أ لا ترى التاجر رب المال الغزير و الخير الكثير الذي لو قسم ما له عليه و على أهله و أولاده و أتباعه طول أعمارهم لكفاهم و فضل عنهم و مع هذا يخاطر بما له و نفسه في ركوب البحار و السبل المخوفة في طلب زيادة درهم فما أخرجه عن أهله و هون عليه مفارقة وطنه و ولده و دعته و أحوجه إلى ركوب هذه الأخطار إلا فقره و توهمه تحصيل هذا الدرهم الزائد على ما عنده و ربما تلفت نفسه و ماله بغرق أو قطاع طريق أو أسر المحقق عنده الحاصل في أمر متوهم يمكن أن يحصل و يمكن أن لا يحصل فإذا أراد من هذه حالته من التجار و تخرجه فاقته و لا بد له من السفر فليحول نيته إلى نية أخرى فينظر إلى الجهة التي يقصدها في سفره و يعلم أن الله قد سخر عباده في قضاء حوائج بعضهم لبعض فيقول إن البلد الفلاني يحتاجون إلى كذا و كذا و يذكر السلع التي يطلبها أهل ذلك البلد يا رب فإن قعدت أنا و غيري و لم أحمل إليهم هذا الذي يحتاجون إليه كلفناهم التعب و مفارقة الأولاد بالوصول إلينا لتحصيل ما يحتاجون إليه فنحن نؤثر تعبنا على تعبهم و نحمل إليهم ما يحتاجون إليه و يكون ما يكسبه من زيادة الدرهم تبعا لهذه النية هكذا يكون متجر الموفقين الصادقين الذين قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فيهم في الحديث الصحيح التاجر الصدوق يحشر يوم القيامة مع النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ فانظر ما أحسن هذه النسبة بهذا التنبيه فإن النبي صلى الله عليه و سلم و الأنبياء عليهم السلام جاءوا من عند الله إلى عباد الله بما يحتاجون إليه مما فيه سعادتهم فأجروا على ذلك الأجر التام و هذا حال التاجر لمن عقل يقول تعالى هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ من عَذابٍ أَلِيمٍ مع حصول المشقة في ذلك من مفارقة الأهل في دخوله في الايمان دونهم و مفارقة الوطن بالهجرة إلى دار الإسلام فانظر ما أعجب كلام النبوة و هذا كله من تحويل الحالات لهذا يحول رداءه من يستسقي و من لم يوفق إلى هذا النظر الذي له فيه الأجر التام و المعرفة الصحيحة أخرجه ما يخرج الناس اليوم و هو الفقر الذي قام به لطلب تلك الزيادة المتوهمة التي يمكن أن تحصل و يمكن أن لا تحصل مع كثرة المال الذي يقع له به الغني لو استغنى فلما لم يكن عنده غنى في نفسه بما عنده و قام به الخوف على ماله و الفقر إلى الزيادة خاطر بنفسه و ماله و عمي عن علمه بأن المسافر و ماله على قلة فأزعجه هذا الفقر المتوهم و حال بينه و بين أهله و ولده و أحبابه و هو على غاية من السرور و الفرح بذلك السفر لتوهمه حصول الأرباح فحال الشاكر و فقره إلى طلب الزيادة أولى فإن الزيادة محققة و الربح هناك متوهم فإن الله صادق في إخباره ثم إن الشاكر الذي له هذه الزيادة المحققة بشكره هو في أهله لا يفارق وطنه و لا أهله و لا ولده و لا يغري بنفسه و لا يركب الأخطار و لا يتعب بدنه و لو تصدق بماله كله فهو كتاجر باع بنسيئة فهو له مدخر يجده يوم فقره و حاجته عند الله فإن رزقه الذي تقوم به نشأته و أرزاق عياله لا بد منها يأتي بها الله كما قال لقمان يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أَوْ في السَّماواتِ أَوْ في الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا الله إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ فهذا تاجر باع بنسيئة إلى أجل و أجله زمان القيامة فهو حلول الأجل فهذا يا أخي حكمة تحويل الرداء (وصل اعتبار كيفية تحويله) و هو على ثلاث مراتب يجمعها كلها العالم إذا أراد أن يخرج من الخلاف الذي بين علماء الشريعة و هو أن يرد ظاهره باطنه و باطنه ظاهره و أعلاه أسفله و أسفله أعلاه و الذي على يمينه على يساره و الذي على يساره على يمينه و كل ذلك تأكيد في الإشارة إلى تحويل الحالة التي هم عليها فأما اعتبار ظاهر الرداء و باطنه فهو تأثير أعمال ظاهره في باطنه أعني في قلبه بما تنتج له هذه الأعمال و أعمال باطنه أيضا المحمودة تظهر بالفعل على ظاهره مثل نيته أن يتصدق فيتصدق أو ينوي فعل خير ما فيفعله فما كان في باطنه قد ظهر بالفعل على ظاهره من أسر سريرة ألبسه الله رداءها و من عمل عملا صالحا أثر له في نفسه و قلبه المحبة و الطلب إلى الشروع في عمل آخر و لا سيما إن أنتج له ذلك العمل في الدنيا علما في نفسه كما قال صلى الله عليه و سلم من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يكن يعلم و قال تعالى إِنْ تَتَّقُوا الله يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً و أما تحويل أعلى الرداء و أسفله فهو إلحاق العالم الأعلى بالأسفل في التسخير و إلحاق العالم الأسفل بالأعلى في الطهارة و التقديس فينزل الأعلى رحمة بالأسفل و يرفع الأسفل عناية إلى رتبة الأعلى في النسبة إلى الله تعالى و الافتقار إليه و إن الله كما توجه إلى أعلى الموجودات قدرا و هو القلم الإلهي و العقل الأول بما أعطاه من العلم و السعادة كذلك توجه إلى أدنى الموجودات قدرا و أشقاهم و أخسهم منزلة عند الله على حد واحد فإن الله من حيث ذاته ما فيه مفاضلة لأنه لا يتصف بالكل فيتحقق فيه البعض و ما من جوهر فرد من العالم كله أعلاه و أسفله إلا و هو مرتبط بحقيقة إلهية و لا تفاضل في ذلك الجانب الأعز الأحمى فهو مستو على عرشه الأعلى و لو دليتم بحبل لهبط على الله اجتمع أربعة من الأملاك على الكعبة واحد نازل من السماء و آخر عرج من الأرض السفلي و الثالث جاء من ناحية المشرق و الرابع من ناحية المغرب فسأل كل واحد منهم صاحبه من أين جئت فكلهم قالوا من عند الله و روينا عن بعض شيوخنا حديثا يرفعه أو يبلغ به رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال إن الله في السماء كما هو في الأرض و إن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم فساوى بين العالمين في الطلب و معلوم ما بينهما من التفاوت في العرف و اتفق لي في هذا المشهد ذوقا و ذلك أني حملت في يدي شيئا محقرا بحيث يراه الناس ما كان يقتضيه منصبي في الدنيا و هو ذو رائحة خبيثة من هذا السمك المالح فتخيل أصحابي أني حملته مجاهدة لنفسي لعلو منصبي عندهم عن حمل مثل ذلك و قالوا لشيخي ما قصر فلان في مجاهدته فقال حتى نسأله بأي نية حمله فسألني الشيخ بحضور الجماعة و ذكر لي ما ذكروه فقلت لهم أخطأتم في التأويل علي و الله ما نويت شيئا من ذلك و لكني رأيت الله على علو قدره ما نزه نفسه عن خلق مثل هذا فأنزه نفسي عن حمله فشكرني الشيخ و تعجب الأصحاب و هو من هذا الباب بل و الله في حملي إياه شرفي فإنه نظير القدرة في إيجاد عينه و لا فرق عند العارفين بين العالي و الدون المعتاد هذا خلوف فمن الصائم عند الله أطيب من ريح المسك و أين إدراك الشم من الرائحتين فلا تنظروا في الأشياء المتفاضلة إلا بارتباطها بالحقائق الإلهية و إذا كان هذا نظركم فإنكم لا تحقرون شيئا من العالم فلا تقس الله و لا تحمله على نفسك و خذ الأشياء على ما تعطيها الحقائق و أما تحويل ما هو على اليمين إلى الشمال و بالعكس فاعتباره إن صفات السعداء في الدعاء الخشوع و الذلة و هم أهل اليمين في الدنيا فتتحول هذه الصفة على أهل الشمال في الدار الآخرة فكان السعداء أخذوها منهم في الدنيا قال تعالى في حق السعداء الَّذِينَ هُمْ في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ و قال خاشِعِينَ لِلَّهِ و قال أعني في عكس الصفة عليهم يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصارُ و قال في حق الأشقياء في الدار الآخرة خاشِعِينَ من الذُّلِّ يَنْظُرُونَ من طَرْفٍ خَفِيٍّ و قال وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً و تحويل آخر و هو أن يتصف العبد السعيد في الآخرة بما يتصف به العبد الشقي في الدنيا في الثروة و الملك و السلطان فينقلب إليه المؤمن في الآخرة و يتحول إليه و يتحول عنه الكافر في الآخرة فيظهر المؤمن في الآخرة بنعيم الكافر الشقي في الدنيا و يظهر الكافر المنعم في الدنيا في الآخرة بصفة الشقاء و البؤس الذي كان فيه المؤمن في الدنيا فهذا اعتبار اليمين و الشمال في تحويل الرداء (وصل في اعتبار وقت التحويل و هو في الاستسقاء في أول الخطبة أو بعد مضى صدر الخطبة) فاعلم أن اعتبار التحويل في أول الخطبة هو أن يكون الإنسان في حال نظره لربه بربه فينظر في أول الخطبة لربه بنفسه و هو قوله في أول الصلاة حمدني عبدي فلو كان حال المصلي في وقت الحمد حال فناء بمشاهدة ربه أنه تعالى حمد نفسه على لسان عبده لم يصدق من جميع الوجوه حمدني عبدي و هو الصادق سبحانه في قوله حمدني عبدي فلا بد أن يكون العبد يشاهد نفسه في حمده ربه و هو صدق و من قال بعد مضى صدر من الخطبة فهو إذا قال العبد إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فكان في أول الخطبة يثني على ربه بربه بحال فناء علمي و مشهد سنى بربه عن نفسه فإنه بكلامه حمده فلما أوقع الخطاب كان ثناؤه بنفسه على ربه فيحول عن حالته تلك في هذا الوقت فهذا اعتبار تعيين التحويل في أول الخطبة أو بعد مضى صدر الخطبة (وصل اعتبار استقبال القبلة) من كان وجها كله يستقبل ربه بذاته كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يرى من خلفه كما يرى من أمامه فكان وجها كله فينبغي للمستسقي ربه أن يقبل على ربه بجميع ذاته فإنه ما فيه جزء محسوس أو معنوي ظاهر أو باطن إلا و هو فقير محتاج إلى رحمة الله به في استجلاب نعمه أو بقاء النعم عليه و لهذا يجيب الله المضطر في الدعاء فإن المضطر هو الذي دعا ربه عن ظهر فقر إليه و ما منع الناس الإجابة من الله في دعائهم إياه إلا كونهم يدعونه عن ظهر غنى لالتفاتهم إلى الأسباب و هم لا يشعرون و ينتجه عدم الإخلاص و المضطر المضمون له الإجابة مخلص مخلص ما عنده التفات إلى غير من توجه إليه أخبرني الرشيد الفرغاني رحمه الله عن فخر الدين شيخه ابن خطيب الري عالم زمانه أن السلطان حبسه و عزم على قتله و ما له شفيع عنده مقبول قال فطمعت أن أجمع همي على الله في أمري أن يخلصني من يد السلطان لما انقطعت بي الأسباب و حصل الياس من كل ما سوى الله فما تخلص لي ذلك لما يرد علي من الشبه النظرية في إثبات الله الذي ربطت معتقدي به إلى أن جمعت همتي و كليتي على الإله الذي تعتقده العامة و رميت من نفسي نظري و أدلتي و لم أجد في نفسي شبهة تقدح عندي فيه و أخلصت إليه التوجه بكلي و دعوته في التخلص فما أصبح إلا و قد أفرج الله عني و أخرجني من السجن فهذا اعتبار استقبال القبلة فإن ذلك إشارة إلى القبول (وصل اعتبار الوقوف عند الدعاء) القيام في الاستسقاء عند الدعاء مناسب لقيام الحق بعباده فيما يحتاجون إليه فإنه طلب للرزق بإنزال المطر الذي تركن نفوسهم إليه و يستبشرون بقول الله الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ و النفوس كلها في مقام الأنوثة لمن عقل فإن كل منفعل فرتبته رتبة الأنثى و ما ثم إلا منفعل و الفعل مقسم على الحقيقة بين الفاعل و المنفعل فمن الفاعل الاقتدار و من المنفعل القبول للاقتدار فيه و هنا سر يتضمن أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي فالذي يجعل الله الرزق على يديه قائم على من يرزق بسببه فشرع القيام في الدعاء في الاستسقاء كأنه يقول بحال قيامه بين يدي ربه ارزقنا ما نقوم به على عيالنا بما تنزله من الغيث علينا فإنه السبب في وجود ما به قوام أنفسنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (وصل اعتبار الدعاء في هذا الباب) الدعاء مخ العبادة و بالمخ تكون القوة للأعضاء كذلك الدعاء مخ العبادة به تقوى عبادة العابدين فإنه روح العبادة إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي العبادة هنا عين الدعاء سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ و هو البعد عن الله فإن جهنم سميت به لبعد قعرها (وصل اعتبار رفع الأيدي عند الدعاء) على الكيفيتين الأيدي محل القبض و العطاء فبها ما أخذ و بها ما أعطى فلها القبض بما تأخذ و البسط بما تعطي فيرفع العبد يديه مبسوطتين ليجعل الله فيهما ما سأله من نعمه فإن رفعها و جعل بطونها إلى الأرض فرفعها تشهد العلو و الرفعة ليدي ربي تعالى التي هي اليد العليا و يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ و يجعل الداعي بطون يديه إلى الأرض في الاستسقاء أي أنزل علينا مما بيديك من الخير و البركة ما تسد به فقرنا و فاقتنا التي علقتها بالأسباب فأوحدها إليك و فرغها بما تنزله من الغيث من أجلها فهذا و أشباهه اعتبار صلاة الاستسقاء و أحوال أهله و كون صلاتها ركعتين هو قول الله وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةًفالركعة الواحدة للنعمة الظاهرة يسد بها الخلل الظاهر و الركعة الثانية للنعمة الباطنة يسأل فيها ما يكون فيه غذاء الأرواح و القلوب من العلوم و المعارف و التجلي و اليد النعمة انتهى الجزء السادس و الأربعون
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(وصل في فصل ركعتي تحية المسجد)
اختلف علماء الشريعة في الركعتين لدخول المسجد فمن قائل إنها سنة و من قائل بوجوبهما و الذي أذهب إليه و أقول به إن هاتين الركعتين لا تجب على من دخل المسجد إلا إن أراد القعود في المسجد فإن وقف و لا يجلس أو عبر فيه و لم يقعد فهو مخير عندي إن شاء ركعهما و إن شاء لم يركعهما و لا حرج عليه و يأثم بتركهما إن قعد و لم يركعهما إلا أن يدخل في الوقت المنهي عن الصلاة فيه أو يكون على غير طهارة (وصل في اعتبار هذا الفصل) لا يخلو هذا الداخل في المسجد أن يدخل في زمان إباحة النافلة أو في زمان النهي عن صلاة النافلة فإن دخل في زمان النهي فلا يركع فإنه ربما يتخيل بعض الناس أن الأمر بتحية المسجد يعارض حديث النهي عن الصلاة في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها فاعلم إن النهي لا يعارض به الأمر الثابت عند الفقهاء إلا عندنا فإن لنا في ذلك نظرا و هو أن النهي إذا ثبت و الأمر إذا ثبت فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمرنا إذا نهانا عن أمر بامتثال ذلك النهي مطلقا من غير تخصيص و أن تجتنب كل منهي عنه يدخل تحت حكم ذلك النهي و قال في الأمر الثابت صلى الله عليه و سلم في هذا الحديث و إذا أمرتكم بأمر فافعلوا منه ما استطعتم فقد أمرنا بالصلاة عند دخول المسجد و نهانا عن الصلاة في أوقات معينة فقد حصلنا بالنهي الثابت في حكم من لا يستطيع إتيان ما أمر به في هذه الحال لوجود النهي فانتفت الاستطاعة شرعا كما تنتفي عقلا فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يقل فافعلوا منه ما استطعتم الاستطاعة المشروعة و لا المعقولة فوجب العموم في ذلك فيقول إن النهي المطلق منعني من الإتيان بجميع ما يحويه هذا الأمر الوارد من الأزمنة فلا أستطيع إتيان هذه الصلاة في هذا الوقت المخصص بالنهي شرعا فاعلم ذلك المسجد بيت الله و الكرسي تجليه لمن أراد أن يناجيه فمن دخل عليه في بيته وجب عليه إن يحييه بما أمره أن يحييه فعلمنا رسول الله صلى الله عليه و سلم كيف نحيي بيت ربنا فإنه يقول في بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ رِجالٌ يقول عبد الله بن عمر لو كنت مسبحا أتممت يعني متنفلا و سبحة الضحى صلاة الضحى إذا دخلنا المسجد نسلم على الحاضرين فيه من الملإ الأعلى بقولنا السلام عليكم إن كان هنالك من البشر أحد من كان من صبي أو امرأة أو رجل فإذا لم يكن أحد ممن يسمى إنسانا فلا يخلو هذا الداخل إما أن يكون ممن كشف الله عن بصره غطاء الحجاب المعتاد فيدرك من فيه من الأرواح العاقلين من جن و ملك فيسلم عليهم كما يسلم على من وجد فيه من البشر و إن لم يكن من أهل الكشف لمن فيه فليقل السلام علينا و على عباد الله الصالحين و ينوي كل صالح لله من جميع عباده من كل ما سوى الله فيصيب ذلك السلام كل عبد صالح لله في السماء و الأرض و لا يقل السلام على الله فإن الله هو السلام و ليركع ركعتين بين يدي ربه عز و جل و ليجعل الحق تعالى في قبلته و تكون تلك الصلاة بما فيها من الركوع و السجود مثل التحية التي تحيا بها ملوك الأعاجم إذا دخل عليهم أو ظهروا لرعاياهم و قد مضى اعتبار و أحوال الركوع و القيام و الجلوس و السجود فهاتان الركعتان سجود تحية فإن كان دخوله في غير وقت صلاة أعني دخل في الأوقات المنهي عن إيقاع الصلاة فيها فعند ما يدخل المسجد يقوم بين يدي ربه عز و جل خاضعا ذليلا مراقبا ممتثلا أمر سيده في نهيه عن الصلاة في ذلك الوقت كما نهاه أن يقول في تحياته في الصلاة السلام على الله فإن رسم له سيده تعالى بالقعود في بيته فليركع ركعتين شكر الله تعالى على ذلك حيث أمره سيده بالقعود عنده في بيته فهاتان الركعتان في ذلك الوقت ركعتا شكر و من ركع قبل الجلوس و ما في نيته أن يجلس و هو وقت صلاة فتانك الركعتان تحية لله لدخوله عليه في بيته و من راعى من أهل الله من العارفين دخوله على الحق في بيته و لم يخطر له خاطر التقييد بالأوقات كان ركوعه ركوع تحية لدخوله و من كان حاله الحضور مع الله على الدوام و مناجاته في كل حال فليست بتحية مطلقا و لكنهما ركعتاشكرا لله تعالى حيث جعله من المتقين بدخوله المسجد حيث قال المسجد بيت كل تقي فأضافه إلى المتقين من عباده و قد كان مضافا إلى الله
