(وصل في فصل من جاء يوم الجمعة و الإمام يخطب هل يركع أم لا)
اختلف العلماء فيمن هذه حاله فمن قائل يركع و به أقول و من قائل لا يركع (وصل الاعتبار في ذلك) الركوع الخضوع لله و هو واجب أبدا على العالم كله ما دام ذاكر الله لم يغفل و كل ما سوى الجن و الإنس فهو ذاكر لله مسبح بحمده فإن ذكر الله الذاكر منا و لم يخشع قلبه و لا خضع عند ذكره إياه فلم يحترم الجناب الإلهي و لم يأت بما ينبغي له من التعظيم و أول ما يمقته جوارحه و جميع أجزاء بدنه و معلوم قطعا إن الآتي إلى الجمعة سيحضر بدخول المسجد و رؤية الخطيب و قصده الصلاة إنه ذاكر لله و قد أمره الله على لسان الترجمان رسول الله ص الذي قال تعالى في حق من أطاعه من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله و قد أمر بتحية المسجد قبل أن يجلس و ما ورد نهي برفع هذا الأمر غير أنه إذا ركع لا يجهر بتكبير و لا بقراءة بل يسر ذلك جهد الطاقة و لا يسره و لا يزيد على التحية شيئا و لا سيما إن كان بحيث يسمع الإمام و الداخل و الإمام يخطب قد أبيح له أن يسلم و ما خطأه أحد في ذلك و لم يؤمر الداخل بالسلام و إنما الأمر تعلق يرد السلام لا بابتداء السلام فالركوع عند دخول السلام أولى أن يجوز له لورود الأمر بالصلاة للداخل قبل أن يجلس و الصلاة خير موضع و لكن لا يزيد على الركعتين شيئا فإن قدر أن لا يقعد فلا ركوع عليه فإن أراد الجلوس ركع و لا بد فإنه إذا أنصف الإنسان ما ثم ما يعارض الراكع إذا دخل المسجد
(وصل في فصل ما يقرأ به الإمام في صلاة الجمعة)
اختلف الناس في ذلك فمن قائل إن صلاة الجمعة كسائر الصلوات لا يعين فيها قراءة سورة بعينها بل يقرأ بما تيسر و من الناس من اقتصر على ما قرأ به رسول الله ص فيها غالبا مما قد ثبتت به الرواية عنه و هي صورة الجمعة في الركعة الأولى و المنافقين في الثانية و قد قرأ سورة الغاشية بدلا من المنافقين و قد قرأ في الأولى بسبح اسم ربك الأعلى و في الثانية بالغاشية و الذي أقول به أن لا توقيت و الاتباع أولى (وصل الاعتبار في ذلك) المناجى هو الله و المناجي اسم فاعل هو العبد و القرآن كلام الله و كل كلامه طيب و الفاتحة لا بد منها و السورة منزل من المنازل من مائة و ثلاثة عشر منزلا عند الله و القرآن قد ثبت في الأخبار تفاضل سورة و آية بعضه على بعض في حق القارئ بالنسبة لما لنا فيه من الأجر و قد ورد أن آية الكرسي سيدة آي القرآن لأنه ليس في القرآن آية يذكر الله فيها بين مضمر و ظاهر في ستة عشر موضعا منها إلا آية الكرسي هذا في الآيات و جاء في السور أن سورة يس تعدل قراءتها قراءة القرآن عشر مرات و قراءة تبارك الذي بيده الملك تجادل عن قاريها في قبره و سورة إذا زلزلت تعدل نصف القرآن و قل يا أيها الكافرون ربع القرآن و كذلك إذا جاء نصر الله و سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن و لكل واحدة من التي ذكرناها في المفاضلة معنى معقول و أن الزهراوين البقرة و آل عمران يأتيان يوم القيامة و لهما عينان و لسانانو شفتان يشهدان لمن قرأهما بحق و الأخبار النبوية في ذلك كثير و أما ما نعلمه من طريق الكشف فلا يتمكن لي أن أذكره إلا أن سورة ص منبع الأنوار عاينت ذلك مشاهدة فيا أيها الإمام في صلاة الجمعة إن قصدت المناسبة فاقرأ فيها سورة الجمعة و ما ثبت أنه قرأ به رسول الله ص فالله يقول لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ و اقرأ بسبح اسم ربك الأعلى تنزه الحق عما يظهر في هذه العبادة من الأفعال من حيث إنه قال لنا عن نفسه أنه يصلي علينا فنسبحه عن التخيل الذي يتخيله الوهم من الإنسان من قوله يصلي بسبح اسم ربك الأعلى و إذا جاء المنافقون و هل أتاك حديث الغاشية مناسبتان لما تتضمنه الخطبة من الوعد و الوعيد فتكون القراءة في صلاة الجمعة تناسب ما ذكر به الإمام في الخطبة فيجمع بين الاقتداء و التناسب
(وصل في فصل الغسل يوم الجمعة)
غسل الجمعة واجب على كل محتلم عندنا و هو لليوم و إن اغتسل فيه للصلاة فهو أفضل أما الغسل يوم الجمعة فالجماعة على أنه سنة و قوم قالوا إنه فرض و به أقول و القائلون بوجوبه منهم من قال إنه واجب لليوم و هو قولنا و إن اغتسل قبل الصلاة للصلاة فهو أفضل و منهم من قال إنه واجب قبل صلاة الجمعة (وصل الاعتبار في ذلك) الطهارة العامة لباطن الإنسان الذي هو قلبه بالحياة الباطنة للمعرفة بالله التي فيها و بها حياة القلوب من حيث ما تعطيها صلاة الجمعة من جهة أنه سبحانه واضع لهذه العبادة الخاصة بهذه الصورة فإنه من أعظم الهداية التي هدى الله إليها هذه الأمة خاصة فإنه اليوم الذي اختلفوا فيه فهدى الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه و ذلك أن الله اصطفى من كل جنس نوعا و من كل نوع شخصا و اختاره عناية منه بذلك المختار أو عناية بالغير بسببه و قد يختار من الجنس النوعين و الثلاثة و قد يختار من النوع الشخصين و الثلاثة و الأكثر فاختار من النوع الإنساني المؤمنين و اختار من المؤمنين الأولياء و اختار من الأولياء الأنبياء و اختار من الأنبياء الرسل و فضل الرسل بعضهم على بعض و لو لا ورود النهي من الرسول ص في قوله لا تفضلوا بين الأنبياء لعينت من هو أفضل الرسل لكن أعلمنا الله أنه فضل بعضهم على بعض فمن وجد نصا متواترا فليقف عنده أو كشفا محققا عنده و من كان عنده الخبر الواحد الصحيح فليحكم به إن تعلق حكمه بأفعال الدنيا و إن كان حكمه في الآخرة فلا يجعله في عقده على التعيين و ليقل إن كان هذا عن الرسول في نفس الأمر كما وصل إلينا فإنا مؤمن به و بكل ما هو من عند رسول الله ص و عن الله مما علمت و مما لم أعلم فإنه لا ينبغي أن يجعل في العقائد إلا ما يقطع به إن كان من النقل فما ثبت بالتواتر و إن كان من العقل فما ثبت بالدليل العقلي ما لم يقدح فيه نص متواتر فإن قدح فيه نص متواتر لا يمكن الجمع بينهما اعتقد النص و ترك الدليل و السبب في ذلك أن الايمان بالأمور الواردة على لسان الشرع لا يلزم منها أن يكون الأمر الوارد في نفسه على ما يعطيه الايمان فيعلم العاقل أن الله قد أراد من المكلف أن يؤمن بما جاء به هذا النص المتواتر الذي أفاده التواتر أن النبي ص قاله و إن خالف دليل العقل فيبقى على علمه من حيث ما هو علم و يعلم أن الله لم يرد به بوجود هذا النص أن يعلق الايمان بذلك المعلوم لا أنه يزول عن علمه و يؤمن بهذا النص على مراد الله به فإن أعلمه الحق في كشفه ما هو المراد بذلك النص القادح في معلومه آمن به في موضعه الذي عينه الحق له بالنظر إلى من هو المخصوص بذلك الخطاب و مثل هذا الكشف يحرم علينا إظهاره في العامة لما يؤدي إليه من التشويش فلنشكر الله على ما منحه فهذه مقدمة نافعة في الطريق و لما اختص الله من الشهور شهر رمضان و سماه باسمه تعالى فإن من أسماء الله رمضان كذلك اختص الله من أيام الأسبوع يوم العروبة و هو يوم الجمعة و عرف الأمم أن لله يوما اختصه من هذه السبعة الأيام و شرفه على سائر أيام الأسبوع و لهذا يغلط من يفضل بينه و بين يوم عرفة و يوم عاشوراء فإن فضل ذلك يرجع إلى مجموع أيام السنة لا إلى أيام الأسبوع و لهذا قد يكون يوم عرفة يوم الجمعة و يوم عاشوراء يوم الجمعة و يوم الجمعة لا يتبدل لا يكون أبدا يوم السبت و لا غيره ففضل يوم الجمعة ذاتي لعينه و فضل يوم عرفة و عاشوراء لأمور عرضت إذا وجدت في أي يوم كان من أيام الأسبوع كان الفضل لذلك اليوم لهذه الأحوال العوارض فتدخل مفاضلة عرفة و عاشوراء في المفاضلة بين الأسباب العارضة الموجبة للفضلفي ذلك النوع كما إن رمضان إنما فضله على سائر الشهور في الشهور القمرية لا في الشهور الشمسية فإن أفضل الشهور الشمسية يوم تكون الشمس في برج شرفها و قد يأتي شهر رمضان في كل شهور السنة الشمسية فيشرف ذلك الشهر الشمسي على سائر شهور الشمس بكون رمضان كان فيه و كونه فيه أمر عرض له في سيره فلا يفاضل يوم الجمعة بيوم عرفة و لا غيره و لهذا شرع الغسل فيه لليوم لا لنفس الصلاة فإن اتفق أن يغتسل في ذلك اليوم لصلاة الجمعة فلا خلاف بيننا أنه أفضل بلا شك و أرفع للخلاف الواقع بين العلماء فلما ذكر الله شرف هذا اليوم للأمم و لم يعينه و كلهم الله في العلم به لاجتهادهم فاختلفوا فيه فقالت النصارى أفضل الأيام و الله أعلم هو يوم الأحد لأنه يوم الشمس و هو أول يوم خلق الله فيه السموات و الأرض و ما بينهما فما ابتدأ فيه الخلق إلا لشرفه على سائر الأيام فاتخذته عيدا و قالت هذا هو اليوم الذي أراده الله و لم يقل لهم نبيهم في ذلك شيئا و لا علم لنا هل أعلم الله نبيهم بذلك أم لا فإنه ما ورد بذلك خبر و قالت اليهود بل ذلك يوم السبت فإن الله فرغ من الخلق في يوم العروبة و استراح يوم السبت و استلقى على ظهره و وضع إحدى رجليه على الأخرى و قال أنا الملك قال الله تعالى في مقابلة هذا الكلام و أمثاله وَ ما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ و تزعم اليهود أن هذا مما نزل في التوراة فلا نصدقهم في ذلك و لا نكذبهم فقالت اليهود يوم السبت هو اليوم الذي أراده الله بأنه أفضل أيام الأسبوع فاختلفت اليهود و النصارى و جاءت هذه الأمة فجاء جبريل إلى محمد ص بيوم الجمعة في صورة مرآة مجلوة فيها نكتة فقال له هذا يوم الجمعة و هذه النكتة ساعة فيه لا يوافقها عبد مسلم و هو يصلي إلا غفر الله له فقول النبي ص فهدانا الله لما اختلف فيه أهل الكتاب هو هذا التعريف الإلهي بالمرآة و أضاف الهداية إلى الله و سبب فضله أنه اليوم الذي خلق الله فيه هذه النشأة الإنسانية التي خلق المخلوقات من يوم الأحد إلى يوم الخميس من أجلها فلا بد أن يكون أفضل الأوقات و كان خلقه في تلك الساعة التي ظهرت نكتة في المرآة و لما ظهرت نكتة في المرآة دل ضرب المثل أنها لا تنتقل كما لا تنتقل تلك النكتة التي في المرآة فهي ساعة معينة في علم الله فإن راعينا ضرب ذلك المثل في الحس و لا بد قلنا إن الساعة لا تنتقل كما لا تنتقل في الحس و إن راعينا ضرب المثل بها في الخيال و لا نخرجه بالحمل إلى الحس قلنا تنتقل الساعة في اليوم فإن حكم الخيال للانتقال في الصورة لأنه ليس هو بمحسوس فينضبط و إنما هو معنى في صورة جسدية خيالية تشبه صورة حسية و كما إن المعنى الواحد ينتقل في صور ألفاظ كثيرة و لغات مختلفة في زمان واحد أشبه الخيال فتنتقل الساعة في يوم الجمعة و كلا الأمرين سائغ في ذلك و لا يعرف ذلك إلا بإعلام الله و هذه الساعة في يوم الجمعة كليلة القدر في السنة سواء قال تعالى في هذا اليوم أعني في شأنه كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ الله النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَ ما اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ من بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى الله الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ من الْحَقِّ بِإِذْنِهِ هذه الآية نزلت في الاختلاف في هذا اليوم فغسل يوم الجمعة من هذا الاختلاف حتى يكون على يقين في طهارته بما كشف الله عن بصيرته و هو علم الساعة التي في هذا اليوم فإن اليوم كان مبهما ثم إن الله عرفنا به على لسان رسوله و بقي الإبهام في الساعة التي فيه فمن علمها في كل جمعة إن كانت تنتقل أو علمها في وقتها المعين إن كانت لا تنتقل فقد صح غسله يوم الجمعة من هذا الجهل الذي كان فيه بها و لهذا ينبغي أن يكون الغسل لليوم فإنه أعم
(وصل في فصل وجوب الجمعة على من خارج المصر)
اختلف الناس في وجوب الجمعة على من خارج المصر فمن قائل لا تجب الجمعة على من خارج المصر و من قائل أنها تجب على من هو خارج المصر و اختلفوا في قدر المسافة فمنهم من قال مسيرة يوم و هو قول شاذ و منهم من قال ثلاثة أميال و منهم من قال إن يكون على مسافة يسمع منها النداء غالبا و الذي أقول به إذا كان الإنسان على مسافة بحيث إنه إذا سمع النداء يقوم للطهارة فيتطهر ثم يخرج إلى المسجد و يمشي بالسكينة و الوقار فإذا وصل و أدرك الصلاة وجبت عليه الجمعة فإن علم أنه لا يلحق الصلاة فلا تجب عليه لأنه ليس بمأمور بالسعي إليها إلا بعد النداء و أما قبل النداء فلا (وصل الاعتبار في ذلك) الخارج عن الموطن الذي تعطيه معرفة الحق من حيث ما هو آمر بها من دليل من عرف نفسه عرف ربه و هو الارتباط بالمعرفتين فلا يخلو أن يكون خروجه إلى معرفة ربه من حيث ما هو واجب الوجود أو يكون خارجا إلى حضرة الحيرة و الوقوف أو الكثرة فإن كان خارجا إلى حكم معرفة كونه واجب الوجود لنفسه لا تجب عليه الجمعة و إن كان خروجه إلى ما سوى هذا وجبت عليه الجمعة بلا شك
(وصل في فصل الساعات التي وردت في فضل الرواح إلى الجمعة)
فمن قائل هي الساعات المعروفة من أول النهار و من قائل هي أجزاء ساعة واحدة قبل الزوال و بعده و الذي أقول به إنها أجزاء من وقت النداء الأول إلى أن يبتدئ الإمام بالخطبة و من بكر قبل ذلك فله من الأجر بحسب بكوره مما يزيد على البدنة مما لم يوقته الشارع (وصل الاعتبار في ذلك) السعي سعيان سعى مندوب إليه و هو من أول النهار إلى وقت النداء و سعى واجب و هو من وقت النداء إلى أن يدرك الإمام راكعا من الركعة الثانية و الأجر الموقت للساعي إلى أول الخطبة و ما بعد ذلك فاجر غير موقت لأنه لم يرد في ذلك شرع فأما الأجر الموقت فهو من بدنة إلى بيضة و بينهما بقرة و هي تلي البدنة و يليها كبش و تلي الكبش دجاجة و البيضة تأتي بعد الدجاجة آخرا و ليس بعدها أجر موقت و لما كانت البيضة من الدجاجة و فيها تتكون الدجاجة و ما في معناه من الحيوان الذي يبيض لهذا قرن البيضة مع الحيوان في توقيت القربة و قصد من الحيوانات في التمثيل ما يؤكل لحمه دائما غالبا مما لا خلاف في أكله و به تعظم قوة الحياة في الشخص المتغذي فكان المتقرب به تقرب بحياته و التقريب بالنفس إلى الله أسنى القربات أ لا ترى الشهداء في سبيل الله لما تقربوا بأنفسهم إلى الله في قتال أعداء الله كانت لهم الحياة الدائمة و الرزق الدائم و الفرح بما أعطاهم الله فلا يقال في الشهداء أموات لنهي الله عن ذلك لأن الله أخذ بأبصار الخلق عن إدراك حياتهم كما أخذ بأبصارهم عن إدراك الملائكة و الجن مع معرفتنا أنهم معنا حضور و لا نعتقد أيضا في الشهداء أنهم أموات بقوله وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ و خير الله صدق فثبتت لهم الحياة لما قصدوا القربة إلى الله بنفوسهم (حكي عن بعض شباب الصالحين) أنه كان بمنى يوم النحر و كان فقيرا متجردا لا يقدر على شيء من الدنيا فنظر إلى الناس يتقربون إلى الله بنحر بدنهم و بالبقر و الغنم و ما قدروا عليه من الحيوان فقال الشاب إلهي إن الناس قد تقربوا إليك في هذا اليوم بما وصلت أيديهم إليه مما أنعمت به عليهم و ما لعبدك المسكين شيء يتقرب به إليك في هذا اليوم سوى نفسه فأقبلها فما فرغ من كلامه حتى فارق الدنيا فقبضه الله قبض الشهداء سبيل الله و لنا بيت من قصيدة في هذا المعنى
و أهدى من القربان نفسا معيبة و هل رىء خلق بالعيوب تقربا
و في مثل هذا يقول بعضهم و قد رأى بمنى مثل ما رآه هذا الشاب من الحاج فأنشد
تهدي الأضاحي و أهدى مهجتي و دمي
(وصل في فصل البيع وقت النداء للصلاة من يوم الجمعة)
اختلفوا في البيع في وقت النداء فمن قائل يفسخ و من قائل لا يفسخ قال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ من يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ الله وَ ذَرُوا الْبَيْعَ فأمر بترك البيع في هذا الوقت قال الله تعالى إِنَّ الله اشْتَرى من الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ و قال ع في الجهاد إنه جهاد النفس و هو الجهاد الأكبر و قال تعالى قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ من الْكُفَّارِ و لا أكفر من النفوس بنعم الله و لا يلي الإنسان أقرب إليه من نفسه و جهاد النفس أعظم من جهاد العدو لأن الإنسان لا يخرج إلى جهاد العدو إلا بعد جهاده لنفسه و جهاد العدو قد يقع من العبد للرياء و السمعة و الحمية و جهاد النفس أمر باطن لا يطلع عليه إلا الله كالصوم في الأعمال و أحق بيع النفس من الله إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ من يَوْمِ الْجُمُعَةِ فيترك جميع أغراضه و مراداته و يأتي إلى مثل هذا السوق فيبيع من الله نفسه و مثل هذا البيع لا يفسخ هذا مذهب من يقول بعدم الفسخ و من يقول بالفسخ اعتباره هو أن يقول جميع أفعال العبادات أضافها إلى العباد إلا عبادتين العبادة الواحدة الصوم فأضافه إلى نفسه و العلة في ذلك أنها صفة صمدانية سلبية لا تنبغي إلا لله من حيثذاته لا من حيث كونه إلها و كل ما عدا ذات الحق فإنه متغذ بالغذاء الذي يليق به مما يكون في استعماله بقاء ذلك المتغذي و العبادة الثانية الصلاة فإنه قال قسمت الصلاة بيني و بين عبدي بنصفين فنصفها لي و نصفها لعبدي فدل هذا الحديث على صحة ما يملكه العبد فإنه أضاف نصف الصلاة إلى نفسه تعالى و أضاف نصفها إلى عبده فهو و إن كان عبده فهو مالك لما أضافه الله إليه فهو بالنظر إلى ما أضافه إليه في الصلاة غير مملوك فقال بفسخ البيع و معنى فسخ البيع أنه لا يضيف إلى الله في هذه الحالة ما هو مضاف إليه فإن في ذلك منازعة الحق حيث أضاف أمرا إليك فرددته أنت عليه و هذا سوء أدب فأي مصل رد على الله هذا النصف الثاني الذي أضافه إلى العبد و ملكه إياه في حال الصلاة فهو بيع مفسوخ و لهذا قال تعالى في هذا الحال وَ ذَرُوا الْبَيْعَ يقول مرادي منكم في هذه الحال أن يكون نصف الصلاة لكم فالموفق هو الذي يتأدب مع الله في كل حال
(وصل بل فصل في آداب الجمعة)
اعلم أن آداب الجمعة ثلاثة و هو الطيب و السواك و الزينة و هو اللباس الحسن و لا خلاف فيه بين أحد من العلماء (وصل الاعتبار في ذلك) أما الطيب فهو علم الأنفاس الرحمانية و هو كل ما يرد من الحق مما تطيب به المعاملة بين الله و بين عبده في الحال و القول و الفعل و أما السواك فهو كل شيء يتطهر به لسان القلب من الذكر القرآني و هو أتم الطهارة و كل ما يرضي الله فإنه تنبعث ممن هذه أوصافه روائح طيبة إلهية يشمها أهل الروائح من المكاشفين قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في السواك إنه مطهرة للفهم و مرضاة للرب و إن السواك يرفع الحجب بين الله و بين عبده فيشاهده فإنه يتضمن صفتين عظيمتين الطهور و رضي الله و قد أشار إلى هذا المعنى الخبر في قوله صلى الله عليه و سلم صلاة بسواك خير من سبعين صلاة بغير سواك و في سواك إشارة للمصلين بربهم لا بأنفسهم و قد ورد أن لله سبعين حجابا فناسب بين ما ذكرته لك و بين هذه الأخبار تبصر عجائب و أما اللباس الحسن فهو التقوى قال تعالى وَ لِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ أي هو خير لباس و قال خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ و لا تقوى أقوى من الصلاة فإن المصلي مناج مشاهد و لهذا قال اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ و قال لعبده قل وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فقد أقام الصبر و الصلاة مقام نفسه في المعونة فكل مصل يتحدث في صلاته مع غير الله في قلبه فما هو المصلي الذي يناجي ربه و لا يشاهده فإن حال المناجاة و الشهود لا يجرأ أحد من المخلوقات يقرب من عبد تكون حالته هذه خوفا من الله و هذا المصلي قليل فهو مصل بصورته الظاهرة من قيام و ركوع و سجود غير مصل بباطنه الذي هو المطلوب منه و لكن نرجو في هذا الموطن أن يشفع ظاهره في باطنه كما يشفع في بعض الأحوال باطنه في ظاهره و سبب ذلك أن الحركات الظاهرة إن لم يكن لها في الباطن حضور تثبت به و تظهر عنها و إلا فما تكون و لا يظهر لها وجود فذلك القدر من الحضور المرعى شرعا هو من الباطن فيتأيد مع الفعل الظاهر فيقوي على ما يقع للمصلي من الوسوسة في الصلاة فلا يكون لها تأثير في نقص نشأة الصلاة عناية من الله إِنَّ الله بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ و لما كان اللباس الحسن من الزينة التي أمر بها العبد في الصلاة لم يكن أحسن زينة يلبسها العبد في مناجاة ربه من زينته بالعبودية و الزينة الأخرى الزينة بربه في قوله كنت سمعه و بصره و يده و رجله و لسانه فأثبت العبد بالضمير و زينة به تعالى في عباداته كلها انتهى الجزء الثاني و الأربعون
(وصول بل فصول صلاة السفر و الجمع و القصر)
السفر يؤثر في الصلاة القصر بإنفاق و في الجمع باختلاف أما القصر فإن العلماء اتفقوا على جواز قصر الصلاة للمسافر إلا عائشة فإنها قالت لا يجوز القصر إلا للخائف لقوله عز و جل إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا و قالوا إن النبي صلى الله عليه و سلم إنما قصر لأنه كان خائفا و اختلفوا من ذلك في خمسة مواضع أنا أذكرها إن شاء الله (وصل الاعتبار في ذلك) قد بينا لك في هذا الباب أن السفر حال لازم لكل ما سوى الله في الحقائق الإلهية بل لكل من يتصف بالوجود و هو سفر الأكابر من الرجال تخلقا بقوله تعالى يَسْئَلُهُ من في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ و حديث النزول إلى السماء الدنيا كل ليلة في الثلث الباقي من الليل و هو الإدلاج عند العرب بتشديد الدال فسفر الأكابر من الرجال بالعلم و التحققو سفر في الأسماء الإلهية بالتخلق و هو سفر حاله نازل عن الحال الأول و سفر ثالث في الأكوان بالاعتبار و هو حال دون الحالين و سفر جامع لهذه الأسفار كلها في أحوالها و هو أعظم أسفار الكون و الأول أعظم الأسفار و أجلها فإذا دعا لحق المسافر للصلاة قصر عن صلاة المقيم لموضع الفرق فكما تميز المقيم من المسافر و حال الإقامة من حال السفر تميز حكم صلاة المقيم من حكم صلاة المسافر و أما قول عائشة و هو قول الله في الخوف فإن العبد مطلوب في كل نفس بمراقبة الحق في حكمه تعالى في ذلك النفس بما شرع له تعالى فيه خاصة و ما كل أحد يقدر على مراعاة هذا المقام مع الحق فلا يزال في خوف دائما فالعارف إذا حصل فيه و خاف أن يلتبس عليه مناجاة الحق في الأنفاس اقتصر من المناجاة على ما يختص بذلك النفس فكان الخوف سببا للقصر و هو قول الله تعالى الذي ذهبت إليه عائشة و سيأتي تحقيق ما أومأنا إليه فيما بعد و لما قلنا إن العلماء اختلفوا من ذلك في خمسة مواضع تعين علينا إن نذكرها و اعتباراتها موضعا موضعا إن شاء الله تعالى كما جرت عادتنا في عبادات هذا الكتاب
(وصل في فصل الموضع الأول من الخمسة)
و هو حكم القصر اختلف علما الشريعة في ذلك على أربعة أقوال فمن قائل إن القصر للمسافر فرض متعين و به أقول و من قائل إن القصر و الإتمام كليهما فرض مخير له كالخيار في واجب الكفارة و من قائل إن القصر سنة و من قائل إن القصر رخصة و الإتمام أفضل (وصل الاعتبار في ذلك) من رأى أن التمكين في التلوين إقامة قال الإتمام أفضل و من راعى التلوين مع الأنفاس سواء كان مشعورا به أو غير مشعور به قال إن القصر فرض متعين و من راعى التلوين و التمكين خيره في القصر و الإتمام بحسب صاحب الوقت و حاكمه فإن كان صاحب الوقت التلوين بالحال و التمكين بالعلم قصر و إن كان صاحب الوقت التمكين بالحال و التلوين بالعلم أتم و من لم يراع التلوين و لا التمكين و كان بحكم الطريق لا بحكم السالك فيه قال إن القصر سنة
