصح المعرفة بالله إلا بالزائد على الأربعة و أقل ذلك الخمسة و هي المرتبة من الفردية و المرتبة الأولى هي الثلاثة و هي للعبد فإنها هي التي نتجت عنها معرفة الحق فيمن قال تجوز الجمعة بالثلاثة و يرى صاحب هذا القول أعني الذي يقول بالزائد على الأربعة إن الفردية الثانية هي للحق و هو ما حصل للعبد من العلم بفرديته الثلاثية فكان الحاصل فردية الحق لا أحديته لأن أحديته لا يصح أن ينتجها شيء بخلاف الفردية و لما كان أول الأفراد للعبد من أجل الدلالة فإن المعرفة بنفس العبد مقدمة على معرفة العبد بربه و الدليل يناسب المدلول بالوجه الرابط بين الدليل و المدلول فلا ينتج الفرد إلا الفرد فأول فرد يلقاه بعد الثلاثة فردية الخمسة فجعلها للحق أي لمعرفة الحق في الرتبة الخامسة فما زاد إلى ما لا يتناهى من الأفراد فقد بان لك في الاعتبار منازل التوقيت فيما تقوم به صلاة الجمعة من اختلاف الأحوال
(وصل في فصل الشرط الثاني و هو الاستيطان)
اتفق كل من قال من العلماء إن الجمعة لا تجب على المسافر على الاستيطان و اختلفوا فاشترط بعضهم المصر و السلطان و لم يشترطه بعضهم لكن اشترط الاستيطان في قرية أو ما في معناها (وصل الاعتبار في ذلك) أهل طريق الله على نوعين منهم من يتغير عليه الحال مع الأنفاس على علم منهم بذلك في قلوبهم و هم الأكابر من أهل الله فهم مسافرون على الدوام فمن المحال عليهم الاستيطان و هم في ذلك على نظرين فمن كان نظره ثبوته في مقام مراعاة الأنفاس و ذوق تغيرها و تنوعات التجليات دائما مع كل نفس كني عن ثبوته في هذه الحال بالاستيطان و هو في الحقيقة مقيم لا مقيم من وجهين مختلفين فإن لا مقام مقام جعل استيطان من شرط صحة صلاة الجمعة و وجوبها و إن كان مسافرا في استيطانه كسفر صاحب السفينة كما قال بعضهم في سير الإنسان في عمره
فسيرك يا هذا كسير سفينة بقوم جلوس و القلاع يطير
و من كان من رجال الله دون هذه المرتبة و أقامهم الحق في مقام واحد فيما يرونه في نفوسهم و إن كان محالا في نفس الأمر و هم في لبس من خلق جديد فهم بهذا الاعتبار من أهل الاستيطان فيقيمون الجمعة و يرون أن ذلك من شروط الصحة و الوجوب و من كان نظره في انتقاله في الأحوال و المشاهد و يرى أن الإقامة محال على حال واحد ذوقا و أن سفره مثل سفر صاحب السفينة فيما يظهر له و الأمر في نفسه بخلاف ذلك لم يشترط الاستيطان و قال بصحة الجمعة و وجوبها بمجرد العدد لا بالاستيطان
(وصل في فصل جمعتين في مصر واحد اختلف علماؤنا هل يقام جمعتان في مصر واحد أم لا يقام)
فمن قائل بجواز ذلك و من قائل بأنه لا يجوز و بالجواز أقول إلا إن فيه ما لا يثلج الصدر به و الأولى أن لا و كذلك اشترط بعضهم المصر و لم يشترطه بعضهم و بعدم هذا الشرط أقول و كذلك اشترط بعضهم أن يكون المسجد ذا سقف و لم يره بعضهم و لم يأت في شيء من هذه الأمور كلها نص من كتاب و لا سنة فإذا صحت الجماعة وجبت الجمعة لا غير (وصل الاعتبار في ذلك) المصر الواحد ذات الإنسان في الاعتبار فإنه مدينة في نفسه بل هو جميع العالم و ذات الإنسان تنقسم إلى قسمين إلى لطيف و إلى كثيف فإن اتفق أن يختلف التجلي على الإنسان فيتجلى له في الاسم الظاهر حسا أو تمثلا و في الاسم الباطن معنى و تنزلها فإنه مأمور في هذه الحال بقبول التجليين قيل لأبي سعيد الخراز بم عرفت الله قال بجمعهبين الضدين ثم تلا هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ فجاز عنده إقامة جمعتين في مصر واحد