(وصل في فصل سجود التلاوة)
اختلف علماء الشريعة في سجود التلاوة هل هو واجب أو سنة فمن الناس من قال إنه واجب و من الناس من قال إنه سنة و ليس بواجب (وصل الاعتبار في هذا الفصل) لما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في الخبر الثابت عنه إن الله عز و جل يقول قسمت الصلاة بيني و بين عبدي بنصفين و لم يذكر في المقسوم إلا تلاوة الفاتحة و لم يتعرض للهيئات من قيام أو ركوع أو سجود أو جلوس فلما لم يذكر إلا التلاوة و من القرآن فاتحة الكتاب من العبد لله تعالى ما فيها من تلاوة فاتحة الكتاب و هذا الحديث دليلنا على وجوب قراءة الفاتحة على المصلي فسمينا التالي مصليا أو مناجيا لله تعالى بما يخص الله من الصفات و بما يخص العبد منها كشفا محققا في جميع القرآن المسمى كلام الله فثم آية تخص جناب الحق فهي لله مخاصة و ثم آية تخص جناب العبد فهي له مخلصة و ثم آية يقع فيها الاشتراك فهي بين الله و بين عبده و العمل في ذلك كالعمل في الفاتحة المنصوص عليها فجاء في الذي يتلوه من كلامه تعالى مواضع ينبغي السجود فيها فعين لنا الشارع ما نسجد فيه مما لا نسجد فيه فاشترط فيها من اشترط الطهارة و الوقت للسجود و القبلة و سيأتي فصل ذلك كله فنسجد فيما سجد فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم و نترك فيما ترك و إن كان اللفظ بالأمر يقتضي السجود و لكن لا نسجد لكون الشارع ما شرع السجود إلا في مواضع مخصوصة معينة عينها لنا الشارع فعلا و قولا لا تتعدى و لا يزاد عليها و الخلاف في عددها معلوم و السجود المشروعة في غير التلاوة مذكور كسجود الإنسان عند رؤية الآيات و كسجود الشكر و غير ذلك فلنذكر عدد عزائم السجود الوارد في القرآن و نجمع المختلف فيه إلى المجمع عليه
(وصل في ذكر سجود القرآن العزيز)
اعلم أن سجدات القرآن العزيز من إحدى عشرة سجدة إلى خمس عشرة سجدة فمنها ما ورد بصيغة الخبر و منها ما ورد بصيغة الأمر السجدة الأولى من ذلك في سورة الأعراف في خاتمتها أما الأعراف فهو سور بين الجنة و النار باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ و هو ما يلي الجنة وَ ظاهِرُهُ من قِبَلِهِ الْعَذابُ و هو ما يلي النار منه و عليه رجال تساوت حسناتهم و سيئاتهم فلم ترجح في الوزن كفة على كفة فلم تثقل موازينهم و لا خفت فإنه ما وضع الله لأحد منهم في ميزانه تلفظه بلا إله إلا الله فإنه ما ثم سيئة تعادلها إلا الشرك و كما لا يجتمع الشرك و التوحيد في قلب شخص واحد كذلك لا يدخل في الميزان إلا لصاحب السجلات لسبب آخر نذكره في هذا الكتاب أو قد ذكرناه في باب القيامة فيما تقدم و أما خاتمة هذه السورة فقوله تعالى وَ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا و هذه الآية روينا أنها نزلت في القراءة في الصلاة و السجود ركن من أركان الصلاة و ختم هذه السورة بذكر الملائكة و سجودهم لله فوصفهم فقال إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ و هم المقربون من الملائكة لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ يقول يذلون و يخضعون له وَ يُسَبِّحُونَهُ أي ينزهونه عن الصفات التي لا يليق به و هي التي تقربوا بها إليه من الذل و الخضوع و صدقهم الله في هذه الآية في قولهم وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ فأخبر الله عنهم بما أخبروه عن نفوسهم وَ لَهُ يَسْجُدُونَ وصفهم بالسجود له عز و جل مع هذه الأحوال المذكورة و قال الله تعالى لما ذكر النبيين عليهم السلام لمحمد صلى الله عليه و سلم و ذكر أنه تعالى أتاهم الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ قال له أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ و هم بشر مثله فما ظنك بالملائكة الذين لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ و أي هدى أعظم مما هدى الله تعالى به الملائكة فسجد هذا التالي في هذه السجدة اقتداء بسجود الملإ الأعلى و بهديهم فمن سجد فيها و أ يحصل له نفحة مما حصل للملائكة في سجودها من حيث ملكيته الخاصة به فما سجدها و هكذا في كل سجدة ترد و رأى أصحاب الأعراف أن موطن القيامة قد سجد فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم عند ما طلب من ربه فتح باب الشفاعة تعظيما لله و هيبة و إجلالا و سمع الله يقول يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ بأمر الآخرة تقول العرب كشفت الحرب عن ساقها و هو إذا حمي الوطيس و اشتد الحرب و عظم الخطب فعلموا أنه موطن سجود فلمادعوا إلى السجود هنالك سجد أصحاب الأعراف امتثالا لأمر الله فرجحت كفة حسناتهم بهذه السجدة و ثقلت فسعدوا لأنها سجدة تكليف مشروعة في ذلك الموطن عن أمر إلهي فيدخلون الجنة (وصل السجدة الثانية) و هي سجود الظلال بالغدو و الآصال مع سجود عام و هذه سجدة سورة الرعد و هي عند قوله تعالى وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ من في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ ظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ و ظلال الأرواح أجسادها فأخبر الله تعالى أنه يَسْجُدُ لَهُ من في السَّماواتِ و هم الأعلون وَ من في الْأَرْضِ و هم الأسفلون عالم الأجساد الذين قاموا بالنشأة العنصرية طوعا للأرواح من حيث علمهم و مقامهم و للأجسام من حيث ذواتهم و أعيانهم و كرها في الأرواح من حيث ذواتهم و في الأجسام من حيث رياستهم و تقدمهم على أبناء جنسهم و هذا سجود إخبار فتعين على العبد أن يصدق الله في خبره عمن ذكر فإنه من أهل الأرض بجسده و من أهل السموات بعقله فهو الملك البشري و البشر الملكي فيسجد طائعا لربه و كرها من تقييده بجهة خاصة لا يقتضيها علمه و إن كان ساجدا في نفس الأمر سجودا ذاتيا و إن لم يشعر بذلك فيوقعها عبادة فإن ذلك أنجى له و ذكر الغدو و الآصال لامتداد الظلال في هذه الأوقات فجعل امتدادها سجودا فهي في الغدو تتقلص رجوعا إلى أصلها الذي منه انبعثت و خوفا على نفسها من الاحتراق فكأنها نقتصر على ذاتها و في الآصال تمتد و تطول بالزيادات من إظهار نعم الله التي أسبغها عليها و الغدو و الآصال من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها فأخرج حكم السجود في هذه الأوقات عن حكم النافلة و جعل حكمه حكم الفرائض أو المقضي من النوافل فتعين على التالي في هذه الآية السجود فيجازي من باب من صدق ربه تعالى في خبره فسجدة الأعراف سجدة اقتداء بهدى الملائكة و هذه سجدة تصديق بتحقيق (وصل السجدة الثالثة) سجود العالم الأعلى و الأدنى في مقام الذلة و الخوف سجود هذه السجدة عند قوله وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ فذكر الملائكة و الظلال و سجدوا في الأعراف سجود اختيار لما يقتضيه جلال الله و هنا أثنى الله عز و جل عليهم بأنهم يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ فسجدوا شكرا لله لما أثنى الله عز و جل عليهم بأنهم يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ فسجدوا شكرا لله لما أثنى الله عز و جل عليهم بما وفقهم إليه من امتثال أوامره فسجدها العبد رغبة في أن يكون ممن أثنى الله عليه بما أثنى على ملائكته فهي للعبد سجود ذلة و خضوع فإنه يقول يتفيؤا ظلاله الضمير في ظلاله يعود على الشيء المخلوق و قد قلنا إن الأجساد ظلال الأرواح فلا تتحرك إلا بتحريك الأرواح إياها تحريكا ذاتيا ثم قال عَنِ الْيَمِينِ وَ الشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَ هُمْ داخِرُونَ أي أذلاء فهو سجود ذلة و خضوع فمن سجد هذه السجدة و لم يشاهد سجود ظله في اليمين إذا وقع له التجلي في الشمائل و لا شاهد سجود ظله في الشمائل إذا وقع له التجلي في اليمين و لم يحصل له التأثير في عالم الكون خاصة فإن الآثار في حضرة العين سهلة الوجود و ما تظهر الرجال أصحاب القوة و اليمين إلا في تأثيرهم في الكون فهذا من خصوص سجود هذه السجدة (وصل السجدة الرابعة) سجود العلماء بما أودع الله في كلامهم من علوم الأسرار و الأذواق و هو سجود تسليم و بكاء و خشوع وَ بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَ بِالْحَقِّ نَزَلَ وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَ نَذِيراً وَ قُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَ نَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا يقول وَ بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ لتحكم به بين الناس فيما اختلفوا فيه من الحق وَ بِالْحَقِّ نَزَلَ لذاته وَ ما أَرْسَلْناكَ خطاب لمن أنزل عليه تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مُبَشِّراً تبشر قوما بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَ رِضْوانٍ وَ جَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ و تبشر قوما بِعَذابٍ أَلِيمٍ وَ نَذِيراً معلما بمن تبشره و بما تبشر و قرآنا و كلاما جامعا لأمور شتى فَرَقْناهُ أي فصلناه آيات بينات في سور منزلات لِتَقْرَأَهُ أي تجمعه و تجمع عليه الناس عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ تؤدة مرتلا وَ نَزَّلْناهُ عما يجب له من التعظيم إلى مخاطبة من لا يعرف قدره وَ ما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ قُلْ يا أيها النبي آمِنُوا به صدقوا به أَوْ لا تُؤْمِنُوا أو تردوه و لا تصدقوا به إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أعطوا العلامات التي تعطي اليقين و الطمأنينة في الأشياء من قبله ممن تقدمه من أمثاله إِذا يُتْلى تتبع آياته بعضها بعضا بالمناسبة التي بين الآية و الآية يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً يقعون على وجوههم مطاطئين أذلاء و السجود التطأطؤ أسجد البعير إذا طأطأه ليركبه و يقولون سُبْحانَ رَبِّنا أي وعده صدق و كلامه حق إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا واقعا كما وعد الوعد يستعمل في الخيرو الشر و الوعيد في الشر خاصة فالوعد في الخير من الله لا بد منه و الوعيد قد يعفو و يتجاوز فإنه من صفة الكريم عند العرب و مما يمدح به الأعراب سادتها و كبراءها يقول شاعرهم
و إني إذا وعدته أو وعدته لمخلف إيعادى و منجز موعدي
وَ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ على ما فرط منهم مما لا يستدركونه و لو عفي عنه فالكتابة على المحو ما تقوم في الصفا كالكتابة على غير المحو وَ يَزِيدُهُمْ خُشُوعاً أي ذلة و الخشوع لا يكون أبدا من الخاشع إلا عن تجل و لا بد إما على الظاهر و إما على الباطن أو عليهما معا فهذه السجدة سجدة زيادة في الخشوع و الخشوع كما قلنا لا يكون إلا عن تجل إلهي فزيادة الخشوع دليل على زيادة التجلي فهذا يسمى سجود التجلي فافهم (وصل السجدة الخامسة) و هي سجود الإنعام العالم الرحماني عن الدلالات و هي في سورة مريم عند قوله إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَ بُكِيًّا و هي سجدة النبيين المنعم عليهم فهذا بكاء فرح و سرور و آيات قبول و رضي فإن الله قرن هذا السجود بآيات الرحمن و الرحمة لا تقتضي القهر و العظمة و إنما تقتضي اللطف و العطف الإلهي فدمعت عيونهم فرحا بما بشرهم الله من هذه الآيات فالصورة صورة بكاء لجريان الدموع و الدموع دموع فرح لا دموع ترح و كمد و حزن لأن مقام الاسم الرحمن لا يقتضيه و في هذه السورة في قوله يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ فرح أبو يزيد و طار الدم من عينيه حتى ضرب المنبر و قال يا عجبا كيف يحشر إليه من هو جليسه فإن الله يقول أنا جليس من ذكرني و المتقي ذاكر لله ذكر حذر فلما حشر إلى الرحمن و هو مقام الأمان مما كان فيه من الحذر فرح بذلك و استبشر و كان دمع أبي يزيد دمع فرح كيف حشر منه إليه حين حشر غيره إلى الحجاب و أما قوله في هذه السورة عن إبراهيم الخليل في قوله إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ من الرَّحْمنِ فقرن العذاب بالاسم الرحمن و لا يقتضيه هنا في الظاهر فاعلم أنه أشار له إلى الاسم الذي هو أبوه معه في الحال فإنه مع الرحمن بلا شك لحصول العافية و الخير و الرزق و الصحة الذي هو فيه و عليه و المعنى الآخر في مساق هذا الاسم مع العذاب مثل رحمة الطبيب بصاحب الأكلة فهو يعذبه في الوقت بقطع العضو الذي فيه الأكلة رحمة به حتى يحيا و من رحمته نصب الحدود في الدنيا لتكون لهم طهارة إلى الأخرى و هكذا في كل داران نظرت بعين التحقيق فاعلم ذلك فمن سجد هذه السجدة و لم ير النعيم في العذاب فما سجدها كما قال القائل