(وصل في فصل الموضع الثاني من الخمسة المواضع)
و هي المسافة التي يجوز فيها القصر اختلف العلماء في ذلك فمن قائل في أربعة برد و من قائل مسافة ثلاثة أيام و من قائل في كل سفر قريبا كان أو بعيدا و به أقول فإني أعتبر فيها مسمى السفر باللسان (وصل الاعتبار) في ذلك البريد اثنا عشر ميلا و لما كانت المسافة تطلب المقدار بذاتها و العدد يلزم المقادير و كانت مراتب العدد اثنتي عشرة مرتبة لا يزاد عليها و لا ينقص و هي واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة ثمانية تسعة عشرة مائة ألف هذه بسائط الأعداد و ما زاد عليها فمركب منها فإذا مشى الإنسان في طريق الله في الأربعة الأركان التي قامت منها نشأته و هي أخلاطه يقطع كل ركن بهذه الاثني عشرة و أما الأكابر فيقطعونها في الأربعة الأسماء الإلهية التي هي أمهات الأسماء كلها و عليها توقف وجود العالم و هو الحي العالم المريد القادر لا غير و بهذه الأسماء يثبت كونه إلها فإذا نظر العبد في هذه الأربعة مع الأربعة التي له كانت ثمانية و نظر إلى نفسه و عقله فكانت العشرة و نظر إلى توحيد ذاته و توحيد ألوهيته كانت اثنتي عشرة و تم البريد فنظر هذا أيضا في أربع المراتب و هو قوله الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ حقا و خلقا و صرف في كل حال من هذه الأحوال الاثني عشر تثبت بذلك أربعة برد فيقصر لها الصلاة و أما الثلاثة الأيام فيوم كما قال أبو يزيد حين سئل عن الزهد فقال هو هين ما كنت زاهدا سوى ثلاثة أيام اليوم الواحد زهدت في الدنيا و اليوم الثاني زهدت في الآخرة و اليوم الثالث زهدت في كل ما سوى الله و من كانت هذه حاله قصر صلاته فإنه قد سافر أكمل الأسفار بلا خلاف و أما القصر في مسافة ينطلق عليها اسم سفر و لا بد في اللسان و لا يراعى البعد و لا القرب فهو الذي يراعي عالمه المكلفين فمن سافر منهم قصر فإذا سافر الإنسان ببصره للاعتبار قصر و إن سافر بسمعه أيضا قصر و إن سافر بفكره في المعقولات قصر و صورة قصره قصور نظره على ما يعطيه حاله في وقته فإن أعطاه الكل كان بحسبه و إن أعطاه البعض كان بحسبه و هذا هو مذهب الجماعة و عليه عولوا
(وصل في فصل الموضع الثالث من الخمسة المواضع)
و هو اختلافهم في نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة فمن قائل إن ذلك مقصور على سفر الطاعات و الأفعال المقربة إلى اللهو من قائل بهذا و بالسفر المباح أي ذلك كان و من قائل بكل سفر مما يسمى سفرا قربة كان أو مباحا أو معصية و به أقول (وصل الاعتبار في ذلك) قال تعالى وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ هذا في الأعيان و قال في الأعيان و في الأحوال و قال وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ و قال أَلا إِلَى الله تَصِيرُ الْأُمُورُ و قال ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها فهذه الآيات كلها و أمثالها تدل على سفر الإنسان إلى الله فيقصر فإن الله هو الغاية لكل مسافر سواء سافر منه أو من كون نفسه أو كون من الأكوان و فيه أو في أسماء ربه و الحق سبحانه غاية الطريق قصدت الطرق أو لم تقصد فما هو غاية قصد السالك فإن السالك مقيد القصد و لا بد و الله لا يتقيد إلا بالإطلاق فإن الإطلاق تقييد فلهذا أمرنا بالتقصير في كل ما ينطلق عليه اسم سفر قربة كان أو مباحا أو معصية و من راعى أو كان مشهده قوله تعالى كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ و قوله وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ لم ير التقصير إلا في سفر الطاعة أو في سفر الطاعة و المباح لأن الصلاة قربة إلى الله سعادية و المذهب الأول أولى فإن المعصية لم يثبت كونها معصية عند هذا المسافر فيها إلا بكونه مؤمنا أو على مذهب خاص بالمؤمن بها أنها معصية فهو ممن خلط عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً و هو مسافر فلأي معنى نراعي حكم المعصية فنقول بأنه لا يقصر بكونه سافر في غير ما يرضى الله و غاب صاحب هذا القول عن حكم الايمان بهذه المعصية من هذا المسافر أنه مؤمن بأنها معصية فهو في طاعة فإنه قد أرضى الرب سبحانه من كونه مؤمنا بأنها معصية و الايمان في حكمه أقوى من الفعل المعين المسمى معصية فما يمنعه إن يحكم له بجواز القصر و هو مسافر بإيمانه بها في طاعة أيضا و الحسنة بعشر و السيئة واحد إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ فكيف إن كانوا مائتين و المعصية في عشرين و الآيات التي أحتج بها من تعيين الصراط و الحجة إنما ذلك فيمن ليس بمؤمن و من ليس بمؤمن فما هو مخاطب بتمام و لا قصر لأن الصلاة لا تجب عليه إلا بعد الايمان و إن كان مخاطبا بالجملة فمذهبنا أولى في هذه المسألة
(وصل في فصل الموضع الرابع من الخمسة المواضع)
و هو الموضع الذي منه يبدأ المسافر بالقصر قال بعض العلماء لا يقصر حتى يخرج من بيوت القرية و لا يتم حتى يدخل أول بيوتها و من قائل لا يقصر إذا كانت قرية جامعة حتى يكون منها بنحو ثلاثة أميال (وصل الاعتبار في ذلك) الإنسان جسم و روح فما دام روح الإنسان مستوطنا في جسمه و عالم حسه يجري بحكم طبيعته فهو مقيم غير مسافر فيتم صلاته فإذا سافر الروح عن جسمه و تركه وراء بحال فناء فقد غاب عنه في أول قدم و إذا غاب عنه فسنته القصر في الصلاة و معنى القصر هنا ما يختص به الروح من حكم الصلاة من كونه روحا لا من كونه مدبر الجسم فإنه في هذه الحال غائب عن جسمه فلا يبقى عليه من حكم الصلاة إلا ما يختص به و من راعى كون جسميته ذات ثلاث شعب و هو ما يحويه من الطول و العرض و العمق و هو سار في كل مسمى بالجسم إلا في مذهب المتكلمين فإن الجسم عندهم طول بلا عرض يعني أقل جسم و في مذهب غيرهم ثمانية جواهر هي أقل الأجسام فإنه جمع بين الطول من كونه جوهرين و العرض من كونه أربعة جواهر و هو السطح و العمق من كونه ثمانية جواهر و هو سطحان و أربعة خطوط و سواء كان عند هذا الروح جسمه الخاص به أو انتقل عن جسمه في غيبته المدبر له إلى جسم آخر طبيعي يشاهده فما زال من حكم الجسمية فلا يقصر حتى يغيب عنها بالكلية و يتجرد عن مشاهدة الجسمية و يبقى روحا فحينئذ يبتدئ بصلاته الخاصة به و هو القصر فهذا اعتبار صاحب الثلاثة الأيام و القرية الجامعة و هي الجسمية الشاملة لجسمه و لجسم غيره فإن من أصحابنا من يقول إنه من انتقل في غيبته من صورة حسه إلى صورة محسوسه فلا يسمى غائبا كانت تلك الصورة ما كانت روحانية أو أسمائية أو معنوية أو جسمية مهما تجلت له في الصور الجسمية فهو مقيم في الجسم فوجب عليه الإتمام في الصلاة التي يدخلها القصر و الإتمام و هي الرباعية فإن الثنائية و هي الصبح لا يدخلها القصر فإن الركعة الواحدة لوحدانية الحق و الركعة الثانية لوحدانية العبد فلا بد من مصل و مصلى له فلا قصر في صلاة الصبح و أما الثلاثية و هي المغرب فإن الركعتين اللتين يجهر فيهما فهما شفعية الإنسان و كونهما يجهر فيما بالقراءة لأنهما نصبتا دليلا على الحق و الدليل لا يكون إلا علانية ظاهرا معلوما و دليل بغير مدلول لا يصح فكانت الركعة الثالثة لوجود المدلول و هو الحق و كانت القراءة فيها سرا لكونه غيبا فلا سبيل إلى القصر في المغرب فإنه دليل على العبد و شفعيته و على الحق و أحديته فلم يبق القصر إلا في الرباعية لوجودالشفعيتين فيها فألحقت بالصبح لحكم الأحدية في جناب الحمق و جناب العبد و هو قول من قال
و في كل شيء له آية تدل على أنه واحد
فما قال اثنان و لا قال شيئان فاعتبر أحدية كل شيء من كونه شيئا و من كونه آية على أحدية الحق حتى لا يعرف الواحد إلا بالواحد و لهذا كان يقول الحسن بن هاني شاعر وقته وددت أن هذا البيت الواحد لي بجميع شعري ثم عمل في معناه و ما جاء مثله و لا أعطى من حسن مساق المعنى ما أعطاه هذا البيت و خرج عن علمي في هذا الوقت ما عمله الحسن و لو كان في حفظي في هذا الوقت لسقته في هذا الموضع حتى يعرف فضل هذا البيت و أنه في الكلام المعجز و ما أظن وقع لقائله و هو أبو العتاهية إلا بحكم الاتفاق
(وصل في فصل الموضع الخامس من الخمسة المواضع)
و هو اختلافهم في الزمان الذي يجوز للمسافر إذا أقام فيه في بلد أن يقصر حكى أبو عمر بن عبد البر في هذه المسألة أحد عشر قولا ما حضرتني في هذا الوقت فلينظرها في كتبه من أراد أن يقف عليها فلنذكر منها ما تيسر على ذكري فمن قائل إذا أزمع المسافر على إقامة أربعة أيام أتم و قال غيره خمسة عشر يوما و قال غيره عشرين يوما و قال غيره إذا أزمع على أكثر من أربعة أيام و الأولى عندي في هذه المسألة أن ينظر في مدة إقامة النبي صلى الله عليه و سلم بمكة إلى أن رجع إلى المدينة فإنه كان يقصر في تلك المدة (وصل في الاعتبار في ذلك) إذا قام السالك في المقام بنية الإقامة فيه أتم من نفسين إلى عشرين نفسا فإن يوم العارف نفسه المكمل الإلهي و إن كان في كل نفس يطلب الترقي فيمسكه الله فيه فلا يعطيه حكمه ما مشى به في أنفاسه و لم يشعر بها إلا أن نيته الرحلة في كل نفس فهو يقصر دائما عمره كله فهو بمنزلة من يتعرض للفتح فلا يفتح له و يجمع له إلى أن يموت فيرى عند موته ما أخفي له فيه من قرة أعين فيعلم عند ذلك أنه كان مسافرا و لم يشعر لكونه ما فتح له في حياته الأولى و لا شاهد ما شاهد غيره من السائرين إلى الله
(وصل في فصول الجمع بين الصلاتين)
اتفق العلماء كلهم على الجمع بين الظهر و العصر في أول الظهر يوم عرفة بعرفة و على الجمع بين المغرب و العشاء بتأخير المغرب إلى وقت العشاء بالمزدلفة و اختلفوا فيما عدا هذين المكانين فذهب أكثر الناس إلى الجمع بينهما في المواضع التي يجوز الجمع و الأحوال و منع بعضهم ذلك بإطلاق فيما عدا موضع الاتفاق و أما الذي أذهب إليه فإن الأوقات قد ثبتت بلا خلاف فلا نخرج صلاة عن وقتها إلا بنص غير محتمل إذ لا ينبغي أن يخرج عن أصل ثابت بأمر محتمل هذا لا يقول به من شم رائحة من العلم و كل حديث ورد في ذلك فمحتمل و تكلم فيه مع احتماله أو صحيح لكنه ليس بنص و أما إن أخر صلاة الظهر إلى الوقت المشترك فجمع على هذا الحد و كذلك في المغرب مع العشاء فقد صلى كل صلاة في وقتها و هو الصحيح الذي يعول عليه فإن الحديث الثابت الذي هو نص هو حديث أنس أن النبي صلى الله عليه و سلم كان في سفره إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يصليها مع العصر فهو محتمل كما ذكرناه و إذا ارتحل بعد أن تزيغ الشمس صلى الظهر وحده ثم ركب و لم يكن يقدم العصر إليها لأنه ليس وقتها باتفاق فيقوي بهذا احتمال التأخير أنه صلى الظهر في آخر وقتها و أوقع بعضها في الوقت المشترك و هو الذي يصلح لإيقاع الصلاتين معا إلا أنه لا يتسع فيصلي من الظهر ثلاث ركعات فيه أو ما نقص عن ذلك و يصلي من العصر فيه بقدر ما أبقى من الوقت المشترك و هذا هو الأولى و الأحوط (وصل الاعتبار في ذلك) الجمع في المعرفة بلا خلاف في توحيد الله في الوهته و هو أن لا إله إلا هو و لا يعرف هذا إلا بعد معرفة المألوه فهو الجمع بين المعرفتين بالاتفاق و هذا هو جمع عرفة و أما جمع المزدلفة فهو موضع القربة و هو موضع جمع فحكم اسم الموضع على من حل فيه بالجمع أ لا ترى قول رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يؤمن الرجل في سلطانه و لا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه فجعل الحكم و الإمامة لصاحب المنزل و هذا المنزل يسمى جمعا فالإمامة له و الحكم فجمع فيه بين الصلاتين لما تعطيه حقيقته بالاتفاق أيضا و جمع النبي صلى الله عليه و سلم في هاتين بين التقدم و التأخر و لا واسطة بينهما في هذا الموضع حتى تكمل مراتب الأشياء لأجل أهل القياس فإن الله قد علم من عباده أنهم بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم يتخذون القياس أصلا فيما لا يجدون فيه نصا من كتاب و لا سنة و لا إجماع فوق رسول الله صلى الله عليه و سلم إلىالجمع في هذا اليوم بتقديم صلاة العصر و تأخير صلاة المغرب ليقيس مثبتو القياس التأخير لهذا التأخير و التقديم و لهذا التقديم و قد قرر الشارع حكم المجتهد أنه حكم مشروع فإثبات المجتهد القياس أصلا في الشرع بما أعطاه دليله و نظره و اجتهاده حكم شرعي لا ينبغي يرد عليه من ليس القياس من مذهبه و إن كان لا يقول به فإن الشارع قد قرره حكما في حق من أعطاه اجتهاده ذلك فمن تعرض للرد عليه فقد تعرض للرد على حكم قد أثبته الشارع و كذلك صاحب القياس إن رد على حكم الظاهري في استمساكه بالظاهر الذي أعطاه اجتهاده فقد رد أيضا حكما قرره الشارع فليلزم كل مجتهد ما أداه إليه اجتهاده و لا يتعرض إلى تخطئة من خالفه فإن ذلك سوء أدب مع الشارع و لا ينبغي لعلماء الشريعة أن يسيئوا الأدب مع الشرع فيما قرره
(وصل في فصل صورة الجمع)
اختلف القائلون في صورة الجمع في السفر فمنهم من رأى أن تؤخر الصلاة الأولى و تصلي مع الثانية و منهم من رأى أن تقدم الأخرى إلى الأولى إن شاء و أن يؤخر الأولى إلى الآخرة إن شاء فمن راعى تأخير الأولى فاعتباره المعرفة بالله فإن بالله كان و لا شيء معه و إن العالم متأخر عن وجود الحق بالوجود فإن وجوده مستفاد من وجود الحق فلما أردنا المعرفة به من كونه إلها للعالم أخرناه في المعرفة إلى وقت معرفتنا بنا فلما عرفنا أنفسنا عرفنا ربنا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من عرف نفسه عرف ربه فصلينا الأولى في وقت الثانية و من راعى الوجود في الاعتبار قدم الآخرة إلى الأولى و جعل وجود عين العبد هو وجود الحق فالحق العالم بالله فعلمه من الله و علم الله بالله و من راعى الأمرين معا في الاعتبار قدم إن شاء و أخر إن شاء و لكل طريقة طائفة و الكامل منا من عرف كل طريقة و كل طائفة و كان فيها خارجا عنها و هم الأكابر من الرجال (فصل) و من الفصول المبيحة للجمع السفر بالاتفاق من القائلين به و اختلفوا في الجمع في الحضر و في شروط السفر المبيح له فمنهم من جعل السفر نفسه مبيحا للجمع أي سفر كان و بأي صفة كان و منهم من اشترط فيه ضربا من السير و نوعا من أنواع السفر في الحديث إذا عجل به السير فجعل العلة في الجمع التعجيل و أما النوع فقد تقدم من سفر القرية و المباح و المعصية (وصل في الاعتبار في ذلك) لا يصح الجمع بين الصلاتين إلا فيما ذكرناه في عرفة و جمع و أما السفر على الحقيقة و هو سفر الأنفاس فلا يصح فيه الجمع إذا كان الجمع عبارة عن إخراج إحدى الصلاتين عن وقتها و ما قال به في طريقنا بالاعتبار إلا من لا معرفة له بالذوق في ذلك و لو جعل صاحب هذا القول باله من حركاته الظاهرة و نظره و سمعه و جوارحه لرآها في كل زمان تتغير و ما عنده خبر لغفلته عن نفسه و لهذا قال الله لنا وَ في أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ
(وصل في فصل الجمع في الحضر لغير عذر)
قال ابن عباس في جمع النبي صلى الله عليه و سلم بين الصلاتين من غير عذر إنه أراد أن لا يحرج أمته و هو موافق لقول الله عز و جل ما (جَعَلَ) عَلَيْكُمْ في الدِّينِ من حَرَجٍ و قوله عليه السلام دين الله يسر و قال به جماعة من أهل الظاهر و قال ما عداهم لا يجوز الجمع لغير عذر مبيح للجمع (وصل الاعتبار في ذلك) الجمع لأهل الحجاب رفق بهم في التكليف و جائز لهم لرفع الحرج فإن الحرج في العبادة هو تضعيف التكليف فإن العمل في نفسه كلفة فإذا انضافت إليه المشقة كان تكليفا على تكليف و أما أهل المشاهدة فلا جمع عندهم إلا بجمع و عرفة و ما عدا ذينك فلا
(وصل في فصل الجمع في الحضر بعذر المطر)
فأجازه بعضهم ليلا كان أو نهارا و منعهم بعضهم في النهار و أجازه في الليل و أجازه بعضهم في الطين دون المطر في الليل و الذي أذهب إليه أن المصلي إذا كان مذهبه أن الصلاة لا تصح إلا في الجماعة و ما عنده جماعة إلا في المسجد فإنه يجمع بين الصلاتين ليلا و نهارا إذا كان في جماعة و إن كان مذهبه جواز صلاة الفذ مع وجود الجماعة فلا يجوز له الجمع لا إن كان في المسجد و جمع الإمام على أي مذهب كان ذلك الإمام إذا كان الإمام مجتهد لا مقلدا إلا أن اليوم تقليد ذلك المجتهد في جميع نواز له كما هم عليه عامة الفقهاء في عصرنا هذا (وصل الاعتبار في ذلك) الجمع للمقيم جائز فإنه محجوب عن شهود سفره فإنه مسافر من حيث لا يشعر في كل نفس باختلاف الأحوال و الخواطر و حديث النفس و الحركاتالظاهرة و الباطنة فإذا انضاف إلى ذلك عذر المطر و هو العلم المنزل فهو علم ظاهر الشريعة الذي جاء بالجمع جاز له الجمع لما دل عليه هذا العلم المشروع فينبغي أن لا يعدل عنه فمن راعى الحرج أضاف الطين إليه و أجاز ذلك في صلاة الليل و من لم يراع الحرج أجاز ذلك ليلا و نهارا و لم يجزه في الطين
(وصل في فصل الجمع في الحضر للمريض)
فمنهم من أباح له الجمع و منهم من منع و بالأول أقول لحديث ابن عباس الصحيح و قد تقدم ذكره (وصل الاعتبار في ذلك) الكسل مرض النفس فلا يجوز الجمع لمن كان مرضه الكسل و ما في معناه فإن كان مرضه استيلاء الأحوال عليه بحيث إنه يخاف أن يغلب عليه الحال كما يخاف المريض أن يغمى عليه جاز له الجمع فإن الحال مرض و المقال صحة فالجهلاء من أهل طريقنا يقولون بشرف الحال على العلم لجهلهم بالحال ما هو فالأحوال يستعيذ منها الأكابر من الرجال في هذه الدار و هي من أعظم الحجب و لهذا جعلت الطائفة الأحوال مواهب و المقامات مكاسب و الدنيا عند الأكابر دار كسب لا دار حال فإن الكسب يعليك درجة و الحال يخسر صاحبه وقته فلا يرتقي به بل هو من بعض نتائج مقامه استعجله في الدنيا و لهذا كانت الأحوال مواهب و لو كانت مكاسب لوقع بها الترقي فشرف الحال في الآخرة لا في الدنيا و شرف العلم و المقام في الدنيا و الآخرة أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه و سلم بطلب الزيادة من العلم فقال له وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً و لم يأمره بطلب الزيادة من الحال فلو عرف هذا القائل شرف العلم و كان عنده منه ذوق صحيح لوافق الحق تعالى في الذي شرف العلماء به و لما كان مطرودا من هذه الصفة التي وصف الحق بها نفسه و الخواص من ملائكته و عباده و لم يبلغ تلك الدرجة أخذ يحامي عن نفسه بأن جعل الحال أشرف من العلم و هو بحمد الله عرى عن العلم و الحال و أما أصحاب الأحوال الإلهية الصحيحة رضي الله عنهم فهم عالمون بشرف العلم على الحال و مطلوبهم العلم فإن الحال يحول بينهم و بين ما خلقوا له فيتبرءون منه و مما يدلك على ذلك أن أصحاب الحال و إن سر به فتراه عند الموت يتبرأ منه و يزول عنه و يتمنى أنه لم يكن صاحب حال فالحال ليس بأمر مقرب إلى الله و الدنيا محل أسباب التقريب و الآخرة محل القربة فيجعل كل صفة تحكم في موضعها فالحال حكمه في الآخرة و العلم حكمه في الدنيا و الآخرة و في كل موطن لأن شرفه هو الأتم
(وصل في فصول صلاة الخوف)
أجمع الناس على إن صلاة الخوف جائزة و اختلفوا في صورتها بحسب اختلاف الروايات الواردة فيها من صلاته صلى الله عليه و سلم إياها إلا أبا يوسف فإنه شذ عن الجماعة فقال لا تجوز صلاة الخوف على صورة ما صلاها رسول الله صلى الله عليه و سلم بإمام واحد إلا لرسول الله صلى الله عليه و سلم فإن ذلك خاص به و إنما تصلي صلاة الخوف بإمامين كل إمام يصلي ركعتين بطائفة ما دامت تحرس الأخرى و الذي أذهب إليه أن الإمام مخير في الصور التي ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فبأي صورة صلاتها أجزأته صلاته و صحت صلاة الجماعة إلا الرواية التي فيها الانتظار بالسلام فإن عندي فيها نظر الكون الإمام يصير فيها تبعا تابعا و قد نصبه الله متبوعا و سبب توقفي في ذلك دون جزم من طريق المعنى فإن النبي صلى الله عليه و سلم أمر الإمام أن يصلي بصلاة المريض و أضعف الجماعة و التأويل الذي يحتمله اقتداء أبي بكر بصلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم ذكره الطحاوي أن أبا بكر كان هو الإمام في صلاته بالناس و فيهم رسول الله صلى الله عليه و سلم قال الراوي فكان الناس يقتدون بأبي بكر الصديق رضي الله عنه و كان أبو بكر يقتدي بصلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال معنى الاقتداء هنا أنه كان يخفف لأجل مرض رسول الله صلى الله عليه و سلم و هذا التأويل ليس ببعيد فقد يكون الإمام في هذه الحالة إماما مؤتما و بلفظ الإمامة وردت الرواية عن الصاحب فلهذا لم يترجح عندي نظر في رواية الانتظار و الاختلاف في صور صلاة الخوف معلوم مسطور في كتب الحديث (وصل الاعتبار في ذلك) الحق يكون مع العبد بحسب حال العبد أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا فأي شيء كان حال العبد كان الحق معه بحسبه يعامله به قال الله تعالى فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ إن ذكر العبد ربه في نفسه ذكره الله في نفسه و إن ذكر العبدربه في ملأ ذكره الله في ملأ فالعبد ينزل في هذه المسألة منزلة إمام و الحالة الأخرى أن يكون حال العبد مع الله على صورة ما يكون حال الحق مع العبد مثل قوله يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ فأهل طريق الله على ما تقضي به الحقائق في هذه المسألة أن حب العبد لو لا ما أحبه الله أو لا ما رزقه محبته و لا و فقه إليها و لا استعمله فيها و هكذا جميع ما يكون فيه العبد من الأمور المقربة إلى الله عز و جل فهذا المقام يحذر أهل الله من الغفلة فيه فلهذا شبهناه بصلاة الخوف
(وصل في فصل صلاة الخائف عند المسايفة)