و أكثر من جمعتين فقد يشهد الحق في كل اسم عنده من أسمائه و لكل اسم منه عالم ليس للاسم الآخر فيقام في ذات الإنسان جمعات كثيرة لاختلاف عوالمه في نفسه و لكل اسم حكم و سلطنة في عالمه و جماعته و المصر واحد فهذا قد حصل له المصر و السلطان و الإقامة و السفر في حال واحد و عين واحدة و هو مسمى الإنسان و هو عالم صغير الجرم كبير المعنى و من كان نظره في مثل هذه التجليات المتنوعة في الأسماء الإلهية و الأعيان الكونية و أن الحق هو الأول من عين ما هو آخر من عين ما هو ظاهر من عين ما هو باطن إلى سائر الأسماء كانت ما كانت لاتساع الأمر في نفسه بتنوع معاني هذه الأسماء الإلهية و الأعيان الكونية و أنها و إن تعددت بالنسب فهي عين واحدة وجودا منع أن يقام جمعتان في المصر الواحد و كل عارف من أهل الله يعمل بحسب وقته و نظره و لهذا قال إن الصوفي ابن وقته
(وصل في فصل الخطبة)
اختلف علماء الشريعة في خطبة يوم الجمعة هل هي شرط في صحة الصلاة و ركن من أركانها أم لا فذهب الأكثرون إلى أنها شرط و ركن و قال قوم إنها ليست بفرض و به أقول و في النفس من ذلك شيء فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم ما نص على وجوبها و لا على خلافه بل نقل بالتواتر إنه لم يزل يخطب فيها و الوجوب حكم و تركه حكم و لا ينبغي لنا أن نشرع وجوبها و لا غير وجوبها فإن ذلك شرع لم يأذن به الله فمذهبنا المحقق التوقيف في الحكم عليها مع العمل بها و لا بد فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يزل يصليها بخطبة كما لم يزل يصلي العيدين بخطبة مع اجتماعنا على إن صلاة العيدين ليست من الفروض و لا خطبتها و ما جاء عيد قط إلا و صلى ص صلاة العيد و خطب (وصل الاعتبار في ذلك) الخطبة شرعت للموعظة و الخطيب داعي الحق و حاجب بابه و نائبه في قلب العبد يرده إلى الله ليتأهب لمناجاته و لذلك قدمها في صلاة الجمعة حتى جعلتها عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فيما روى عنها إن الخطبة في صلاة الجمعة بدل من الركعتين فإن صلاة الجمعة ركعتان كصلاة المسافر فسنها قبل الصلاة لما ذكرناه من قصد التأهب للمناجاة كما سن النافلة من أجل الفريضة ابتداء لأجل الذكرى و التأهب فإن عناية الشرع إنما هي بما فرض فسن النافلة ابتداء في جميع الصلوات المفروضة أ لا تراه حين فرض عليه قيام الليل كان يفتتحه بركعتين خفيفتين قبل الشروع في قيام الليل كل ذلك ليتنبه القلب لمناجاة من دعاه إليه بما افترض عليه و مشاهدته و مراقبته فإن الفريضة هي المطلوبة منه و هو المطلوب بها فمن رأى أن الانتباه أصل في الطريق كالهروي و غيره قال بوجوب الخطبة كالوضوء للصلاة منبه و من رأى أن المقصود هو الصلاة و أن الإقامة فيها هو عين الانتباه لمن كان خفيف النوم جعل الخطبة سنة راتبة ينبغي أن تفعل و إن لم ينص عليها و لكن ثابر عليها فهكذا الانتباه قبل المناجاة للمناجاة أولى من أن يكون الانتباه في عين المناجاة فربما أثرت في مناجاته نومته المتقدمة قال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ من يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ الله فيحتمل أن يريد هنا بالذكر الخطبة فإنه مأمور بالإنصات في حال الخطبة ليسمع ما يقول أ لا ترى ما قيل في حق المؤذنين إنهم أطول الناس أعناقا و العنق مجرى النفس و امتداده للاسماع برفع الصوت به كني عنه بطول العنق و لما أشهدني الحق الأذان بنفسي رأيت لكل كلمة من الخبر