و أما رابعة العدوية فضرب رأسها ركن جدار فأدماه فقيل ما تحسين بالألم فقالت شغلي بموافقة مراده فيما جرى شغلني عن الإحساس بما ترون من شاهد الحالة (وصل السجدة السادسة) و هي سجود المعادن و النبات سجود المشيئة و الحيوان و بعض البشر و عمار الأفلاك و الأركان سجود مشاهدة و اعتبار قال الله تعالى أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ من في السَّماواتِ وَ من في الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ من النَّاسِ وَ كَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَ من يُهِنِ الله فَما لَهُ من مُكْرِمٍ إِنَّ الله يَفْعَلُ ما يَشاءُ فذكر سبحانه كل شيء في هذه الآية و لم يبعض إلا الناس فإنه قال وَ كَثِيرٌ من النَّاسِ و جعل ذلك من مشيئته فيبادر العبد بالسجود في هذه الآية ليكون من الكثير الذي يسجد لله لا من الكثير الذي حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ فإذا رأى هذا العبد إن الله تعالى قد و فقه للسجود و لم يحل بينه و بين السجود علم أنه من أهل العناية الذين التحقوا بمن لم يبعض سجودهم ممن في السموات و من في الأرض و الشمس في غروبها و القمر في محاقه و النجوم في مواقعها و الجبال في إسكانها و الشجر في إقامتها على سوقها و الدواب في تسخيرها و بعض الناس ممن له الشهود فمن سجد هذه السجدة من أهل الله و لم يشهد كل عالم فيه ممن ذكر و يشهد سجود بعضه من كله و من بقي منه و لم يسجد فما سجدها (وصل السجدة السابعة) و هي سجدة الفلاح و الايمان عن خضوع و ذلة و افتقار و هي في آخر الحج في قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فهذا سجود الفلاح و هو البقاء و الفوز و النجاة فكان فعل الخير بمبادرته للسجود عند ما سمع هذه الآية تتلى سببا لإيمانه إذ كان الله قد آية بالمؤمنين في هذه الآية و أمرهم بالركوع و السجود له فالتحقق بالملائكة في كونهم يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ فسجد العبد فأفلح و هي سجدة خلاف فمن سجد هذه السجدة و لم يعرف نسبة البقاء الإلهي و الإبقاء و لم يفرق بين من هو باق ببقائه و من هو باق بإبقائه و فاز فامتاز بعلامته ممن انحاز و جاز و نجا عند ما التجأ و فال بالتثبت في بعض الأمور و في بعضها بالنجا فما سجد هذه السجدة (وصل السجدة الثامنة) و هو سجدة النفور و الإنكار عند أهل الاعتراف قال تعالى وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَ ما الرَّحْمنُ أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَ زادَهُمْ نُفُوراً لما قيل لهم اسجدوا للرحمن فسجدها المؤمن عند ما يتلو ليمتاز بها عن الكافر المنكر لاسمه الرحمن فهذه تسمى سجدة الامتياز و الله يقول وَ امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ فيقع الامتياز بين المنكرين للاسم الرحمن و بين العارفين به يوم القيامة بالسجود الذي كان منهم عند التلاوة و زادهم هذا الاسم نفورا لجهلهم به و لهذا قالوا وَ ما الرَّحْمنُ على طريق الاستفهام فهذا سجود إنعام لا سجود قهر فإن الكفار أخطئوا حيث رأوا أن الرحمن يناقض التكليف و رأوا أن الأمر بالسجود تكليف فلا ينبغي أن يكون السجود لمن هو هذا الاسم الرحمن لما فيه من المبالغة في الرحمة فلو ذكره بالاسم الذي يقتضي القهر ربما سارع الكافر إلى السجود خوفا كما صدر من الجبار عند رسول الله صلى الله عليه و سلم من رؤساء الجاهلية حيث قال له يا محمد اتل علي مما جئت به حتى أسمع فتلا عليه حم السجدة فلما وصل إلى قوله تعالى فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَ ثَمُودَ و هما من العرب و حديثهما مشهور عندهم بالحجاز فلما سمع هذه الآية ارتعدت فرائصه و اصفر لونه و ضرط من شدة ما سمع و معرفته بذلك و قال هذا كلام جبار فما زادهم نفورا إلا اقتران التكليف بالاسم الرحمن فإن الرحمن من عصاه عفا عنه و تجاوز فلا يكلفه ابتداء فلو علم هذا الجاهل أن أمره تعالى بالسجود للرحمن لا يناقض التكليف و إنما يناقض المؤاخذة و يزيد في الجزاء الحسنى لبادر إلى ذلك كما بادر المؤمن فمن سجد هذه السجدة و لم يفرق بين العلم و الخبرة و هو علم الأذواق و منه قوله تعالى وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ (وصل السجدة التاسعة) و هي سجدة السر الخفي عن النبإ اليقين و موضع السجود من هذه السورة مختلف فيه فقيل عند قوله تُعْلِنُونَ و قيل عند قوله رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ فهذا هو سجود توحيد العظمة إن سجد في العظيم و إن سجد في قوله أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَ ما تُعْلِنُونَ يقول إن الشمس التي يسجدون لها و إن اعتقدوا أنها تعلم ما يعلنون فالسجود لمن يعلم ما يخفون و ما يعلنون أولى ثم إنهم يسجدون للشمس لكونها تخرج لهم بحرارتها ما خبأت الأرض من النبات فقال الله لهم ينبغي لكم أن تسجدوا للذي يخرج الخبء في السموات و هو إخراجه ما ظهر من الكواكب بعد أفولها و خبئها ثم يظهرها طالعة من ذلك الخبء و في الأرض ما يخرجه من نباتها فالشمس ليس لها ذلك بل بظهورها يكون خبء ما في السموات من الكواكب فالله أولى بأن يسجد له من سجودكم للشمس فإن حكمها عند الله كحكم الكواكب في الأفول و الطلوع فطلوعها من الخبء الذي يخرجه الله في السماء مثل سائر الكواكب فهذا سجود الرجحان فإن الدليل هنا في جناب الله أرجح منه في الدلالة على ألوهة الشمس حين اتخذتموها إلها لما ذكرناه فمن سجد هذه السجدة و لم يقف على لغات البهائم و لا علم منطق الطير و لم ينكح جميع الكواكب و حروف النطق بحيث يلتذ بها التذاذه بالكواعب (وصل السجدة العاشرة) و هي سجدة التذكر و الذكر بتسبيح و تواضع عن دلالات منصوبة سجود عقل و استبصار و هذه سجدة الم تنزيل التي إلى جانب سورة لقمان الحكيم إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَ سَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ هُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ إن حرف تحقيق و تنكير يقول إن الذي يصدق بآياتنا أنها آيات نصبن لها دلالات على وجودنا و صدق إرسالنا ما هي عن همم النفوس عند جمعيتها هم الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها و التذكر لا يكون إلا عن علم غفل عنه أو نسيان من عاقل ف إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ يقول إنها مدركة بالنظر العقلي إنها دلالات على ما نصبناها عليه فإذا ذكروا بها وقعوا على وجوههم أي حرصوا على معرفة ذواتهم فنزهوا ربهم بما نزه به نفسه على السنة رسله و لم يعطهم العلم الأنفة عن ذلك فمن سجد هذه السجدة و لم يقف على مدارك عقله و لم يفرق بين ما يعطيه نظره و بينما يعطيه إيمانه فينزه ربه إيمانا لا عقلا و يأخذ العلم و الحكمة حيث وجدها و لا ينظر إلى المحل الذي جاء بها و إن العاقل يعرف الرجال بالحق و غير العاقل يعرف الحق بالرجال و هذا من أكبر أغاليط النظر فإن المعنى الذي يندرج في اللفظ الذي يقصد به المتكلم إيضاح أمر هو في الحق المطلوب يقبله الجاهل من الرسول إذا جاء به و يحيله و يرده من الوارث و الولي إذا جاء به فلو قبل العلم لذات العلم لكان ممن تذكر فإن الله تعالى يقول في حق ما أنزل من القرآن إن رسول الله صلى الله عليه و سلم يخاطب به ثلاث طبقات من الناس فهو في حق طائفة بلاغ يسمعون حروفه إيمانا بها أنها من عند الله لا يعرفون غير ذلك و طائفة تلاه عليها لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ أي يتفكروا فيها حتى يعلموا أن الآتي بها لم يأت بها من نفسه بل هي من عند مرسله سبحانه و ليتذكر أرباب العقول ما كانوا قد علموه قبل أي ما جاءوا بما تحيله الأدلة الغامض إدراكها فإنها لب الدلالات و هم أهل الكشف و الجمع و الوجود فمن لم يحصل ما ذكرناه في سجوده هذه السجدة فما سجد (وصل السجدة الحادية عشرة) و هي لنا سجدة شكر في حضرة الأنوار و لصاحبها سجدة توبة لا من حوبة و ليست من عزائم السجود و هذه سجدة سورة صلى الله عليه و سلم في قوله وَ ظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ راكِعاً وَ أَنابَ فسجدها توبة و شكرا معا و الظن على بابه يقول ظن داود أنما اختبرناه فإن الفتنة في اللسان الاختبار تقول العرب فتنت الفضة على النار أي اختبرتها فطلب طلبا مؤكدا الستر من ربه فإن الاستفعال يؤذن بالتأكيد و وقع خاضعا و رجع إلى الله فيما طلب عنه لا لحوله و قوته و هذا دليل على أنه كان عنده من القوة ما يستتر به فلم يفعل و رجع إلى الله في ذلك و يؤيد هذا قول الله له وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى فلو لم يكن في قوته التحكم به فيما يريده ما نهى عنه فقضينا حاجته فيما رجع إلينا فيه و سترناه عن الأغيار في حضرتنا فجهل قدره مع تصريحنا بخلافته عنا في الحكم في عبادي و التحكم و التصريف ثم قال وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى مما هو له منا لا يرجع من ذلك إلى الأكوان و الأغيار شيء وَ حُسْنَ مَآبٍ و خاتمة حسنة أي مشهود لأن الحسنة و الحسنى من الإحسان و هو مقام الشهود الذي يعطي الحقائق على ما هي عليه فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم فسر الإحسان لجبريل عليه السلام بما أشرنا إليه فمن سجد هذا السجود و هو سجود الإنابة و في السجود فيها خلاف فإذا سجدها الإنسان و لم يجد فيها ما وجد داود عليه السلام من التقريب الإلهي و علم خاتمة أمره و بما ذا يختم له و نهاية مقامه و منزلته عند ربه في الدار الآخرة هذا إذا سجدها سجود داود و إذا سجدها سجود رسول الله صلى الله عليه و سلم و لم يجد الزيادة في جميع أحواله في كل حال بما يليق به من علم و عمل في كل دار بما يليق بتلك الدار فإن الزيادات في الدار بحسب ما وضعت لها فالدنيا دار تكليف و عمل و الآخرة دار جزاء و الدنيا أيضا دار جزاء لمن عقل عن الله هذا رسول الله صلى الله عليه و سلم لما غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر زاد في عبادته ربه فقام حتى تورمت قدماه شكرا لله على ذلك و هذا جزاء العبد على المغفرة فهي دار جزاء فيوم الدين هو يوم الدنيا و الآخرة فوضع الحدود جزاء و جازى أهل الشقاء بما عملوه من مكارم الأخلاق في الدنيا ما أنعم به عليهم من النعم حتى انقلبوا إلى الآخرة و قد جنوا ثمر خيرهم في الدنيا فلو لم تكن الدنيا أيضا دار جزاء ما كان هذا فمن لم يدرك في سجوده أمثال هذه العلوم فلم يسجد
(وصل السجدة الثانية عشرة)
و هي سجدة الاجتهاد و بذل المجهود فيما ينبغي لجلال الله من التعظيم و الالتذاذ به و هي في حم السجدة و في موضع سجودها خلاف فقيل عند قوله إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ فمن سجد هنا جعلها سجدة شرط و من سجدها عند قوله لا يَسْأَمُونَ كانت عنده سجدة نشاط و محبة لما كانت حاجة الخلق إلى الليل لِيَسْكُنُوا فِيهِ و يتخذوه لباسا يحول بينهم و بين أعين الناظرين و إلى النهار ليتسببوا فيه في تحصيل أقواتهم و رأوا أن الشمس يكون النهار بطلوعها و يكون الليل بغروبها نسبوا وجود الليل و النهار إليها فعبدوها و هم الشمسية رأينا منهم خلقا كثيرا ببلاد يونان و نزلت عند واحد من علمائهم فسألته لم أشركتم مع الله في عبادته عبادة الشمس فقال لي ما عبدنا الشمس لكونها إلها حاشى لله بل الله إله واحد و إنما نظر علماؤنا فيما لهذا النير الأعظم من المنافع في العالم ثم عدد ما ربط الله به من المنافع فعرفنا أنه لو لم يكن له عناية من الله به ما ولاة على هذه الأمور فطلبنا القربة إليه بالتعظيم ليكون لنا أحسنوساطة عند الله في تخليصنا و الشمس عندنا عبد فقير إلى الله تعالى إلا إن الله به عناية هذا قوله لي و نحن على مائدته نأكل ضيافته يقول الله تعالى في هذه السجدة وَ من آياتِهِ الضمير يعود على الله اللَّيْلُ وَ النَّهارُ و إن حدث عن الشمس فما هو من آياتها بل هو من آياتي ثم قال وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ و أخبرهم أن الله ممحي آية الليل و هو القمر فلا يظهر لنوره حكم في البصر إلا بالليل و نوره معار فإنه انعكاس نور الشمس فإنه لها كالمرآة فالنور الذي يعطيك القمر إنما هو للشمس و هو موصل لا غير لأنه محو و جعل آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً يعني نورها ظاهرا للبصر و جعلنا ذلك الطلوع و الغروب لمن يكون حسابه بالشمس ليعلم فصول سنته و من يكون حسابه بالقمر عدد السنين و الحساب يقول الله في الأهلة قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِ فقال لهم إذا كانت عبادتكم للشمس و القمر لهذه العلة فأنا خالق هذه الآيات دلالات علي وَ اسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ فجميع الليل و النهار و الشمس و القمر في الضمير و غلب هنا التأنيث على التذكير لأن الليل و النهار و الشمس و القمر منفعلون لا فاعلون فهو تشبيه واضح لمن عقل و جمعهن جمع من يعقل من المؤنث ينبه بذلك أيضا على نقص الدرجة التي تنبغي للذكورية و لم يقل خلقهم حتى لا يعظم قدرهم بتغليب التذكير عليهم فإن العرب تغلب المذكر على المؤنث في كلامها تقول زيد و الفواطم خرجوا و لا تقول خرجن فالله الذي خلقهن أولى بأن تعبدوه منهن لأن مرتبة الفاعل فوق مرتبة المنفعل فالحق أولى و أحق أن يعبد ممن له النقص من طريقين من كونه مخلوقا و من كونه مؤنثا و قال إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يعني العلماء بالله من الملائكة الذين هم دون مقعر فلك القمر يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ و هم أعلم بالله منكم فلو كان ما اتخذتموه من هؤلاء آلهة لكانت الملائكة أولى بالسجود لهن منكم لعلمكم أنهم أعلم فهم يسجدون لله من غير سامة و لا فتور (وصل السجدة الثالث عشرة) و هي سجدة الطرب و اللهو تنبيه الغافلين عن الله و هي سجدة خاتمة سورة النجم و في السجود فيها خلاف و اقترن بسجودها الأمر الإلهي و الذلة و المسكنة لأن السامدين اللاهون فيقول لهم و إن كنتم أهل غناء فتغنوا بالقرآن فهو أولى بكم فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَ اعْبُدُوا و قد ورد في الخبر ما أذن الله لنبي كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن يقول ما استمع كاستماعه و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ليس منا من لم يتغن بالقرآن فجعل التغني به من السنة و هي لغة حميرية يقولون اسمد لنا أي غن لنا في وقت حصادهم لينشطوا للعمل و كانت العرب إذا سمعت القرآن غنت حتى لا تسمع القرآن و كانوا يقولون ما أخبر الله عنهم لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَ الْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ كما يفعله اليوم من لم يوفقه الله من العلماء إذا سمعوا كلام أهل الله بما يمنحهم الله من الأسرار يقولون هذا هذيان و فشار و أما المتغالون فيقولون هذا كفر و لو سألوا عن معنى ما سمعوا ما عرفوا فقال الله أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ يعني من القرآن فيما وعظهم به منهم و توعدهم و وعدهم تَعْجَبُونَ تكثرون العجب كيف جاء به مثل هذا و ما أنزل على عظمائكم كما قالوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ من الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ وَ تَضْحَكُونَ أي تهزءون منه إذا أتى به و هؤلاء هم الذين ذكرنا من جهلهم أنهم لا يعرفون الحق إلا بالرجال وَ أَنْتُمْ سامِدُونَ يقول لأهون فلا تفعلوا و لا تتكبروا و اخضعوا لله الذي هذا كلامه بلغتكم و تذللوا لمنزله فإن في القرآن ما يبكي من الوعيد و ما يضحك و يتعجب فيه من الفرح باتساع رحمة الله و لطفه بعباده وَ لا تَبْكُونَ و في القرآن من الوعيد و المخاوف ما يبكي بدل الدموع دما لمن دبر آياته وَ أَنْتُمْ سامِدُونَ و في القرآن هذا كله فما لكم عنه معرضون و موطن الدنيا موطن حذر و لا سيما و الموت فيكم رائح و عاد مع الأنفاس و لا تتفكروا إلى أين تصبرون و إلى أين تسافرون و أين تحطون ما هي الدنيا موطن أمان و العالم الحكيم هو الذي يعامل كل موطن بما يستحقه (وصل السجدة الرابع عشرة) و هي سجدة الجمع و الوجود فمن سجد سجدة النجم و لم ينتج له في علم النغمات و الألحان المطربة الفلكية و رأى أن أصوات كل مصوت مزامير من مزامير الحق في العالم و يشهد داود عليه السلام في هذا الكشف و يرى الأصوات و الحروف ناطقة بكل معنى عجيب يهز الجبال الراسيات طربا و يضحك الثكلى سرورا و فرحا فما سجدها و هذه السجدة الأخرى في سورة إذا السماء انشقت و فيها خلاف و سجدها أبو هرير خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم و يسجد فيها عند قوله وَ إِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ فهذا سجود الجمع لأنه سجود عند القرآن و الجمع يؤذن بالكثرة و قد تكونالكثرة بالأمثال و غيرها و الأحدية و إن كانت لله تعالى فالمقطوع به أحدية الألوهية أي لا إله إلا الله و أحدية الكثرة من حيث أسماؤه الحسنى و أما الحق فلا يقال فيه من حيث ما هو عليه في نفسه كل و لا بعض و يقال في الواحد منا رأيت زيدا نفسه عينه كله لاحتمال أنك قد ترى وجهه دون سائر جسده فأعطى التأكيد بالكل رؤية جميعه فلو لا وجود الكثرة فيه ما قلت كله يقول فإذا سمع القرآن الذي هو جامع صفات الله من التنزيه و التقديس كيف لا يتذكر السامع جمعيته فيسجد لمن له جميع صفات التنزيه فمن سجد في هذه السورة و لم يقف على علم الموالد و ما تجنه الحاملات في بطونها من أنواع الحوامل من العالم كالأرض و السحاب و النساء و جميع الأناثي و ما تحمله الكتب في حروفها من المعاني فإنها من جملة الحاملات و لم يقف فيها على رجوعه من أين جاء و يرى صورة حاله عيانا حالا و عاقبة بحيث أن يحلف على ما رآه لقطعه به فما سجد (وصل السجدة الخامس عشرة) و هي سجدة العقل الأول سجود تعليم عن شهود و رجوع إلى الله و هذه سجدة سورة العلق عند قوله وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ فهي سجدة طلب القرب من الله تعالى و جاءت بعد كلمة ردع و زجر و هو قوله كلا لما جاء به من لا يؤمن بالله و اليوم الآخر يقول له ربه اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ لما تعتصم مما دعاك إليه فتأمن غائلة ذلك انتهى الجزء السابع و الأربعون