فمن الناس من قال لا يصلي و من الناس من قال يصلي بعينيه إيماء و الذي أذهب إليه أنه مأمور في ذلك الوقت بالصلاة على قدر ما يمكنه أن يفعله منها و ذلك أن كل حال ما عدا حال المسايفة فهو استعداد للجهاد و القتال ما هو عين الجهاد و لا عين القتال فإذا وقعت المسايفة ذلك هو عين الجهاد و القتال الذي أمر الله عباده بالثبات فيه و الاستعانة بالصبر و الصلاة فقال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ثم توعد من لم يثبت فقال وَ من يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ من الله وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ يعني إن قتل في تلك الحالة وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ و قال في تلك الحالة وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ و هو حبس النفس عن الفرار في تلك الحال وَ الصَّلاةِ فأمره بالصلاة و أنها من المأمور المعينة له على خذلان العدو فجعلها من أفعال الجهاد فوجبت الصلاة و الفرار في تلك الحال من الكبائر فأمره الله بالصبر و هو الثبات في تلك الحال و الصلاة فوجبت عليه كما وجب الصبر فيصليها على قدر الإمكان فالله يقول فَاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُمْ و قال لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا وُسْعَها و قد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يوتر على الراحلة يومئ إيماء مع الأمان فأحرى إيقاع الفرض مع الخوف و وجود الأمن و البشرى أنها من أسباب النصر فيصلي على قدر استطاعته في ذلك الوقت و على تلك الحال بحيث أن لا يترك القتال و لا يتوانى فيه فذلك استطاعة الوقت فإن المكلف بحكم وقته و سواء كان على طهارة أو على غير طهارة و المخالف لهذا ما حقق النظر في أمر الله و لا ما أراده الله برفع الحرج عن المكلف في دين الله في قوله تعالى ما (جَعَلَ) عَلَيْكُمْ في الدِّينِ من حَرَجٍ و بعد هذا فإني أقول لا يخلو هذا المكلف إذا كان في هذا الموطن على هذه الحال إما أن يكون مجتهدا أو مقلدا فإن كان من أهل الاجتهاد فلا كلام فإنه يعمل بحسب ما يقتضيه دليله و يحرم عليه مخالفة دليله و إن كان مقلدا فالأولى به عندنا إن يقلد من قال بجواز الصلاة في حال المسايفة و على غير طهارة فيها فإن القرآن يعضده و لا حجة للمقلد في التخلف عن تقليد من يقول بالصلاة فإنه أبرأ لذمته و أولى في حقه و يكون ممن ذكر الله على كل أحيانه اقتداء برسول الله صلى الله عليه و سلم في الصحيح عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يذكر الله على كل أحيانه و ما خصت حالا من حال وصل الاعتبار في ذلك حال المسايفة هو حال العبد مع الشيطان في وسواسه و حين توسوس إليه نفسه و الله في تلك الحالة أقرب إليه من حَبْلِ الْوَرِيدِ فهو مع قربه في حرب عظيم فإذا نظر العبد في هذه الحال إلى هذا القرب الإلهي منه فإنه يصلي و لا بد من هذه حالته و لو قطع الصلاة كلها في محاربته فإنه إنما يحاربه بالله فإنه يؤدي الأركان الظاهرة كما شرعت بالقدر الذي هو فيه من الحضور مع الله في باطنه في صلاته كما يؤدي المجاهد الصلاة حال المسايفة بباطنه كما شرعت بالقدر الذي يستطيعه من الإيماء بعينيه و التكبير بلسانه في جهاد عدوه في ظاهره فإن وسوسة الشيطان في ذلك الوقت لم تخرجه عما كلفه الله من أداء ما افترضه عليه و طهارته في وقت الوسوسة عين محاربته كإسباغ الوضوء على المكاره و إن أخطر له الشيطان إذا رأى عزمه في الجهاد في الله أن يقاتل ليقال رغبة منه و حرصان يحبط عمل هذا العبد و كان قد أخلص النية أولا عند شروعه في القتال أنه يقاتل ذابا عن دين الله و لتكون كلمة الله هي العليا و كلمة الذين كفروا السفلي و الكافر هنا هو المشرك من جهة الشريك خاصة و إنما قلنا هذا لأن أهل الله يعرفون ما أشرت به إليهم في هذا القول فلا يبالي بهذا الخاطر فإن الأصل الذي بنى عليه صحيح و الأساس قوي و هو النية في أول الشروع فإن عرض الشيطان له بترك ذلك العمل الذي قد شرع فيه على صحة و وسوس إليه أنه فاسد بما خطر له من الرياء فيرد عليه بقوله تعالى وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ فتدفع بهذه الآية الشبهة التي ألقاها إليك من ترك العمل
(وصل في فصل صلاة المريض)
أجمع العلماء على إن المريض إذا بقي عليه عقل التكليف أنه مخاطب بأداء الصلاة و أنه يسقط عنه منها ما لا يستطيعه من قيام و ركوع و سجود و اختلفوا فيمن استطاع أن يصلي جالسا و في هيأة الجلوس و في هيأة الذي لا يقدر على الجلوس و لا على القيام فأما المصلي جالسا فقال قوم هو الذي لا يستطيع القيام أصلا و قال قوم هو الذي يشق عليه القيام من المرض و أما صفة الجلوس فقال قوم يجلس متربعا في الجلوس الذي هو بدل من القيام و كره ابن مسعود الجلوس متربعا و أما الذي لا يقدر على القيام و لا على الجلوس فقوم قالوا يصلي مضطجعا و قوم قالوا يصلي كيف تيسر له و قوم قالوا يصلي و رجلاه إلى القبلة و قوم قالوا يصلي على جنب من لا يستطيع الجلوس فإن لم يستطع على جنب صلى مستلقيا و رجلاه إلى القبلة و الذي أذهب إليه و أقول به إن الله قد رفع عن المسلم المكلف الحرج في دين الله و أمره أن يتقي الله ما استطاع فليصل المريض على قدر استطاعته و كما تيسر له و رفع الحرج عنه الذي يضربه في الزيادة من مرضه و لا يترك الصلاة أصلا و لو سقط عن استطاعته الإتيان بجميع الأركان و جميع الشروط المصححة لصلاة الصحيح فإن خطاب الشارع إنما يكلفه على حاله الذي يقدر عليه فإن الله ما كلف نَفْساً إِلَّا وُسْعَها و ما آتاها و خفف عنها أكثر من هذا بقوله تعالى سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً متصلا بقوله تعالى لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا ما آتاها فكأنه يقول و إن أعطاها و فعلته بمشقة هي عسر في حق المكلف فكان اليسر قوله ما (جَعَلَ) عَلَيْكُمْ في الدِّينِ من حَرَجٍ فما أشد رفقه بعباده (وصل الاعتبار في ذلك) الأمراض ثلاثة أنواع بدنية و نفسية و عقلية لا رابع لها فالبدنية هي التي كنا بصددها و هي التي يعرفها علماء الرسوم و الأمراض النفسية الهموم المشتملة على أداء حق لله وجب عليها و الأمراض العقلية الشبه المضلة القادحة في الأدلة و في الايمان تحول بين العقل من العاقل و بين صحة الايمان فأما الأمراض النفسية مع وجود الايمان فإن الايمان في هذا المؤمن للنفس بمنزلة وجود العقل للمريض المرض البدني فيؤدي صلاته في مناجاة ربه و مشاهدته كما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يجهز الجيش في الصلاة فإن المؤمن الصادق ما له حديث إلا مع ربه و لا يناجي أحدا من عباد الله دون أن يرى في ذلك مناجاة ربه بحسب ما يليق فصاحب مرض النفس المؤمن يناجي ربه من حيث إيمانه في عين همومه فيكون شغله منه فيه به فلا يبرح في همه و إيمانه بالله يقول له همك هو الله و نظرك فيه إنما هو بالله فإن الله هو الوجود و الموجود و هو المعبود في كل معبود و في كل شيء و هو وجود كل شيء و هو المقصود من كل شيء و هو المترجم عنه كل شيء و هو الظاهر عند ظهور كل شيء و هو الباطن عند فقد كل شيء شيئا و هو الأول من كل شيء و هو الآخر من كل شيء فلا تفوت المؤمن عبادة الله في كل وجه و على كل حال فإن الأمراض النفسية لا تقدح في الايمان و أما الأمراض العقلية فهي القادحة في الايمان و الايمان له تعلقان تعلق بوجود الحق و تعلق بتوحيد الحق و أما الايمان بأحدية الحق من حيث ذاته فذلك من مدارك النظر العقلي عند أهل النظر و عندنا من وجه أفكارنا و أما من جهة الذكر و الكشف فلا و كذلك توحيد الحق يدرك بالإيمان و يدرك بالنظر و لم تتعرض شريعة لاحدية الذات بطريق التنصيص عليها و إن كانت ترد مجملة فلهذا لا تدخل في سلك الايمان فإن كان المرض العقلي قد حال بينك و بين صحة الايمان بوجود الحق فقد حال بينك و بين العلم الضروري فإن العلم بوجود الصانع عند ظهور الصنعة للناظر ضروري و إن لم يعلم حقيقة الصانع و لا ماهيته و لا ما يجب أن يكون عليه و يجوز و يستحيل إلا بعد نظر فكري و إخبار إلهي نبوي فهذا مرض لا طب فيه و من فقد العلم الضروري كان بمنزلة المريض الذي قد استفرغ المرض نفسه بحيث لا يعلم أنه مريض و لا ما هو فيه فيرتفع عنه خطاب الشرع لأنه لا عقل له و أما إذا كان معه الايمان أو العلم الضروري بوجود الحق الخالق نفى المرض المزيل لصحة التوحيد بأن يقلد فيكون مؤمنا أو ينظر و يستدل فيكون عالما فإن حصل عن نظر و استدلال فمرضه إن لا يقبل من الشارع ما جاء به من صفات الحق القادحة في أحدية الذات مع صحة توحيد الإله عقلا و شرعا صلى و أقام عبادته مع هذا المرض فإنه نافعه إذ عقله فيه من المرض بحيث أن لا يستطيع إلا هذا القدر الذي ذكرناه من توحيد الله تعالى فإن المؤمن الصحيحالايمان هو الذي يعبد الله الذي وصفه الشارع و المؤمن المريض في إيمانه هو الذي يعبد الله الذي دل عليه العقل لا غير و قد نبهتك على أمر يتضمن عذر كل من اعتذر و إذا صح التوحيد فهو المطلوب من كل موجود فكيف إذا انضاف إلى ذلك أداء العبادات المشروعة في الحركات الخارجة و الداخلة
(وصل في فصل الأسباب التي تفسد الصلاة و تقتضي الإعادة)
فاتفقوا على أنه كل من أخل بشرط من شروط صحة الصلاة عمدا أو نسيانا وجبت عليه الإعادة كاستقبال القبلة و الطهارة بذلك أقول إلا أني أزيد في العمد من غير عذر (الاعتبار) شروط السعادة التوحيد أعني عدم الخلود في النار و شروط النجاة من كل مقام مهلك من مقام الآخرة ما لا تصح النجاة منه إلا بوجوده من غير نظر إلى الرحمة التي وسعت كل فإن قلب العارف أوسع من رحمة الله و إن كان وجوده من رحمة الله فإن رحمة الله يستحيل أن تسع الله فإن الله لا يتصف بأنه مرحوم و قلب العارف بالله يسع الحق كما قال وسعني قلب عبدي المؤمن فرحمة الله وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و قلب العبد العارف يسع الحق و الرحمة التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و يسع كل شيء فهو الواسع المطلق و العلة في ذلك كون الوجود وجود الحق فتنبه يا غافل عن درك هذه المعاقل
(وصل في فصل الحدث الذي يقطع الصلاة هل يقتضي الإعادة أم يبنى على ما مضى من صلاته)
فذهب الأكثرون إلى أنه لا يبنى لا في الحدث و لا في غيره مما يقطع الصلاة إلا في الرعاف فقط و منهم من قال و لا في الرعاف أيضا و من قائل يبنى في الأحداث كلها و الذي أقول به إن كل حدث يقطع الصلاة فلا يخلو إما أن يكون من الأحداث التي تنتقض معه الطهارة أو يكون من الأحداث التي تقطع الصلاة و لا تنتقض به الطهارة فإن كان مما يؤثر في الطهارة فإنه لا يبنى و إن لم يؤثر فإنه يبنى و لكن بشرط أن لا يزيد على ما لا بد من فعله في إزالة ذلك السبب القاطع للصلاة فإن زاد لم يبن و أعاد (وصل الاعتبار في ذلك) القاطع للمناجاة و الحائل بينك و بين المشاهدة هل يؤثر في الدار الآخرة عند الرؤية بحيث أن يكون كالفراق بين الحلبتين أو لا يؤثر و لا تتصل الرؤية و المشاهدة فإن كان القاطع حدثا و هو ما يؤثر في الايمان فإنه لا يكون ثمرة لما تقدم له قبل هذا الحدث من المناجاة المشروعة فهو بمنزلة الذي لا يبنى و إن كان القاطع رؤية سبب و استناد إليه فإنه يجني ثمرة ما تقدم له من المناجاة قبل طروء هذا القاطع السببي و هو بمنزلة الذي يبنى بلا شك
(وصل في فصل المصلي)
إلى سترة أو إلى غير سترة فيمر بين يديه شيء هل يقطع الصلاة عليه أو لا يقطع فمن قائل لا يقطع الصلاة شيء و من قائل يقطعها المرأة و الكلب و الحمار إذا مر بين يديه أو بينه و بين سترته و الذي أقول به إن المار مأثوم و أن المصلي مأمور بأن يحول بينه و بين المرور و يدفعه ما استطاع فإن لم يفعل و لم يدفعه فالمصلي مأثوم و الصلاة صحيحة بكل وجه و الحد الذي يلزمه دفعه عنه هو حد موضع جبهته في سجوده من الأرض فإذا حال بينه و بين موضع سجوده فذلك المأمور بأن يدفعه و يقاتله و ما زاد على ذلك فلا يلزم المصلي دفعه و لا قتاله و الإثم يتعلق بالمار في القدر الذي يسمى بين يديه عند العرب إذ لم يحد الشارع في ذلك شيئا (الاعتبار في ذلك) الحق قبلة العبد فمن مر بين الله و بين عبده بنفسه لا بربه فوباله يحور عليه و للمصلي الذي هو المناجي أن ينبهه و يرده عن رؤية نفسه في ذلك فإنه مأمور بالنصيحة لله و لرسوله و لعامة المسلمين و لأئمتهم و لكافة الناس أجمعين فإن تعين عليه موضع النصيحة و لم ينصح كان آثما و المناجي على حاله صحيح المناجاة على كل حال و إن كان مأثوما فإن كان المار خاطرا يخطر له في حال صلاته بينه و بين ربه فإن كان في صلاة صحيحة بقلبه فمن المحال أن يمر به خلاف ما هو به بحسب الآية التي يكون فيها أو الذكر و أما غير ذلك فلا يجد منفذا و أما إن كان ساهيا عن نفسه و مرت الخواطر فلا يخلو في أول العقد و الاستحضار إن كان حاضرا مع ربه فلا يبالي بما خطر له و صلاته صحيحة فإنه حاضر مع نفسه إنه مناج ربه فإن كان ممن يناجي ربه في كل شيء في حال صلاته كعمر بن الخطاب أو يرى أن كل شيء صادر عن الحق في حال مناجاته بينه و بين ربه كأبي بكر فصلاته في باطنه صحيحةو ذلك الصادر لا يخلو من أن يكون ذا إرادة أو لا يكون فإن لم يكن فلا شيء عليه و إن كان ذا إرادة فلا يخلو ما أن يكون مجبورا في مروره بين يديه في عين اختياره عنده أو لا يكون إلا مختارا فالمختار يأثم و المجبور ليس بإثم
(وصل في فصل النفخ في الصلاة)
فقوم كرهوه و قوم أوجبوا منه الإعادة و قوم فرقوا بين أن يسمع أو لا يسمع فاعلم إن راجع ذلك إلى أنه كلام أو ليس بكلام و هو غير حسن بلا خلاف (وصل الاعتبار في ذلك) عيسى عليه السلام حاضر مع ربه في كل حال و لم يقطع نفخه الروح في الطائر حضوره مع ربه و نفخه وقع بإذنه و كيف يؤذن له فيما يحجبه عن حضوره مع ربه و هو مطلوب هو و كل مخلوق أن لا يزال الحق بين أعينهم و في سرائرهم كما لا يزال بعينه و هو المراقبة في الطرفين فمن اعتبر النفخ بدلا من كن جعله كلاما و من اعتبره لا بمعنى كن و إنما اعتبره سببا لم يجعله كلاما و يجعل قوله بِإِذْنِي معمولا لقوله فَيَكُونُ (طَيْراً) طائرا لا لقوله فَتَنْفُخُ فِيها
(وصل في فصل الضحك في الصلاة)
اتفقوا على أنه يقطع الصلاة و اختلفوا في التبسم فمن قائل هو بمنزلة الضحك فقال يقطع الصلاة و من قائل لا يلحق بالضحك فلا يقطع الصلاة (وصل الاعتبار في ذلك) الضحك للمناجي يقدح في الهيبة و الأدب و غير الأديب لا يناجي فإن تبسم لا يخلو ما أن يتبسم من أجل ضحك ربه في نازلة تقع كمثل عجوز موسى عليه السلام و قصة هناد فمن الأدب أن يتبسم العبد في مثل هذه النوازل لضحك الحق و أما إن كان في نازلة تعطي التبسم لنفسه فتبسم فإنه سيئ الأدب فلا يصلح للحضور و يحال بينه و بين الحضور فيستأنف التوبة و العمل فهو بمنزلة من يقول إن التبسم يقطع الصلاة
(وصل في فصل صلاة الحاقن)
فمن قائل تبطل صلاته و يعيد و من قائل بالكراهة و الذي أذهب إليه أن النهي لا يدل على فساد المنهي و إنما يدل على تأثيم فاعله فقط فتكون صلاة الحاقن جائزة و هو مأثوم كالمصلي في الدار المغصوبة (وصل الاعتبار في ذلك) الخبيث السريرة في حال الصلاة المفكر في سوء يفعله أو يوقعه بأحد إذا فرغ من صلاته مع كونه مؤمنا فالصلاة صحيحة و هو ممن حدث نفسه بسوء و قد عفا عن ذلك ما لم يعمل أو يتكلم به
(وصل في فصل المصلي يرد السلام على من يسلم عليه)
فرخصت فيه طائفة و به أقول فإنه ذكر الله و هو من الأذكار المشروعة في التشهد في الصلاة فله أصل يرجع إليه و الدعاء في الصلاة جائز و فيه ذكر الناس مثل قول المصلي اغفر لي و لو الذي و منع ذلك قوم بالقول و أجازوه بالإشارة و منعه آخرون على الإطلاق و أجاز قوم أن يرده في نفسه و قال قوم يرد إذا فرغ من الصلاة (وصل الاعتبار في ذلك) قال تعالى وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا فجاء بالفاء فلا يجوز التأخير و لم يخص صلاة من غيرها فكل ذكر لله مشروع بدعاء أو غيره معين كتشميت العاطس و رد السلام فإنه يجوز التلفظ به في الصلاة و غيرها إذا لم يكن واجبا فكيف و الوجوب مقرون برد السلام و تشميت العاطس إذا حمد الله انتهى الجزء الثالث و الأربعون
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(وصل فصل القضاء)
اتفق المسلمون على وجوبه على الناسي و النائم و اختلفوا في العامد و المغمى عليه و الذي أذهب إليه أن الناسي و النائم وجب على كل واحد منهما أداء الصلاة التي نام عنها أو نسيها فإن أراد الفقهاء بالقضاء وجوب الصلاة عليه كما يريدون بالأداء فيه أقول و إن أرادوا به الفرقان بين من أداها في الوقت المعلوم المخاطب به اليقظان الذي يعصي العامد لتركها فيه و بين أدائها في وقت تذكر الناسي و يقظة النائم بالقضاء فلا بأس و إن أرادوا بالقضاء خلاف ما ذكرناه و إنه غير مؤد للصلاة و إنه صلاها في غير وقتها على خلاف صورة ما ذكرناه فلا أقول به فإن الناسي و النائم غير مخاطب بتلك الصلاة في حالنسيانه و نومه و ما ذلك وقتها في حقهما فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها و لو لا إن الشارع جعل للناسي و للنائم وقتا عند الذكرى و اليقظة لسقطت تلك الصلاة عنهما مع خروج الوقت المعلوم لها عند المتيقظين الذاكرين كما تسقط عن المغمى عليه (وصل الاعتبار في ذلك) الناسي هو العارف بأنه ما في الوجود إلا الله و صفاته و أفعاله و أنه عين الوجود فيلزم صاحب هذا المقام من المعرفة بالله من الأدب مع الله ما تقتضيه هذه المعرفة و هو معلوم مذكور في هذا الكتاب و في علم طريق الله فإذا نسي هذا العارف هذه المعرفة و أساء الأدب مع الله الذي تعطيه هذه المعرفة لم يؤاخذ به بل إن كان له ذكر مقرر في حق من ليست له هذه المعرفة فهو عند الله بحسب ما ذكره و قرره في حق ذلك إن خيرا فخيرا و إن شر فشر فإن الناسي قد يكون سبب نسيانه استفراغه في شغل محرم أو في شغل مباح أو في شغل مندوب فيكون مأجورا في نسيانه من حيث ذلك المندوب لا من حيث النسيان و يكون مأثوما من حيث ذلك المحرم و يكون معرى عن الأجر و الوزر من حيث ذلك المباح فإذا تذكر هذا الناسي معرفته عاملها بما يقتضيه أدبها و تعين عليه فيما مضى من أحكامها و آدابها في حال نسيانه في حركاته و سكناته أن يحضرها في نفسه على الحد الذي يقتضيه معرفته فيها فإذا أحضرها أحضر في نفسه ما ينبغي لها من الآداب فذلك وقتها فإن لم يفعل آخذه الله بما كان فيها في حال نسيانه من سوء الأدب بسبب عدم استحضارها في وقت الذكرى فإن الله يقول أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي و أما اعتبار النائم العارف هذه المعرفة فهو الذي حجبه النظر في طبيعته و ما لها من الحكم فيه من غير نظر إلى مكونها و هو ضرب خاص من النسيان لأنه تارك للعمل أو غير موجود منه العمل المطلوب في تلك الحالة فإن كان نظره الذي هو نومه في حكم طبيعته من حيث ما تقتضيه حقيقتها لذاتها غير ذاكر و لا مشاهد لموجد عينها لم يؤاخذه الله بما نقصه من الأدب الذي يطلب به الحاضر مع معرفته فمتى استيقظ هذا النائم أحضر الحق في نفسه موجد العين تلك الطبيعة مع تقرير حكمها التابع لوجود عينها كالأحوال فيتأدب بالحضور الذي يليق بتلك المسألة مع الله فيكون بمنزلة من لم ينم في ذلك الاستحضار فإن لم يفعل عوقب من كونه لم يستحضره لا من كونه كان قد نام عنها فإن كانت الأسباب الموجبة لنومه أمورا كان حظه فيها على حكم وجه الشرع لها فيتعلق الإثم به من حيث ذلك السبب و حكم الشرع لا من حكم نومه أو يتعلق به الأجران كان حكم الشرع فيه الأجر من حيث ذلك السبب لا من حيث نومه سواء فهكذا ينبغي أن يكون نوم العارفين و نسيانهم في هذا الاعتبار في المعرفة بالله فإن خطاب الشرع إذا تعلق بالظاهر كان اعتباره في الباطن و إذا تعلق خطاب الشرع بالباطن كان اعتباره في الظاهر فالعالم لا يزال ناظرا إلى الشارع بمن علق الحكم فيما جاء به في هذه المسألة الخاصة هل بالظاهر مثل الحركات أو بالباطن مثل النية و الحسد و الغل و تمني الخير للمؤمنين و الظن الحسن و الظن القبيح فحيث ما علق الشارع خطاب اللسان الظاهر به كان الاعتبار في مقابله أو في مقابل الحكم كالظن الحسن يقابله الظن القبيح و يقابله الفعل الحسن في الظاهر هذه مقابلة الموطن كفعل الخير مع الذمي من كونه مقرا بربه غير عارف بما ينبغي له
(وصل في فصل العامد و المغمى عليه)
اختلف العلماء فيه فمن قائل إن العامد يجب عليه القضاء و من قائل لا يجب عليه القضاء و به أقول و ما اختلف فيه أحد أنه آثم و أما المغمى عليه فمن قائل لا قضاء عليه و به أقول و من قائل بوجوب القضاء و هو الأحسن عندي فإنه إن لم تكتب له في نفس الأمر فريضة كتبت له نافلة فهو الأحوط فالقائلون بوجوب القضاء منهم من اشترط القضاء في عدد معلوم فقالوا يقضى في الخمس فما دونها (وصل الاعتبار في ذلك) أما العامد في ترك ما أمره الله به فلا قضاء عليه فإنه ممن أضله الله على علم فينبغي أن يسلم إسلاما جديدا فإنه مجاهر و هذا لا يمكن أن يقع ممن أخذ علمه بالله عن ذوق و كشف و إنما يقع هذا ممن أخذ علمه بالله عن دليل و نظر فيقول الحركات و السكنات كلها بيد الله فما جعل في نفسي أداء ما أمرني بأدائه يقول و على الحقيقة فهو الآمر و السامع و المخاطب فهو على بصيرة و المخاطب تشقيه و تحول بينه و بين سعادته فتضره في الآخرة و إن التذ بها في الدنيا و لا يضر الله شيء و هذه مجاهرة بحق لا تنفع فلو كان عن ذوق و كشف منعته هيبة الجلال و عظيم المقام و سلطان الحال الذوقي أن يكون مثل هذا و يترك أداء حق الله على صحو فهو بمنزلة منيسب السلطان لعدم نظره إليه فإذا فاجأه حكمت الهيبة على قلبه فسارع إلى أمره فمثل هذا العلم لا ينفعه فإنه عن دليل كأعمى يمشي بعصا لا عن بصيرة كمن يقتدي ببصره في طريقة و أما اعتبار المغمى عليه فهو صاحب الحال الذي أفناه الجلال أو هيمه الجمال فلا يعقل فيكون الحق متوليه في تلك الغيبة في حسه بما شاء أن يجريه عليه و قد أقمت أنا في هذه الحالة مدة و لم أخل بشيء من حركات الصلاة الظاهرة بالجماعة على أتم ما يمكن إماما و لا علم لي بشيء من هذا كله فلما أفقت و رددت إلى حسي في عالم الشهادة أعلمني الحاضرون أنه ما فاتني شيء مما توجه علي من التكليف كما يتوجه على العاقل الذاكر و من أهل طريقنا من لا تكون له هذه الحالة و هي حالة شريفة حيث لم يجر عليه لسان ذنب (و حكي) عن الشبلي أنه كان يأخذه الوله و يرد في أوقات الصلوات فإذا فرغ من الصلاة أخذه الوله فقال الجنيد حين قيل له عنه الحمد لله الذي لم يجر عليه لسان ذنب فقد يمكن أن يكون الشبلي في ذلك الوقت يصلي به و هو غير عالم بذلك و حكم الناس الحاضرون عليه بأنه مردود لما رأوه من أدائه الصلاة مثل ما اتفق لنا فقالوا بصورة الظاهر منه و هو في نفس الأمر لا علم له و منهم من يرد و ليس كلامنا إلا فيمن أخذ عن نفسه في وقت أداء فرض عليه في الظاهر و أما في غير ذلك الوقت فما هي مسألتنا و أما الذين اشترطوا الخمس فما دونها لأن كل صلاة من الخمس أصل مغايرة للأخرى في الوقت و بعض الصفات فإذا انقضت الخمس كان ما بعد الخمس بصفة كل واحدة منهن فاعتبرهن لكونهن أصولا و ما قصر هذا الفقيه في مثل هذا فإنها حكمة بالغة لمن عرف الحقائق من هذا الطريق و من عرف أن الحقيقة تقتضي أن لا تكرار لم يقل بذلك و هو الأصل الأول و العارف بحسب ما يفتح عليه في وقته
(وصل في فصل صفة القضاء)