المقيد بالحس مد البصر في كل كلمة فالمؤذنون أفضل جماعة دعت إلى الله عن أمر الله و رسوله و لو لا رفق الرسول ص بأمته لأذن فإنه لو أذن و تخلف عن إجابته من سمعه إذا قال حي على الصلاة كان عاصيا فكان بالمؤمنين رءوفا رحيما و إنما قلنا إنه يريد هنا بالسعي إلى ذكر الله الخطبة لأن الصلاة بذاتها تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ و هو ما ظهر من المخالفة وَ الْمُنْكَرِ و هو ما تنكره القلوب وَ لَذِكْرُ الله فيها أَكْبَرُ ما فيها يعني القول فيها أشرف أفعال المكلف في الصلاة فإنها تشتمل على أفعال و أقوال و قد روينا عن بعض العلماء أنه تأول ذكر الله الذي يسعى إليه هو الخطبة
(وصل في فصل اختلاف القائلين بوجوب الخطبة في المجزي منها ما حده)
فمنهم من قال أدنى ما ينطلق عليه اسم خطبة شرعية و من قائل لا بد من خطبتين و من قائل أقل ما ينطلق عليه اسم خطبةلغة في لسان العرب و القائل بالخطبتين يرى أنه لا بد أن يجلس الخطيب بينهما يعني بين الخطبتين و يكون في كل واحدة منهما قائما يحمد الله في أولها و يصلي على النبي ص و يوصي بتقوى الله و يقرأ شيئا من القرآن في الأولى و يدعو في الثانية (وصل الاعتبار في ذلك) اعتبار درجات المنبر المقامات و الترقي فيها الترقي في مقامات السلوك إلى الله تعالى حتى يكون الداعي على بصيرة كما يعاين ببصره الخطيب الجماعة ببصره و إن كان أعمى فهو بمنزلة الداعي على غير بصيرة و هو المقلد و أما الخطبة فالخطبة الأولى يذكر فيها ما يليق بالله من الثناء و التحريض على الأمور المقربة من الله بالدلائل من كتاب الله و الخطبة الثانية بما يعطيه الدعاء و الالتجاء من الذلة و الافتقار و السؤال و التضرع في التوفيق و الهداية لما ذكره و أمر به في الخطبة و قيامه في حال خطبته أما في الأولى فبحكم النيابة عن الحق فيما نذر به و أوعد و وعد فهو قيام حق بدعوة صدق و أما القيام في الثانية فقيام عبد بين يدي سيد كريم يسأل منه الإعانة فيما قال الله على لسانه في الخطبة الأولى من الوصايا و أما الجلسة بين الخطبتين ليفصل بين المقام الذي تقتضيه النيابة عن الحق تعالى فيما وعظ به عباده على لسان هذا الخطيب و بين المقام الذي يقتضيه مقام السؤال و الرغبة في الهداية إلى الصراط المستقيم و لما لم يرد نص من الشارع بإيجاب الخطبة و لا بما يقال فيها إلا مجرد فعله لم يصح عندنا أن نقول يخطب شرعا و لا لغة إلا إنا ننظر ما فعل فنفعل مثله على طريق التأسي لا على طريق الوجوب و يقبله الله على ما يعلمه من ذلك قال تعالى لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ و قال قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله فنحن مأمورون باتباعه فيما سن و فرض فنجازي من الله تعالى فيما فرض جزاء فرضين فرض الاتباع و فرض الفعل الذي وقع فيه الاتباع و نجازي فيما سن و لم يفرضه جزاء فرض واحد و سنة فرض الاتباع و سنة الفعل الذي لم يوجبه فإن حوى ذلك الفعل على فرائض جوزنا جزاء الفريضة بما فيه من الفرائض كنافلة الصلاة و نافلة الحج فإنها عبادة تحوي على أركان و سنن و نوافل صدقة التطوع ما فيها شيء من الفرائض فنجازي في كل عمل بحسب ما يقتضيه ذلك العمل مما وعد الله للعامل به من الخير و لا بد من فرضية الاتباع فاعلم ذلك فالعارف يحمل درجات المنبر على الترقي في الأسماء الإلهية بالتخلق و فيها درج عال كالقادر و العالم و درج دونه كالمقتدر و حتى نعلم و كان لمنبر رسول الله