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(وصل في فصل وقت سجود التلاوة)
منع قوم السجود في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها و أجاز قوم السجود بعد صلاة العصر و بعد صلاة الصبح ما لم تدن الشمس إلى الغروب أو الطلوع و الذي أقول به بالسجود في كل وقت لأن متعلق النهي الصلاة و ليس السجود من الصلاة شرعا إلا في الصلاة كما إن له أن يقرأ الفاتحة في كل وقت و إن كانت قراءتها في الصلاة من الصلاة اعتبار هذا الفصل السجود قربة تعريف و تنزيه بما يستحقه الإله من العلو و الرفعة عن صفات المحدثات و مثل هذا لا يتقيد بوقت دون وقت بل نسبة تعظيمه و إجلاله إلى الأوقات على السواء كما أن للعبد أن يناجي ربه بتلاوته كتابه العزيز في كل وقت و هو محمود في ذلك مأجور عند الله عز و جل
(وصل في فصل من يتوجه عليه حكم السجود)
أجمعوا على أنه يتوجه على القارئ في صلاة كان أو غير صلاة السجود و اختلفوا في السامع فمن قائل عليه السجود و من قائل عليه السجود بشرطين أحدهما أن يسجد القارئ و الآخر أن يكون قعد ليسمع القرآن و أن يكون القارئ ممن يصلح أن يكون إماما للسامع و قيل عن بعضهم يسجد السامع لسجود القارئ و إن كان القارئ لا يصلح للامامة إذا جلس إليه ليسمع و الذي أذهب إليه أنه لا سجود عليهما و إن كرهنا لهما ذلك الاعتبار يجب السجود على القلب و إذا سجد لا يرفع أبدا بخلاف سجود الوجه اتفق لسهل بن عبد الله في أول دخوله إلى هذا الطريق أنه رأى قلبه قد سجد و انتظر أن يرفع فلم يرفع فبقي حائرا فما زال يسأل شيوخ الطريق عن واقعته فما وجد أحدا يعرف واقعته فإنهم أهل صدق لا ينطقون إلا عن ذوق محقق فقيل له إن في عبادان شيخا معتبرا لو رحلت إليه ربما وجدت عنده علم ما تسأل عنه فرحل إلى عبادان من أجل واقعته فلما دخل عليه سلم و قال يا أيها الشيخ أ يسجد القلب فقال له الشيخ إلى الأبد فوجد شفاه فلزم خدمته و مدار هذه الطريقة على هذه السجدة القلبية إذا حصلت للإنسان حالة مشاهدة عين فقل كمل و كملت معرفته و عصمته فلم يكن للشيطان عليه من سبيل و تسمى هذه العصمة في حق الولي حفظا كما تسمى في حق النبي و الرسول عصمة ليقع الفرق بين الولي و النبي أدبا منهم مع الأنبياء و الرسل عليهم الصلاة و السلام ليختصوا باسم العصمة و مع هذا فإني أبين الفرق بينهما و ذلك أن الأنبياء لهم العصمة من الشيطان ظاهرا و باطنا و هم محفوظون من الله في جميع حركاتهم و ذلك لأنهم قد نصبهم الله للناس و لهم المناجاة الإلهية فالأنبياء المرسلون معصومون من المباح أن يفعلوا من أجل نفوسهم لأنهم يشرعون بأفعالهم و أقوالهم فإذا فعلوا مباحا يأتونه للتشريع ليقتدي بهم و يعرفون الاتباع عين الحكم الإلهي فيه فهو واجب عليهم ليبينوا للناس ما أنزل إليهم يقول الله تعالى يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ الله يَعْصِمُكَ من النَّاسِ و للورثة من هذا التبليغ حظ وافر و الولي محفوظ من الأمر الذي يقصد الشيطان عند إلقائه في قلب الولي ما شاء الله أن يلقي إليه فيقلب عينه بصرفه إلى الوجه الذي يرضى الله فيحصل بذلك على منزلة عظيمة عند الله و لو لا حرص إبليس على المعصية ما عاد إلى هذا الولي مرة أخرى فإنه يرى ما جاء به ليبعد بذلك من الله يزيده قربا و سعادة و الأنبياء معصومون أن يلقي الشيطان إليهم فهذا الفرق بين العصمة و الحفظ و إنما جعلوا الحفظ للولي أيضا أدبا مع النبي فإن الشيطان ما له سبيل على قلوب بعض الأولياء من أجل العلم الذي أعطاه التجلي الإلهي لقلوبهم يقول تعالى وَ حِفْظاً من كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ و هو أعظم الشياطين فإنه لا يلقي إلى أحد إلا ما يليق بمقامه فيأتي إلى الولي فما يلقي إليه إلا فعل الطاعات و ينوعه فيها و يخرجه من طاعة إلى طاعة أعلى فلا يرى الولي فيها أثرا لهوى نفسي فيبادر إلى فعلها و يقنع الشيطان المارد منه بهذا الأخذ عنه على جهالة فلو كان على بينة من ربه في ذلك لكان أولى فالشيطان لا يقدر أن يقدح في علم التجلي الإلهي بوجه من الوجوه و لذلك قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في حق شيطانه أعني قرينه الموكل إن الله أعانه عليه فأسلم أي انقاد إليه فلا يأمره إلا بخير بخلاف من كان عنده العلم بالله عن نظر فكري و استدلال فإن الشيطان يلقي إليه الشبهة في أدلته ليحيره و يرده إلى محل النظر ليموت على جهل بربه أو شك أو حيرة أو وقفة و الولي الحاصل عنده العلم عن التجلي هو على بصيرة محفوظ من كل شبهة فإن الشيطان أعني شيطان الإنس و الجن ليس له على قلب صاحب علم التجلي الإلهي سبيل في ربه و هذا لا يكون لأحد من الأولياء إلا لمن سجد قلبه فإن الشيطان لا يعتزل عن الإنسان إلا في حال سجوده في الظاهر و الباطن فإن لم يسجد قلب الولي فليس بمحفوظ و هذه مسألة دقيقة عظيمة في طرق أهل الله ما تحصل إلا لأفراد يعز وجودهم و هم الذين هم على بينة من ربهم و البينة تجليه تعالى و يتلو تلك البينة شاهد من العبد معدل و هو سجود القلب فإذا اجتمعت البينة الربانية و الشاهد التالي عصم القلب و حفظ و دعا صاحبه الخلق إِلَى الله عَلى بَصِيرَةٍ و على هذا المقام من طرق القوم أسباب حار فيها القوم مثل قول أبي يزيد دعوت الخلق إلى الله كذا و كذا سنة ثم رجعت إليه فوجدتهم قد سبقوني و قيل له في هذا المقام أ يعصي العارف فقال وَ كانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَقْدُوراً و هذا غاية في الأدب حيث لم يقل نعم و لا لا و هذا من كمال حاله و عمله و أدبه رضي الله عنه و عن أمثاله
(وصل في فصل صفة السجود)
فمن قائل يكبر إذا خفض و إذا رفع و من قائل لا يكبر إلا إذا كانت السجدة في الصلاة حينئذ يكبر لها في الخفض و الرفع و الذي أذهب إليه التكبير و إن كان لم ينقل و لا خلافه (وصل في اعتبار هذا الفصل) تكبير الحق عن السجود محمود على أي حال كان فإنه تنزيه و ينبغي للعبد أن يعطي اللسان حظه من هذا السجود و ليس إلا التلفظ بالتكبير كما سجد سائر أعضائه كل عضو بحقيقته
(وصل في فصل الطهارة للسجود)
فمن قائل لا يسجد إلا على طهارة و من قائل يسجد و إن لم يكن طاهرا و به أقول و على طهارة أولى و أفضل فإن النبي صلى الله عليه و سلم تيمم لرد السلام و قال إني كرهت إن أذكر الله إلا على طهر أو قال على طهارة (الاعتبار في هذا الفصل) طهارة القلب شرط في صحة السجود لله عز و جل من كونه ساجدا و طهارة الجوارح في وقت السجود معقولة من طريق المعنى فإنها في وقت السجود غير متصرفة في أمر آخر بخلاف القلب و لهذا إذا سجد قلب العبد لم يرفع أبدا و الجوارح في حال السجود في غير الصلاة متصرفة في عبادة لم يشترط في فعلها استعمال ماء و لا تراب و إن كان على طهارة فهو أولى و أفضل و كان عبد الله بن عمر رضي الله عنه يسجد للتلاوة على غير طهارة
(وصل في فصل السجود للقبلة)
اختلف العلماء رضي الله عنهم في السجود للتلاوة للقبلة فمن قائل يسجد في التلاوة لأي وجهة كان وجهه و الأولىاستقبال القبلة و من قائل لا بد من استقبال القبلة و الذي أقول به بالسجود لأي وجه كان فإن الله يقول فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله و إذا قدر على القبلة فهو أولى للجمع بين الظاهر و الباطن (وصل في اعتبار ذلك) الله جل جلاله عن التقييد فهو قبلة القلوب فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله حقيقة منزهة بلا خلاف بين أهل الله فإذا سجد العبد لله فقد سجد للقبلة المعتبرة فإن الله بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ لا تقيده الجهات و لا تحصره الأينيات و هو بالعين في كل أين ليس ذلك لسواه و لا يوصف به موجود إلا إياه فإن جمع الساجد بين القبلتين كما جمع في خلقه بين النشأتين باليدين فيقيد من يقبل التقييد و يطلق من يقبل الإطلاق فيعطي كل ذي حق حقه كما إن الله أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ
(وصل في فصل صلاة العيدين حكما و اعتبارا)
صلاة العيدين سنة بلا أذان و لا إقامة هما يوما سرور عيد الفطر لفرحته بفطره فيعجل بالصلاة للقاء ربه فإن المصلي يناجي ربه قال رسول الله صلى الله عليه و سلم للصائم فرحتان فرحة عند فطره و فرحة عند لقاء ربه فأراد أن يعجل بحصول الفرحتين فشرعت صلاة عيد الفطر و حرم عليه صوم ذلك اليوم ليكون في فطره مأجورا أجر الفرائض في عبودية الاضطرار لتكون المثوبة عظيمة القدر و في صلاة عيد الأضحى مثل ذلك لصيامه يوم عرفة في حق من صامه فإنه صوم مرغوب فيه في غير عرفة و حرم عليه صوم يوم الأضحى ليؤجر أجر الواجبات فإنها من أعظم الأجور و لما كان يوم زينة و شغل بأحوال النفوس من أكل و شرب و بعال شرع في حق من ليس بحاج في ذلك اليوم أن يستفتح يومه بالصلاة بمناجاة ربه لتحفظه سائر يومه فإن الصلاة في ذلك اليوم في أول النهار كالنية في الصلاة فكما إن النية تحفظ عليه هذه العبادة و إن صحبته الغفلة في أثناء صلاته فالنية تجبر له ذلك فإنها تعلقت عند وجودها بكمال الصلاة فحكمها سار في الصلاة و إن غفل المصلي كذلك الصلاة في يوم العيد تقوم مقام النية و اليوم يقوم مقام الصلاة فما كان في ذلك اليوم من الإنسان من لهو و لعب و فعل مباح فهو في حفظ صلاته إلى آخر يومه و لهذا سميت صلاة العيد أي تعود إليه في كل فعل يفعله من المباحات بالأجر الذي يكون للمصلي حال صلاته و إن غفل لصحة نيته و لهذا حرم عليه الصوم فيه تشبها بتكبيرة الإحرام و ليقابل به نية الصوم في حال وجوب الصوم فيكون في فطره صاحب فريضة كما كان في صومه في رمضان صاحب فريضة فجميع ما يفعله من المباحات في ذلك اليوم مثل سنن الصلاة في الصلاة و جميع ما يفعله من الفرائض في ذلك اليوم و الواجبات من جميع العبادات بمنزلة الأركان في الصلاة فلا يزال العبد في يوم العيدين حاله في أفعاله كلها حال المصلي فلهذا قلنا سميت صلاة العيد بخلاف ما يقول من ليس من طريقنا و لا شرب شربنا من أنه سمي بذلك لأنه يعود في كل سنة فهذه الصلوات الخمس تعود في كل يوم و لا تسمى صلاة عيد و إن كان لا يلزم هذا و لكن هو قول في الجملة يقال فإن قيل لارتباطه يوم العيد بالزينة قلنا و الزينة مشروعة في كل صلاة فإن الله يقول خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ للمؤمنين من بنى آدم فلما عاد الفطر عبادة مفروضة سمي عيدا و عاد ما كان مباحا واجبا
(فصول ما أجمع عليه أكثر العلماء)
الغسل مستحسن في هذا اليوم للخروج إلى الصلاة بلا خلاف أعني في استحسانه و السنة ترك الأذان و الإقامة إلا ما أحدثه معاوية على ما ذكره أبو عمر بن عبد البر في أصح الأقاويل عنه في ذلك و السنة تقدم الصلاة على الخطبة في هذا اليوم إلا ما فعله عثمان بن عفان رضي الله عنه و به أخذ عبد الملك بن مروان رحمه الله نظرا و اجتهادا و مبني على ما فهم من الشارع من المقصود بالخطبة ما هو و أجمعوا أن لا توقيت في القراءة في صلاة العيدين مع استحباب قراءة سبح اسم ربك الأعلى في الأولى و في الثانية الغاشية و كذلك سورة ق في الأولى و سورة القمر في الثانية اقتداء برسول الله صلى الله عليه و سلم (الاعتبار في هذا الفصل) الغسل و هو الطهارة العامة و الطهارة تنظيف فليلبس أحسن لباسه ظاهرا و هو الريش و باطنا و هو لِباسُ التَّقْوى و المراد بالتقوى هنا ما بقي به الإنسان كشف عورته أو ألم الحر و البرد و هو خير لباس من الريش و لما توفرت الدواعي على الخروج في هذا اليوم إلى المصلي من الصغير و الكبير و ما شرع من الذكر المستصحب للخارجين سقط حكم الأذان و الإقامة لأنهما للاعلام لينبه الغافلين و التهيؤ هنا حاصل لحضور القلب مع الله يغني عن إعلام الملك بلمته التي هي بمنزلة الأذان و الإقامة للاسماع و الذي أحدث معاوية مراعاة للنادر و هو تنبيه الغافل فإنه ليس ببعيد أن يغفل عن الصلاة بما يراه من اللعب بالتفرج فيه و كانت النفوس في زمان رسول الله صلى الله عليه و سلم متوفرة على رؤيته صلى الله عليه و سلم و فرجتها في مشاهدته و هو الإمام فلم يكن يشغلهم عن التطلع إليه شاغل في ذلك اليوم فلم يشرع أذانا و لا إقامة و أما تقديم الصلاة على الخطبة فإن العبد في الصلاة مناج ربه و في الخطبة مبلغ للناس ما أنزل إليه من التذكير في مناجاته فكان الأولى تقديم الصلاة على الخطبة و هي السنة فلما رأى عثمان بن عفان إن الناس يفترقون إذا فرغوا من الصلاة و يتركون الجلوس إلى استماع الخطبة قدم الخطبة مراعاة لهذه الحالة على الصلاة تشبها بصلاة الجمعة فإنه فهم من الشارع في الخطبة إسماع الحاضرين فإذا افترقوا لم تحصل الخطبة لما شرعت له فقدمها ليكون لهم أجر الاستماع و لو فهم عثمان رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه و سلم خلاف هذا ما فعله و اجتهد و لم يصدر من النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك ما يمنع منه و لقرائن الأحوال أثر في الأحكام عند من ثبتت عنده القرينة و تختلف قرائن الأحوال باختلاف الناظر فيها و لا سيما و قد قال صلى الله عليه و سلم صلوا كما رأيتمونى أصلي و قال في الحج خذوا عني مناسككم فلو راعى صلى الله عليه و سلم صلاة العيد مع الخطبة مراعاة الحج و مراعاة الصلاة لنطق فيها كما نطق في مثل هذا و كذلك ما أحدثه معاوية كاتب رسول الله صلى الله عليه و سلم و صهره خال المؤمنين فالظن بهم جميل رضي الله عن جميعهم و لا سبيل إلى تجريحهم و إن تكلم بعضهم في بعض فلهم ذلك و ليس لنا الخوض فيما شجر بينهم فإنهم أهل علم و اجتهاد و حديثو عهد بنبوة و هم مأجورون في كل ما صدر منهم عن اجتهاد سواء أخطئوا أم أصابوا و أما التوقيت في القراءة فما ورد عن النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك كلام و إن كان قد قرأ بسورة معلومة في بعض أعياده مما نقل إلينا في أخبار الآحاد و قد ثبت في القرآن المتواتر أن لا توقيت في القراءة في الصلاة بقوله فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ من الْقُرْآنِ و لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا ما آتاها و هو ما يتذكره في وقت الصلاة و القرآن كله طيب و تاليه مناج ربه بكلامه فإن قرأ بتلك السورة فقد جمع بين ما تيسر و العمل بفعله صلى الله عليه و سلم فهو مستحب و التأسي به مشروع لنا و ليس بفرض و لا سنة
(وصل في فصل التكبير في صلاة العيدين)