القضاء نوعان قضاء لجملة الصلاة و قضاء لبعضها أما قضاء الجملة فله صفة و شرط و وقت فأما الصفة فهي بعينها صفة الأداء فيما في نفس الصلاة من الأعراض فإن اختلفت الأحوال مثل أن يذكر صلاة نسيها في حال سفره في حال حضره و بالعكس فهذا معنى اختلاف الأحوال فمن قائل يقضي مثل الذي عليه و لا يراعى وقت الذكر و من قائل يقضي أربعا أبدا سفرية كانت أو حضرية و من قائل يقضي أبدا فرض الحال أعني وقت الذكر فإن كان في سفر و الذي نسيها حضرية قضاها سفرية و بالعكس و به أقول فإن ذلك وقتها عندنا (وصل الاعتبار في ذلك) من رأى أن الحال له حكم في المقام قال بقولنا و من رأى أن الحال لا حكم لها لأن الدنيا ليست بقوة للحال عمل بحكم المقام فادى مثل ما عليه و من رأى أن المقام الذي هو فيه الأصل الذي يعتمد عليه و لا حكم لمقام آخر مع تداخل المقامات بعضها على بعض كالورع و الزهد يجمعهما الترك و التسليم و التفويض و التوكل يجمع ذلك كله عدم الاعتراض في المقدور و الرضي بحكم الله في وارد الوقت فيعمل بالأتم الأعم و هو الذي يقضي أربعا أبدا و الشارع إنما يعتبر الأحوال و عليها تتوجه الأحكام و الذوات محال للأحوال تبعا فزيد المختار الميتة عليه حرام و إذا اتصف زيد المختار بالاضطرار فالميتة له حلال و هو زيد بعينه و إنما اختلفت الأحوال فاختلفت الأحكام فلهذا يقضي الحضرية سفرية إذا كان حاله السفر في وقت الذكر و يقضي السفرية حضرية إذا كان حاله الحضر في وقت الذكر (وصل في الشرط) و أما شرطه الذي اختلف فيه فهو الترتيب و اختلفوا في وجوب ترتيب القضاء في المنسيات من الصلاة مع الصلاة الحاضرة في وقت الذكر و ترتيب المنسيات بعضها مع بعض إذا كانت أكثر من واحدة فذهب قوم إلى أن الترتيب واجب فيها في الخمس صلوات فما دونها و أنه يبدأ بالمنسيات و إن فات وقت الحاضرة حتى لو ذكرها و هو في نفس الصلاة الحاضرة فسدت عليه الصلاة التي هو فيها مع الذكرى و قال بعضهم بمثل هذا القول إلا أنهم رأوا وجوب الترتيب مع اتساع وقت الحاضرة و اتفق هؤلاء على سقوط وجوب الترتيب مع النسيان و قال آخر لا يجب الترتيب و لكن إن كان في وقت الحاضرة اتساع فالترتيب حسن (وصل الاعتبار في هذا الشرط) الحكم عند المحققين للوقت لا لغيره و ذكر المنسي له الوقت فالحكم له و لا اتساع للوقت عندنا فإنه زمن فرد و إنما الاتساع في بعض الأوقات المشروعة للاحكام و اتساع الأوقات عند العارفين إنما هو مثلا من كونها صلاة أو هيأة مخصوصة في عبادة فتلك الهيئة و ذلك الاسم يصحبها دائما في وقتها و في تكرار تلك الصورةفي أوقات متعددة فمن هنالك يقولون باتساع الوقت و هو أوقات و من لم يكن من العارفين صاحب نفس قال باتساع الوقت و هم أهل الشرب و الري و الأول أعرف بالحقائق و أكشف لدقائق الأمور فإن التجليات و الأحوال تختلف مع الأنفاس و ما يعلم ذلك إلا القليل من العلماء بالله من أهل الله فإن الحس و الطبع يحجبان العقل عما تعطيه مرتبته من النظر في دقائق الأمور و لطائفها و بسائطها (وصل تنبيه) هذه المسألة ما ثم أصل يرجع إليه فيها فإن أوقات الصلوات المنسيات مختلفة و لا يكون الترتيب في القضاء إلا في الوقت الواحد الذي يكون بعينه وقتا للصلاتين معا و هذا يتصور في مذهب من يقول بالجمع بين الصلاتين فيكون له أصل يرجع إليه في نظره
(وصل في فصل)
القضاء الثاني الذي هو قضاء بعض الصلاة فلهذا الفوات سببان الواحد النسيان و الثاني ما يفوت المأموم من صلاة الإمام (اعتبار السببين) أما النسيان فيعلم ما يقتضيه المقام الذي هو فيه مما ينبغي أن يعامله به فينسى بعض الوجوه مما يقدح فيما ينتجه من المنازل و الكرامات و السبب الثاني هو أن يكون للإمام الذي هو الشرع المتبع فيه قول و حكم فما وصل إليه فإذا أخذ في تحصيل المقام و أكمله على حد ما علمه رأى نقصا في نتيجته فطلب علم السبب فوجد نفسه قد ترك منه ما ينبغي له أن يستعمله و لم يكن له علم بذلك فعثر على حديث نبوي أو آية من كتاب الله تعالى فاته العمل بذلك فعمل على ذلك فصح له نتائج المقام فهذا بمنزلة ما فاته من صلاة الإمام كأبي يزيد البسطامي أوحشه السراج ليلة و كان حاله الورع فقال لأصحابه إني أجد في السراج وحشة فقالوا يا سيدنا استعرنا قارورة من البقال لنسوق فيها الدهن مرة واحدة فسقناه فيها مرتين فقال عرفوا البقال و أرضوه ففعلوا و زالت الوحشة و كان رضي الله عنه في حال كان وقته التجريد و عدم الادخار فقال يوما لأصحابه فقدت قلبي فاطلبوا البيت فوجدوا فيه معلاق عنب فقال رجع بيتنا بيت البقالين فتصدقوا به فوجد قلبه و اتفق لشيخنا أبي مدين و كان وقته التجريد و عدم الادخار فنسي في جيبه دينارا و كان كثيرا ما يرتب منقطعا في جبل الكواكب و كانت هناك غزالة نأتي إليه فتدر عليه فيكون ذلك قوته فلما جاء إلى الجبل جاءت الغزالة و هو محتاج إلى الطعام فمد يده على عادته إليها ليشرب من لبنها فنفرت عنه و ما زالت تنطحه بقرونها و كلما مد يده إليها نفرت منه ففكر في سبب ذلك فتذكر الدينار فأخرجه من جيبه و رمى به في موضع فقده و لا يجده فجاءت إليه الغزالة و آنست به و درت عليه
(وصل في فصل المأموم يفوته بعض الصلاة مع الإمام)
إذا دخل الإنسان و الإمام قد هوى إلى الركوع فقال قوم إذا أدرك الإمام و لم يرفع رأسه من الركوع و ركع معه فهو مدرك للركعة و ليس عليه قضاؤها و هؤلاء اختلفوا في شرط هذا الداخل هل من شرط هذا الداخل أن يكبر تكبيرتين تكبيرة للإحرام و تكبيرة للركوع أو تجزيه تكبيرة الركوع و إن كانت تجزيه فهل من شرطها أن ينوي بها تكبيرة الإحرام أم ليس ذلك من شرطها فقال بعضهم تكفيه تكبيرة واحدة إذا نوى بها تكبيرة الإحرام و قال قوم لا بد من تكبيرتين و قال قوم تجزيه تكبيرة واحدة و إن لم ينو بها تكبيرة الافتتاح و أما القول الثاني فذهب قوم إلى أنه إذا رفع الإمام فقد فاتته الركعة ما لم يدركه قائما قاله أبو هريرة و قول ثالث و هو إذا انتهى الداخل إلى الصف الأخير و قد رفع الإمام رأسه و لم يرفع بعضهم فأدرك ذلك أنه يجزيه لأن بعضهم أئمة لبعض و الذي أذهب إليه في ذلك أنه من راعى الركعة اللغوية قال من أدركه في حال الانحناء و من راعى الركعة الشرعية و هي القيام و الانحناء و السجود قال إنه لم يدركه إذا لم يدركه قائما في حال تكبيره و دخوله في الصلاة أعني هذا الداخل و مراعاة الركعة الشرعية أولى غير أن الشرع أيضا قد سمي الانحناء ركوعا كما هو في اللغة في قوله صلى الله عليه و سلم حين نزلت فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قال اجعلوها في ركوعكم يريد وقت الانحناء و بالجملة فهي مسألة فيها نظر و كل ناظر بحسب ما أعطاه دليله الذي أداه إليه اجتهاده و مذهبنا في هذه المسألة ما كملته على ما هو عندي لما فيه من الطول و ما نعبد الله الناس بنظري فهو حكم يخضني أعطانيه دليلي (وصل الاعتبار في ذلك) إمام العلماء بالله هو الحق سبحانه فإذا نزل إليهم في ألطافهالخفية بأوصاف البشرية من الفرح بهم و الضحك لهم و التبشش لقدومهم عليه يريدون مناجاته في بيته يا عبدي يا عبدي إن شردت عني دعوتك إلي بالحال و هو عبارة عن دخول وقت الصلاة بالقول و هو عبارة عن الأذان يا عبدي و إن عصيتني سترت عليك بأن سترتك عن أعين من وليته إقامة حدودي فيك و في أمثالك فلم أؤاخذك و تحببت إليك بالنعم و جررت على خطيئتك ذيل الكرم فمحا آثارها كرمي و دعتك إلي بالقدوم على نعمي فإن رجعت إلى قبلتك على ما كان منك من يفعل معك ذلك مع غناه عنك و فقرك إليه غيري فهذا من الحق بمنزلة الركوع من العبد فإذا فات المصلي أن يدرك من الحق مثل هذا كما فاته أن يسمع قول الحق في صلاته حمدني عبدي و أثنى على عبدي و مجدني عبدي و فوض إلى عبدي بسمعه لا بإيمانه و تملق العبد لمولاه و تحبب إليه و عرف أنه ما نزل إليه سبحانه هذا النزول إلا لسر خفي أبطنه فيه فينزهه العبد عن كل ما نزل فيه إليه بأن يقول سبحانك ليس كمثلك شيء و لهذا أمر العبد بالتنزيه في الركوع ليقابل بذلك نزول الحق إليه بمثل ما ذكرناه من كونه سبحانه يصلي علينا فينزلنا في صلاته علينا على ثلاث مراتب المرتبة الواحدة أن يجعلنا في صلاته علينا كالوطاء الذي نصلي عليه و الثانية أن يصلي علينا صلاتنا على الجنازة و الثالثة كالصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم و لكل نوع طائفة معينة لها حال معين فإنه سبحانه قد ذكر أنه يصلي علينا فقال هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ كما قال فجمع بينه و بين ملائكته في الصلاة على نبيه فقال هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بصلاتنا عليه صَلُّوا عَلَيْهِ و قد أمره بالجزاء فقال وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ فما أعجب القرآن لمن تدبر آياته و تذكر فينبغي للعبد أن يكون بين يدي الحق عند صلاته عليه كالجنازة ميتا لا حراك له و لا دعوى و هو في قبلة ربه فإن وافق ركوع العبد نزول الحق إليه بمثل قوله قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فقد أدرك الركعة و من لم يقابل نزول الحق بركوعه عند هذا النزول الإلهي بالاسم الكريم إليه فما أدرك الركعة لغوية كانت أو شرعية فإن اعتباره في إدراكه قائما قبل أن يركع يعني قبل أن ينحني فهو قيامه بمصالح عباده و نظره لهم في قيامه بهم فإنه القائم عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ بعين الرحمة فيرزقهم و يحسن إليهم و هم به مشركون و كافرون و قل عن الأدباء ما شئت و يدعوهم و هم عنه معرضون و على هواهم الذي اتخذوه إلها مقبلون و كذلك في السجود في مذهب من يرى الركعة المعتبرة للشرع أنها القيام من قيامه و الانحناء من حنوه على عباده باسمه الحنان بما ذكرناه و السجود الإلهي و هو أعظم النزول الإلهي الذي أنزل الحق فيه نفسه منزلة عبده و هو قوله مرضت فلم تعدني وجعت فلم تطعمني و ظمئت فلم تسقني و أكثر من هذا النزول الإلهي فلا يكون ثم فسر ذلك بأن فلانا مرض و فلانا جاع و فلانا ظمىء فأنزل نفسه منازلهم في أحوالهم و أضاف ذلك إليه في كنايته عن نفسه بهذه الأحوال فمن أدرك ذلك كله من الحق في صلاته فقد أدرك الركعة الإلهية من حيث إن الحق إمامه فيقابله العبد بما يستحق هذا الإنعام الإلهي من الشكر بالثناء بأوصاف السلب و التنزيه و الكبرياء و العلو و العظمة و الجبروت فهذه هي الركعة المشروعة و الخلاف في هذه المسألة يؤول إلى اختلاف العلماء في الأخذ ببعض دلالة الأسماء أو بكلها فقد يسمى بعض الركعة ركعة كما يسمى كلها بجميع أجزائها ركعة كما يقال في أمر النبي صلى الله عليه و سلم في غسل الذكر فمن غسل رأس ذكره أجزأه فإنه ينطلق عليه اسم الذكر فيقال في اللسان فيمن غسل رأس ذكره إنه غسل ذكره و إن لم يعمه كغسل اسم اليد
(وصل في فصل مما يتعلق بهذا الباب)
إذا سها المأموم عن اتباع الإمام في الركوع حتى يسجد فقال قوم إذا فاته إدراك الركوع معه فقد فاتته الركعة و وجب عليه قضاؤها و قال قوم يعتد بالركعة إذا أمكنه أن يتم من الركوع قبل أن يقوم الإمام إلى الركعة الثانية و قال قوم يتبعه و يتعبد بالركعة ما لم يرفع الإمام رأسه من الانحناء من الركعة الثانية و هذه الأقوال المختلفة تنبني عندي على مفهومهم من قوله صلى الله عليه و سلم إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه الحديث فهل من شرط المأموم أن يقارن فعله فعل الإمام أو ليس من شرطه و هل هذا شرط في جميع أجزاء الركعة المشروعة الثلاثة و هو القيام و الانحناء و السجود أمإنما هو شرط في بعضها و إذا كان الإمام في فعل جزء من أجزاء الركعة و المأموم في جزء آخر و قد قال لا تختلفوا عليه فهو اختلاف عليه و هذا الحديث إذا حققه الإنسان مع أحاديث أخر معلومة في هذه المسألة عينها فإنه يبدو له أن كل قول في هذه المسألة مما حكيناه له متعلق فجميع أقوالهم مشروعة و إن اختلفت فالحمد لله الذي جعل في الأمر سعة (وصل الاعتبار في ذلك) سهو العبد عن اتباع الحق فيما أمره به و نهاه عنه أو فيما ينبغي أن يتأدب به معه في مقابلة إنعامه و إحسانه شكرا مؤثر في إبطال ما فاته من علم ما كان يحصل له من تجليه في ذلك القدر الذي فاته و اختلف أصحابنا في هذه المسألة على ما نذكره فقال قوم إذا فاتتك نظرة واحدة من الحق في وقتك و قد كنت تشهده قبل ذلك مستصحبا من وقت معرفتك به الذوقية و كان ما فاتك منه في نظرة وقتك أكثر مما نلته مما تقدم إلى وقتك و أنا أذكر ما السبب في ذلك و هو أن كل نظرة تكون من العبد إلى الحق في تجليه له تتضمن معرفة كل نظرة و لذتها مما تقدمتها و تزيد على ذلك بما تعطيه حقيقة نظرة الوقت فقد فاته خير كثير فعليه قضاء ما فات ليحصل له هذا العلم و وقع لهم في هذا غلط كبير من حيث لا يشعرون و ذلك أن المصلي إذا فاته مع الإمام ما فاته فما أدرك فهي أول صلاته و يتم على ما هي الصلاة المشروعة و ما عندنا قاض إلا إذا كان القضاء بمعنى الأداء فهو صحيح و أما غلط أصحابنا فإن الذي تقدم هذه النظرة الوقتية من نظرات التجلي فهي هنا بحكم التبعية لهذه النظرة و كل نظرة في وقتها في عين سلطانها و أين تصرف الشيء في ملكه من تصرفه في ملك غيره فافهم ثم نرجع و نقول و قال قوم من أصحابنا بأن هذا التجلي الذي هو فيه يتضمن ما فاته و ما ناله فيعتد بما أدركه فإنه يناله فيه و الذي أذهب إليه هو ما ذكرناه من أن أدرك الأمر بحكم التضمن ما هو مثل إدراكه بحكم التصريح و مشاهدة العين فإن الواحد الذي هو سلطان الوقت هو إدراك تفصيلي عيني له ذوق خاص و الآخر المضمن إدراك إجمالي غير عيني فله ذوق آخر متميز عن ذوقه في وقته أين الرؤية لصاحب الورث الموسوي منا و إن كان من مشكاة محمد صلى الله عليه و سلم من الرؤية المحمدية من المحمدي الخالص مع كونها تتضمن الرؤية الموسوية لكنها هنا تبع و في زمان سلطانها شيء آخر فتتفاضل الورثة في الميراث بحكم طبقاتهم فمن الورثة من يحوز المال كله و الوارث النصف و الربع و الثمن و الثلث و السدس إلى غير ذلك فالجامع بين إدراكين كل إدراك في مقامه لا يساوي و لا يماثل المدرك لأحدهما دون الآخر من الطرفين فإن الذائق العسل على حدة ثم بذوقه في شراب التفاح مثلا فقد أدركه ذوقا في الحالين و لكن يجد فرقانا بين الذوقين بلا شك و أين حكمه عسلا من حكمه شرابا أو شراب تفاح
(وصل في فصل إتيان المأموم بما فاته من الصلاة مع الإمام هل هو قضاء أو أداء على اصطلاح الفقهاء)
فإن قلت فهل إتيان المأموم بما فاته من الصلاة مع الإمام قضاء أو في الظاهر قلنا في الجواب إن الشرع المقرر فيه ثلاث مذاهب مذهب أن يأتي به بعد سلام الإمام فهو قضاء و أن ما أدرك مع الإمام ليس هو أول صلاته و مذهب آخر أن الذي يأتي به بعد سلام الإمام فهو أداء و أن ما أدركه مع الإمام هو أول صلاته و به أقول و مذهب ثالث فرق بين الأقوال و الأفعال فقال يقضي في الأقوال يعني في القراءة و يكون مؤديا في الأفعال فمن أدرك ركعة من صلاة المغرب على المذهب الأول أعني مذهب القضاء قام إذا سلم الإمام إلى ركعتين يقرأ فيهما بأم القرآن و سورة و لا يجلس بينهما و على المذهب الثاني يقوم إلى ركعة واحدة يقرأ فيها بأم القرآن و سورة يجهر فيها و يجلس ثم يقوم إلى ركعة يقرأ فيها بأم القرآن سرا فقط و على المذهب الثالث يقوم إلى ركعة يقرأ فيها بأم القرآن و سورة ثم يجلس ثم يقوم إلى ركعة ثانية يقرأ فيها بأم القرآن و سورة و هذه المذاهب الثلاثة قد وردت في الحديث ورد في الخبر فما أدركتم فصلوا و ما فاتكم فأتموا و الإتمام يقتضي أن يكون ما أدركه هو أول صلاته و في رواية فما أدركتم فصلوا و ما فاتكم فاقضوا و القضاء يوجب أن يكون ما أدرك فهو آخر صلاته و من استعمل الحديثين أعني الروايتين و جمع بين القضاء و الأداء فقال يقضي في الأقوال و يكون مؤديا في الأفعال كما بيناه قبل (وصل اعتبار هذا الفصل) من اعتبر الحكم للاسم الإلهي الذي هو سلطان الوقت و صاحبه فلا يخلو أن كان هو عين ذلك الاسم الذي له حكم تلك الصلاة كلها من أولها إلى آخرها في حق الإمام و المأموم فإنه مؤد بلا شك فإن ذلك الاسم لا ينفصل عن حكم وقته بسلام الإمام بل حتى يسلم و ينفصل كل من كان في حكم الإمامفإن تلك الحالة من ذلك الاسم تستصحب لهذا الذي فاته ما فاته و لو أدركه في آخر جلوس في صلاته و من اعتبر الحكم للاسم الذي يعطي الركوع و هو غير الاسم الذي يعطي القيام و القراءة و كل حركة في الصلاة لها اسم إلهي مخصوص و إن شاركه اسم آخر أو أسماء أخر إلهية قال القضاء و من اعتبر حكم الاشتراك بين الأسماء في الصلاة و أن لكل اسم فيها نصيبا قال يؤدي في كذا و يقضي في كذا أي يأخذ من تجلى الاسم الفلاني ما يعطيه من المعارف و من الاسم الآخر ما يعطيه من العلوم و بالذوق في ذلك تتميز الأشياء عند العارفين وَ السَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ وَ الْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَ ما هُوَ بِالْهَزْلِ و ليس جهول بالأمور كمن دري فالق سمعك و أحضر بكلك عسى أن تكون من أهل التحصيل فتكون من المفلحين
(وصل في فصل حكم سجود السهو)
اختلفوا في سجود السهو هل هو فرض أو سنة فمن قائل إنه سنة و من قائل إنه فرض لكن ليس هو من شرط صحة الصلاة و فرق مالك بين سجود السهو في الأفعال و بين السجود للسهو في الأقوال و بين الزيادة و النقصان فقال سجود السهو الذي يكون للافعال الناقصة واجب و هو عنده من شروط الصلاة (وصل في اعتبار هذا الفصل) لما كان السهو سببه الشك أو النسيان و المطلوب اليقين فلا يعبد الله إلا من كان على بينة من ربه أزكاها و أعدلها و أقواها الايمان الذي يجده المؤمن بربه في نفسه مما لا يقدر على دفعه و دونه في القوة و الطهارة ما هو مبناه على الأدلة النظرية فإن انضاف إلى المؤمن أو إلى صاحب النظر الكشف كان أقوى من كل واحد من الاثنين على انفراد بلا شك و هذا لا يدخله سهو في صلاته و صاحب النظر وحده هو الذي يدخله السهو و كذلك المؤمن المتزلزل فسجود السهو عليه فرض واجب و هو أنه يرجع في النظر إلى نفسه و فقره و إمكانه و عجزه ليستدل بذلك على معبوده و غناه و وجوب وجوده و نفوذ اقتداره فإن في ذلك العلم ترغيما للشيطان الذي ألقى إليه الشك في علمه أو عبادته و لما كانت الصلاة مناجاة الحق و شهوده و قد قيل له اعبد الله كأنك تراه و قيل له إن الله في قبلة المصلي فإذا توجه في صلاته و قيد الحق بجهة الاستقبال كما قيل له إلا أنه أخلاه عن الإحاطة به و مثله كالشخص القائم ينظر إليه و يناجيه في قبلته فقد سها عما يجب للاله من الإحاطة به و الإطلاق عن التقييد و هو الذي أيضا سماه الشرع بقوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فينبغي لمن هذه حالته أن يسجد لسهوه و هو أن يرد ذلك التشبيه و التخيل و التصوير إلى نفسه و هو السجود و يقول سبحان ربي الأعلى ثلاثا واحدة لحسه و الثانية لخياله و الثالثة لعقله فينزهه عن إن يكون مدركا لحسه فيتقيد به أو لقيد خياله أو بقيد عقله فذلك ترغيم للشيطان
(وصل في فصل في مواضع سجود السهو)
فمن قائل إن موضعه أبدا قبل السلام و من قائل بعد السلام أبدا و من قائل إن كان النقصان فقبل السلام و إن كان لزيادة فبعد السلام و من قائل يسجد قبل السلام في المواضع التي سجد لها رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل السلام و يسجد بعد السلام في المواضع التي سجد فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد السلام فما كان من سجود في غير تلك المواضع فإنه يسجد قبل السلام و من قائل لا يسجد للسهو إلا في المواضع الخمسة التي سجد فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم فقط و أما غير ذلك فإن كان فرضا أتى به و إن كان ندبا لم يكن عليه شيء و الذي أقول به و اذهب إليه أن المواضع التي سجد فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم يسجد فيها فما سجد له قبل السلام يسجد له قبل السلام و ما سجد له بعد السلام يسجد له بعد السلام و أما غير ذلك مما سها فيه المصلي فهو مخير إن شاء سجد لذلك قبل السلام و إن شاء سجد له بعد السلام (وصل اعتبار هذا الفصل) قال الله تعالى لِلَّهِ الْأَمْرُ من قَبْلُ وَ من بَعْدُ فإن قدم نظره لله على نظره لنفسه فيما سها فيه كان كمن سجد قبل السلام و هو مقام الصديق ما رأيت شيئا إلا رأيت الله قبله و إن قدم نظره في نفسه على نظره في ربه كما قال صلى الله عليه و سلم من عرف نفسه عرف ربه كان كمن سجد بعد السلام و هو مقام من قال ما رأيت شيئا إلا رأيت الله بعده و هو مقام أصحاب الأدلة العقلية على وجود الصانع أي ما رأيت شيئا إلا و كان لي دليلا على الله فهو يتقلب في الأدلة دائما و أما الزيادة و النقصان فهو للعقل ما نقصه من حيث فكره من علمه بربه مما لا يستقل بدركه مما وصفه به الشارع بعد ذلك و لم يكن العقل يدل على إن ذلك الوصف يستحقه جلال الله بل كان يحيله عليه معنى و إطلاقا و أما الزيادة فما يحكم به الخيال على ربه من التقييد و التحديد من غير اعتقاد تنزيه فيما قيده به و حدده فهذا سهو الزيادة و ذاك سهو النقصان فإن الله يقول لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ف لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ من هذه الآية هو دليل العقل وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ هو دليل السمع فجمع معتقد هذا بين الدليلين السمعي و العقلي و أما المواضع التي سجد فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم فهي خمسة شك فسجد ۱ و قام من اثنتين و لم يجلس فسجد ۲ و سلم من اثنتين فسجد ۳ و سلم من ثلاث فسجد ۴ و صلى خمسا ساهيا فسجد ۵ و اختلف الناس في سجوده هل سجد للزيادة و النقصان أو لسهوه فمن قائل لسهوه و من قائل للزيادة و النقصان و الذي أقول به أنه سجد لهما السجدة واحدة لسهوه و الثانية للزيادة و النقصان فكان للنقص إتماما و كان للزيادة خيرا نُورٌ عَلى نُورٍ
(وصل في فصل الأفعال و الأقوال التي يسجد لها القائلون بسجود السهو)
اتفق العلماء على إن السجود يكون عن سنن الصلاة دون الفرائض و دون الرغائب فالرغائب لا شيء عندهم فيها إذا سها عنها المصلي في الصلاة ما لم تكن أكثر من رغبة واحدة مثل ما يرى مالك أنه لا يجب سجود من نسيان تكبيرة واحدة و يجب بأكثر من واحدة و أما الفرائض فلا يجزي عنها إلا الإتيان بها و جبرها إذا كان السهو عنها مما لا يوجب إعادة الصلاة بأسرها و أما سجود السهو للزيادة فإنه يقع عند الزيادة في الفرائض و السنن جميعا فهذه الجملة لا خلاف بينهم فيها و كل ما يقول فيه علماء الشريعة مستحب فذلك هو المرغب فيه و ما عداه فهو سنة أو فرض و السنة و الرغيبة عندهم من باب الندب و يختلف عندهم بالأقل و الأكثر في تأكيد الأمر بها و ذلك بحسب قرائن أحوال تلك العبادة حتى إن بعضهم يرى في بعض السنن ما إذا تركت عمدا إن كانت فعلا أو فعلت عمدا إن كانت تركا أن حكمها في الإثم حكم الواجب مثل لو ترك الإنسان الوتر أو الفجر دائما كان آثما فأما الجلسة الوسطى فاتفقوا على سجود السهو لتركها و اختلفوا في الجلسة الوسطى هل هي فرض أو سنة و اختلفوا هل يرجع الإمام إذا سبح به إليها أو ليس يرجع و إن رجع متى يرجع فقال الأكثر يرجع ما لم يستو قائما و قال قوم يرجع ما لم تنعقد الركعة التي قام إليها و قال قوم يرجع إن فارق الأرض قيد شبر و إذا رجع عند الذين لا يرون رجوعه فالأكثر على إن صلاته جائزة و قال قوم تبطل (وصل الاعتبار في هذا الفصل) فروض العبادات الحضور مع الحق عند الشروع فيها و سنن العبادات حضور المكلف فيها من حيث ما هو مكلف و الرغائب فيها حضور فنائه فيها بتولي الحق أحكامها في جميع أفعالها فمن سها عن الفرائض لم تصح العبادة و لم تجبر إلا بها لا بسجود السهو و قد بينت لك ما معنى اعتبار سجود السهو و من سها عن السنن سجد لها سجود السهو و من سها عن الرغائب فهو مخير إن شاء سجد و إن شاء لم يسجد و أما الجلسة الوسطى فقد تكلمنا في اعتبارها في فصل واحد مع السجدة الآخرة فيما تقدم فأما سجود السهو لها فإن السجدة الأولى لسهوه و الأخرى للنقص و الجلوس لجبر عينها فأشبهت الفرائض التي تجبر بعينها لا بسجود السهو