ص ثلاث أدراج و كذلك الأسماء على ثلاث مراتب لكل درج مرتبة فأسماء تدل على الذات لا تدل على أمر آخر و أسماء تدل على صفات تنزيه و أسماء تدل على صفات أفعال و ما ثم مرتبة رابعة و كل هذه الأسماء قد ظهرت في العالم فأسماء الذات يتعلق بها و لا يتخلق و أسماء صفات التنزيه يقدس بها جناب الحق تعالى و يتخلق بها العبد بحسب ما تعطيه مما يليق به فكما إن العبد يقدس جلال الله أن تقوم به صفات الحدوث كذلك يقدس العبد بهذه الأسماء في التخلق بها نفسه أن تقوم به صفات القدم و الغني المطلق و أسماء صفات الأفعال يوحد العبد بها ربه فلا يشرك في فعله تعالى أحدا من خلقه و ما في الحضرة الإلهية سوى ما ذكرناه و لا في الإنسان سوى ما ذكرناه و لا في الإمكان سوى ما ذكرناه فالعبد لا يكون ربا لمن هو عبد له و الرب لا يكون عبدا تعالى الله فليس في الإمكان أبدع من هذا العالم لكماله في الدلالة عليه و استيعابه ما نسب الحق إلى نفسه و إلى العالم فإن قلت فقول رسول الله ص في دعائه بالأسماء الإلهية حين قال أو استأثرت به في علم غيبك فلعله يدل على أمر آخر قلنا لا بد أن يدل ذلك الاسم إما على الله و إما على ما سوى الله و إما على الله و على ما سوى الله بوجهين و اعتبارين و ما ثم قسم ثالث و كل هذه الأقسام قد حصلت في هذه الأسماء التي بأيدينا من جهة معانيها فإن الذي يدل من ذلك الاسم الذي لم نعرفه على الله إما أن يدل على صفة تنزيه و قد وجدت عندنا و إما على صفة فعل و قد وجدت و إما على صفة يعقل معناها في المحدثات كالفرح و التعجب فغاية الأمر أن يكون العالم في الدلالة كما إن في الإمكان مثل هذا العالم مما لا يتناهى فقد انحصر الأمر فيما قد وجد من العالم من جهة الحقائق فاعلم ذلك
(وصل في فصل الإنصات يوم الجمعة عند الخطبة)
اختلف الناس في الإنصات يوم الجمعة و الإمام يخطب على ثلاثة أقوال فمن قائل إن الإنصات واجب على كل حال و إنه حكم لازم من أحكام الخطبة و من قائل إن الكلام جائز في حال الخطبة إلا حين قراءة القرآن فيها و من قائل بالتفريق في ذلك بين من يسمع الخطبة و بين من لا يسمعها فإن سمع أنصت و إن لم يسمع جاز له أن يسبح أو يتكلم في مسألة من العلم و الجمهور على أنه إن تكلم لم تفسد صلاته و روى عن ابن وهب أنه قال من لغا فصلاته ظهر أربع و أما القائلون بوجوب الإنصات و هم الجمهور فانقسموا ثلاثة أقسام قسم أجازوا التشميت و رد السلام في وقت الخطبة و به قال الأوزاعي و الثوري و منهم من لم يجز رد السلام و لا التشميت و بعضهم فرق فقال برد السلام و لا يشمت (وصل الاعتبار في ذلك) إنما شرع الوعظ و التذكير للإصغاء إلى ما يقول الواعظ و المذكر و هو الخطيب الداعي إلى الله و الإنصات له في حال كلامه ليرى ما يجري الله على لسان عبده فالخطيب نائب الحق فكان الحق هو المكلم عباده فوجب الإنصات و الإصغاء إلا فيما أمر به مثل رد السلام و تشميت العاطس إذا حمد الله فمن رأى أن الحق هو المتكلم وجب عليه الإنصات و لكن مع السماع و لا سيما عند قراءة القرآن في الخطبة فإن لم يسمع فينبغي له في تلك الحال أن يكون مشغولا بما هو الخطيب به مشتغل من ذكر الله و الثناء عليه و وعظ نفسه و زجره إياها و تقريره نعم الله على نفسه و قراءة القرآن و لكن كل ما وقع من هذا كله فليكن كما قال وَ خَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً فهكذا يكون ذكره و لا يسمع الخطبة لبعده عن الخطيب أو لصمم قام بسمعه فالإنسان واعظ نفسه