فقال قوم يكبر بعد تكبيرة الإحرام و قبل القراءة في الركعة الأولى سبع تكبيرات و قيل بتكبيرة الإحرام و يكبر في الثانية بعد تكبيرة القيام إلى الركعة الثانية خمس تكبيرات و قال آخرون يكبر في الأولى قبل القراءة و بعد تكبيرة الإحرام ثلاث تكبيرات و يكبر في الركعة الثانية بعد القراءة ثلاث تكبيرات ثم يكبر للركوع و حكى أبو بكر بن إبراهيم بن المنذر في التكبير اثني عشر قولا (وصل في اعتبار هذا الفصل) زيادة التكبير في صلاة العيدين علىالتكبير المعلوم في الصلوات تؤذن بأمر زائد يعطيه اسم العيد فإنه من العودة فيعاد التكبير لأنها صلاة عيد فيعاد كبرياء الحق تعالى قبل القراءة لتكون المناجاة عن تعظيم مقرر مؤكد لأن التكرار تأكيد للتثبيت في نفس المؤكد من أجله مراعاة لاسم العيد إذ كان للأسماء حكم و مرتبة عظمى فإن بها شرف آدم على الملائكة فاسم العيد أعطى إعادة التكبير لأن الحكم له في هذا الموطن و بعد القراءة في مذهب من يراه لأجل الركوع في صلاة العيد و سبب ذلك أن العيد لما كان يوم فرح و زينة و سرور و استولت فيه النفوس على طلب حظوظها من النعيم و أيدها الشرع في ذلك بتحريم الصوم فيه و شرع لهم اللعب في هذا اليوم و الزينة و في هذا اليوم لعبت الأحابشة في مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو واقف ينظر إليهم و عائشة رضي الله عنها خلفه صلى الله عليه و سلم و في هذا اليوم دخل بيت رسول الله صلى الله عليه و سلم مغنيتان فغنتا في بيت رسول الله صلى الله عليه و سلم و رسول الله صلى الله عليه و سلم يسمع و لما أراد أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين دخل أن يغير عليهما قال له رسول الله صلى الله عليه و سلم دعهما يا أبا بكر فإنه يوم عيد فلما كان هذا اليوم يوم حظوظ النفوس شرع الله فضاعف التكبير في الصلاة ليتمكن من قلوب عباده ما ينبغي للحق من الكبرياء و العظمة لئلا تشغلهم حظوظ النفوس عن مراعاة حقه تعالى بما يكون عليهم من أداء الفرائض في أثناء النهار أعني صلاة الظهر و العصر و باقي الصلوات قال الله تعالى وَ لَذِكْرُ الله أَكْبَرُ يعني في الحكم فمن رآه ثلاث تكبيرات فلعوالمه الثلاثة لكل عالم تكبيرة في كل ركعة و من رآه سبعا فاعتبر صفاته فكبر لكل صفة تكبيرة فإن العبد موصوف بالصفات السبعة التي وصف الحق بها نفسه فكبره أن تكون نسبة هذه الصفات إليه سبحانه كنسبتها إلى العبد فقال الله أكبر يعني من ذلك في كل صفة و المكبر خمسا فيها فنظرة في الذات و الأربع الصفات التي يحتاج إليها العالم من الله أن يكون موصوفا بها و بها ثبت كونه إلها فيكبره بالواحدة لذاته ب لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و يكبره بالأربع لهذه الصفات الأربع خاصة على حد ما كبره في السبع من عدم الشبه في المناسبة فاعلم ذلك و أما رفع الأيدي فيها فإشارة إلى أنه ما بأيدينا شيء مما ينسب إلينا من ذلك و أما من لم يرفع يديه فيها فاكتفى برفعها في تكبيرة الإحرام و رأى أن الصلاة أقرت بالسكينة فلم يرفع إذ كانت الحركة تشوش غالبا ليتفرغ بالذكر بالتكبير خاصة و لا يعلق خاطره بيديه ليرفعهما فينقسم خاطره فكل عارف راعى أمرا ما فعمل بحسب ما أحضره الحق فيه
(وصل في فصل في التنفل قبل صلاة العيد و بعدها)
فمن قائل لا يتنفل قبلها و لا بعدها و من قائل بالعكس و من قائل لا يتنفل قبلها و يتنفل بعدها و الذي أقول به إن الموضع الذي يخرج إليه لصلاة العيد لا يخلو إما أن يكون مسجدا في الحكم كسائر المساجد فيكون حكم الآتي إليه حكم من جاء إلى مسجد فمن يرى تحية المسجد فلينتفل كما أمر في ركعتي دخول المسجد و إن كان فضاء غير مسجد موضوع فهو مخير إن شاء تنفل و إن شاء لم يتنفل (وصل الاعتبار في هذا الفصل) المقصود في هذا اليوم فعل ما كان مباحا على جهة الفرض و الندب خلاف ما كان عليه ذلك الفعل في سائر الأيام فلا يتنفل فيه سوى صلاة العيد خاصة الفرائض إذا جاءت أوقاتها فإن حركة الإنسان في ذلك اليوم في أمور مقربة مندوب إليها و في فرض و من كان في أمر مندوب إليه مربوط بوقت فينبغي أن يكون له الحكم من حيث إن الوقت لذلك المندوب المعين فهو أولى به فلا يتنفل و قد ندب إلى اللعب و الفرح و الزينة في ذلك اليوم فلا يدخل مع ذلك مندوبا آخر يعارضه فإذا زال زمانه حينئذ له أن يبادر إلى سائر المندوبات و يرجع ما كان مندوبا إليه في هذا اليوم مباحا فيما عداه من الأيام و هذا هو فعل الحكيم العادل في القضايا فإن لنفسك عليك حقا و اللعب و اللهو و الطرب في هذا اليوم من حق النفس فلا تكن ظالما نفسك فتكون كمن يقوم الليل و لا ينام فإن تفطنت فقد نبهتك
(وصل في فصول الصلاة على الجنازة)
الصلاة على الميت شفاعة من المصلي عليه عند ربه و لا تكون الشفاعة إلا لمن ارتضى الحق أن يشفع فيه و لم يرتض سبحانه من عباده إلا العصاة من أهل التوحيد سواء كان ذلك عن دليل أو إيمان و لهذا شرع تلقين الميت ليكونالشفيع على علم بتوحيد من يشفع فيه و آخر شافع حيث كان الاسم الرءوف يشفع عند الاسم الجبار المنتقم في نجاة من عنده علم التوحيد مع وصول الدعوة إليه و توقفه في القبول فإن الموحد الذي لم تصل إليه الدعوة لا يدخل النار فلا تكون الشفاعة إلا في العصاة الذين بلغتهم الدعوة فمنهم من آمن و منهم من توقف إيمانه بهذا الشخص من أجل ما جاء به لأنه استند إلى عظيم لا ينبغي أن يفتري عليه فاحتاج إلى دليل يقطع به على صدق دعواه فيما يبلغه أنه من عند الله فلهذا توقف إذ لم يرزقه الله العلم الضروري ابتداء بصدق دعوى هذا الرسول قال تعالى وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا يعني نبعثه بالآيات البينات على صدق دعواه و كذا أخبر الله تعالى أنه أيد الرسل بالبينات ليعذر الإنسان من نفسه و الايمان نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده فإذا انضاف إلى نور العلم فهو نور على نور فلنشرع في حال الميت الذي يصلي عليه و ما يجب له و ما يجب من أجله علينا من تجهيزه على الصفات التي أمرنا الشارع بها فمن ذلك التلقين التلقين عند الموت إذا احتضر فإن الهول شديد و المقام عظيم و هو وقت الفتنة التي هي فتنة المحيا بما يكشفه المحتضر عند كشف الغطاء عن بصره فيعاين ما لا يعاينه الحاضر و يتمثل له من سلف من معارفه على الصور التي يعرفهم فيها و هم الشياطين تتمثل إليه على صورهم بأحسن زي و أحسن صورة و يعرفونه أنهم ما وصلوا إلى ما هم فيه من الحسن إلا بكونهم ماتوا مشركين بالله فينبغي للحاضرين عنده في ذلك الوقت من المؤمنين أن يلقنوه شهادة التوحيد و يعرفوه بصورة هذه الفتنة لينتبه بذلك فيموت مسلما موحدا مؤمنا فإنه عند ما يتلفظ بشهادة التوحيد و يتحرك بها لسانه أو يظهر نورها من قلبه بتذكره إياها فإن ملائكة الرحمة تتولاه و تطرد عنه تلك الصور الشيطانية التي تحضره الحالة الثانية من التلقين و كذلك ينبغي أن يلقن إذا أنزل في قبره و ستر بالتراب من أجل سؤال القبر فإن الملكين منظرهما فظيع و سؤالهما عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بكلام ما فيه تعظيم و لا تبجيل في حق رسول الله صلى الله عليه و سلم و ذلك أن يقولا له ما تقول في هذا الرجل و هذه هي فتنة الممات المستعاذ منها و أما استعاذة الأنبياء عليهم السلام منها فإنهم مسئولون عمن أرسل إليهم و هو جبريل عليه السلام كما نسأل نحن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فكان النبي صلى الله عليه و سلم يستعيذ في التشهد في الصلاة من فتنة المحيا و الممات لعلمه بأن الأنبياء تفتن في الممات كما يفتن المؤمنون فأمر المؤمنين بالاستعاذة من ذلك في الصلاة فإن الإنسان في الصلاة في مقام قربة من الله بمناجاته فيسأله على الكشف (وصل) و مما يستحب من الشروط المخاطب بها أهل الميت أن يستقبلوا به القبلة عند الاحتضار فإن كان على قفاه فيستقبل القبلة برجليه و إن كان على جنبه فيستقبل القبلة بوجهه (وصل) و مما يستحب تعجيل دفنه و الإسراع به إلى قبره فإن كان سعيدا أسرعتم به إلى خيره و إن كان شقيا فشر تضعونه عن رقابكم فيراعي الميت في السعادة و يراعى الحي الذي هو حامله بوضع الشر عنه فهذا إسراع من أجل الميت و هذا إسراع من أجل حامله و إنما ورد التفسير من الشرع في الإسراع بهذا ليعلم أن الله ما كلف عباده إلا من أجل الخير لا لينالوا بذلك شرا فاعتبر في حق الشقي حامله فقال أسرعوا بالجنازة فإنه شر تضعونه عن رقابكم و اعتبر في حمل السعيد الميت فقال أسرعوا به فإنه خير تقدمونه إليه فما ألطف حكم الشارع و قد ورد أن العجلة من الشيطان إلا في ثلاث منها تجهيز الميت و من تجهيزه الإسراع به إلى دفنه فيقول الميت و هو على نعشه حين يحمل إذا كان سعيدا قدموني قدموني و إذا كان شقيا يقول إلى أين تذهبون بي يسمع ذلك منه كل دابة إلا الثقلين (وصل) و مما يتعلق بالحي من الميت أيضا غسله و هو كالطهارة للصلاة و فعله مخاطب به الحي و اختلف الناس فيه أعني في حكمه فمن قائل إنه فرض على الكفاية و من قائل إنه سنة على الكفاية فمن قال بوجوبه فللأمر الوارد في قوله صلى الله عليه و سلم اغسلنها ثلاثا أو خمسا و قوله في المحرم اغسلوه فهذا أمر في الصيغة بلا شك فإذا اقترنت معه قرينة حال تخرجه مخرج التعليم لصفة الغسل جعلته سنة و من رأى أنه يتضمن الأمر و الصفة قال بالوجوب (و اعتبار) الميت الجاهل و الموت الجهل فيجب على العالم تعليم الجاهل لأن من جهل الجاهل أنه لا يعلم أن السؤال يجب عليه فيما لا يعلمه فيتعين على العالم أن يعلمه أن من لا يدري حكم الشرع في حركاته أن يسأل أهل الذكر و متى لم يفعل فقد عصى و يعلمه ما يتعين عليه تعليمه إياه فتلك طهارته و هذا هو غسل الميت في الاعتبار مختصر
(فصل في الأموات الذين يجب غسلهم)
فأما الأموات الذين يجب غسلهم فاتفقوا على غسل الميت و المقتول الذي لم يقتل في معترك حرب الكفار و اختلفوا في الشهيد المقتول في حرب الكفار و في غسل المشرك و في غسل من ينطلق عليه اسم شهيد و فيمن قتله مشرك في غير المعترك فمن قائل يغسل كل هؤلاء و من قائل لا يغسلون فمن راعى أن الغسل عبادة يعود ما فيها من الثواب على المغسول قال لا يغسل المشرك و من رأى أن غسل الميت تنظيف قال يغسل المشرك و أمر النبي صلى الله عليه و سلم بغسل عمه أبي طالب و هو مشرك و أمر النبي صلى الله عليه و سلم بقتلى أحد أن يدفنوا في ثيابهم و لا يغسلون فمن رأى أن الشهيد لا يغسل لمطلق الشهادة قال لا يغسل من نص النبي صلى الله عليه و سلم أنه شهيد و من رأى و فهم من النبي صلى الله عليه و سلم بقرينة حال إن الشهيد الذي لا يغسل هو المقتول في المعترك في حرب الكفار قال يغسل ما عداه (وصل اعتبار هذا الفصل) المقتول في سبيل الله في معترك حرب الكفار حي يرزق و إنما أمرنا بغسل الميت و هذا الشهيد الخاص لا يقال فيه إنه ميت و لا يحسب أنه ميت بل هو حي بالخبر الإلهي الصدق الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ من بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا من خَلْفِهِ و لكن الله أخذ بأبصارنا عن إدراك الحياة القائمة به كما أخذ بأبصارنا عن إدراك أشياء كثيرة كما أخذ أيضا بأسماعنا عن إدراك تسبيح النبات و الحيوان و الجماد و كل شيء قال الله تعالى وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ و قال تعالى وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ في سَبِيلِ الله أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَ لكِنْ لا تَشْعُرُونَ بحياتهم كما يحيي الميت عند السؤال و نحن نراه من حيث لا تشعر و نعلم قطعا أنه يسأل و لا يسأل إلا من يعقل و لا يعقل إلا من هو موصوف بالحياة فنهينا أن نقول فيهم أموات و أخبرنا أنهم أحياء و لكن لا نشعر و ما ورد مثل هذا في من لم يقتل في سبيل الله فهو ميت و إن كان شهيدا أو هو حي مثله و ما أخبرنا بذلك الشهيد هو الحاضر عند الله و لهذا قال عِنْدَ رَبِّهِمْ و إنما يغسل الميت و يطهر ليحضر عند ربه طاهرا فيلقاه في البرزخ بعد الموت على طهارة مشروعة و هذا الشهيد حاضر عند ربه بمجرد الشهادة التي هي القتل في سبيل الله فإنه لا يغسل و هو عند ربه (وصل في اعتبار غسل المشرك) و هو القاتل بالأسباب بالركون إليها و الاعتماد عليها و الاعتقاد بأن الله يفعل الأشياء بها لا عندها و ذلك لعدم علمه لضعف نفسه و اضطراب إيمانه كما يضطرب في صدق وعده تبارك و تعالى في الرزق مع قسمه سبحانه عليه لعباده فقال فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ فهذا ضرب من الشرك الصريح لا الخفي لغلبة الطبع عليه في مألوف العادة قال بعضهم موبخا لمن اضطرب إيمانه
و ترضى بصراف و إن كان مشركا ضيمنا و لا ترضى بربك ضامنا
فيجب على العلماء بالله طهارة قلب هذا الميت و غسله باليقين و الطمأنينة حتى يتنظف قلبه فيجب غسل المشرك و من رأى أن مثل هذا الشرك لا يقدح في الايمان بالرزق و يقول إنما اضطرب بالطبع لكون الحق ما عين الوقت و لا المقدار منه فاعلم إن الله بحكمته قد ربط المسببات بالأسباب و أن ذلك الاضطراب ما هو عن تهمة من المؤمن في حق الله و أنه ربما لا يرزقه و إنما ذلك الاضطراب اضطراب البشرية و الإحساس بألم الفقد و عدم الصبر فإن الله قد أعلمه أنه يرزقه و لا بد سواء كان كافرا أو مؤمنا لكونه حيوانا فقال تعالى وَ ما من دَابَّةٍ في الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى الله رِزْقُها و لكن ما قال له متى و لا من أين فما عين الزمان و لا السبب بل أعلمه أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فما يدري عند فقد السبب المعتاد لحصول الرزق عند وجوده هل فرغ و جاء أجله أم لا فيكون فزعه و اضطرابه من الموت فإن الموت فزع إما للمؤمن فلما قدم من إساءة و إما للعارف فللحياء من الله عند القدوم عليه و الكافر لفقد المألوفات فالصورة في الخوف واحدة و الأسباب مختلفة
و من لم يمت بالسيف مات بغيره تنوعت الأسباب و الداء واحد
و إن كان لم يفرغ رزقه في علم الله فيكون اضطرابه لجهله بوقت حصول الرزق كما قدمنا بانقطاع السبب فيخاف من طول المدة و ألم الجوع المتوقع و الحاجة الداعية له إلى الوقوف فيه لمن لا يسهل عليه الوقوف بين يديه في ذلك لعزة نفسه عنده و قد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يتعوذ من الجوع و يقول إنه بئس الضجيع فإنه بلاء من الله يحتاج من قام بهإلى صبر و لا علم له هل يرزقه الله الصبر عند ذلك أم لا فإن القليل من عباد الله من يرزقه الله الصبر عند البلاء و لهذا شرع التطبب لسكون النفس و خور الطبيعة بالاستناد إلى سبب حصول الصحة المتوهمة و هو اختلاف الطبيب إليه قال تعالى وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ من الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ من الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ و هذه كلها أسباب بلاء يبتلي الله به عباده حتى يعلم الصابرين منهم كما أخبر و هو العالم بالصابر منهم و غير الصابر ثم قال وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ على ما ابتليتهم به من ذلك ثم من فضله و رحمته نعت لنا الصابرين لنسلك طريقهم و نتصف بصفاتهم عند حلول الرزايا و المصائب التي ابتلى الله بها عباده فقال في نعت الصابرين الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ يريد في رفعها عنهم ثم أخبر بما يكون منه لمن هذه صفته فقال أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ من رَبِّهِمْ يقول إن الله يشكرهم على ذلك و رحمة بإزالتها عنهم وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ الذين بانت لهم الأمور على ما هو الأمر عليه فمن رأى هذا قال لا يغسل المشرك أي هذا المشرك لأن إيمانه بتوحيد الله صحيح فلا يطهر من حيث إنه مؤمن بل طهر و غسل فمن كونه ضعيف اليقين في الاعتماد على مراد الله فيما قطعه من الأسباب في حقه
(وصل في ذكر من يغسل و يغسل)