(وصل في فصل صفة سجود السهو)
فقال قوم إذا كانت بعد السلام فيتشهد فيها و يسلم منها و قال قوم إذا كانت قبل السلام يتشهد لها فقط و إن السلام من الصلاة هو سلام منها و قال قوم ممن يرى القبلية للنقصان و البعدية للزيادة إنه لا يتشهد للتي قبل السلام و قد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم من سجود السهو بعد السلام و لم يثبت التشهد في السهو و إن كان قد روى (وصل الاعتبار في هذا الفصل) أما قبل السلام فالسلام من الصلاة و التشهد يغني عن تكراره مثل الطواف و السعي أعني طواف القدوم للقارن فإن العمرة تطلب طوافا و سعيا و الحج يطلب مثل ذلك و في مذهب من يرى أنه يجزئ من ذلك طواف واحد و سعى واحد و من لا يرى ذلك و يرى أن الواجب عليه طوافان و سعيان يرى التشهد و السلام و لكن صاحب هذا المذهب لا يصح أن يقول بالفرق بين الزيادة و النقصان كما إن صاحب المذهب الأول لا يصح أن يقول بالسجود بعد السلام إنما وقع الترغيم للشيطان في ذلك لكونه شرع للسهو السجود دون غيره من أفعال الصلواتلكونه أمر بالسجود فلم يسجد و السهو أغلبه إنما يقع من الشيطان فلا يجبر إلا بصفة لا يتمكن للشيطان أن يدنو من العبد إذا كان موصوفا بها فشرع له السجود لسهوه فإنه ثبت في الخبر أن الإنسان إذا سجد اعتزل الشيطان يبكي و يقول أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة و أمرت بالسجود فأبيت فلي النار فالإنسان في حال سجوده محفوظ من الشيطان أن يقر به و لو اقترب منه الشيطان في سجود سهوه لسها في سجود سهوه في حال سجوده و كان يتسلسل الأمر و لهذا لم يرد شرع فيمن سها في سجود سهوه و لو وقع فليس من الشيطان و إذا لم يكن من الشيطان فلا يكون ترغيما له إلا إذا كان السهو من فعله فالسهو لا يلزم أن يكون و لا بد من فعل الشيطان و إنما سببه غيبوبة المصلي عن عبادته فنفس غيبته عنها يكون عنها السهو و أسباب الغيبة عن عقل المصلي نفسه في أي جزء هو من صلاته كثيرة فمنها شيطانية و منها غلب مشاهدته عليه تقتضيها آية من كتاب الله في توحيد أو حكم من أحكام الدين أو جنة أو نار أو ما يستلزم إحداهما فإذا كانت من الشيطان كان سجود السهو له ترغيما على ترغيم من كونه سجودا و من كونه ما أثر وسواسه فيه بما جبر عليه سجوده لسهوه و لهذا يستحب لكل مصل أن يسجد بعد كل صلاة سجدتي السهو إذ كان الإنسان لا يخلو أن يغيب لحظة في نفس صلاته عن كونه مصليا فما زاد فيكون في ذلك ترغيم للشيطان و هو مذهب الترمذي الحكيم و رأيت جماعة الزيدية تقول به في حق المأمومين و رأيتهم يفعلون ذلك و استحسبته منهم و إن اختلفت المقاصد فهو ترغيم للشيطان على كل حال قال ابن المنذر في هذه المسألة اختلف العلماء فيها على ستة أقوال فمن قائل لا تشهد فيها و لا تسليم و به قال أنس و الحسن و عطاء و من قائل فيها تشهد و تسليم و بالقولين أقول غير أني أقول إن التشهد و التسليم فيها و لا بد إلا أنه إذا كان السجود قبل السلام اكتفى بتشهد الصلاة و السلام منها عن تشهد السهو و السلام منه كالقارن و إذا كان بعد السلام تشهد و سلم و من قائل فيها تشهد دون تسليم و هو قول الحكم و حماد و النخعي و من قائل فيها تسليم و ليس فيها تشهد و هو قول ابن سيرين و من قائل إن شاء تشهد و سلم و إن شاء لم يفعل قاله عطاء و من قائل إن سجد قبل السلام لم يتشهد و إن سجد بعد السلام تشهد و هو قول ابن حنبل قال ابن المنذر قد ثبت أنه صلى الله عليه و سلم كبر فيها أربع تكبيرات و أنه سلم و في ثبوت التشهد نظر انتهى الجزء الرابع و الأربعون
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(وصل في فصل سجود السهو لمن هو)
اتفق العلماء على إن سجود السهو إنما هو للإمام و للمنفرد و اختلفوا في المأموم يسهو هل عليه سجود أم لا فالجماعة إنه لا سجود عليه و يحمل عنه الإمام و قال مكحول يسجد المأموم لسهوه و به أقول فإنه ما رأينا أن الشارع فرق بين الإمام و المأموم حين ذكر سجود السهو و إنما ذكر المصلي خاصة و لم يخص حالا من حال (الاعتبار في هذا الفصل) وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى و لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً و كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ فإذا بحثت عن كشف هذا المعنى علمت إن الإمام لا يحمل سهو المأموم و أن مكحولا كحل عينه في هذه المسألة بكحل الإصابة فانجلى عين بصيرته و الله الموفق لا رب غيره
(وصل في فصل)
المأموم يفوته بعض الصلاة و على الإمام سجود سهو متى يسجد المأموم اختلف العلماء فيمن هذه حاله فمن قائل يسجد مع الإمام ثم يقوم لقضاء ما عليه و سواء سجد الإمام قبل السلام أو بعده و من قائل يقضي ثم يسجد و من قائل إذا سجدهما قبل التسليم سجدهما معه و إذا سجد بعد التسليم سجدهما بعد أن يقضي و من قائل يسجدهما مع الإمام ثم يسجدهما ثانية بعد القضاء و الذي أقول به لا يخلو المأموم أن يعلم ما سهى فيه الإمام أو لا يعلم فإن لم يعلم فلا يخلو الإمام إما أن يسجدهما قبل السلام فيسجدهما معه فإذا سلم الإمام قام لقضاء ما عليه و إن سجدهما الإمام بعد السلام فلا يتبعهو يقوم لقضاء ما عليه و لا سجود عليه لسهو الإمام و إن سجد هذا المأموم بعد القضاء فهو أحوط بل استحب لكل مصل أن يسجدهما بعد القضاء كل صلاة يصليها دائما منفردا أو خلف إمام بعد السلام و إن علم المأموم بسهو الإمام فلا يخلو إما أن يكون سهوه فيما فات هذا المأموم أو فيما أدرك معه من الصلاة فإن كان فيما فاته فلا يتبعه في سجوده و لو سجد قبل السلام و إن كان يعلم أن سهو الإمام فيما أدرك معه من الصلاة فإن سجد قبل السلام اتبعه و إن سجد بعد السلام يقضي ما فاته ثم يسجد إلا أن يكون سهو الإمام فيما سهى فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم مما أدركه معه هذا الداخل فإنه يتبع الإمام في سجوده قبل السلام و بعده و حينئذ يقوم لقضاء ما عليه (وصل الاعتبار في هذا الفصل) يلزم الائتمام بالإمام ما دام يسمى إماما فإذا زال عنه اسم الإمام لم يلزم اتباعه و إمامة الرسول لا ترتفع فالاتباع لازم و محبة الله لمن اتبعه لازمة بلا شك يقول الله لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ و قيل له قُلْ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله و إذا أحب الله عبده كان جميع قواه و جوارحه و هو لا يتصرف إلا بقواه و جوارحه فلا يتصرف إلا بالله فيكون محفوظ التصرف في حركاته و سكناته ثم لتعلم أنه من جهة اتصافه بها تكليف المكلف فقد زال عنه إما بالكلية و إما بالتعليق عند جميع الفقهاء و عندنا ليس كذلك لأنه ما ثم حال و لا صفة في مكلف تخرج عن حكم الشرع ممن غلب عليه الحال أو الجنون أو النسيان أو النوم أو الذي لم يبلغ حد الحلم فلم يخرج أحد من هؤلاء عن حكم الشرع فإنه قد شرع لكل صاحب حال و صفة حكما إما بالإحاطة أو غير ذلك من أحكام الشرع لأنه لا يخلو عن حكم مشروع لصاحب تلك الحال فما ثم إلا مكلف فما ارتفع التكليف فإن هؤلاء الذين تقول فيهم الفقهاء قد ارتفع عنهم خطاب الشرع لم يرتفع فإن الشرع قد أباح له التصرف فيما يقتضيه طبعه كالحيوان و لا حرج عليه في ذلك فكيف يقال زال عنه حكم الشرع و الشرع قد حكم له بالإباحة كما حكم للعاقل البالغ بالإباحة فيما أباح له فإن الحكم في الأشياء للشرع لا للعقل و الشرع هو حكم الله في الأشياء و ما ثم شيء خرج عن حكم الله فيه بأمر ما هذا نظر أهل الله لأنهم لا يزالون في كل نفس حاضرين مع الله و أحكام الشرع و إن تعلقت بالأعيان فإنها مبنية على الأحوال فما خوطبت عين بأمر ما إلا لحال هي عليه لأجل ذلك الحال خوطب بما خوطب به لا لعينه فإن العين لا تزال باقية و الأحوال تتغير فيتغير حكم الشرع على العين لتغير الحال فحال الطفولة و الإغماء و الجنون و غلبة الحال و الفناء و السكر و المرض للشرع فيها أحكام كما لحال الرجولة و الإفاقة و الصحة و البقاء و الصحو و عدم غلبة الحال للشرع فيها أحكام فحكم الشرع سار في جميع الأحوال لمن عقل سريان الحق في وجود الأعيان
(وصل في فصل التسبيح و التصفيق من المأمومين لسهو الإمام)
فقال قوم التسبيح للرجال و النساء و قال آخرون التسبيح للرجال و التصفيق للنساء و به أقول و إليه أذهب للخبر الوارد فيه (وصل الاعتبار في هذا) من اعتبر الإنسانية الحق النساء بالرجال كما ألحقهن رسول الله صلى الله عليه و سلم بالرجال في الكمال و من اعتبر الذكورة و الأنوثة و قول الله تعالى وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ و غلب الفاعل على المنفعل فرق بين الرجال و النساء فجعل التسبيح للرجال و التصفيق للنساء فإن كلام المرأة يثير الشهوة بالطبع و لا سيما إن كان في كلامها خضوع و انكسار و في خيال السامع أنها أنثى و في قلبه مرض و الله قد نهاهن عن الخضوع في القول فقال فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وَ قُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً ففي هذه الآية إباحة كلام النساء الرجال على وصف خاص و لا شك أن المصلي في حال مناجاة ربه فإذا سبحت المرأة به حيف عليه الميل الطبيعي الخيالي إليها فهو مع التصفيق لا يؤمن عليه فكيف مع الكلام فالعارف هنا مع ما يعتبره مع الحق في مناجاته فأما إن يناجيه بعقله و إما بنفسه و طبعه و هو بحسب قوته فإن كان صحيحا قويا فلا يبالي بما وقعت المناجاة فيستوي عنده الرجال و النساء و أن يعرف نفسه أن فيها بقية من ذاتها و عندها مرض فرق بين عقله و طبعه حتى يتخلص هكذا هو نظر أهل الله في نفوسهم
(وصل في فصل سجود السهو لموضع الشك)
اختلف العلماء فيمن شك في صلاته فلم يدركه صلى واحدة أو اثنتين أو ثلاثا أو أربعا فمن العلماء من قال يبني على اليقينو هو الأقل و لا يجزيه التحري و يسجد و منهم من قال إن كان أول أمره فسدت صلاته و إن تكرر ذلك منه تحرى و عمل على غلبة الظن ثم يسجد سجدتين بعد السلام و قال قوم إنه ليس عليه إذا شك لا رجوع إلى يقين و لا تحر و إنما عليه السجود فقط إذا شك و الذي أذهب إليه في هذه المسألة هذا القول الأخير و إن كان البنيان على اليقين أحوط وصل في اعتبار هذا الفصل الخاطر الأول إذا عرفه الإنسان اعتمد عليه و الشك هو التردد بين أمرين أو أمور من غير ترجيح و غلبة الظن الميل بالترجيح لأحد المشكوكين من غير قطع و ليس له رجوع لا إلى يقين و لا إلى غلبة ظن فإن الحكم لصاحب الوقت و هو الشك و كما يلزم المحذور فيما نقص من فعل العبادة كذلك يلزم في الزيادة فإنه شرع لم يأذن به الله و السجود إنما خوطب به الشاك فلو إن الذي يبني على يقين يزول عنه الشك كان حكمه حكم من لم يشك و أمنا في الزيادة في تلك العبادة فالذي شرع ذلك العمل هو الذي شرع السجود للشك فما خوطب بالسجود من تيقن و لا من غلب على ظنه فمن شك في دليل عقله في معرفة ربه و في دليل سمعه المعارض دليل عقله في معرفة ربه فلم يثق بأحد الدليلين لأنه لم يترجح عنده أحد الدليلين فإنه لا يقدر أن يرفع عن نفسه صدق الخبر المتواتر الذي عارضة دليل عقله في علمه بما ينبغي لجلال الله من التنزيه في دليل عقله و لم يقدر أن يدفع عن نفسه لإيمانه ما وصف الحق نفسه بما ينبغي له عند هذا المؤمن لورود النص المتواتر به فلو لا أنه ابتغى له ما ورد به الخبر النبوي الذي يوجب القطع و تعارض الدليلان و لم يجد وجها للترجيح و لا للجمع فهذا هو الشاك فليسجد سجدتي السهو إذ سهى عن العمل بالإيمان من غير نظر في الدليلين و يفرغ المحل و يخليه و هو القلب و يحليه بصدق التوجه و هو السجود لهذا الموصوف بالنقيضين و السجود محل القربة من الله و محل بعد الشيطان منه فإنه يعتزل من العبد في حال سجوده و هو في حال سجوده صاحب شبهة فلا بد بعمله على الإيمان أن ينقدح لمن هذه الصفة صفته في قلبه علم بالله لم يكن عنده يرفع عنه الشك بأن يعطيه ذلك العلم إما الجمع بين الدليلين و إما الترجيح بالعثور على فساد ما يناقض الإيمان من أحد الدليلين و يعثر على الشبهة التي أوجبت التعارض قال الله تعالى و اتقوا هنا بسجدتي السهو و يعلمكم الله هنا الجمع بين الدليلين المتعارضين أو الترجيح أو إبطال أحد الدليلين
(وصل في فصل)
ما هو من الصلاة فرض على الأعيان و ما ليست بفرض على الأعيان اعلم أن من الصلاة ما هي فرض على الأعيان و هي ما تكلمنا فيها فيما مضى من هذا الباب و منها ما ليست بفرض على الأعيان فأما التي ليست بفرض على الأعيان فمنها ما هي سنة و منها ما هي فرض على الكفاية و منها ما هي نفل و الذي أذهب إليه أنه ما ثم فرض إلا الصلوات الخمس و ما عداها ينبغي أن يسمى صلاة تطوع كما سماها رسول الله صلى الله عليه و سلم و في الخبر الوارد في حديث الأعرابي نظر عندي إذ قال الأعرابي يا رسول الله هل على غيرها قال لا إلا أن تطوع يحتمل قوله صلى الله عليه و سلم لا إلا أن تطوع بصلاة فتلزمك لزوم الفرائض فإن قوله هل على غيرها يعني من عند الله ألزمنيها ابتدا و الصلاة إذا تطوعت بها مثل النذر ألزمك الله الإتيان بها بإلزامك نفسك إياها ثم إن هذه صلاة التطوع للشرع فيها أحوال مختلفة أدى ذلك الاختلاف إلى أن يجعل لها أسماء مختلفة لتعرف بها و جملتها فيما أحسب عشرة الوتر و ركعتا الفجر و النفل و تحية المسجد و قيام رمضان و الكسوف و الاستسقاء و العيدان و سجود القرآن عند من يجعله صلاة فإذا فرغنا من هذه العشرة و اعتباراتها سقنا صلاة الجنائز و صلاة الاستخارة و غير ذلك مما يسمى في الشرع صلاة و إن لم يكن فيها ركوع و لا سجود و لا إحرام و لا تسليم كالصلاة على رسول الله صلى الله عليه و سلم المأمور بها شرعا منزلا و حكمة ذلك (وصل الاعتبار) الصلاة تقتضي العبودية و لما انقسمت الصلاة إلى قسمين كما قدمنا إلى ما هو فرض أعيان و إلى ما ليس بفرض انقسمت العبودية إلى قسمين عبودية اضطرار و بها أصلي فرائض الأعيان و عبودية اختيار و بها نصلي ما عدا فرض الأعيان و سماها الحق تعالى نوافل و سماها رسول الله صلى الله عليه و سلم تطوعا قال تعالى وَ من اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ به نافِلَةً لَكَ يقول بعض الصالحين ما لأحد نافلة مقطوع بها إلا لرسول الله صلى الله عليه و سلم فإنها لا تصح النوافل إلا لمن كملت فرائضه و من نقصت فرائضهعن الكمال كملت له من تطوعه فإن زاد التطوع حينئذ يصح اسم النافلة و ما شهد الله بها لأحد إلا لرسوله صلى الله عليه و سلم فقال له أمرا وَ من اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ به نافِلَةً لَكَ و قال تعالى في الخبر الصحيح عنه و لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل فسمى ما زاد على الفرائض نوافل و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم للأعرابي في تعليم ما بنى عليه الإسلام فذكر الفرائض فقال هل على غيرها قال عليه السلام لا إلا أن تطوع فسمى ما زاد على الفرائض تطوعا فالفرض عبودية اضطرار لأن المعصية تتحقق بفعله أو بتركه و ما عداه فعبودية اختيار لكنه مختار في الدخول فيها ابتداء فإذا دخل فيها عندنا لزمته أحكام عبودية الاضطرار و لا بد و ليس له أن يخرج عن حكمها حتى يفرغ من تلك العبادة و لهذا لما قال له هل على غيرها قال له عليه السلام لا يعني أنه ما فرض الله عليك ابتداء من عنده إلا ما ذكرته لك إلا أن تطوع إلا أن تشرع أنت في أمثالها مما رغبك الحق فيه فإن تطوعت و دخلت فيها وجب عليك الوفاء بها كما وجب في فروض الأعيان فهذا معنى قوله لا إلا أن تطوع فيجب عليك ما أوجبته على نفسك و في هذا الباب دخل النذر و أمثاله قال تعالى وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ فالوتر لمعرفة الحق في الأشياء كلها و ركعتا الفجر للشكر لقيام الليل على ما وفق له و للنائم على قيامه إلى أداء فرض الصبح و دخول المسجد للسلام على الملك في بيته و قيام رمضان لكون رمضان اسما من أسماء الله فوجب القيام لذكر الملك قال يوم يقوم الناس لرب العالمين و الكسوف للتجلي الذي يعطي الخشوع سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الكسوف فقال ما تجلى الله لشيء إلا خشع له و هو ما يظهر لعين الرائي من التغير في الشمس أو القمر و إن لم يتغيرا في أنفسهما فأبدى الحق لعين الرائي ما في نفس الشمس و القمر في ذلك الزمان من الخشوع لله في صورة ذهاب النور بالحجاب النفسي الطبيعي في كسوف القمر و بالحجاب العلمي في كسوف الشمس و الاستسقاء طلب الرحمة و العيدان تكرار التجلي و سجود القرآن الخضوع عند كلام الله و لهذا أمر بالإنصات و الاستماع و الصلاة على الميت العبد يتخذ الله وكيلا نائبا عنه فيما ملكه إياه شكرا على ما أولاه حين حرم من قيل له وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فأخرجه من أيديهم بغير اختيار منهم قال تعالى وَ الَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً و الذين اتخذوا الله وكيلا صاروا أمواتا بين يديه و لهذا أعطاهم صفة التقديس و هي الطهارة فأمرنا بغسل الميت ليجمع بين الطهارتين فإنه في قبلة المصلي عليه بينه و بين الله فهو يناجي الله فيه له فإن المصلي على طهارة و الحق هو القدوس و صار الميت بين الله و بين المصلي عليه فلا بد أن يكون طاهرا و طهارته المعنوية لا يشعر بها إلا أهل الكشف فأمر أهل الشرعية في ظاهر الحكم أن يغسل الميت حتى يتيقن من لا كشف له طهارته و سيأتي اعتباره في بابه إن شاء الله تعالى و صلاة الاستخارة و هي تعيين ما اختار الله لهذا العبد فعله أو تركه ليكون على بينة من ربه كما قال تعالى أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ من رَبِّهِ فهذه فائدة صلاة الاستخارة و ستأتي في بابها إن شاء الله فلنذكر ما شرطناه فصلا فصلا إن شاء الله ليعرف الناس مقاصد العارفين في عباداتهم التي امتازوا بها عن العامة مع مشاركتهم في الأمر العام لجميع المكلفين و الله الموفق لا رب غيره
(وصل في فصل صلاة الوتر)
خرج أبو داود عن أبي أيوب الأنصاري أنه صلى الله عليه و سلم قال الوتر حق على كل مسلم فمن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل و من أحب أن يوتر بواحدة فليفعل و خرج أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يوتر بسبع و تسع و خمس و الحديث العام بوتره صلى الله عليه و سلم ما خرجه عن عبد الله بن قيس قال قلت لعائشة بكم كان يوتر رسول الله صلى الله عليه و سلم قالت كان يوتر بأربع و ثلاث و بست و ثلاث و بثمان و ثلاث و عشر و ثلاث و لم يكن يوتر بأنقص من سبع و لا بأكثر من ثلاث عشرة ركعة و خرج النسائي عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال صلاة المغرب وتر صلاة النهار فأوتروا صلاة الليل و اختلف الناس في الوتر هل هو واجب أو سنة فمن قائل إنه واجب و الواجب عند صاحب هذا القول بين الفرض و السنة و من قائل إنه سنة مؤكدة و قد تقدم الكلام في حكمه و بقي الكلام في صفته و وقته و القنوت فيه و صلاته على الراحلة فلنذكر أو لا من أحاديث الأمر به ما تيسر ليتبين للناظر فيها الوجوب و عدم الوجوب فمن ذلك ما خرجه أبو داود عن خارجة بن حذافة قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم و قال إنالله عز و جل قد أمدكم بصلاة و هي خير لكم من حمر النعم فجعلها لكم فيما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر فهذا يدخل فيه الوتر و غير الوتر و هذا الحديث هو من رواية عبد الله بن راشد عن عبد الله بن أبي مرة و لم يسمع منه و ليس له إلا هذا الحديث و كلاهما ليس ممن يحتج به و لا يكاد و رواه عبد الله بن أبي مرة عن خارجة و لا يعرف له سماع من خارجة و لما ذكر الترمذي هذا الحديث بهذا الإسناد قال فيه حديث غريب و خرجه الدارقطني من حديث النضر بن عبد الرحمن عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم و ذكر الحديث و فيه إن الله قد أمدكم بصلاة و هي الوتر و النضر ضعيف عند الجميع ضعفه البخاري و ابن حنبل و أبو حاتم و أبو زرعة و النسائي و قال فيه ابن معين لا تحل الرواية عنه و قد ضعفه غير هؤلاء و قد روى أيضا من طريق العزرمي و العزرمي متروك و روى من طريق حجاج بن أرطاة و هو ضعيف و رواه أبو جعفر الطحاوي من حديث نعيم بن حماد و هو ضعيف و أما حديث البزار عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم قال الوتر واجب على كل مسلم ففي إسناده جابر الجعفي و أبو معشر المديني و غيرهما و كلهم ضعفاء و أما حديث أبي داود في ذلك فهو عن عبيد الله بن عبد الله العتكي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا و عبيد الله هذا وثقه يحيى بن معين و قال فيه أبو حاتم صالح الحديث و أما حديث أبي أحمد بن عدي من حديث أبي حباب حديث ثلاث علي فريضة و عليكم تطوع فذكر منهن الوتر و أبو حباب كان يدلس في الحديث و حديث البزار عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم أمرت بركعتي الفجر و الوتر و ليس عليكم في إسناده جابر بن يزيد الجعفي و هو ضعيف و خرجه الدارقطني من حديث عبد الله بن محرز من رواية أنس و ابن محرز متروك و ذكر أبو داود من حديث علي عن النبي صلى الله عليه و سلم يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر و قد تقدم اعتبار حكمه فيما تقدم في فصل عدد الصلوات المفروضات على الأعيان و غير المفروضات على الأعيان و هو الفصل الذي يليه هذا الفصل
(وصل في فصل صفة الوتر)
فمنهم من استحب أن يوتر بثلاث يفصل بينهما بسلام و منهم من لا يفصل بينهما بسلام و منهم من يوتر بواحدة و منهم من يوتر بخمس لا يجلس إلا في آخرها و قد أوتر بسبع و تسع و إحدى عشرة و بثلاث عشرة و هو أكثر ما روى في ذلك في وتره صلى الله عليه و سلم
قد بينا لك في الاعتبار قبل هذا في كون المغرب وتر صلاة النهار فأمر بوتر صلاة الليل لتصح الشفعية في العبادة إذا العبادة تناقض التوحيد فإنها تطلب عبادا و معبودا و العابد لا يكون المعبود فإن الشيء لا يذل لنفسه و لهذا قسم الصلاة بين العبد و الرب بنصفين فلما جعل المغرب وتر صلاة النهار و الصلاة عبادة غارت الأحدية إذ سمعت الوترية تصحب العبادة فشرعت وتر صلاة الليل لتشفع وتر صلاة النهار فتأخذ بوتر الليل ثارها من وتر صلاة النهار و لهذا يسمى الذحل وترا و هو طلب الثأر فإن أوتر بثلاث فهو من قوله فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ و من أوتر بواحدة فهو مثل قوله لا قود إلا بحديدة فمن فصل في الثلاث بسلام راعى لا قود إلا بحديدة و راعى حكم الأحدية و من لم يفصل راعى أحدية الإله فمن أوتر بواحدة فوتره أحدي و من أوتر بثلاث فهو توحيد الألوهة و من أوتر بخمس فهو توحيد القلب و من أوتر بسبع فهو توحيد الصفات و من أوتر بتسع فقد جمع في كل ثلاث توحيد الذات و توحيد الصفات و توحيد الأفعال و من أوتر بإحدى عشرة فهو توحيد المؤمن و من أوتر بثلاث عشرة فهو توحيد الرسول و ليس وراء الرسالة مرمى فإنها الغاية و ما بعدها إلا الرجوع إلى النبوة لأن عين العبد ظاهر هناك بلا شك و من السنة أن يتقدم الوتر شفع و السبب في ذلك أن الوتر لا يؤمر بالوتر فإنه لو أمر به لكان أمرا بالشفع و إنما المأمور بالوتر من ثبتت له الشفعية فيقال له أوترها فإن الوتر هو المطلوب من العبد فما أوتر رسول الله صلى الله عليه و سلم قط إلا عن شفع قال تعالى وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ و قد قدمنا إن الشفعية حقيقة العبد إذ الوترية لا تنبغي إلا لله من حيث ذاته و توحيد مرتبته أي مرتبة الإله لا تنبغي إلا لله من غير مشاركة و العبودية عبوديتان عبودية اضطرار و يظهر ذلك في أداء الفرائض و عبوديةذلك في النوافل و رسول الله صلى الله عليه و سلم ما أوتر قط إلا عن شفع نافلة غير أن قوله إن صلاة المغرب وتر صلاة النهار و شرع الوتر لوترية صلاة الليل و صلاة النهار منها فرض و نفل و علمنا أن النعل قد لا يصليه واحد من الناس كضمام بن ثعلبة السعدي فقد أوتر له صلاة المغرب الصلوات المفروضة في النهار فقد يكون الوتر يوتر له صلاة العشاء الآخرة إذا أوتر بواحدة أو بأكثر من واحدة ما لم يجلس فإن النفل لا يقوى قوة الفرض فإن الفرض بقوته أوتر صلاة النهار و إن كانت صلاة المغرب ثلاث ركعات يجلس فيها من ركعتين و يقوم إلى ثالثة و قد ورد النهي عن أن يتشبه في وتر الليل بصلاة المغرب لئلا يقع اللبس بين الفرائض و النوافل فمن أوتر بثلاث أو بخمس أو بسبع و أراد أن يوتر الفرض فلا يجلس إلا في آخر صلاته حتى لا يشتبه بالصلاة المفروضة فإذا لم يجلس قامت في القوة مقام وترية المغرب و إن كان فيه جلوس لقوة الفرضية فيتقوى الوتر إذا كان أكثر من ركعة إذا لم يجلس بقوة الأحدية
(وصل في فصل وقت الوتر)
فمن وقته متفق عليه و هو من بعد صلاة العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر و منه مختلف فيه على خمسة أقوال فمن قائل يجوز بعد الفجر و من قائل بجوازه ما لم تصل الصبح و من قائل يصلي بعد الصبح و من قائل يصلي و إن طلعت الشمس و من قائل يصلي من الليلة القابلة هذه الأقوال حكاها أبو بكر بن إبراهيم بن المنذر في كتاب الأشراف في الخلاف و الذي أقول إنه يجوز بعد طلوع الشمس و هو قول أبي ثور و الأوزاعي فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم جعل المغرب وتر صلاة النهار مع كونه لا يصلي إلا بعد غروب الشمس فكذلك صلاة الوتر و إن تركها الإنسان من الليل فإنه تارك للسنة فإن صلاها بعد طلوع الشمس فإنها توتر له صلاة الليل و إن وقعت بالنهار كما أوترت صلاة المغرب صلاة النهار و إن كانت وقعت بالليل (وصل الاعتبار) الوتر لا يقيد بالأوقات و إن ظهر في الأوقات إذ لو تقيد لم يصح له الانفراد فإن القيد ضد الإطلاق لا سيما و قد بينا لك فيما ذكرناه في هذا الكتاب و في كتاب الزمان إن الوقت أمر عدمي لا وجود له و الوتر أمر محقق وجودي و كيف يتقيد الأمر الوجودي بالأمر العدمي حتى يؤثر فيه هذا التأثير و نسبة التأثير إلى الأمر الوجودي أحق و أولى عند كل عاقل و إذا لم يقيد الوقت الوتر فليوتر متى شاء و مثابرته على إيقاعه قبل الفجر أولى فإنه السنة و الاتباع في العبادات أولى و إنما هذا الكلام الذي أوردناه هو على ما تعطيه الحقائق في الاعتبارات فافهم كما أنه إذا اعتبرنا في الوتر الذحل مما وقع من وتر صلاة المغرب من كونها عبادة فطلب الثأر لا يتقيد بالوقت و إنما أمره مهما ظفر بمن يطلبه أخذ ثاره منه من غير تقييد بوقت فعلى كل وجه من الاعتبارات لا يتقيد بالوقت
(وصل في فصل القنوت في الوتر)
قد تقدم الكلام في شرح ألفاظ قنوت الوتر في فصل القنوت من هذا الباب و اختلف الناس فيه فمن قائل يقنت في الوتر و من قائل بالمنع و من قائل بالجواز في نصف رمضان الأول و من قائل في نصف رمضان الآخر و من قائل بجوازه في رمضان كله و عندي أن كل ذلك جائز فمن فعل من ذلك ما فعل فله حجة ليس هذا موضعها (وصل في الاعتبار) الوتر لما لم يصح إلا أن يكون عن شفع إما مفروض أو مسنون لم يقو قوة توحيد الأحدية الذاتية التي لا تكون نتيجة عن شفع و لا تتولد في نفس العارف عن نظر مثل من عرف نفسه عرف ربه فهذه معرفة الوترية لا معرفة الأحدية الذاتية و القنوت دعاء و تضرع و ابتهال و هو ما يحمله الوتر من أثر الشفع المقدم عليه الذي هو هذه المعرفة الوترية نتيجة عنه فتعين الدعاء من الوتر و لهذا دعا الحق عباده و قال فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي و قال وَ الله يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَ الْمَغْفِرَةِ و قال وَ الله يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ فوصف نفسه بالدعاء و هو الوتر سبحانه فاقتضى الوتر القنوت فإذا أوتر العبد ينبغي له أن يقنت و لا سيما في رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى فتأكد الدعاء في وتر رمضان أكثر من غيره من الشهور فاعلم
(وصل في فصل صلاة الوتر على الراحلة)
فمنهم من منع من ذلك لكونه يراه واجبا فيلحقه بالفرض قياسا و موضع الاتفاق بين الأئمة أن الفرض لا يجوز على الراحلة و أكثر الناس على إجازة صلاة الوتر على الراحلة لثبوت الأثر في ذلك و به أقول (وصل في الاعتبار في هذا الفصل) الصلاة المقسومة بين الله و بين العبد ليست في الأفعال و إنما هي في قراءة المصلي فاتحة الكتاب و ما في معناها من أقوال الإنسان في الصلاة عند أهل الله فيجوز الوتر على الراحلة و هو مصل و من راعى تنزيه الحق جل جلاله في كل فعل في الصلاة و اعتباره فيما يناسب الحق من ذلك قال لا يجوز الوتر على الراحلة لأن من شروط صحة الصلاة ما يسقط في مشي الراحلة إذا توجهت لغير القبلة فإن اعترض بوتر النبي صلى الله عليه و سلم على الراحلة حيث توجهت فاعلم أن النبي صلى الله عليه و سلم كله وجه بلا قفا فإنه قال صلى الله عليه و سلم إني أراكم من خلف ظهري فأثبت الرؤيا لحاله و مقامه فثبتت الوجهية له و ذكر الخلف و الظهر لبشريته فإنهم ما يرون رؤيته و يرون خلفه و ظهره و لما ورثته صلى الله عليه و سلم في هذا المقام و كانت لي هذه كنت أصلي بالناس بالمسجد الأزهر بمدينة فاس فإذا دخلت المحراب أرجع بذاتي كلها عينا واحدا فأرى من جميع جهاتي كما أرى قبلتي لا يخفى على الداخل و لا الخارج و لا واحد من الجماعة حتى أنه ربما يسهو من أدرك معي ركعة من الصلاة فإذا سلمت و رددت وجهي إلى الجماعة أدعو أرى ذلك الرجل يجبر ما فاته فيخل بركعة فأقول له فاتك كذا و كذا فيتم صلاته و يتذكر فلا يعرف الأشياء و لا هذه الأحوال إلا من ذاقها و من كانت هذه حاله فحيث كانت القبلة فهو مواجهها هكذا ذقته بنفسي فلا ينبغي أن يصلي على الراحلة إلا صاحب هذا الحال و رأيت مقالة لبعض أهل الظاهر أنه لا يجوز الوتر إلا على الراحلة فقط لا على غير الراحلة من حمار و بغل و فرس و لا على الراحلة إلا الوتر فقط فما أوتر رسول الله صلى الله عليه و سلم قط على راحلته حيث توجهت إلا و القبلة في وجهه كما قررناه و من كان له مثل هذه الحال يثبت له في صلاته و جميع تصرفاته قوله تعالى فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله و وجه الله للمصلي إنما هو في قبلته فدل إن من حاله هذا الوصف و يرى القبلة بعين منه تكون في الجهة التي تليها فهو مصل للقبلة
(وصل في فصل من نام على وتر ثم قام فبدا له أن يصلي من الليل)
فمن قائل يصلي ركعة تشفع له وتره ثم يصلي ما شاء ثم يوتر و من قائل لا يشفع وتره فإن الوتر لا ينقلب شفعا بهذه الركعة التي يشفعه بها و التنفل بركعة واحدة غير الوتر غير مشروعة فهو شرع لم يأذن به الله و الوتر مختلف فيه بين سنة مؤكدة و وجوب و أين النفل من السنن المؤكدة أو الصلاة الواجبة و الحكم هنا للشرع و قد قال صلى الله عليه و سلم لا وتران في ليلة و من راعى المعنى المعقول قال إن هذه الركعة الواحدة تشفع تلك الركعة الوترية و اتباع الشرع أولى في ذلك بلا شك (اعتبار هذا الفصل) الوتر لا يتكرر فإن الحضرة الإلهية لا تقتضي التكرار لما هي عليه من الاتساع وَ الله واسِعٌ عَلِيمٌ و لما كان العلم صفة إحاطته قرن معه السعة و اشتق له اسما منها كما اشتق من العلم فاعلم ذلك فلا وتران في ليلة فأحدية الحق لا تشفعها أحدية كل مخلوق فإنه لكل شيء أحدية لا بد من ذلك و بأحديته عرف كل شيء أحدية خالقه و هي الآية التي لله في كل شيء الدالة على أحديته و هو الذي أشار إليه القائل بقوله و هو أبو العتاهية و في كل شيء له آية تدل على أنه واحد و لا يكون لشيء أحديتان فلا يشفع وتره من قام يصلي ممن نام على وتر و من راعى أحدية الألوهة و أضافها إلى أحدية الذات الموصوفة بالألوهة فإن أحدية المرتبة لا تعقل إلا مع أحدية صاحب المرتبة قال من قام من الليل يريد الصلاة و كان قد نام على وتر يضيف إلى تلك الركعة التي نام عليها و هي التي أوتر بها ركعة عند قيامه يشفعها به ثم يصلي بعد تلك الركعة ما يشاء مثنى مثنى فإذا خشي الصبح أوتر بواحدة فكل قائل من العلماء له اعتبار خاص يسوغ له فيما ذهب إليه من ذلك
(وصل في فصل ركعتي الفجر)
ركعتا الفجر قبل صلاة فرض الصبح بمنزلة الركعتين قبل صلاة فرض المغرب فإن الصحابة في زمن رسول الله صلى الله عليه و سلم كانوا إذا سمعوا أذان المغرب تبادروا إلى صلاة هاتين الركعتين قبل خروج النبي صلى الله عليه و سلم بحديث عبد الله بن مغفل ذكره مسلم في صحيحة و كان يخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم و يراهم و لا ينكر عليهم و قد قال صلى الله عليه و سلم بين كل أذانين صلاة يريد الأذان و الإقامة فإنها أذان بلا شك و لا يحافظ على الركعتين قبل المغرب إلا من استبرأ لدينه إلا أن تعجله الإقامة فإنه إذا كانت الإقامة فلا صلاة إلا التي أقيم لها و هي سنة متروكة مغفولعنها و ما رأيت في زماننا من يحافظ عليها من الفقهاء إلا صاحبنا زين الدين يوسف بن إبراهيم الشافعي الكردي و فقه الله لذلك و في هاتين الركعتين قبل صلاة المغرب من الأجر ما لا يعلمه إلا الله فإن لله بين كل أذان و إقامة تجل خاص و اطلاع فمن ناجاه في ذلك الوقت اختص بأمر عظيم و هو كما قلنا في الخبر المروي الذي صححه الكشف عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بين كل أذانين صلاة يريد الأذان و الإقامة فسماها أذانا لأنها إعلام بالقيام إلى الصلاة و حضور الإمام كما يقال في الشمس و القمر القمران في لسان العرب و كذلك العمران في أبي بكر و عمر و هي صلاة الأولياء الأوابين و كان الصدر الأول شديد المحافظة عليهما و سبب ذلك التوفيق الإلهي أن النفل عبودية اختيار و الفرض عبودية اضطرار فيحتاج في عبودية الاضطرار إلى حضور تام بمعرفة ما ينبغي للسيد المعبود من الآداب و الجلال و التنزيه فتقوم عبودية الاختيار لها كالرياضة للنفس و كالعزلة بين يدي الخلوة فإن دخول العبد للفرض من النفل ما يكون مثل دخوله من الفعل المباح لأنه لا بد أن يبقى للداخل في خاطره مما تقدم له قبل دخوله أثر فلهذا حافظ عليهما من حافظ و ركعتا الفجر كذلك فإن النافلة قبل الفريضة صدقة من الشخص على نفسه يقول الله إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً فما ظنك بمناجاة الحق تعالى آكد و أوجب و حكم ركعتي الفجر سنة بالاتفاق فإن النبي صلى الله عليه و سلم قضاها بعد طلوع الشمس حين نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس فصلاهما ثم صلى الصبح و ما هي عندنا قضاء و أنه صلاها في وقتها كما صلى الصبح في وقتها فإن ذلك وقت صلاة النائم و الناسي فلا يقال قضاها على اصطلاح الفقهاء
(وصل في فصل القراءة في ركعتي الفجر)
استحب بعضهم أن يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فقط و قال بعض العلماء لا بأس أن يضيف إلى أم القرآن سورة قصيرة و قال بعضهم ليس في القراءة في ركعتي الفجر توقيت يستحب و الذي أذهب إليه أن يوجز فيهما و يخفف في كمال بلا توقيت و الفاتحة لا بد منها فإنها عين الصلاة في الصلاة و من لم يقرأ بها في صلاته فما صلى و قد وردت السنة بتحسينهما و إن زاحمك الوقت (وصل في اعتبار هذا الفصل) سبب التخفيف فيها من السنة للخبر الوارد أن مقدار الزمان في محاسبة الله عباده يوم القيامة بأجمعهم كركعتي الفجر فكان يخففهما رحمة بأمته و هي بالجملة صلاة فحكمها حكم الصلاة و ما عدا الفرائض و إن كانت عبودية اختيار فإن في ركعتي الفجر شبهة عبودية اضطرار لما تتضمنه صلاة النفل من الفرائض فالعبد في النافلة و ما عدا الفرائض من الصلوات بمنزلة عبد قد عتق منه شقص أو بمنزلة المكاتب أو بمنزلة المدبر فإن في هؤلاء من روائح الحرية ما ليست للعبد الذي ما له هذه الحالات فالسنن من النوافل حال العبودية فيها حال المكاتب و المدبر و النافلة التي ليست بسنة أي ليست من فعله صلى الله عليه و سلم دائما و لا من نطقه بتعيينه بمنزلة عبد عتق منه شقص فهو حر من حيث إنه عتق منه ما عتق و هو عبد من حيث ما بقي منه دون عتق ما بقي فهذه حالة في العبودية بين عبودية الاضطرار و عبودية الاختيار كالسنن بين الفرائض و النوافل سواء فأما من رأى في القراءة فيها الفاتحة فقط فلأنها الكافية فإن بها يصح أنه صلى و أما من زاد السورة بعد الفاتحة فليعلم المنزلة التي حصلت له من هذه الخاصة لأن السورة بالسين هي المنزلة قال النابغة في ممدوحه
و سور القرآن منازله و كما أنه لكل سورة آيات كذلك لكل منزلة لأحد عند الله دلالات و أوضحها المعرفة بالله فالتأييد في الإفصاح عنها و هذه الدلالة سيدة الدلالات كآية الكرسي سيدة آي القرآن فهو قرآن من حيث ما اجتمع العبد و الرب في الصلاة و هو فرقان من حيث ما تميز به العبد من الرب مما اختص به في القراءة من الصلاة و العبد في الفاتحة قد أبان الحق بمنزلته فيها و أنه لا صلاة له إلا بها فإنه تعرفه بمنزلته من ربه و أنها منزلة مقسمة بين عبد و رب كما ثبت فينبغي للعبد أن يقرأ سورة بعد الفاتحة من غير أن تتقدمه روية فيما يقرأ من السور أو الآيات من سورة واحدة أو من سور فإن تقدم الرواية في تعيين ما يقرأ بعد الفاتحة يقدح في علم من يريد الوقوف على وجه الحق في منزلته عند الله فهو الخاطر الأول فإذا فرغ المصلي من قراءة فاتحة الكتاب قرأ ما تيسر له من القرآن و ما يجري الله على لسانه منه من غير أن يختار آية معينة أو يتردد فينظر آية سورة يقيمه الله فيها أو أي آية من سورة أو سور يجري الله على لسانه إن لم يكمل السورة بالقراءة فيعلم بذلك العالم الحاضر المراقب منزلته من الله في ذلك الوقت التي حصلت له من قراءة فاتحة الكتاب من قسمه الذي له منها و من قسم ربه جزءا لما كان منه من الثناء على ربه و السؤال بالسورة التي يقرءوها فإن أتمها فالمنزلة له بكمالها بلا شك و إن اقتصر منها على ما اقتصر فحظه منها أي من تلك المنزلة بحسب ما اقتصر عليه منها و السنة إتمام السورة في الخبر الصحيح يقال لقارئ القرآن يوم القيامة اقرأ و ارق فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ فاختر لنفسك أيها الإنسان و اصخ إلي يلح لك البرهان
(وصل في فصل صفة القراءة فيهما)
فمن العلماء من استحب الأسرار و منهم من استحب الجهر و منهم من خير و الذي أذهب إليه إذ لم يرد في ذلك نص نوقف عنده أن يسمع بالقراءة نفسه من جهة سمعه بحيث أن لا يسمع غيره قراءته و هي حالة بين الجهر و الأسرار مناسبة لوقتها فإن وقتها وقت برزخي بين الليل و النهار ما هو ليل فيجهر و لا هو نهار فيسر و لو لا إن النص في قراءة فرض الصبح ورد بالجهر لكان الحكم فيها كذلك نعم صلاة المغرب جمعت بين الجهر لما فيها من الليل و بين الأسرار لما فيها من النهار فأشبهت في الوقت النائم فإن النائم في موطن برزخي فيكون النائم يرى في نومه صيحات و زعقات و أمور إعظاما و الذي إلى جانبه لا يعلم بما هو فيه هذا النائم فمعاملة الوقت بهذه الصفة من القراءة أولى للمناسبة و ليفرق بمثل هذه الصفة في القراءة بينها و بين قراءة صلاة الصبح لتتميز من الفريضة و من الحكمة تميز المراتب و ارتفاع اللبس في الأشياء و مع هذا فالذي عندي إنه مخير و الذي يقول بالجهر يلحقها بصلاة الليل لأن الليل ما لم تطلع الشمس في العرف لا في الشرع و الذي يسرها يجعل طلوع الفجر من النهار المشروع للصائم الإمساك فيه و لم يعتبر ذلك في المغرب و سماه ليلا لقوله ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ و للشرع أن يعتبر المعنى الواحد باعتبارين في وقتين أو من وجهين له ذلك و قد قيل في تفسير قوله وَ فارَ التَّنُّورُ يريد ضوء الفجر و هو المعلوم من لسان العرب فإذا فار التنور و ظهر انبغي للعبد أن يكون في صلاة ركعتي الفجر كما قال تعالى وَ خَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً و طلوع الفجر تجل رحماني للمعاش كطلوع الليل للسكون يقول تعالى وَ من رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا من فَضْلِهِ لما يتضمنه النهار غالبا من الحركات في المعاش و قوام النفوس و مصالح الخلق و تنفيذ الأوامر و إظهار الصنائع و إقامة المصنوعات في نشأتها و تحسين هيأتها فهو تجل إلهي رحماني بهذا العالم فلهذا استحببنا الأسرار بحيث أن يسمع نفسه فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً أي صوتا خفيا خشوعا لله تعالى و خضوعا و أدبا مع الحق و إنما شرع الجهر في الصبح عند هذا التجلي لأنه مأمور أمر فرض واجب بالكلام من الله فهو يتكلم عن أمر إلهي يعصى بتركه إذا قصده على حسب ما شرع له كما قال تعالى في حق هذا الفرض عند هذا التجلي الذي ذكرناه في مثل هذا اليوم يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا من أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ قالَ صَواباً فورد الأذن فتعين الجهر و النافلة ليست لها هذه المرتبة في هذا التجلي فلا تسمع في النافلة إلا همسا فحصل الفرق بين المأمور و المختار و الله الهادي
(وصل في فصل)
من جاء إلى المسجد و لم يركع ركعتي الفجر فوجد الصلاة تقام أو وجد الإمام يصلي فمن الناس من جوز ركوعهما في المسجد و الإمام يصلي و من الناس من قال لا يركعهما أصلا في هذا الحال و به أقول و من الناس من قال لا يخلو إما أن يكون خارج المسجد أو داخل المسجد فإن كان قد دخل المسجد فلا يركعهما و إن كان لم يدخل بعد فاختلف أصحاب هذا القول في الذي يكون خارج المسجد و قد سمع الإقامة أو قد رأى الإمام يصلي و الناس يصلون فمنهم من قال إن لم يخف أن يفوته الإمام بتلك الركعة فليركعهما و إن خاف فلا يركعهما و يدخل مع الإمام في الصلاة و يقضيهما بعد طلوع الشمس و قال المخالف يركعهما من هو خارج المسجد ما غلب على ظنه أنه مدرك ركعة واحدة مع الإمام من صلاة الصبح (وصل الاعتبار في هذا الفصل) يبطل التيمم مع وجود الماء و القدرة على استعماله و لا شك أنه كل ما زاد على الفرض فهو نافلة سواء وكد أو لم يوكد فإن الفرض آكد منه بلا شك و الوقت للفرض بالإقامة الحاصلة فتأخرت النافلة إذ لا تتحقق الزيادة على الشيء إلا بعد حصول الشيء فإن الزيادة تؤذن بوجود مزاد عليه متقدم في الوجود و هو الفرض و هو الأصل في التكليف و كذلك هو في نفس الأمر فإن الفرض هو المشروع الذي يأثم تاركه و النفل إنما يكون بعد ثبوته فإن كونه زائدا يبطل فإنه لما يكون زائدا و ما ثبت أمر قبله يزيد عليه هذا فيصح عليه اسم الزائد و مراعاة الأصول أولى فالدخول مع الإمام في الصلاة أو عند سماع الإقامة أولى من صلاة ركعتي الفجر و قد غلط في ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم و أظهر الكراهة لمن فعل ذلك و قال لمن صلاهما و صلاة الصبح تقام أ تصلي الصبح أربعا يكرر عليه كارها منه ذلك الفعل و هذا هو عين الدليل على جوازها مع الكراهة فإنه صلى الله عليه و سلم ما أمره أن يقطعها و لا أن يخرج عنها فلو فعل محظورا ما أبقاه عليه فثبت أنه عمل مشروع لا يبطله من شرع فيه فإن الله يقول وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ و لكن لا يعود إليه بعد علمه بأن الشرع يكرهه و إنما يكره له الشروع فيه
(وصل بل فصل في وقت قضاء ركعتي الفجر)
فمن قائل يقضيها بعد صلاة الصبح و به أقول و قال قوم يقضيها بعد طلوع الشمس و أصحاب هذا القول اختلفوا فمنهم من جعل لها هذا الوقت غير متسع و منهم من وسع فقال يقضيها من لدن طلوع الشمس إلى وقت الزوال و لا يقضيها بعد الزوال و القائلون بالقضاء منهم من استحب ذلك و منهم من خير (وصل الاعتبار في هذا الفصل) كل حق لله واجب أو مرغب فيه إذا فات وقته لم يقيده وقت فإن الشرع ما قيده فليؤده قاضيا متى شاء ما لم يمت إلا أن يكون عن نسيان فهو مؤد و ذلك وقته و لا يكون قاضيا قط في نوم و لا نسيان
(وصل في فصل الاضطجاع بعد ركعتي الفجر)
فذهب قوم إلى وجوبها و به أقول للأمر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و ذهب قوم إلى أنها سنة و ذهب قوم أنه مستحب و لم يره قوم و لا شك و لا خفاء على كل من عرف شرع الله من المحدثين لا من الفقهاء الذين يقلدون أهل الاجتهاد كفقهاء زماننا و لا علم لهم بالقرآن و لا بالسنة و إن حفظوا القرآن و رأوا فيه ما يخالف مذهب شيخهم لم يلتفتوا إليه و لا عملوا به و لا قرءوا على جهة اقتباس العلم و اعتمدوا على مذهب إمامهم المخالف لهذه الآية و الخبر و لا عذر لهم عند الله في ذلك فأول من يتبرأ منهم يوم القيامة إمامهم فإنهم لا يقدرون أن يثبتوا عنه أنه قال للناس قلدوني و اتبعوني فإن ذلك من خصائص الرسول صلى الله عليه و سلم فإن قالوا فالله أمرنا باتباعهم فقال فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ و قد سألناهم فأفتونا قلنا لهم إنما نسألهم لينقلوا إلينا حكم الله في الأمور لا رأيهم فإنه قال أهل الذكر و هم أهل القرآن فإن الذكر هو القرآن فإذا وجدنا الحكم عند قراءتنا القرآن مخالفا لفتواه تعين علينا الأخذ بكتاب الله أو بالحديث و تركنا قول ذلك الإمام إلا أن ينقل إلينا ذلك الإمام الآية أو الخبر فيكون عملنا بالآية أو الخبر لا بقوله فحينئذ ليس لنا أن نعارضه بآية أخرى و لا خبر لعدم معرفتنا باللسان و بما يقتضيه الحكم فإن كان لنا علم بذلك فنحن و إياهم سواء و قد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يضطجع بعد ركعتي الفجر و قد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة الأمر بالاضطجاع لكل من ركع ركعتي الفجر فالذي أذهب إليه أن تارك الاضطجاع عاص و إن الوجوب يتعلق به فليضطجع و لا بد و لو قضاه متى قضاه و إن كانت الفاء تعطي التعقيب فإن بعض المتأخرين من المجتهدين الحفاظ من أهل الظاهر قال إن صلاة الصبح لا تصح لمن ركع ركعتي الفجر و لم يضطجع فإن لم يركع ركعتي الفجر صحت صلاة الصبح عنده (وصل الاعتبار في هذا الفصل) الاضطجاع بعد ركعتي الفجر و قبل صلاة الصبح لأن الكراهة قد تعلقت بالمكلف فإنه لا يصلي بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر ثم يصلي الصبح فقد أشبهت الفريضة فجاء الاضطجاع بينها و بين صلاة الصبح لتتميز السنة من الفرض و ليقوم إلى الفرض من اضطجاع حتى يعلم أنه قد انفصل عن ركعتي الفجر فإنه لو قام إلى الصبح بعد ركعتي الفجر لالتبست بالرباعية منالصلوات و لهذا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لمن صلاها و المؤذن يقيم أ تصلي الصبح أربعا فيستحب أن يفصل بينهما و بين الصبح بأمر يعرف الحاضر أنه قد انفصل عن صلاة الفجر فشرع النبي صلى الله عليه و سلم الاضطجاع فعلا و أمرا ففعل و أمر فلا حجة للمخالف عن التخلف عن أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بذلك و لا عن الاقتداء به و الله يقول لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا الله وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ فانظر منزلة من لم يقتد في نقيضها