اتفق العلماء رضي الله عنهم إن الرجل يغسل الرجل و المرأة تغسل المرأة لاختلاف بينهم في ذلك إذا ماتت (الاعتبار) الكامل في المرتبة يرى منه الكامل أيضا فيها مع ما هم فيه من التفاضل فيها قال تعالى تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مع اجتماعهم في الرسالة و الكمال و قال وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ مع اجتماعهم في درجة النبوة فإذا رأى الكامل من الكامل أمرا يجب عليه تطهيره منه طهره منه و لزم الكامل الآخر اتباعه في ذلك لا يأنف من ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم في حق موسى كليم الله عليه السلام و لا نشك في كمالهما لو كان موسى حيا لما وسعه إلا أن يتبعني و سبب ذلك مع وجود الكمال أن الحكم لصاحب الوقت و هو الحكم الناسخ و هو الحي و الحكم المنسوخ هو الميت فللوقت سطان و لو كان صاحبه ينقص عن درجة الكمال فله السلطان على الكامل فكيف و هو كامل فالنسخ له كالموت فينوب عنه في تطهيره فإنه لو كان حيا لطهر نفسه كما إن الكامل لو كشف له عما نقصه لتعمل في تحصيله و كذلك حكم من نقص عن درجة الكمال في الطريق فينبغي للمريد أن يغسل المريد إذا طرأ منه ما يوجب غسله و ينبغي للآخر أن يقبل منه فإنهم أهل إنصاف مطلبهم واحد و هو الحق فإنا مأمورون بذلك فإن ذلك موت في حقه و الله يقول في هؤلاء وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ و أمرنا بالتعاون عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى و نهانا عن التعاون عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ فإن صاحب الشهوة الغالبة عليه في الطبع و صاحب الشبهة الغالبة عليه في العقل محجوبان عن حكمهما فيها لأن صاحب الشبهة يتخيل أنها دليل في نفس الأمر و صاحب الشهوة يتخيل أنها في الله في نفس الأمر فيتعين على العالم بهذا و إن كان ليس محله الكمال و يكونان هذان أكمل منه أو لهما الكمال إلا أنه يعلم تلك المسألة فيجب عليه أن يطهره من تلك الشبهة لا تصاف صاحبها بالموت فيها لأنه لا علم له بها و كذلك صاحب الشهوة فإن كانت تلك الشبهة في معترك حرب النظر الفكري و الاجتهاد في طلب الأدلة فغلبته كان قتيلا بها و لها في نفس الأمر في سبيل الله من يد مشرك فإنه ما قصد إلا الخير فهو في سبيل الله فإن الشبهة تشارك الدليل في الصورة فهو حي غير متصف بالموت فلا يجب غسله على الحي العالم بكون ما هو فيه إنه شبهة فليس للمجتهد أن يحكم على المجتهد فإن الشرع قرر حكمهما كمن يرى أن صفات الحق تعلق ذاته بما يجب لتلك النسب من الحكم و يرى آخران صفات الحق أعيان زائدة على ذات الحق و قد اجتمعا في كون الحق حيا عالما قادرا مريدا سميعا بصيرا متكلما هذا في العقائد و ذلك عن نظر و اجتهاد فهو قتيل ميت عند النافي صاحب شبهة و هو حي عند نفسه و عند ربه صاحب دليل و إن أخطأ فلا يجب غسله و كذلك في الظنيات ليس للشافعي مثلا إذا كان حاكما أن يرد شهادة الحنفي إذا كان عدلا مع اعتقاد تحليل النبيذ و يحده عليه إن شربه الحنفي لكونه حاكما يرى تحريمه لدليله فيجب عليه إقامة الحد و كالحنفي إذا كان حاكما و قد رأى شافعيا تزوج بابنته المخلوقة من ماء الزنا منه و يشهد عنده فلا يرد شهادته إذا كان عدلا و يفرق بينه و بين زوجته التي هي ابنته لصلبه المخلوقة من ماء الزنا لكونه حاكما ذا سلطان فإنه صاحب الوقت فهذا بمنزلة الشهيد لا يغسل و إن كنا نشهد حسا أن روحه فارقت بدنه كسائر القتلى و الحكم لله ليس لغيره و قد قرر حكم المجتهد فليس لنا إزالة حكم اجتهاده فإن ذلك إزالة حكم الله في حقه أصل هذا الباب في قبول الكامل ما يشير به الأنقص في المسألة التي هو أعلم بها منه حديث تأبير النخل قوله صلى الله عليه و سلم لأصحابه أنتم أعلم بمصالح دنياكم و رجع إلى قوله و كذلك رجوعه صلى الله عليه و سلم إلى قولهم يوم بدر في نزوله على الماء
(وصل في فصل المرأة تموت عند الرجال و الرجل يموت عند النساء و ليس بزوجين)
اختلف العلماء رضي الله عنهم في الرجل يموت عند النساء و المرأة تموت عند الرجال و ليس بزوجين على ثلاثة أقوال فمن قائل يغسل كل واحد منهما صاحبه و من قائل بتيممه و لا يغسله و من قائل لا يغسل واحد منهما صاحبه و لا ييممه و الذي أقول به يغسل كل واحد منهما صاحبه خلف ثوب يكون على الميت إن كان من ذوي المحارم أو ستر مضروب بين الميت و بين غاسله و صورة غسله يصب الماء عليه من غير مد يد إلى عضو من أعضاء الميت إلا إن كان من ذوي المحارم فيجتنب مد اليد إلى الفرجين و يكتفي بصب الماء عليهما بالحائل لا بد من ذلك هذا الذي أذهب إليه في مثل هذه المسألة (الاعتبار في هذا الفصل) الموت في الاعتبار في هذا الطريق شبهة تطرأ على هذا الشخص في نظره طرو الموت على الحي أو شهوة طبيعية تحكم عليه و تعميه فيأتيها بشبهة عنده هي أنه يرى ربه في الأشياء فهو ميت عند الجماعة بلا خلاف كاملا كان أو ناقصا عن درجة الكمال فقد قال الله في الكامل وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى أي خاف و هو قد أكل بالتأويل و ظن أنه مصيب غير منتهك للحرمة في نفس الأمر و كان متعلق النهي القرب لا الأكل فيقوي التأويل و قال في الكمل الذين لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ لما ألجأتهم الغيرة الإلهية التي نطقتهم بقولهم أَ تَجْعَلُ فِيها فقال إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ و أما غير الكامل فرتبته معروفة و الناقص قد يكون مريدا بين يدي الكامل داخلا تحت حكمه و طاعته شبيه الزوجين و هو كالواحد من الأمة مع نبيه المبعوث إليه فهذا العارف الكامل مع تلميذه فقد يموت الكامل في مسألة ما لا يعلمها و يعلمها المريد فيشهدها الشيخ من التلميذ مثل ما تقدم في الحديثين قبل هذا فهكذا حال التلامذة مع الشيوخ فإن الشيوخ ما تقدموا عليهم إلا في أمور معينة هي مطلوبة للاتباع فإن كان المريد مريد الغير ذلك الشيخ و أعني بالمريد التلميذ و الرجل من الناس لغير ذلك النبي في الزمان الذي قبل زمان رسول الله صلى الله عليه و سلم فإن كانت المسألة التي جهلها هذا الناقص مما تختص بالطريق العام من حيث ما هو طريق إلى الله فإن لغير شيخه أن يطهره منها بما تبين له فيها و له أن يقبل منه إن أراد الفلاح و وفى الطريق حقه و إن كانت المسألة التي جهلها غير عامة و تكون خاصة بالنظر إلى مقام ذلك الشيخ و إن كان نقصا عند هذا الشيخ الآخر فليس له أن يرد ذلك المريد عن تلك المسألة كما أنه ليس لمجتهد أن يرد مجتهدا آخر إلى حكم ما أعطاه دليله و لا لمقلد مجتهد أن يرد مقلدا مجتهدا آخر عن مسألته التي قلد فيها إمامه إذ قال له هذا حكم الله فإن كانت المسألة عامة مثل أن يقدح في التوحيد أو في النبوات فله تطهيره منها سواء كان ذلك المريد تحت حكمه أو لم يكن و صورة غسله و طهارته التي يلزمه هو أن يعرفه وجه الحق في المسألة و لا يبالي أخذ بها أو لم يأخذ كغسل الميت فإن كان محلا لقبول الغسل انتفع به و إن لم يكن محلا و لا أهلا لقبول الغسل و أريد بالمحل الأهلية و إن غسل فهو كغسل المشرك إن لم ينتفع به و قد أدى الحي ما عليه فإن الداعي إلى الله ما يجب عليه إلا البلاغ كما قال ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ وَ الله يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما تَكْتُمُونَ ما يلزمه خلق القبول و الهداية في نفس السامع فمن علم عدم القبول قال لا يغسل واحد منهما صاحبه و إن كانت المسألة في العقائد قال بالغسل و إن كانت في فروع الأحكام قال بالتيمم فإن موضع التيمم من الشخصين ليس بعورة فإن الوجه و الكفين من المرأة ما هما عورة فله أن ييممها و تيممه إذا مات كذلك الحكم الشرعي العام لا يتوقف سماع المريد على أحد من أهل الفتوى بل يأخذه المريد من كل شيخ و الشيخ من كل مريد لأن الحكم ليس لواحد منهما بل هو لله بخلاف المباحات و المندوبات في الرياضات و المجاهدات فليس للمريد أن يخرج عن حكم شيخه في ذلك
(وصل في فصل غسل من مات من ذوي المحارم)
اختلف قول بعض الأئمة في ذوي المحارم فقول إن الرجل يغسل المرأة و المرأة تغسل الرجل و قول لا يغسل أحد منهما صاحبه و قول تغسل المرأة الرجل و لا يغسل الرجل المرأة و قد تقدم في الفصل قبل هذا مذهبنا في هذا (وصل في الاعتبار) ذو و المحارم أهل الشرع كلهم فالرجل منهم الكامل هو الذي أحكم العلم و العمل فجمع بين الظاهر و الباطن و الناقص منهم هم الفقهاء الذين يعلمون و لا يعلمون و يقولون بالظاهر و لا يعرفون الباطن كما قال تعالى يَعْلَمُونَ ظاهِراً من الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ فإذا وقع ذو محرم في شبهة أو شهوة من الكمال أو النقص فإن كانت في العقائد فيغسل كل واحد منهما صاحبه أي يعرفه بوجه الصحة في ذلك سواء كان العالم بها ناقصا أو كاملا و إن كانت في الأحكام لا يغسل كل واحد منهما صاحبه فإنه حكم مقرر في الشرع و سواء كان كاملا أو ناقصا و من رأى أن المرأة تغسل الرجل و هو غسل الناقص الكامل فللناقص أن يطهر الكامل إذا تحقق أن الكامل وقع في شبهة و لا بد مثل الفقيه يرى العارف قد زل بارتكاب محرم شرعا بلا خلاف فله أن ينكر عليه و العارف أعلم بما فعل فإن كان كما علمه الفقيه تعين عليه قبول ذلك التطهير بتوبة منه و رجوع عنه و إن كان في باطن الأمر على صحة و أن الفقيه أفتى بالصورة و لم يعلم باطن الأمر فقد و في الفقيه ما يجب عليه فيغسل الناقص الكامل لا يغسل الكامل الناقص في مثل هذه المسألة و هو أن يكاشف الكامل ببراءة شخص مما ينسب إليه مما يوجب الحد و قد حكم الحاكم الناقص بإقامة الحد عليه فليس للكامل أن يرد حكم الفقيه في تلك المسألة لعلمه ببراءة المحدود فليس للكامل في مثل هذا أن يرد على الناقص كذلك ليس للرجل أن يغسل المرأة إذا ماتت لأنها عورة قال صلى الله عليه و سلم في المرأة التي لاعنت زوجها و كذبت و عرف ذلك و قد حكم الله بالملاعنة و في نفس الأمر صدق الرجل و كذبت المرأة فقال صلى الله عليه و سلم لكان لي و لها شأن فترك كشفه و علمه لظاهر الحكم
(وصل في فصل غسل المرأة زوجها و غسله إياها)
أجمعوا على غسل المرأة زوجها و اختلفوا في غسله إياها فقال قوم يغسلها و منع قوم من ذلك (الاعتبار في هذا الفصل) مريد الشيخ إذا رأى الشيخ قد فعل ما لا يقتضيه الطريق عند الشيخ فللمريد أن ينبه الشيخ على ذلك لموضع احتمال أن يكون غافلا و ليس له أن يسكت عنه و ليس للشيخ إذا رأى المريد قد وقعت منه طاعة بالنظر إلى مذهبه و هي معصية بالنظر إلى مذهب الشيخ و حكم الشرع بصحتها بالنظر إلى من وقعت منه فإنها وقعت عن اجتهاد فليس للكامل و هو الشيخ و إن عرف أن ذلك المجتهد أو المقلد له قد أخطأ في اجتهاده أن يرد عليه فلا يغسل الرجل زوجته إذا ماتت و من ذهب إلى أنه يغسلها قال باعتباره يتعين على الشيخ أن يعرف المريد الذي هو الناقص أن ذلك الأمر قد أخطأ فيه المجتهد هذا حد غسله فإن كان المريد هو المقلد للمجتهد لزمه أن يرجع إلى كلام شيخه و إن كان المريد هو المجتهد فيحرم عليه الرجوع إلى كلام الشيخ في تلك المسألة إلا إن قام له كلام الشيخ مقام المعارض في الدلالة فحينئذ يكون كلام الشيخ أقوى من دليل المجتهد فيلزم المجتهد أن يرجع إلى كلام شيخه و هو من اجتهاده أعني رجوعه لرجحان ذلك الدليل الذي هو تصديقه الشيخ على الدليل الذي كان عنده لاحتمال كذب الراوي أو تخيل الغلط منه في قياسه لما أثر في نفسه من صدق الشيخ في ذلك
(وصل في فصل المطلقة في الغسل)
أجمعوا على إن المطلقة المبتوتة لا تغسل زوجها و اختلفوا في الرجعية فقالوا تغسل و قالوا لا تغسل (الاعتبار) المريد يخرج عن حكم شيخه بالكلية فليس له أن يقدح في شيخه و لو قدح لم يقبل منه فإنه في حال تهمة لارتداده و هو ناقص فكيف يطهر الكامل و هو في حال نقصه فإن كان تخلف المريد عن شيخه حياء منه لزلة وقع فيها أو فترة حصلت له فهو مثل الطلاق الرجعي فإن حكم الحرمة في نفس المريد للشيخ ما زالت و إن تخلف عنه أو هجره الشيخ تأديبا له لقي بعض الشيوخ تلميذا له كان قد زل فاستحيا أن يجتمع بالشيخ فتركه فلما لقيه استحيى و أخذ التلميذ طريقا غير طريق الشيخفلحقه الشيخ و مسكه و قال له يا ولدي لا تصحب من يريد أن يراك معصوما في مثل هذا الوقت يحتاج إلى الشيخ فأزال ما كان أصابه من الخجل و رجع إلى خدمته فإذا كان المريد بمنزلة صاحبة الطلاق الرجعي فما خرجت عن حكمه كان اعتباره كما ذكرناه فيما تقدم في الموضع الذي يغسل فيه الناقص الكامل
(وصل في فصل حكم الغاسل)
قال قوم يجب الغسل على من غسل ميتا و قال قوم لا يجب على من غسل ميتا غسل (الاعتبار) العالم إذا علم غيره و طهره من الجهل بما حصل له من العلم فلا يخلو إما أن علمه بربه أي و هو حاضر مع الله إن الله هو المعلم مثل قوله الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ فلا غسل عليه فإن الله هو الغاسل لذلك الجاهل من جهله بما علمه الله على لسان هذا الشيخ و إن كان الغاسل علمه بنفسه و غاب في حال تعليمه عن شهود ربه أنه معلمه على لسانه في ذلك الوقت وجب عليه الغسل من تلك الغفلة التي حالت بينه و بين الحضور مع ربه في ذلك التعليم
(وصل في فصل صفات الغسل)
فمن ذلك هل ينزع عن الميت قميصه عند الغسل أم لا فمن قائل تنزع ثيابه و تستر عورته و قال بعضهم يغسل في قميصه (الاعتبار) صاحب الشبهة أو الشهوة الغالبة الطبيعية و إن كانت مباحة إذا اتصف صاحبها بالموت تشبيها فإن الغاسل له إن كان قادرا على أن يظهر له الحق من نفس شبهته و شهوته فهو كمن غسل الميت في قميصه و لم ينزعه عنه و إن لم يقدر على تطهيره إلا بإزالة تلك الشبهة لقصوره كان كمن نزع ثياب الميت و حينئذ غسله
(وصل في فصل وضوء الميت في غسله)
فذهب قوم إلى أن الميت يوضأ و ذهب قوم إلى أنه لا يوضأ و قال قوم إن وضىء فحسن (الاعتبار) الوضوء في الغسل طهر خاص في طهر عام إذا كانت المسألة تطلب بعض عالم الشخص كزلة تقع من جوارحه فإنه يغسل تلك الجوارح الخاصة بما تستحقه من الطهارة كالعين و الأذن و اليد و الرجل و اللسان و الايمان هو الغسل العام فيجمع بين طهارة الجوارح على الخصوص و بين الايمان لا بد من ذلك فإن الغسل غير مختلف فيه و الوضوء مختلف فيه و الجمع بين عبادتين إذا وجد السبيل إليهما أولى من الانفراد بالأعم منهما
(فصل في التوقيت في الغسل)
فمن العلماء من أوجبه و منهم من لم يوجبه فاعلم ذلك (الاعتبار) بأي شيء وقع التطهير من هذه الشبهة كان من غير تعيين و لا توقيت ما تقع به و من قال بوجوب التوقيت قال نحن مأمورون بالتخلق بأخلاق الله و الله يقول وَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ و هو التوقيت وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ و لكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ و قال صلى الله عليه و سلم فيمن زاد على ثلاث مرات في الوضوء أنه قد أساء و تعدى و ظلم و جعله موقتا من واحدة إلى ثلاث و كره الإسراف في الماء في الغسل و الوضوء و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يغتسل بالصاع و يتوضأ بالمد
(وصل منه)
و الذين أوجبوا التوقيت فيه اختلفوا فمنهم من أوجب الوتر أي وتر كان و منهم من أوجب الثلاثة فقط و منهم من حد أقل الوتر في ذلك و لم يحد الأكثر فقال لا ينقص من الثلاث و منهم من حد الأكثر فقال لا يتجاوز السبعة و منهم من استحب الوتر و لم يحد فيه حدا (الاعتبار) أما الوتر في الغسل فواجب لأنه عبادة و من شرطها الحضور مع الله فيها و هو الوتر فينبغي أن يكون الغسل وتر الحكم الحال و هو من واحد إلى سبعة فإن زاد فهو إسراف إذا وقعت به الطهارة فوتريته في الغسل بحسب ما يخطر له في حال الغسل و هي سبع صفات أمهات فيها وقع الكلام بين أهل النظر في الإلهيات و هي الحياة و العلم و القدرة و الإرادة و الكلام و السمع و البصر و العبد قد وصف بهذه الصفات كلها و قد ورد أن الحق قال في المتقرب بالنوافل إن الله يكون سمعه و بصره و غير ذلك فقد تبدلت نسبة هذه الصفات المخلوقة للعبد بالحق فبالله يسمع و به يبصر و به يعلم و به يقدر و به يكون حيا و به يريد و به يتكلم فقدغسل صفاته بربه فكان طاهرا مقدسا بصفاته فهذا توقيت غسل الميت من واحد إلى سبعة بحسب ما ينقص و يزيد و قد عم هذا جميع ما وقع من الخلاف في شفعه و وتره و قليله و كثيره وحده و ترك حده ففكر فيه و اغسل الميت منك بمثل هذا الغسل و الكامل مع الناقص كالعاقل المؤمن مع العاقل وحده أو مع المؤمن
(وصل في فصل ما يخرج من الحدث من بطن الميت بعد غسله)