(وصل في فصل النافلة)
هل تثني أو تربع أو تثلث فما زاد فمن قائل تثني و لا بد أن يسلم في كل ركعتين ليلا أو نهارا و من قائل بالتخيير إن شاء ثنى و ثلث و ربع و سدس و ثمن و ما شاء و من قائل بالتفريق بين صلاة النهار فقال يربع إن شاء و صلاة الليل مثنى مثنى و الذي أقول به في غير الوتر هو مخير بين أن يسلم من اثنتين و هو أولى و لا سيما في صلاة الليل و يربع في صلاة النهار إن شاء و لا سيما في الأربع قبل الظهر و إن شاء سدس و ثمن و ما شاء من ذلك و أما التثليث و التخميس و التسبيع من النوافل فذلك في صلاة الوتر فإنه ما جاء شرع بإفراد ركعة في غير الوتر و لكن هو مخير إن شاء لم يسلم و يجلس في كل ركعتين إلى الثالثة و الخامسة و السابعة و إن لم يجلس إلا في آخرها من الشفع ثم يقوم إلى الواحد و إن شاء لم يجلس إلا في آخر الركعة الوترية و يؤخر السلام في الأحوال كلها إلى الركعة الوترية (وصل الاعتبار في هذا الفصل) لما كان الشروع فيها مبنيا على الاختيار كان الاختيار أيضا في القدر من ذلك من غير توقيت فإنه ما ورد من الشرع في ذلك منع و لا أمر بالاقتصار على ما وقع في ذلك من فعله صلى الله عليه و سلم و اتباع السنة أولى و أحق و إن جوزنا ذلك لمن وقع منه فنرجح الاتباع و الاقتداء على الابتداء و إن كان خيرا فإن الفضل في الاتباع و الاتباع أليق بالعبد و أحق بمرتبته من أن يبتدع من نفسه فإن في الابتداع و التسنين ضربا من السيادة و التقدم و لو لا إن رسول الله صلى الله عليه و سلم فرض له أن يسن ما سن و كان يقول صلى الله عليه و سلم اتركوني ما تركتكم و كره المسائل و عابها و ما فرض على غيره أن يسن و لو شغل الإنسان نفسه باستعمال السنن و الفرائض لاستغراق أوقاته و لم يتسع له أن يسن هيهات حجاب الإنسان برئاسته عن سياسته و الذي اعتمد عليه من السنن المنطوق بها و الثابتة من فعله صلى الله عليه و سلم صلاة ركعتي الفجر و أربع ركعات في أول النهار و أربع ركعات قبل الظهر و أربع ركعات بعد الظهر و أربع ركعات قبل العصر و ركعتين قبل المغرب و ست ركعات بعد المغرب و ثلاث عشرة ركعة بالليل منها الوتر و أربع ركعات بعد صلاة الجمعة فما زاد على ذلك فهو خير على خير نُورٌ عَلى نُورٍ و إن صلى ست ركعات بعد الظهر ليجمع بين فعله و بين ما حض عليه و هي الأربع كان أولى و للناس في هذا مذاهب و ما ذكرت إلا ما اخترته مما جاء به النص أو الفعل و الحديث العام الصلاة خير موضوع و الاستكثار من الخير حسن و لكن الذي ذكرناه من حسنه و طول فيه في أفعال ذلك و تدبر قراءتها و أذكارها أخذ من الزمان بقدر الذي يكثر الركوع بالتخفيف و الذي ذهبنا إليه أولى و عليه أدركت شيوخنا من أهل الله و قد ورد في صلاة النبي صلى الله عليه و سلم حين كان يقوم من الليل فيصلي ركعتين فيا حسنهن و يا طولهن و كان ركوعه قريبا من قيامه و رفعه من الركوع قريبا من ركوعه و سجوده كذلك فكانت صلاته قريبا من السواء و الأصل الركوع فتكون أفعال الصلوات في الخفض و الرفع من نسبة الركوع فيها في حال الوقت من الطول و القصر و من السنة الركعة الأولى أطول من الثانية و كل ما زاد قصر عن التي قبلها و كذلك في الفرائض فاعلم ذلك انتهى الجزء الخامس و الأربعون
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(وصل في فصل قيام شهر رمضان)
ثبت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال من قام رمضان إيمانا و احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه فهو مرغب فيه و هو المسمى التراويح و الأشفاع لأن صلاته مثنى مثنى و اختلفوا في عدد ركعاتها التي يقوم بها الناس في رمضان ما المختار منها إذ لا نص في ذلك فاختار بعضهم عشرين ركعة سوى الوتر و استحسن بعضهم ستا و ثلاثين ركعة و الوتر ثلاث ركعات و هو الأمر القديم الذي كان عليه الصدر الأول و الذي أقول به في ذلك أن لا توقيت فيه فإن كان و لا بد من الاقتداء فالاقتداء برسول الله صلى الله عليه و سلم في ذلك فإنه ثبت عنه صلى الله عليه و سلم أنه ما زاد على ثلاث عشرة ركعة بالوتر شيئا لا في رمضان و لا في غيره إلا أنه كان يطولهن و يحسنهن فهذا هو الذي اختاره ليجمع بين قيام رمضان و الاقتداء برسول الله صلى الله عليه و سلم قال تعالى لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (وصل الاعتبار في هذا الفصل) رمضان اسم من أسماء الله تعالى فالقيام في هذا الشهر من أجل هذا الاسم لأنه إذا ورد وجب القيام له قال تعالى يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ و رمضان اسمه سبحانه فيقوم العارف إجلالا لهذا الاسم الذي اختص به هذا الشهر الكريم هذا يحضر العارف في قيامه ثم إن لهذا الشهر من نعوت الحق حكما ليس لغيره و هو فرض الصوم على عباد الله و هو صفة صمدانية يتنزه الإنسان فيها عن الطعام و الشراب و النكاح و الغيبة و هذه كلها نعوت إلهية يتصف بها العبد في حال صومه فإذا جاء الليل قام العبد بين يدي الحق بصفاته التي كان عليها في نهاره و فرض له القيام في وقت الفطر ليعلم أنه عبد فقير متغذ ليس له ذلك التنزه حقيقة و إنما هو أمر عرض له ينبهه على التخلق بأوصاف الله من التنزيه عن حكم الطبيعة و لهذا أخبرنا تعالى في الحديث المروي عنه إن الصوم له و كل عمل ابن آدم لابن آدم يقول إن التنزه عن الطعام و الشراب و النكاح لي لا لك يا عبدي لأني القائم بنفسي لا أفتقر في وجودي إلى حافظ يحفظه علي و أنت تفتقر في وجودك لحافظ يحفظه عليك و هو أنا فجعلت لك الغذاء و أفقرتك إليه لينبهك أني أنا الحافظ عليك وجودك ليصح عندك افتقارك و مع هذا الافتقار طغيت و تجبرت و تكبرت و تعاظمت في نفسك و قلت لمن هو مثلك أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى و ما عَلِمْتُ لَكُمْ من إِلهٍ غَيْرِي و أنا و أنا و أنا و ما استحييت في ذلك من فضيحتك بجوعك و عطشك و بولك و خراءتك و تألمك بالحر و البرد و الآلام العارضة يا ابن آدم رهصتك ثلاث رهصات الفقر و المرض و الموت و مع ذلك إنك و ثاب فقيام رمضان قيام في الله فمن كان الحق ظرفا له فإن الله بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ فهذا معنى الظرفية فليس له خروج عنه فأحاطته بك في رمضان إحاطة تشريف و تنزيه حيث شرع لك فرضا في عبوديتك الاضطرارية للاتصاف بما ينبغي له لا لك و هو التنزه عن الغذاء و ملابسة النساء طول النهار و هو النصف من عمر وجودك ثم تستقبل الليل فتخرج من ربوبيتك المنزهة عن الغذاء و النكاح إلى عبوديتك بالفطر و الكل رمضان فأنت في رمضان كما أنت في الصلاة من قوله قسمت الصلاة بيني و بين عبدي بنصفين فنصفها لي و نصفها لعبدي كذلك رمضان قسمه بينه و بين عبده بنصفين نصف له و هو قوله الصوم لي و هو زمان النهار و النصف للعبد و هو الليل زمان فطره و قد قال في الصلاة إنها نور و قال في الصوم إنه ضياء و الضياء هو النور قال تعالى هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً و قال وَ جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً و شرع القيام في ليل رمضان و رغب فيه للمناسبة التي بين الصلاة و الصوم في القسمة و النور ليكون ليله بصلاته مثل نهاره بصومه فبالنهار يتحد به و بالليل يتوحد له كما قلنا
إذا صحت عزائمنا ففي الأسرار نتحد
و العزيمة النية و النية شرط في الصوم من الليل فنحن في الصوم مع الحق كما قالت بلقيس في عرشها كأنه هو و هو كان هو و إنما جهلها أدخل كاف التشبيه كذلك جهل الإنسان يقول أنا الصائم و كيف ينبغي للمتغذي أن يكون صائما هيهات قال الله الصوم لي لا لك فأزال عنه دعوى الصوم كما أزال عن بلقيس تشبيه العرش بعرشها فعلمت بعد ذلك أنه هو لا غيره فهذا معنى قولنا إذا صحت عزائمنا ففي الأسرار نتحد فإن قلت الصائم هو الإنسان صدقت و إن قلت الصوم لله لا للإنسان صدقت و لا معنى للاتحاد إلا صحة النسبة لكل واحد من المتحدين مع تميز كل واحد عن الآخر في عين الاتحاد فهو هو و ما هو هو كما قلنا في بعض ما نظمناه في هذا المعنى في حال غلب علي
و لما رأينا فيما روينا أن الله أنزل لقاءه منزلة فطر الصائم فقال للصائم فرحتان فرحة عند فطره لأنه غذاء طبيعته و هو الغذاء الحجابي إذ المغذي هو الله تعالى و فرحة عند لقاء ربه و هو غذاؤه الحقيقي الذي به بقاؤه فجعل هاتين الفرحتين للصائم في الحجاب و في رفع الحجاب فنظمنا في شرف الرغيف إذ هو الغذاء المعتاد عندنا و له الشكل الكري و هو أفضل الأشكال فخصصنا الرغيف بالذكر دون غيره من الأمور التي يكون بها الغذاء فقلنا فيما سخر الله في حقه من العالم و طلب الهمم كلها جهته لتصل إليه فإن كل حيوان يطلب غذاءه بلا شك بل كل موجود حتى ما لا يقال فقلنا
فالصفة التي يقوم بها المصلي في صلاته في رمضان أشرف الصفات لشرف الاسم لشرف الزمان فأقام الحق قيامه بالليل مقام صيامه بالنهار إلا في الفرضية رحمة بعبده و تخفيفا و لهذا امتنع رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يقومه بأصحابه لئلا يفترض عليهم فلا يطيقونه و لو فرض عليهم لم يثابروا عليه هذه المثابرة و لا استعدوا له هذا الاستعداد ثم الذين ثابروا عليه في العامة يؤدونه أشأم أداء و أنقصه لا يذكرون الله فيه إلا قليلا لا يتمون ركوعه و لا سجوده و لا يرتلون قراءته و ما سنه من سنه أعني من الاجتماع على قارئ واحد على ما هم الناس اليوم عليه من المتميزين من الخطباء و الفقهاء و أئمة المساجد و في مثل صلاتهم فيه قال رسول الله صلى الله عليه و سلم للرجل ارجع فصل فإنك لم تصل فمن عزم على قيام رمضان المسنون قيامه المرغب فيه فليقم كما شرع الشارع الصلاة من الطمأنينة و الخشوع و الوقار و تدبر ما يتلى و إلا تركه أولى و القيام فيه أول الليل كما قام رسول الله صلى الله عليه و سلم فيه في الليلتين أو الثلاثة منه أولى و يكون في المسجد أولى منه في البيت بخلاف سائر النوافل و إنما تركه رسول الله صلى الله عليه و سلم و دخل بيته و صلى فيه رحمة بأمته أن يفترض عليهم فيعجزوا عنه أن يتكاسلوا و هو كما قال تعالى وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ و قال بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ و الصلاة فيه مثنى مثنى كما ورد في الخبر في صلاة الليل أنها مثنى مثنى
(وصل في فصل صلاة الكسوف)
و إنها سنة بالاتفاق و إنها في جماعة و اختلفوا في صفتها و القراءة فيها و الأوقات التي تجوز فيها و هل من شرطهاالخطبة أم لا و هل كسوف القمر في ذلك مثل كسوف الشمس الخلاف في صفتها وردت فيها روايات مختلفة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ما بين ثابت و غير ثابت و ما من رواية إلا و بها قائل فأي شخص صلاها على أي رواية كانت جاز له ذلك فإنه مخير في عشر ركعات في ركعتين و بين ثمان ركعات في ركعتين و بين ست ركعات في ركعتين و بين أربع ركعات في ركعتين و إن شاء صلى ركعتين ركعتين على العادة في النوافل حتى تنجلي الشمس و إن شاء دعا الله تعالى بتضرع و خشوع حتى تنجلي فإذا انجلت صلى ركعتين شكرا لله تعالى و انصرف و العمل على هذه الرواية أحب إلي لما فيها من احترام الجناب الإلهي و الرحمة بالأمة المصلين لها فإنهم لاستيلاء الغفلات و البطالة عليهم لا يفون بشروط ما تستحقه الصلاة من الحضور و الآداب فربما يمقت المصلي و لا يشعر أو تثقل عليه تلك العبارة فيتبرم منها فلذلك جعلنا رواية الدعاء من غير صلاة أولى فإنه في حقهم أحوط و كان العلاء بن زياد يصلي لها فإذا رفع رأسه من الركوع نظر إليها فإن كانت انجلت سجد و إن لم تكن انجلت مضى في قيامه إلى أن يركع ثانيا فإذا رفع رأسه من الركوع نظر إلى الشمس فإن انجلت سجد و إلا مضى في قيامه حتى يركع هكذا حتى تنجلي (وصل الاعتبار) الكسوف آية من آيات الله يُخَوِّفُ الله به عِبادَهُ فإذا وقع فالسنة أن يفزع الناس إلى الصلاة كسائر الآيات المخوفات مثل الزلازل و شدة الظلمة و اشتداد الريح على غير المعتاد سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الكسوف فقال إذا تجلى الله لشيء خشع له كل شيء و الحديث غير ثابت من طريق الرواية صحيح المعنى و عندنا إن التجلي لا زال دائما و إنما جهل الناس به أداهم إلى أن يقولوا أو يقال لهم مثل هذا العدم علمهم فخرق العادة إنما هو في أن يعلم خاصة كما كان خرق العادة في إسماع السامعين تسبيح الحصى و ما زال الحصى مسبحا و لا شك أن النفوس ما تنبعث و تهتز إلا للآيات الخارقة للعادة و الآيات الإلهية منها معتاد و غير معتاد و القرآن قد ورد في الآيات المعتادة كثير في قوله وَ من آياتِهِ و من آياتِهِ و يذكر أمورا معتادة ثم يقول إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ و لكن لا ترفع العامة بها رأسا لجري العادة و استيلاء الغفلة و عدم الحضور و سبب كسوف الشمس و القمر معروف و الذي لا يعرف كونه عن تجلى إلهي إلا من جهة الرسول صلى الله عليه و سلم أو عارف صاحب كشف و قد جعل الله الكسوف آية على ما يريد أن يحدثه من الكوائن في العالم العنصري و في العالم الذي يظهر فيه الكسوف و في الزمان فإنه قد يكسف ليلا فلا أثر له عندنا و يكون الحدث أيضا بحسب البرج الذي يقع الكسوف فيه و هو علم قطعي أعني علم وقوع الكسوف لا علم ما يحدث الله فيه أو عنده و يكون الكسوف في مكان أكثر منه في مكان آخر و في مكان دون مكان و يبتدئ في مكان و في مكان آخر ما ابتدأ بل هو على حاله و هذا كله يعرفه العلماء به فإنه راجع إلى حركات معلومة معدودة عند أهل هذا الشأن و سبب كسوف الشمس من القمر إذا كان في مسامتتها فعلى قدر ما يسامتها منه يغيب منها عن أبصارنا فذلك الظل الذي نراه في الشمس هو من جرم القمر و قد يحجبها كلها فيظلم الجو فيقع الأبصار على جرم القمر فتتخيل العامة أن ذلك المرئي هو ذات الشمس و الشمس نيرة في ذاتها على عادتها إلى أن يشاء الله تكويرها و لذلك يعرف زمان كسوفها و مقداره عند العارفين بتسيير الكواكب و لا يكون أبدا إلا في آخر الشهر العربي فإن القمر في ذلك الزمان يكون في المحاق و الاحتراق تحت الشعاع فإن أعطى الحساب ما يؤدي إلى المسامتة عندنا وقع الكسوف بلا شك و كذلك كسوف القمر إنما هو أن يحول ظل الأرض بينه و بين الشمس فعلى قدر ما يحول بينهما يكون الكسوف في ذلك الموضع و لهذا يعرف و الخطاء فيه قليل جدا و لو لم يكن الأمر على هذا ما علم فإن الأمور العوارض لا تعلم إلا بإعلام الله على لسان من شاء من عباده و عندنا هي عوارض لا في نفس ما رتب الله في ذلك عند ما أَوْحى في كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها و الأمور الجارية على أصولها ثابتة لا تنخرم يعلمها العلوم بتلك الأصول و هي معتادة موضوعة لله تعالى واضعها ما هي عقلية و لا رسب ذلك طبيعي و لهذا يجوز خرق العادة فيها و هكذا كل موضوع إلى أن يخرم الله ذلك الأصل فلله المشيئة في ذلك و له الْأَمْرُ من قَبْلُ وَ من بَعْدُ و لذلك لا يقال في حكم المنجم إنه علم لأن الأصول التي يبنى عليها إنما هي عن وضع إلهي و ترتيب عالم حكيم استمرت به العادة ما ذاك لذواتها و ما كان بالوضع قد يمكن زواله فإن الواضع له قد يضعه إلى أجل مخصوص معين ما عندناعلم به فما من زمان نقدره إلا و يجوز تغيير ما وضع فيه من الأمور فإن لم يكن فبإرادة الواضع لا بنفسه و ما كان بهذه المثابة لا يكون القائل بوقوعه على علم قطعي و لو وقع فإنه لا يعرف ما في نفس الواضع إلا بجهتين إما أن يكون هو المعرف بما في نفسه و هو الصادق و أما بعد ظهور الشيء فيعلم أنه لو لا ما كان في نفس الواضع ما وقع و الواضع هو الله تعالى و جل فالعالم المؤمن يقول في مثل هذا إن أبقى الله الترتيب على حاله و سيره في المنازل على قدره و لم يخرق العادة فيه فلا بد أن يقع هذا الأمر الذي ذكرناه فلهذا ينفي العلم عن المنجم و كل ما هو مثله من حظ الرسل و غيره فضوء القمر لما كان مستفادا من الشمس أشبه النفس في الأخذ عن الله نور الايمان و الكشف و إذا كملت النفس و صح لها التجلي على التقابل و هي ليلة البدر ربما التفتت إلى طبيعتها فظهرت فيها ظلمة طبيعتها فحالت تلك الظلمة بينها و بين نورها العقلي الإيماني الإلهي كما حال ظل الأرض بين القمر الذي هو بمنزلة النفس و بين نور الشمس فعلى قدر ما نظرت إلى طبيعتها انحجبت عن نور الايمان الإلهي فذلك كسوفها فهذا كسوف القمر و أما كسوف الشمس فهو كسوف العقل فإن الله خلقه ليعقل عن الله ما يأخذ عنه فحالت النفس التي هي بمنزلة القمر بينه و بين الحق تعالى من حيث ما يأخذ عنه من اسمه النور سبحانه من كون نسبته إلى الأرض من قوله وَ هُوَ الله في السَّماواتِ وَ في الْأَرْضِ و قوله وَ هُوَ الَّذِي في السَّماءِ إِلهٌ وَ في الْأَرْضِ إِلهٌ فيريد العقل أن يأخذ عن الحق من علم ما يوجده في الأرض فتحول النفس بينه و بين علم ما يوجده في الأرض بشهواتها حتى لا ينظر إليه سبحانه فيما يحدثه فيها و الأرض عبارة عن عالم الجسم فيحجب العقل لحجاب النفس الحيوانية الشهوانية فذلك بمنزلة كسوف الشمس فلا تدركها أبصار الناظرين ممن هو في تلك الموازنة و يفوت العقل من العلم بالله بقدر ما انحجب عنه من عالم الأجسام فلهذا شرع الله التوجه إلى مناجاته المعبر عن ذلك بصلاة الكسوف و شرع الدعاء لرفع ذلك الحجاب فإن الحجاب جهل و بعد في الحال الذي ينبغي له الكمال و لهذا لم يكن الكسوف إلا عند الكمال في النيرين في القمر ليلة بدره و هو كماله في الأخذ من الوجه الذي يلينا و كسوف الشمس في ثمانية و عشرين يوما من سير القمر في جميع منازل الفلك فلما وصل إلى نهايته و أراد أن يقابل الشمس من الوجه الآخر حتى يأخذ عنها على الكمال في عالم الأرواح مثل أخذه في الرابع عشر في عالم الأجسام النازل ليفيض من نوره على أبصار الناظرين إنعاما منه فاشتغلت الشمس بإعطائها النور للقمر في عالم الأرواح العالم العلوي إسعافا لطلبته و إكراما لقدومه عليها في حضرتها كان الكسوف لهذا الإسعاف و لهذا لا يكون للكسوفات حكم في الأرض إلا في الأماكن التي يظهر فيها الكسوف و أما الأماكن التي لا يظهر فيها الكسوف فلا حكم يظهر فيها له و لا أثر أي ما يفعل الله عند ذلك شيئا في العالم من الكوائن التي يفعلها عند ظهور الكسوف إذ لا فاعل إلا الله فإن الأمور بتقدير العزيز العليم صنعة حكيم حتى إن الشمس إذا أعطى الحساب أنها تكسف ليلا لم يكن لذلك الكسوف حكم في ظاهر الأرض التي لم يظهر الكسوف فيها و كذلك كسوف القمر في الحكم فكذلك ظاهر الإنسان و باطنه فقد يقع الكسوف في الأعمال أي في العلم الذي يطلب العمل بالأحكام المشروعة و قد يقع في العلوم التي تتعلق بالباطن و لا حكم لها في الظاهر فتؤثر في موضع تعلقها إما في علم العمل و إما في العلم الذي لا يطلب العمل بحسب ما يقع فيتعين على من تكون حالته مثل هذه أن يتضرع إلى الله فإن أخطأ المجتهد فهو بمنزلة الكسوف الذي يكون في غيبة المكسوف فلا وزر عليه و هو مأجور و إن ظهر له النص و تركه لرأيه أو لقياسه الجلي في زعمه فلا عذر له عند الله و هو مأثوم و هو الكسوف الظاهر الذي يكون له الأثر المقرر عند علماء الأحكام بسير الكواكب و أكثر ما يكون هذا في الفقهاء المقلدين الذين قالوا لهم لا تقلدونا و اتبعوا الحديث إذا وصل إليكم المعارض لما حكمنا به فإن الحديث مذهبنا و إن كنا لا نحكم بشيء إلا بدليل يظهر لنا في نظرنا إنه دليل و ما يلزمنا غير ذلك لكن ما يلزمكم اتباعنا و لكن يلزمكم سؤالنا و في كل وقت في النازلة الواحدة قد يتغير الحكم عند المجتهد و لهذا كان يقول ما لك إذا سئل في نازلة هل وقعت فإن قيل لا يقول لا أفتى و إن قيل نعم أفتى في ذلك الوقت بما أعطاه دليله فأبت المقلدة من الفقهاء في زماننا أن توفي حقيقة تقليدها لإمامها باتباعها الحديث الذي أمرها به إمامها و قلدته في الحكم مع وجود المعارض فعصت الله في قوله وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ و عصت الرسولفي قوله فَاتَّبِعُونِي فإنه ما قالها إلا عن أمر ربه سبحانه و عصت إمامها في قوله خذوا بالحديث إذا بلغكم و اضربوا بكلامي الحائط فهؤلاء في كسوف دائم مسرمد عليهم إلى يوم القيامة فلا هم مع الله و لا مع رسوله صلى الله عليه و سلم و لا مع إمامهم فهم في براءة من الله و رسوله و إمامهم فلا حجة لهم عند الله فانظروا مع من يحشر هؤلاء فالصلاة المشروعة في الكسوف إنما هي لمناجاة الحق في رفع ظلمة النفس و ظلمة الطبع كما يقول اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ و هم أهل الأنوار غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ مثل أهل ظلمة الطبع وَ لا الضَّالِّينَ مثل أهل ظلمة النفس فالله يحول بيننا و بين ما يكسف عقولنا و نفوسنا و يجعلنا أنوارا كلنا لنا و لمن يقتدي بنا أنه المليء بذلك و القادر عليه و أما اعتبار عدد الركعات في الركعتين فاعلم إن الركعتين ظاهر الإنسان و باطنه أو عقله و طبعه أو معناه و حرفه أو غيبه و شهادته و أما العشرة فهو تنزيهه في الركعتين خالقه تعالى و جل عن القبل و البعد و الكل و البعض و الفوق و التحت و اليمين و الشمال و الخلف و الأمام فيرجع هذا التنزيه من الله عليه فإنه عمل من أعماله فتكون له برجوع هذا العمل عليه هذه الأحكام كلها فلا قبل له فإنه لم يكن إلا الله و الله لا يتصف بالقبلية و لا بعد له فإنه باق بإبقاء الله فلا يبعد و لا كل له فإنه لا يتجزأ و لا يتحير من حيث لطيفته و من لا كل له من ذاته فلا بعض له و من لا يتصف بهذه الصفات فلا جهات له فلا جهات للإنسان إلا من حيث صورة جسمه و نشأته فإن نشأته الجسدية بها ظهرت الجهات الستة فهو عين الجهات ما هو في جهة من نفسه و أما اعتبار الثمانية في اثنتين فالثمانية الذات و الصفات فتغيب الذات الكونية و صفاتها في الذات الأحدية و تندرج أنوار صفاتها في صفاتها و هو قوله تعالى كنت سمعه و بصره و ذكر جوارحه فلا تقع عين إلا عليه ظاهرا و باطنا من عرف نفسه عرف ربه فهكذا هو الأمر في الباطن و أما في الظاهر فما تقع العين إلا على العبد و الحق مدرج في هذا الحق بضم الحاء الكياني ما هو كاندراج العرض في المحل و لا كالمظروف في الظرف و أما اعتبار الست في اثنتين فهو قوله فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله و قوله إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ و أما اعتبار الأربعة في الثنتين فهو قوله ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ من بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ من خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ و على كل طريق يأتي إليه منها ملك مقدس بيده السيف صلتا فإن كان المؤتي إليه من العارفين لم يكن له ملك يحفظه بل هو إكسير وقفه من أي ناحية جاءه قبل منه و قلب جسده ذهبا إبريزا فيعود الآتي من الخاسرين