الحدث يخرج من بطن الميت بعد غسله فمنهم من يقال يعاد و منهم من قال لا يعاد الغسل و الذي قال بأنه يعاد اختلفوا في العدد إلى سبع و أجمعوا على أنه لا يزاد على السبع (الاعتبار) الشبهة تطرأ بعد حصول الطهارة لسرعة زوالها من خياله لضعف تصوره فيعاد عليه التعليم سبع مرات فإن استنكحه ذلك كان كمن استنكحه سلس البول و خروج الريح لا يعاد عليه التعليم فإنه غير قابل لثبوته و إنما اجتمعنا على السبع لأنه غاية الكمال في العلم الإلهي بكونه إلها و لهذا ربط الله الحكمة في وجود الآثار في العالم العنصري عن سير السبعة الدراري في الاثني عشر برجا فجعل السائرين سبعة فعلمنا أنه غاية كمال الوجود و جعل كمال السير في اثني عشر لأنه غاية مراتب العدد من واحد إلى تسعة ثم العشرات ثم المئون ثم الآلاف فهذه اثنا عشر و فيها يقع التركيب إلى ما لا يتناهى من غير زيادة كذلك سير السبعة في الاثني عشر برجا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (وصل) اختلفوا في عصر بطن الميت قبل إن يغسل فمنهم من رأى ذلك و منهم من لم يره (الاعتبار) العصر اختيار الكبير الصغير في حاله هل عنده شبهة فيما هو فيه يخاف عليه منها أن تقدح في طهارته إذا طهره الكبير أم لا حتى يدعوه على بصيرة منه إنه صاحب شبهة يتوقى ظهورها في وقت آخر فيحفظ المربي نفسه في أول الوقت قبل إن ينشب فيقع التعب و يعظم انتهى الجزء الثامن و الأربعون بانتهاء السفر السابع يتلوه في الجزء التاسع و الأربعين وصل في الأكفان و هو كاللباس للمصلي
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(وصل في فصل في الأكفان)
الكفن للميت كاللباس للمصلي و هو ما يصلي عليه لا فيه كالصلاة على الحصير و الثوب الحائل بينك و بين الأرض لأنه في موضع سجودك لو سجدت فأشبه ما يصلي عليه فأما المرأة فترتيب تكفينها أن تغطي الغاسلة أولا الحقو و هو الإزرة التي تشد على وسط الإنسان ثم الدرع و هو القميص الكامل ثم الخمار و هو الذي تغطي به رأسها ثم الملحفة ثم تدرج بعد في ثوب آخر يعم الجميع فهذه خمسة أثواب هكذا على الترتيب أعطى رسول الله صلى الله عليه و سلم ليلى الثقفية حين غسلت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم بيده ثوبا بعد ثوب يناولها إياه و يأمرها بأن تفعل به ما ذكرناه على ذلك الترتيب هذا هو السنة في تكفين المرأة و أما الرجل فما لنا نص في صفة تكفينه إلا أنه لما مات رسول الله صلى الله عليه و سلم كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص و لا عمامة بحضور من حضر من علماء الصحابة و لم يبلغنا أن أحدا منهم و لا ممن بلغه أنكر ذلك و لا تنازعوا فيه و لكن في قول الراوي ليس فيها قميص و لا عمامة احتمال ظاهر و النص في الثلاثة الأثواب من الراوي بلا شك إلا أن الوتر مستحب في الأكفان فمن الناس من رأى أن الرجل يكفن في ثلاثة أثواب و المرأة في خمسة أثواب أخذا بما ذكرناه و منهم من يرى أقل ما يكفن فيه الرجل ثوبان و السنة ثلاثة أثواب و أقل ما تكفن فيه المرأة ثلاثة أبواب و السنة خمسة أثواب و من الناس من لم ير في ذلك حدا و لكن يستحب الوتر قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في الذي مات محرما يكفن في ثوبين (وصل في اعتبار هذا الفصل) المقصود من التكفين أن يوارى الميت عن الأبصار و لهذا لما كفن مصعب بن عمير يوم أحد في الثوب الواحد الذي كان عليه و كان نمرة قصيرة لا تعمه بالستر فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يغطي بها رأسه و يلقي على رجليه من الإذخر حتى يستر عن الأبصار و لما خلق الإنسان من تراب كان من له حضور مع الله من أهل الله إذا شاهدوا التراب تذكروا ما خلفوا منه فينظروا في قوله تعالى مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى يعني يوم البعث و المصلي يناجي ربه فإذا وقف المصلي في المناجاة و ليس بينه و بين الأرض حائل و كانت الأرض مشهودة لبصره ذكرته بنشأته و بما خلق منه و بإهانته و ذلته فإن الأرض قد جعلها الله ذلولا مبالغة في الذلة بهذه البنية قال الشاعر
ضروب بنصل السيف سوق سمانها إذا عدموا زادا فإنك عاقر
فجاء ببنية فعول للمبالغة في الكرم و لا أذل ممن يطئوه الأذلاء و نحن نطأها و جميع الخلائق و نحن عبيد أي أذلاء فربما شغل المصلي النظر في نفسه و ما خلق منه عن مناجاة ربه بما يقرأ من كلامه فيغيب عما يقول للحق و ما يقول له الحق و هو سوء أدب من التالي فكان الحائل أولى لما نهي المصلي أن يستقبل رجلا مثله في قبلته أو يصمد إلى سترته صمدا و ليجعلها على حاجبه الأيمن أو الأيسر هذا كله حتى لا يقوم له مقام الوثن غيرة إلهية فإنهم كانوا يصورونه على صورة الإنسان فأمر يستره الميت لأن الميت بين يدي المصلي و المصلي يناجي الحق في قبلته شفيعا في هذا الميت و سيأتي اعتباره في الصلاة على الميت إن شاء الله تعالى
(وصل في فضل المشي مع الجنازة)
المشي مع الجنازة كالسعي إلى الصلاة فقال بعضهم من السنة المشي أمامها و قال آخرون المشي خلفها أفضل و الذي أذهب إليه أن يمشي راجلا خلفها قبل الصلاة عليها فيجعلها أمامه كما يجعلها في الصلاة و بعد الصلاة يمشي أمامها خدمة لها بين يديها إلى منزلها و هو القبر ظنا بالله جميلا إن الله قبل الشفاعة فيها عند الصلاة عليها و أن القبر لها روضة من رياض الجنة فإن الله قد ندب إلى حسن ظن عبده به فقال أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا و روى أن الله سئل من أحب إليك عيسى أم يحيى عليهما السلام فقال الله تعالى للسائل أحسنهما ظنا بي يعني عيسى فإن الخوف كان الغالب على يحيى و الأولى أن لا يركب أدبا مع الملائكة لا غير فإن الملائكة تمشي مع الجنازة ما لم يصحبها صراخ فإن صحبها صراخ تركتها الملائكة فعند ذلك أنت مخير بين الركوب و المشي فإن الميت على نعشه كالشخص في المحفة محمول قال صاحبنا أبو المتوكل و قد رأينا نعشا يحمل و عليه الميت فأشار إليه و قال
ما زال يحملنا و تحمله الورى عجبا له من حامل محمولا
وصل الاعتبار فيه المشي أمام الجنازة لأن الماشي شفيع لها عند الله فيتقدم ليخلو بالله في شأنها فإن الشفيع لا يدري هل تقبل شفاعته فيها أم لا حتى إذا وصلت إلى قبرها وصلت مغفورا لها بكرم الله في قبول سؤال الشافع و إن كانت من المغفورين لها قبل ذلك كان الماشي أمامها من المعرفين بقدومها لمن تقدم عليه في منزلها الذي هو قبرها فهو كالحاجب بين يديها تعظيما لها يشهد ذلك كله أهل الكشف و أما الماشي خلفها فإنه يراعي تقديمها بين يديه كما يجعلها بين يديه في الصلاة عليها ليعتبر بالنظر إليها فيها فإن الموت فزع و إن الملك معها و إن النبي صلى الله عليه و سلم قام عند ما رأى جنازة يهودي فقيل له إنها جنازة يهودي فقال أ ليس معها الملك و قال مرة أخرى إن الموت فزع و قال مرة أخرى أ ليست نفسا و لكل قول وجه أرجى الأقوال أ ليست نفسا لمن عقل فكان قيامه مع الملك و في هذا الحديث قيام المفضول للفاضل عندنا و عند من يرى أن الملائكة أفضل من البشر على الإطلاق و هكذا قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم في مبشرة أريتها و أما قوله صلى الله عليه و سلم في هذا أ ليست نفسا في حق يهودي فإنه أرجى ما يتمسك به أهل الله إذا لم يكونوا من أهل الكشف و كانت بصائرهم منورة بالإيمان في شرف النفس الناطقة و إن صاحبها إن شقي بدخول النار فهو كمن يشقى هنا بأمراض النفس من هلاك ما له و خراب منزله و فقد ما يعز عليه ألما روحانيا لا ألما حسيا فإن ذلك حظ الروح الحيواني و هذا كله غير مؤثر في شرفها فإنها منفوخة من الروح المضاف إلى الله بطريق التشريف فالأصل شريف و لما كانت من العالم الأشرف قام لها رسول الله صلى الله عليه و سلم بكونها نفسا فقيامه لعينها و هذا إعلام بتساوي النفوس في أصلها و روى القشيري في رسالته عن بعض الصالحين أنه قال من رأى نفسه خيرا من نفس فرعون فما عرف فذمه و أخبر أنه ليس له أن يرى ذلك و هذه مسألة من أعظم المسائل تؤذن بشمول الرحمة و عمومها لكل نفس و إن عمرت النفوس الدارين و لا بد من عمارة الدارين كما ورد و إن الله سيعامل النفوس بما يقتضيه شرفها بسر لا يعلمه إلا أهل الله فإنه من الأسرار المخصوصة بهم فكما إن الحد يجمعهم كذلك المقام يجمعهم لذاتهم إن شاء الله تعالى قال تعالى في الذين شقوا إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ و لم يقل عذابا غير مجذوذ كما قال في السعداء فإنه قال يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ و لم يخص شخصا من شخص بل الظاهر أنه يريد من خالف أمره و عصاه مطلقا لا من أطاعه ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ فنبه الغافل عن صفة الحق التي هي كرمه فإنه من كرمه أوجده و لهذا قال له الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ يقول له بكرمه أوجدك ليقول له العبد يا رب كرمك غرني فقد يقولها لبعض الناس هنا في خاطره و في تدبره عند التلاوة فيكون سبب توبته و قد يقولها في حشره و قد يقولها له و هو في جهنم فتكون سببا في نعيمه حيث كان فإنه ما يقولها له إلا في الوقت الذي قد شاء أن يعامله بصفة الكرم و الجود فإن رحمته سبقت غضبه و رحمة الله وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ منة و استحقاقا و بالأصل فكل ذلك منة منه سبحانه فإنه الذي كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ للمتقي و المتقي بمنته سبحانه اتقاه و جعله محلا للعمل الصالح
(وصل في فصل صفة الصلاة على الجنازة)
فمنها عدد التكبير و اختلف الصدر الأول في ذلك من ثلاث إلى سبع و ما بينهما لاختلاف الآثار ورد حديث أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يكبر على الجنازة أربعا و خمسا و ستا و سبعا و ثمانية و قد ورد أنه كبر ثلاثا و لما مات النجاشي و صلى عليه صلى الله عليه و سلم كبر عليه أربعا و ثبت على أربع إلى أن توفاه الله تعالى (وصل الاعتبار في هذا الفصل) أكثر عدد الفرائض أربع و لا ركوع في صلاة الجنائز بل هي قيام كلها و كل وقوف فيها للقراءة له تكبير فكبر أربعا على أتم عدد ركعات الصلاة المفروضة فالتكبيرة الأولى للإحرام يحرم فيها أن لا يسأل في المغفرة لهذا الميت إلا الله تعالى و التكبيرة الثانية يكبر الله تعالى من كونه حيا لا يموت إذا كانت كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ و كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ و التكبيرة الثالثة لكرمه و رحمته في قبول الشفاعة في حق من يشفع فيه أو يسأل فيه مثل الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم لما مات و قد كان عرفنا أنه من سأل الله له الوسيلة حلت له الشفاعة فإن النبي صلى الله عليه و سلم لا يشفع فيه من صلى عليه و إنما يسأل له الوسيلة من الله لتحضيضه أمته على ذلك و التكبيرة الرابعة تكبيرة شكر لحسن ظن المصلي بربه في أنه قبل من المصلي سؤاله فيمن صلى عليه فإنه سبحانه ما شرع الصلاة على الميت إلا و قد تحققنا أنه يقبل سؤال المصلي في المصلي عليه فإنه إذن من الله تعالى في السؤال فيه فهو لا يأذن و في نفسه أنه لا يقبل سؤال السائل قال تعالى في الشفاعة يوم القيامة وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى و قال من ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ و قال وَ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ و قد أذن لنا أن نشفع في هذا الميت بالصلاة عليه فقد تحققنا الإجابة بلا شك ثم يسلم بعد تكبيرة الشكر سلام انصراف عن الميت أي لقيت من ربك السلام و لهذا شرع النبي صلى الله عليه و سلم أن يكفوا عن ذكر مساوي الموتى فإن المصلي قد قال في آخر صلاته عليه السلام عليكم فأخبر عن نفسه أن الميت قد سلم منه فإن ذكره بمساءة بعد هذا فقد كذب نفسه في قوله السلام عليكم فإنه ما سلم منه من ذكره بسوء بعد موته فإن ذلك يكرهه الميت و يكرهه الله للحي فإن الحي يذكره به و لا ينتهي عن فعل مثله فيؤديه ذلك إلى أن يكون قليل الحياء من ربه
(وصل في فصل رفع الأيدي عند التكبير في الصلاة على الجنائز و التكييف)
و أما رفع الأيدي عند كل تكبيرة و التكتيف فإنه مختلف فيهما و لا شك أن رفع اليدين يؤذن بالافتقار في كل حال من أحوال التكبير يقول ما بأيدينا شيء هذه قد رفعناها إليك في كل حال ليس فيها شيء و لا تملك شيئا و أما التكتيف فإنه شافع و الشافع سائل و السؤال حال ذلة و افتقار فيما يسأل فيه سواء كان ذلك السؤال في حق نفسه أو في حق غيره فإن السائل في حق الغير هو نائب في سؤاله عن ذلك الغير فلا بد أن يقف موقف الذلة و الحاجة لما هو مفتقر إليه فيه و التكتيف صفة الأذلاء و صفته وضع اليد على الأخرى بالقبض على ظهر الكف و الرسغ و الساعد فيشبه أخذ العهد في الجمع بين اليدين يد المعاهد و المعاهد أي أخذت علينا العهد في أن ندعوك و أخذنا عليك العهد بكرمك في أن تجيبنا فقلت وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ و لم يقل دعاني في حق نفسه و لا في حق غيره ثم أذنت لنا في الدعاء للميت و الشفاعة عندك فيه فلم يبق إلا الإجابة فهي متحققة عند المؤمن و لهذا جعلنا التكبيرة الاخيرة شكرا و السلام سلام انصراف و تعريف بما يلقي الميت من السلام و السلامة عند الله و منا من الرحمة و الكف عند ذكر مساوية
(وصل في فصل القراءة في صلاة الجنازة)
فمن قائل ما في صلاة الجنازة قراءة إنما هو الدعاء و قال بعضهم إنما يحمد الله و يثني عليه بعد التكبيرة الأولى ثم يكبر الثانية فيصلي على النبي صلى الله عليه و سلم ثم يكبر الثالثة فيشفع للميت ثم يكبر الرابعة و يسلم و قال آخر يقرأ بعد التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب ثم يفعل في سائر التكبيرات مثل ما تقدم آنفا و به أقول و ذلك أنه إذ و لا بد من التحميد و الثناء فبكلام الله أولى و قد انطلق عليها اسم صلاة فالعدول عن الفاتحة ليس بحسن و به قال الشافعي و أحمد و داود (وصل الاعتبار في هذا الفصل) قال أبو يزيد البسطامي اطلعت على الخلق فرأيتهم موتى فكبرت عليهم أربع تكبيرات قال بعض شيوخنا رأى أبو يزيد عالم نفسه هذه الصفة تكون لمن لا معرفة له بربه و لا يتعرف إليه و تكون لأكمل الناس معرفة بالله فالعارف المكمل يرى نفسه ميتا بين يدي ربه عز و جل إذ كان الحق سمعه و بصره و يده و لسانه يصلي عليه قال تعالى هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ فإذا كان الحق هو المصلي فيكون كلامه القرآن و العارفون لا بد لهم من قراءة فاتحة الكتاب يقرأها الحق على لسانهم و يصلي عليهم فيثني على نفسه بكلامه ثم يكبر نفسه عن هذا الاتصال في ثنائه على نفسه بلسان عبده في صلاته على جنازة عبده بين يدي ربه عز و جل و يكون الرحمن في قبلته و هو المسئول و يكون المصلي هو الحي القيوم ثم يصلي بعد التكبيرة الثانية على نبيه المبلغ عنه قال تعالى إِنَّ الله وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ فلو لم يكن من شرف الملائكة على سائر المخلوقات إلا جمع الضمير في يصلون بينهم و بين الله لكفاهم و ما احتيج بعد ذلك إلى دليل آخر و نصب الملائكة بالعطف حتى يتحقق أن الضمير جامع للمذكورين قبل ثم يكبر نفسه على لسان هذا المصلي من العارفين عن التوهم الذي يعطيه هذا التنزل الإلهي في تفاضل النسب بين الله و بين عباده من حيث ما يجتمعون فيه و من حيث ما يتميزون به في مراتب التفضيل فربما يؤدي ذلك التوهم أن الحقائق الإلهية يفضل بعضها على بعض بتفاضل العباد إذ كل عبد في كل حالة مرتبط بحقيقة إلهية و الحقائق الإلهية نسب تتعالى عن التفاضل فلهذا كبر الثالثة ثم شرع بعد القراءة و الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم في الدعاء للميت من قوله وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ به الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ به الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ به الْمَوْتى لكان هذا القرآن الذي أنزل عليك يا محمد و إذا كان الأمر على هذا الحد و الميت في حكم الجمادات في الظاهر لذهاب الروح الحساس فكان حكمه حكم الجماد و قال تعالى لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً من خَشْيَةِ الله فوصفه بالخشية و عين وصفه بالخشية عين وصفه بالعلم بما أنزل عليه قال تعالى إِنَّما يَخْشَى الله من عِبادِهِ الْعُلَماءُ فالمعنى الذي أوجب له عدم الخشية إنما هو ارتباط الروح بالجسد فحدث من المجموع ترك الخشية لتعشق كل واحد منهما بصاحبه فلما فرق بينهما رجع كل واحد منهما إلى ربه بذاته فعلم ما كان قبل قد جهله بتركيبه فصحبته الخشية لعلمه فأول ما يدعى به للميت في الصلاة عليه و يثني على الله به في الصلاة عليه القرآن فإن الميت في مقام الخشية من جهة روحه و من جهة جسمه فإذا عرف العارف فلا يتكلم و لا ينطق إلا بالقرآن فإن الإنسان ينبغي له أن يكون في جميع أحواله كالمصلي على الجنازة فلا يزال يشهد ذاته جنازة بين يدي ربه و هو يصلي على الدوام في جميع الحالات على نفسه بكلام ربه دائبا فالمصلي داع أبدا و المصلى عليه ميت أو نائم أبدا فمن نام بنفسه فهو ميت و من مات بربه فهو نائم نومة العروس و الحق ينوب عنه و لنا في هذا المعنى