(وصل في فصل في القراءة فيها)
اختلف العلماء في القراءة فيها أعني في السر و الجهر بها فمن قائل يقرأ فيها سرا و من قائل يقرأ فيها جهرا (اعتبار هذا الفصل) إن كان كسوفه نفسيا أسر في مناجاته و ذكر الله في نفسه و إن كان كسوفه في عقله جهر في قراءته و هو بحثه عن الأدلة الواضحة و فيها الظاهرة الدلالة القريبة المأخذ التي يشركه فيها العقلاء من حيث ما هم أهل فكر و نظر و استدلال و الآخرون أهل كشف و تجل ينتجه الهمم إلى الرياضات و هي تهذيب الأخلاق و الخلوات و المجاهدات و تطويل المناجاة و التضرع إلى الله تعالى فيها مشروع و هو اعتبار طول القراءة في صلاة الكسوف فإنه روى أنه كان يقوم فيها بقدر سورة البقرة و القيام الثاني ربما يكون على النصف و القيام الثالث على النصف من الثاني و هكذا في القيام الرابع و الخامس و سبب ذلك أن عالم الأرواح ما يتعبهم القيام و لا يدركهم ملل لأن النشأة نورية خارجة عن حكم الأركان و أما نشأة تقوم من العناصر تئول إلى الاستحالات العبدية و القريبة فيعبر عن ذلك بالنصب و التعب و كلما نزل فيها من معدن إلى نبات إلى حيوان إلى إنسان كان التعب أقوى في آخر الدرجات و هو الإنسان و النصب أعم فإنه سريع التغير فإن له الوهم و لا شك أن الأوهام تلعب بالعقول كتلاعب الأفعال بالأسماء
(وصل في فصل الوقت الذي تصلي فيه)
اختلف العلماء في الوقت الذي تصلي فيه صلاة الكسوف فمن قائل تصلي في جميع الأوقات المنهي عن الصلاة فيها و غير المنهي و من قائل لا تصلي في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها و من قائل تصلي في الوقت الذي تصلي فيه النافلة و من قائل تصلي من الضحى إلى الزوال لا غير (وصل الاعتبار) كما لا يتعين للكسوف وقت لا يتعين للصلاة له لأن الصلاة تابعة للأحوال و قد ثبت الأمر بالصلاة لها و ما خص وقتا من وقت و هي صلاة مأمور بها بخلاف النافلة فإنها غير مأمور بها فإن حملنا الصلاة على الدعاء دعونا في الوقت المنهي عن الصلاة فيه و صلينا في غيره من الأوقات و به أقول
(وصل في فصل الخطبة فيها)
اختلف علماء الشريعة في ذلك فمن قائل إن الخطبة من شرطها و من قائل ليس في صلاة الكسوف خطبة و الذي أذهب إليه أنه يستحب للإمام أن يخطب بالناس ليذكرهم و يحذرهم فإن الكسوف من الآيات التي يُخَوِّفُ الله به عِبادَهُ (وصل الاعتبار في هذا الفصل) الخطبة موعظة و ذكرى و الآية منبهة و ذكرى و الكسوف آية تخويف فوقعت المناسبة فترجح جانب من يقول باشتراط الخطبة و قد ثبت أن النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك اليوم ذكر الناس بعد الفراغ من الصلاة
(وصل في فصل كسوف القمر)
فمن قائل يصلي لكسوف القمر في جماعة كصلاة كسوف الشمس و من قائل لا يصلي له في جماعة و استحب صاحب هذا القول أن يصلي له أفذاذ ركعتين ركعتين كسائر النوافل و الذي أذهب إليه الصلاة في الجماعة أولى إن قدر عليها (اعتبار هذا الفصل) لما كان كسوف الشمس سببه القمر كان كسوف القمر كالعقوبة له لكسوفه الشمس فتضمن كسوف القمر آيتين فكانت الصلاة له في الجماعة أولى فإن شفاعة الجماعة لها حرمة أكثر من حرمة الواحد فالجمع لها ينبغي أن يكون آكد من الجمع بكسوف الشمس و كسوف القمر نفسي كما قدمنا و النفس أبدا هي المزاحمة للربوبية بخلاف العقل فكان ذنبها أعظم و حالها أخطر فاجتماع الشفعاء عند الشفاعة أولى من إتيانهم أفذاذا و من اعتبر في الكسوفات الخشوع كما ورد في الحديث الذي تقدم كان منبها على الخشوع للمصلي فإن الله يقول قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ و قال وَ إِنَّها يعني الصلاة لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ و خشوع كل خاشع على قدر علمه بربه و علمه بربه على قدر تجليه له
(وصل في فصل صلاة الاستسقاء)
فمن قائل بصلاة الاستسقاء و من قائل لا صلاة فيه و الحجة لمن قال بالصلاة إنه من لم يذكر شيئا فليس بحجة على من ذكر و قد ثبت أنه صلى الله عليه و سلم خرج بالناس يستسقي فصلى بهم ركعتين جهر فيهما بالقراءة و حول رداءه و رفع يديه و استسقى و استقبل القبلة و العلماء مجمعون على إن الخروج إلى الاستسقاء و البروز عن المصر و الدعاء و التضرع إلى الله تعالى في نزول المطر سنة سنها رسول الله صلى الله عليه و سلم و اختلفوا في الصلاة في الاستسقاء كما ذكرنا و الذي أقول به إن الصلاة ليست من شرط صحة الاستسقاء و القائلون بأن الصلاة من سنته يقولون أيضا إن الخطبة من سنته و قد ثبت أنه صلى الله عليه و سلم صلى فيه و خطب و اختلف القائلون بالخطبة هل هي قبل الصلاة أو بعدها فاتفق القائلون بالصلاة أن قراءتها جهر و اختلفوا هل يكبر فيها مثل تكبير العيدين أو مثل تكبير سائر الصلوات و من السنة في الاستسقاء استقبال القبلة واقفا و الدعاء و رفع اليدين و تحويل الرداء باتفاق و اختلفوا في كيفية تحويل الرداء فقال قوم يجعل الأعلى أسفل و الأسفل أعلى و قال قوم يجعل اليمين على الشمال و الشمال على اليمين و الذي أقول به أن يجمع بين الثلاث الكيفيات الأعلى أسفل و اليمين على الشمال و الباطن ظاهرا و اختلفوا متى يحول ثوبه فقال قوم عند الفراغ من الخطبة و قال قوم إذا مضى صدر من الخطبة و الذي أذهب إليه أن وقت التحويل وقت الدعاء فإنه سؤال بالحال في تحويل الحالة و اختلفوا في وقت الخروج إليه فقيل في وقت صلاة العيدين و قيل عند الزوال و روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه و سلم خرج إلى الاستسقاء حين بدا حاجب الشمس (وصل الاعتبارات) في جميع ما ذكرناه اعتبار الاستسقاء الاستسقاء طلب السقيا و قد يكون طالب السقيا لنفسه أو لغيره أو لهما بحسب ما تعطيه قرائن الأحوال فأما أهل الله المختصون به الذين شغلهم به عنهم و عرفهم بأنهم إن قاموا فهم معه و هو معهم و إن رحلهم رحلوا به إليه فلا يبالون في أي منزل أنزلهم إذ كان الحق مشهودهم في كل حال فإن عاشوا في الدنيا فيه عيشهم و إن انقلبوا إلى الأخرىفإليه انقلابهم فلا أثر لفقد الأسباب عندهم و لا لوجودها فهؤلاء لا يستسقون في حق نفوسهم إذ علموا إن الحياة تلزمهم لأنها أشد افتقارا إليهم منهم إليها و فائدة الاستسقاء إبقاء الحياة الدنيا فاستسقاء العلماء بالله في الزيادة من العلم بالله كما قال الله لنبيه صلى الله عليه و سلم حين أمره وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً هذا الدعاء هو عين الاستسقاء فإذا استسقى النبي صلى الله عليه و سلم ربه في إنزال المطر و العلماء بالله لم يستسقوه في حق نفوسهم و إنما استسقوه في حق غيرهم ممن لا يعرف الله معرفتهم تخلقا بصفته تعالى حيث يقول كما ورد في الحديث الصحيح قال الله تعالى استسقيتك عبدي فلم تسقني قال و كيف أسقيك و أنت رب العالمين قال استسقاك فلان فلم تسقه فهذا الرب قد استسقى عبده في حق عبده لا في حق نفسه فإنه يتعالى عن الحاجات كذلك استسقاء النبي و العلماء بالله إنما يقع منهم لحق الغير فهم ألسنة أولئك المحجوبين بالحياة الدنيا عن لزوم الحياة لهم حيث كانوا تخلقا بالاستسقاء الإلهي إذا الفقير المحقق من لا يقوم به حاجة معينة فتملكه لعلمه بأنه عين الحاجة فلا تقيده حاجة فإن حاجة العالم إلى الله مطلقة من غير تقييد كما إن غناه سبحانه عن العالم مطلق من غير تقييد من حيث ذاته فهم يقابلون ذاتا بذات و ينسبون إلى كل ذات ما تعطيها حقيقتها و ما أحسن ما شرع في الأذان و الإقامة في قوله حي على الصلاة و لم يقل إلى الصلاة فيقيده بالغاية و من كان معك فلا يكون غايتك و لا تقل حي كلمة إقبال و لا يطلب الإقبال إلا من معرض و كل معرض فاقد قلنا نعم لما كان العبد متحققا بالله كان هو الناظر و المنظور و الشاهد و المشهود و غاب عين العبد و لم يبق إلا الرب و أراد الحق سبحانه أن يشهد العبد عين عبوديته ليعرفه بما أنعم عليه به مما لم يعط ذلك لغيره من العبيد و لا يعرف ذلك حتى يرد لنفسه و مشاهدة عينه مقارنة لمشاهدة ربه و لم يجعل ذلك في شيء من عباداته إلا في الصلاة فقال قسمت الصلاة بيني و بين عبدي فلا بد للمصلي من أجل قسمه من الصلاة أن يقوم فيه إذ لا يليق ذلك لقسم الذي للعبد من الصلاة أن يكون لله فقال له حي على الصلاة أي أقبل على الصلاة من أجل القسم الذي يخصك منها فإعراضه إنما كان عن نفسه لا عن ربه لأن العلم بالله أعطاه ذلك فقال له أقبل على صلاتك لتشهدني و تشهد نفسك فتعرف ما لي و ما لك فتتصف بالحكمة و فصل الخطاب و ترى ما أنت فيه فلم يأت بإلى فإنها أداة تؤذن بالفقد و الأمر في نفسه ليس كذلك فإذا كان الحق يستسقي عبده فالعبد أولى و إذا كان الحق ينوب عن عبده في استسقاء عبده يسقى عبده فالعبد أولى أن يستسقي ربه ليسقى عبده و هو أولى بالنيابة عن مثله من الحق عنه إذ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فمن الأدب مع الله الاستسقاء في حق الغير فإن أصحاب الأحوال محجوبون بالحال عن العلم الصحيح فصاحب الحال إذا لم يكن محفوظا عليه أدبه لم يؤاخذ بسوء الأدب إذ كان لسانه لسان الحال و صاحب العلم مؤاخذ بأدنى شيء لأنه ظاهر في العالم بصورة الحق و كم بين من يظهر في وجوده بربه و بين من يظهر بحاله شتان بين المقامين و يا بعد ما بين المنزلتين شاهد العلم عدل و شاهد الحال فقير إلى من يزكيه في حاله و لا يزكيه إلا صاحب العلم و لما كان العلم بهذه العزة شرعت التزكية في حكم الشرع بغلبة الظن فيقول أحسبه كذا و أظنه كذا لأنه لا يعلم كل أحد ما منزلة ذلك المزكى عند الله فلا يزكي على الله أحدا و إذا افتقر صاحب الحال إلى التزكية بغلبة الظن فهو إلى العالم صاحب العلم أفقر و أفقر فإنه مع من يزكيه كلاهما محتاجان إلى صاحب العلم العلم منجل يظهر نفسه و الحال ملتبس يحتاج إلى دليل يقويه لضعفه أن يلحق بدرجة الكمال فصاحب الحال يطلب العلم و صاحب العلم لا يطلب الحال أي عاقل يكون من يطلب الخروج من الوضوح إلى اللبس فإذا فهمت ما قررناه تعين عليك الاستسقاء فاشرع فيه (وصل اعتبار البروز إلى الاستسقاء) الاستسقاء له حالان الحال الواحدة أن يكون الإمام في حال أداء واجب فيطلب منه الاستسقاء فيستسقي على حالته تلك من غير تغيير و لا خروج عنها و لا صلاة و لا تغير هيأة بل يدعو الله و يتضرع في ذلك فحال هذا بمنزلة من يكون حاضرا مع الله فيما أوجب الله عليه فيتعرض له في خاطره ما يؤديه إلى السؤال في أمر لا يؤثر السؤال فيه في ذلك الواجب الذي هو بصدده بل ربما هو مشروع فيه كمسألتنا أ لا ترى أن الشارع قد شرع للمصلي أن يقول في جلوسه بين السجدتين اللهم اغفر لي و ارحمني و ارزقني و اجبرني فشرع له في الصلاة طلب الرزق و الاستسقاء طلب الرزق فليس لمن هذه حالته أن يبرز إلى خارج المصر و لا يغير هيأته فإنه في أحسن الحالات و على أحسن الهيئات لأن أفضل الأمور أداء الواجبات دخل أعرابي على رسولالله صلى الله عليه و سلم يوم الجمعة من باب المسجد و رسول الله صلى الله عليه و سلم يخطب على المنبر خطبة الجمعة فشكا إليه الجدب فطلب منه أن يستسقي الله فاستسقى له ربه كما هو على منبره و في نفس خطبته ما تغير عن حاله و لا أخر ذلك إلى وقت آخر و أما الحالة الأخرى فهو أن لا يكون العبد في حال أداء واجب فيعرض له ما يؤديه إلى أن يطلب من ربه ابتداء في حق نفسه أو غيره مما يحتاج أن يتأهب له أهبة جديدة على هيأة مخصوصة فيتأهب لذلك الأمر و يؤدي بين يديه أمرا واجبا ليكون بحكم عبودية الاضطرار فإن المضطر تجاب دعوته بلا شك كذلك العبد إذا لم يكن في حال أداء واجب و أراد الاستسقاء برز إلى المصلي و جمع الناس و صلى ركعتين فالشروع في تلك الصلاة عبودية اختيار و أداء ما فيها من قيام و ركوع و سجود و جلوس عبودية اضطرار فإنه يجب عليه في الصلاة النافلة بحكم الشروع الركوع و السجود و كل ما هو فرض في الصلاة فإذا دعا عقيب عبودية الاضطرار فقمن أن يستجاب له و يدخل في الهيئة الخاصة من رفع اليد و تحويل الرداء و استقبال القبلة و التضرع إلى الله و الابتهال في حق المحتاجين إلى ذلك كائنا من كان و لما ذكرناه وقع الخلاف في البروز إلى الاستسقاء و قد برز رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى خارج المدينة فاستسقى بصلاة و خطبة (و اعتبار البروز من المصر إلى خارجه) خروج الإنسان من الركون إلى الأسباب إلى مقام التجريد و الفضاء حتى لا يكون بينه و بين السماء الذي هو قبلة الدعاء حجاب سقف و لا غيره و هو خروج من عالم ظاهره مع عالم باطنه في حال الافتقار إلى ربه بنية التخلق بربه في ذلك أو بنية الرحمة بالغير أو بنفسه أو بمجموع ذلك كله (وصل الاعتبار في الوقت الذي يبرز) إن برز من ابتداء طلوع حاجب الشمس إلى الزوال و ذلك عند ما يتجلى الحق لقلب العبد التجلي المشبه بالشمس لشدة الوضوح و رفع اللبس و كشف المراتب و المنازل على ما هي عليه حتى يعلم و يرى أين يضع قدمه لئلا يهوى أو يخطئ الطريق أو تؤذيه هو أم أفكار رديئة و وساوس شيطانية فإن الشمس تجلو كل ظلمة و تكشف كل كربة فإن لطلوعها شرع أهل الأسباب في طلب المعاش و المستسقي طالب عيش بلا شك فما دام الحق يطلب العبد لنفسه لما ينقبض من الظل من طلوع الشمس إلى الزوال ليكون طلبه للأشياء من الله بربه لا بنفسه لذلك نبهه على ذلك بقبض الظل إلى حد الزوال فإذا قضيت حاجته التي سأل فيها فمن شأن صاحب هذا الحال إذا حصلت له حاجته أنه يؤديها إلى المحتاج و قد انقبض ظله فأخذ الحق في الاحتجاب عن عبده ليبقى مع نفسه فيما أعطاه في سؤاله مما تحتاج إليه نفسه فيشهده نفسه شيئا فشيئا كما يمتد الظل و يظهر بدلوك الشمس إلى حين الغروب فإذا احتجب عنه بقي مع نفسه متفرغا إليها بما حصله و هو المعبر عنه بالعشاء فينضم إلى وكره و يجمع أهله على مائدته بما اكتسبه في يومه فلهذا كان البروز إلى المصلي من طلوع الشمس فإن النبي صلى الله عليه و سلم لما برز إلى الاستسقاء خرج حين بدا حاجب الشمس فاعتبرناه على ذلك الحد للمناسبة و المطابقة (وصل اعتبار الصلاة في الاستسقاء) لما شرع الله في الصلاة الدعاء بقوله اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ و الاستسقاء دعاء مخصوص فأراد الحق أن يكون ذلك الدعاء في مناجاة مخصوصة يدعو فيها بتحصيل قسمه المعنوي من الهداية إلى الصراط المستقيم صراط النبيين الذين هداهم الله تهمما بطلب الأول الذي فيه السعادة المخصوصة بأهل الله ثم بعد ذلك يستسقون في طلب ما يعم الجميع من الرزق المحسوس الذي يشترك جميع الحيوانات و جميع الناس من طائع و عاص و سعيد و شقي فيه فابتدأ بالصلاة ليقرع باب التجلي و استجابة الدعاء فيما يزلف عند الله فيأتي طلب الرزق عقيب ذلك ضمنا ليرزق الكافر بعناية المؤمن و العاصي بعناية الطائع فلهذا شرعت الصلاة في الاستسقاء فعبودية الاختيار قبل عبودية الاضطرار تأهب و استحضار و تزيين محل و تهيؤه و عبودية الاختيار عقيب عبودية الاضطرار شكر و فرح و بشرى بحصول عبودية الاضطرار فالأولى بمنزلة النافلة قبل الفرض و الثانية بمنزلة النافلة بعد أداء الفرض لما بشر رسول الله صلى الله عليه و سلم بأن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر تنفل حتى تورمت قدماه فسئل في ذلك فقال أ فلا أكون عبدا شكورا و عبادة الشكر عبادة مغفول عنها و لهذا قال تعالى وَ قَلِيلٌ من عِبادِيَ الشَّكُورُ و ما بأيدي الناس من عبادة الشكر على النعماء إلا قولهم الحمد لله و الشكر لله لفظ ما فيه كلفة و أهل الله يزيدون على مثل هذا اللفظ العمل بالأبدان و التوجه بالهمم قال اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً و لم يقل قولوا و الأمة المحمديةأولى بهذه الصفة من كل أمة إذ كانت خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ (وصل اعتبار التكبير فيها) من شبهها بصلاة العيد الأول عبد فطر فهو خروج من حال صيام و الصيام يناسب الجدب فإن الصائم يعطش كما تعطش الأرض في حال الجدب و عيد الأضحى هو عند زمان الحج و أيام عشر الحج أيام ترك زينة و لهذا شرع للمحرم ترك الزينة و شرع لمن أراد أن يضحى إذا أهل هلال ذي الحجة أن لا يقص ظفرا و لا يأخذ من شعره و لما لم يكن زينة الأرض إلا بالأزهار و الأزهار لا تكون إلا بالأمطار و هذه الأحوال تقتضي عدم الزينة فأشبهت الأرض الجدبة التي لا زينة لها لعدم الزهر لعدم المطر فأشبهت صلاة الاستسقاء صلاة العيدين فيكبر فيها كما يكبر في العيدين و سيأتي اعتبار عدد التكبير في صلاة العيدين و من حمل صلاة الاستسقاء على سائر أكثر السنن و النوافل و صلوات الفرائض لم يزد على التكبير المعلوم شيئا و هو أولى فإن حالة الاستسقاء حالة واحدة ما هي مختلفة الأنواع فإن المقصود إنزال المطر فلا يزيد على تكبيرة الإحرام شيئا لأنه ما ثم حالة تطلب تكبيرة أخرى زائدة على تكبيرة الإحرام فيحرم على المصلي في الاستسقاء في تكبيرة الإحرام جميع ما تلتذ به النفوس من الشهوات و يفتقر إلى ربه في تلك الحالة كما حرم على الأرض الجدبة الماء الذي به حياتها و زينتها و نسمتها يناسب حال العبد بالإحرام حال الأرض فيما حرمت من الخصب (وصل اعتبار الخطبة) في الاستسقاء الخطبة ثناء على الله بما هو أهله ليعطي ما هو أهله فيثني عليه ثناء آخر بما يكون منه و هو الشكر على ما أنعم و المصلي مثن على الله بما هو أهله و على ما يكون منه و هو القسم الواحد الذي لله من الصلاة فالخطبة ينبغي أن تكون في الاستسقاء و من رأى أن الصلاة ثناء على الله يقول حصل المقصود فأغنى عن الخطبة و تضاعف الثناء على الله أولى من الاقتصار على حال واحدة فإن الخطبة تتضمن الثناء و الذكرى فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ و الاستسقاء طلب منفعة بلا شك (وصل اعتبار متى يخطب) التشبه بالنسبة لكونها سنة أولى من التشبه بالفريضة و قد ورد عن النبي صلى الله عليه و سلم أن لا تشبه صلاة الوتر بصلاة المغرب فيكره لمن أوتر بثلاث أن يأتي بها على صورة صلاة المغرب فتشبيه الاستسقاء بالعيدين أولى فيخطب لها بعد الصلاة إلا أن يرد نص صريح بأن النبي صلى الله عليه و سلم خطب لها قبل الصلاة فيكون النص فيها فلا تقاس على سنة و لا على فريضة بل تكون هي أصلا في نفسها يقيس عليها من يجيز القياس في دين الله و إذا كان العيد يخطب فيه بعد الصلاة مع المراد بالخطبة تذكير الناس و تعليمهم و هم لا يقيمون بل يتصرف أكثرهم بتمام الصلاة فالخطبة في الاستسقاء بعد الصلاة أولى لأنهم لا ينصرفون حتى يستسقي الإمام بهم فإنهم للاستسقاء خرجوا و الخطبة إنما تكون بعد الصلاة و بعد الدعاء بالاستسقاء فلا ينصرف الناس فيحصل المقصود من الخطبة أ لا ترى إلى عبد بن الملك مروان كيف اختطب في العيد قبل الصلاة فقيل له في المجلس في ذلك معيرا عليه فعله و إن النبي صلى الله عليه و سلم ما اختطب في العيدين إلا بعد الصلاة فقال عبد الملك قد ترك ما هنالك يريد أن الناس قد تركوا الجلوس للخطبة و كانت الصحابة لا ينصرفون من صلاة العيد حتى يخطب رسول الله صلى الله عليه و سلم و اتباع السنة أولى و لو لم يبق إلا الإمام وحده لأنه لا يلزمه أكثر من الاقتداء و لا يعلل كذلك الإنسان إذا فرغ من مناجاة ربه في صلاته يثني على الله في نفسه فيما ينصرف إليه و ذلك حتى لا يبرح مع الله في عموم أحواله فإذا فعل ذلك كان بمنزلة الخطبة بعد الصلاة فلا يزال في شغله مع الله في كل حال و الله الموفق لا رب غيره (وصل اعتبار في القراءة جهرا) يجهر المصلي بالقراءة في الاستسقاء ليسمع من وراءه ليحول بينهم و بين وساوسهم بما يسمعونه من القرآن لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ و يشغلوا نفوسهم عن وساوسها بالتفكر في معاني القرآن و ليثابوا من حيث سمعهم فقد يكون حسن استماعهم لقراءة الإمام من الأسباب الموجبة لنزول المطر لكونهم أدوا واجبا بامتثالهم أمر الله بقوله وَ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ و المطر من رحمة الله و هم ما أخرجهم إلا طلبتهم إياه من الله تعالى و قد وعد به لمن استمع القرآن فإن أفعال الترجي من الله حكمها حكم الواجب و إن الإمام ذاكر ربه في ملأ و هو الجماعة في صلاته جهرا و دعائه فيذكره الله في ملأ خير منهم فقد يكون في ذلك الملإ من يسأل الله تعالى في قضاء حاجة ما توجه إليه فيها هذا الإمام و جماعته فيمطرون بدعاء ذلك الملك فإن الملائكة تقول رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فقدمت الرحمة على العلم لموضع حاجة العباد إليها و أدبا مع الله فإن الله قدمها في العطاءعلى العلم فقال آتَيْناهُ رَحْمَةً من عِنْدِنا وَ عَلَّمْناهُ من لَدُنَّا عِلْماً و قد ورد أن الله يقول لعبده ادعني بلسان لم تعصني به و هو لسان أمثالي من العصاة فكيف بلسان الملائكة الذين لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ فالجهر بالقراءة فيها أولى فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم جهر بالقرآن فيها أعني في صلاة الاستسقاء (وصل اعتبار تحويل الرداء) إشارة إلى تحويل الحال الذي أخرجهم من الجدب إلى الخصب و من حال شظف العيش إلى رغده فإن ذلك من الفال الحسن كما تحول أهل هذا المصر في خروجهم إلى الاستسقاء من حال البطر و الأشر و كفران النعم إلى حال التوبة و الافتقار و إظهار الفاقة و المسكنة فطلبوا التحويل بالتحويل و لسان الأفعال أفصح من لسان الأقوال فإنهم القائلون بذلك الفعل أي ربنا إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ و رجعنا عما كنا عليه من مخالفتك فإن التنعم بالنعم و ما كنا فيه من الخصب على جهة البطر أوجب لنا الجدب و القحط و نرجو بكرمك إن توجب لنا الافتقار و الذلة و المسكنة و الخشوع و الخصب فإن الشيء لا يقابل إلا بضده حتى ينتجه فإن قلت فقوله تعالى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ قلنا الشاكر في حال شكره هو عين فقره إلى ما ليس عنده و هو الزيادة التي تزاد له على النعمة التي يكون فيها و هي نعمة باطنة و هي توبته التي أعطاه الله في باطنه و ظاهره و هي نعمة توجب الشكر و الشكر يطلب المزيد فتعمه النعمة ظاهرا بنزول المطر و باطنا بالحمد على ما أنعم الله به عليهم