اللهم أبدله دارا خيرا من داره يعني النشأة الأخرى فيقول الله قد فعلت فإن نشأة الدنيا هي داره و هي دار منتنة كثيرةالعلل و الأمراض و التهدم تختلف عليها الأهواء و الأمطار و يخربها مرور الليل و النهار و النشأة الآخرة التي بدلها و هي داره كما قد وصفها الشارع من كونهم لا يبولون و لا يتغوطون و لا يتمخطون نزهها عن القذارات و أن تكون محلا تقبل الخراب أو تؤثر فيها الأهواء ثم يقول و أهلا خيرا من أهله فيقول قد فعلت فإن أهله في الدنيا كانوا أهل بغي و حسد و تدابر و تقاطع و غل و شحناء قال تعالى في الأهل الذي ينقلب إليه الميت وَ نَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ من غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ثم يقول و زوجا خيرا من زوجه و كيف لا يكون خيرا و هن قاصِراتُ الطَّرْفِ مَقْصُوراتٌ في الْخِيامِ و لا تشاهد في نظرها أحسن منه و لا يشاهد أحسن منها قد زينت له و زين لها و طيبت له و طيب لها كما قال تعالى في الجنة وَ يُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ أي طيبها من أجلهم فلا يستنشقون منها إلا كل طيب و لا ينظرون منها إلا كل حسن فدعاؤهم في الصلاة على الميت مقبول لأنه دعاء بظهر الغيب و ما من خير يدعون به في حق الميت إلا و الملك يقول لهذا المصلي على جهة الخبر و لك بمثله و لك بمثليه نيابة عن الميت و مكافاة له للمصلي على صلاته عليه خبر صدق و قول حق فقد تحقق حصول الخير للمصلي و المصلى عليه فإنه ثبت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الإنسان المؤمن إذا دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك له و لك بمثله و لك بمثليه إخبارا عن الله تعالى من هذا الملك لهذا الداعي و خبر الملك صدق لا يدخله مين فعلى الحقيقة إنما صلى على نفسه و ما أحسنها من رقدة بين ربه عز و جل و بين المصلي عليه فإن كان المصلى عليه عارفا بربه محبوبا عنده حب من يكون الحق سمعه و بصره و لسانه فليس المصلي سوى ربه و ليستقبل في الصلاة الرب عز و جل فيكون الميت في رقدته بين ربه و ربه فما أعلاها من رقدة ليتها إلى الأبد فنسأل الله تعالى لنا و لإخواننا إذا جاء أجلنا أن يكون المصلي علينا عبدا يكون الحق سمعه و بصره و لسانه لنا و لإخواننا و أولادنا و آبائنا و أهلينا و معارفنا و جميع المسلمين من الجن و الإنس آمين بعزته و كرمه و لما كان حال الموت حال لقاء الميت ربه و اجتماعه به لجمعه ما تفرق في سائر الكتب و الصحف المنزلة و اختص من القرآن الفاتحة لكونها مقسمة بالخبر الإلهي بين الله و بين عبده و قد سماها الشرع صلاة و قال قسمت الصلاة بيني و بين عبدي بنصفين و خص الفاتحة بالذكر دون غيرها من سور القرآن فتعينت قراءتها بكل وجه في الصلاة على الميت لكونها تتضمن ثناء و دعاء و لا بد لكل شافع أن يثني على المشفوع عنده بما يليق بالشفاعة و أي ثناء أعظم من الرحمن الرحيم و المدح محمود لذاته و ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم لا شيء أحب إلى الله تعالى من أن يمدح و الله تعالى قد وصف عباده المؤمنين بالحامدين و ذم و لعن من ذم جناب الله و نسب إليه ما لا يليق به من الفقر و البخل إذ قالت اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ كنت بذلك عن البخل فأكذبهم الله بقوله بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ فعم الكرم يديه ف لا تَيْأَسُوا من رَوْحِ الله فهذه عندنا من أرجى آية تقرأ علينا فتعين على الشافع أن يمدح ربه بلا شك فإنه أمكن لقبول الشفاعة مع الأذن فيها فما ثم مانع من القبول ورد في الخبر الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا كان غدا يوم القيامة و أراد أن يشفع يحمد الله أولا بين يدي الشفاعة بمحامد لا يعلمها الآن يقتضيها ذلك الموطن بحاله فإن الثناء على المشفوع عنده إنما يكون بحسب جنايات المشفوع فيهم فيقدم بين يدي شفاعته من الثناء على الله بحسب ما ينبغي له لذلك الموطن من مكارم الأخلاق و موطن القيامة ما شوهد الآن و لا وقع فلهذا قال لا أعلمها الآن
(وصل في فصل التسليم من الصلاة على الجنازة)
اختلف الناس فيه هل هو تسليمة واحدة أو اثنتان فالأكثر على أنه تسليمة واحدة و قالت طائفة يسلم تسليمتين و كذلك اختلفوا هل يجهر فيها بالسلام أو لا يجهر و الذي أذهب إليه و أقول به إن حكم السلام من صلاة الجنازة في الإمام و المأموم حكم السلام من الصلاة سواء و لو كان وحده (الاعتبار) لما كان الشافع بين يدي المشفوع عنده و أقام المشفوع فيه بينه و بين ربه ليعين المشفوع فيه كما يحضر الشفيع نازلة من يشفع من أجلها بالذكر عند من يشفع عنده فأقام حضور الجاني بين يديه مقام النازلة التي كان يحضرها بالذكر لو لم يحضر الجاني فهو في حال غيبة عن كل من دون ربه بتوجهه إليه فإذا فرغ من شفاعته رجع إلى الحاضرين عنده من بشر و ملك و جان مؤمن فسلم عليهم كما يفعل فيالصلاة سواء و هي بشرى من الله في حق الميت كأنه يقول لهم ما ثم إلا السلامة له و لكم و إن الله قد قبل الشفاعة بما قررناه من الأذن فيها و كل من قال إن الميت إذا كان من أهل الصلاة عليه و صلى عليه لا تقبل الشفاعة فما عنده خبر جملة واحدة لا و الله بل ذلك الميت سعيد بلا شك و لو كانت ذنوبه عدد الرمل و الحصى و التراب أما المختصة بالله من ذلك فمغفورة و أما ما يختص بمظالم العباد فإن الله يصلح بين عباده يوم القيامة فعلى كل حال لا بد من الخير و لو بعد حين و لهذا ينبغي للمصلي على الميت إذا شفع في صلاته عند الله أن لا يختص جناية بعينها و ليعم في ذكره كل ما ينطلق عليه به أنه مسيء إساءة تحول بينه و بين سعادته و ليسأل الله التجاوز عن سيئاته مطلقا و أن يعترف عن الميت بجميع السيئات و إن لم يحضر المصلي التعميم في ذلك فإن الله إن شاء عمه بالتجاوز و إن شاء عامل الميت بحسب ما وقعت فيه الشفاعة من الشافع و لهذا ينبغي للمصلي على الميت أن يسأل الله له في التخليص من العذاب لا في دخول الجنة لأنه ما ثم دار ثالثة إنما هي جنة أو نار و ذلك أنه إن سأل في دخول الجنة لا غير فإن الله يقبل سؤاله فيه و لكن قد يرى في الطريق أهوالا عظاما فلهذا ينبغي أن تكون شفاعة المصلي في إن ينجي الله من صلى عليه مما يحول بينه و بين العافية و استصحابها له فإن ذلك أنفع في حق الميت و إذا فعل هكذا صح التعريف بالسلام من الصلاة أي قد لقي السلامة من كل ما يكرهه
(وصل في فصل تعين الموضع الذي يقوم الإمام فيه المصلي من الجنازة)
و اختلفوا أين يقوم الإمام من الجنازة فقالت طائفة يقوم في وسطها ذكرا كان أو أنثى و قال قوم يقوم من الذكر عند رأسه و من الأنثى عند وسطها و منهم من قال يقوم منهما عند صدرهما و قال قوم يقوم منهما حيث شاء و لا حد في ذلك و به أقول (وصل الاعتبار في ذلك) للخيال و الوهم سلطان و مقصود المصلي إنما هو سؤال الله تعالى و الحديث معه في حق هذا الميت و إحضار الميت بين يديه فلا يبالي أين يقوم منه فإن التردد في ذلك يفصم الخاطر عن المقصود و لا سيما إن كانت الجنازة أنثى فيتوهم الإمام إذا وقف عند وسطها أن يسترها عمن خلفه فلم يسترها عن نفسه و يقدح ذلك التوهم في حضوره في حقها مع الله فإن الحق إنما يستقبله على الحقيقة من الإنسان قلبه فإذا كان قلب المصلي بهذه المثابة من التفرقة و استحضار ما لا ينبغي بالتوهم فقد أساء الأدب في الشفاعة و من هذه حاله فليس بشفيع و كان هذا المصلي أولى باسم الميت من الميت لسوء أدبه مع الله و مع الموت و مع الميت فلا يحضر المصلي أين يقوم من الجنازة و ليستفرغ همته في الله الذي دعاه إلى الشفاعة فيها عنده و كم من مصل على جنازة و الجنازة تشفع فيه جعلنا الله من الشافعين هنا و هناك الإنسان مكلف من رأسه إلى رجليه و ما بينهما فإنه مأمور بأن لا ينظر إلى ما لا يحل له النظر إليه شرعا و بجميع ما يختص برأسه من التكليف و مأمور بأن لا يسعى بأقدامه إلى ما لا يحل له السعي إليه و فيه و منه و ما بينهما مما كلفه الله أن يحفظه في تصرفه من يد و بطن و فرج و قلب فلو تمكن للمصلي أن يعم الميت بذاته كلها لفعل فليقم منها حيث ألهمه الله و القيام عند قلبه و صدره أولى فإنه كان المستخدم لجميع الأعضاء بالخير و الشر فذلك المحل هو أولى أن يقوم المصلي الشافع عنده بلا شك و يجعله بينه و بين الله و يعينه فإنه إذا غفر له غفر لسائر جسده فإن جميع الأعضاء تبع للقلب في كل شيء دنيا و آخرة و يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم فيه إن في الجسد بضعة إذا صلحت صلح سائر الجسد و إذا فسدت فسد سائر الجسد ألا و هي القلب كذلك إذا قبلت الشفاعة فيها قبلت في سائر الجوارح أراد الشرع بالقلب هنا المضغة التي يحوي عليها الصدر و لا يريد بالقلب لطيفته و عقله و في هذا التنبيه هنا سر لمن فهم و علم لا يحصل إلا بالكشف يقول تعالى إِنَّ في ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ و قال وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ كما قال أيضا وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ و في باب الإشارة عن الحق فيريد بالصلاح و الفساد إذا أراد المضغة ما يطرأ في البدن من المرض و الصحة و الموت فإن القلب الذي هو هذه المضغة هو محل الروح الحيواني و منه ينتشر الروح الحيواني في جميع ما يحس من الجسد و ما ينمي و هو البخار الخارج من تجويف القلب الذي يعطيه الدم الذي أعطاه الكبد فإذا كان الدم صالحا كان البخار مثله فصلح الجسد و بالعكس فهو تنبيه من الشارع لنا بما هو الأمر عليه فإن العلم بما هو الأمر عليه في هذا الجسم الطبيعي العنصري الذي هو آلة للطبقة الإنسان المكلفة في إظهار ما كلفه الشارع إظهاره من الطاعات التي تختص بالجوارح فإذا لم يتحفظ الإنسان في غذائه و لم ينظر في صلاح مزاجه و روحه الحيواني المدبر لطبيعة بدنه اعتلت القوي و ضعفت و فسد الخيال و التصور من الأبخرة الفاسدة الخارجة من القلب و ضعف الفكر و قل الحفظ و تعطل العقل بفساد الآلات التي بها يدرك الأمور فإن الملك إنما هو بوزعته و رعاياه و كذلك الأمر أيضا إن صلح فاعتبر الشارع الأصل المفسد إذا فسد لهذه الآلات و المصلح لهذه الآلات إذا صلح إذ لا طاقة للإنسان على ما كلفه ربه إلا بصلاح هذه الآلات و استقامتها و سلامتها من الأمور المفسدة لها و لا يكون ذلك إلا من القلب فهذا من جوامع الكلم الذي أوتيه صلى الله عليه و سلم فلو أراد بالقلب العقل هنا ما جمع من الفوائد ما جمع بإرادته القلب الذي يحوي عليه الصدر و لهذا جاء باسم المضغة و البضغة لرفع الشك حتى لا يتخيل خلاف ذلك و لا يحمله السامع على العقل و كذلك قال الله وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ فإذا فسدت و عميت عن إدراك ما ينبغي فإن فساد عين البصيرة فيما يعطيه البصر إنما هو من فساد البصر و فساد البصر إنما هو من فساد محله و فساد محله إنما هو من فساد روحه الحيواني الذي محله القلب فقيام المصلي عند صدر الجنازة عند الصلاة عليها أولى و أحق لأجل قلبه الذي هو الأصل في صلاحه و فساده
(وصل في فصل ترتيب الجنائز عند الصلاة)
و اختلفوا في ترتيب جنائز إذا اجتمع الرجال و النساء عند الصلاة عليهن فقال قوم يجعل الرجال مما يلي الإمام و النساء مما يلي القبلة و قال قوم فيه بالعكس و قال قوم يصلي على الرجال على حدة مفردين و على النساء على حدة مفردين و الذي أقول به إن كان في الجنائز ذكران جعل أحدهما مما يلي الإمام و الآخر مما يلي القبلة و يجعل النساء فيما بينهما و إن لم يكن إلا رجل واحد جعل مما يلي الإمام و إن جعل مما يلي القبلة فهو أولى و كل هذا ما لم يرد حد مشروع يوقف عنده و قد بحثنا أن نجد في ذلك حدا للشرع فلم نجد و قد ورد عن بعض الصحابة أنهم كانوا يجعلون الرجال مما يلي القبلة و النساء مما يلي الإمام فإذا سألوا عن ذلك قالوا هي السنة و هو أولى عندي و مثل هذا إذا وقع يدخل في المسند عندهم و التوقيف في الحكم أولى و لهذا احتاط من فرق في الصلاة بين الرجال و النساء و الذي يترجح عندي تقديم الرجال مما يلي القبلة فإن النبي صلى الله عليه و سلم لما دفن قتلي أحد كان يقدم الأفضل مما يلي القبلة و يدفن الجماعة في قبر واحد فكان تقديم الأفضل مما يلي القبلة أولى لأنه إلى الله أقرب شرعا و الله أعلم (الاعتبار) النساء محل التكوين فهن إلى المكون أقرب فهم أولى بالقبلة من الرجال و إن وقع التكوين في الرجال مرة واحدة و لم يكن سوى تكوين حواء من آدم فالحكم للغالب و لا سيما و قد جعل في مقابلة تكوين حواء من آدم تكوين عيسى في مريم من غير فحل و بقي الغالب في الإناث إنهن محل التكوين فهن أولى بالقبلة ليكون كل مولود يولد على الفطرة فإنه إذا ولد خرج إلينا و هو حديث عهد بربه كما جاء بربه كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في الغيث إنه حديث عهد بربه فكان الرجال أولى بأن يكونوا مما يلي الإمام و الاعتبار الآخران الرجل الميت إذا كان مما يلي الإمام كان سترة للإمام عن المرأة فإن المرأة عورة و مجاورة الميت لها أولى لعدم الشهوة من مجاورة الحي فالنساء أولى بالتقدم مما يلي القبلة من الرجال و كان الحق أولى بإمائه و سترهن عن الإمام أو المصلي عليهن فإن كان الإمام عارفا بحيث أن يعلم من نفسه أن الحق سمعه و بصره فلا يبالي أ يقدم النساء إليه أو الرجال و تقدم النساء أولى مما يلي من هو بهذه الصفة و الرجال مما يلي القبلة فإنه أقوى في الاعتبار لأن أكثر الأكوان الطبيعية إنما كونها الحق عند الأسباب فتقديم النساء مما يلي الإمام الذي يكون بهذه المثابة أولى فإنه اعتبار محقق فإن الإمام الموصوف بهذه الصفة آلة و الحق غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ و في هذه المسألة من الأسرار البديعة العجيبة ما لو وقف عليها العقلاء لتعجبوا و حاروا و علموا حكمة الله في الأشياء و ما معنى حجابه النور و الظلمة و ما ذا يحد هذا الحجاب و الحق لا يقبل الحد و لا يحتجب عنه شيء و لا يحجبه شيء إذ لو حجبه شيء لحكم عليه ذلك الحجاب بالحد و لا يصح أن يقبل الحجاب فلا يصح أن يكون العبد محجوبا عن الله و لكن يكون محجوبا عن نسبة خاصة قال تعالى في الفجار إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ فأضاف الرب إليهم و هي النسبة التي يرجونها منه لم يجدوها لأنهم طلبوها من غير جهة ما تكون فيه فكانوا كمن يقصد الشرق بنيته و هو يمشي إلىالغرب بجسمه و يتخيل أن حركته إلى جهة قصده و هو قوله تعالى وَ بَدا لَهُمْ من الله ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ فإنهم لما استيقظوا من نوم غفلتهم و وصلوا إلى منزل و حطوا عن رحالهم طلبوا ما قصدوه فقيل لهم من أول قدم فارقتموه فما ازددتم منه إلا بعدا فيقولون يا لَيْتَنا نُرَدُّ و لا سبيل إلى ذلك فلهذا وصفوا بالحجاب عن ربهم الذي قصدوه بالتوجه على غير الطريق الذي شرع لهم فإذا علمت ما اعتبرناه فلترتب الجنائز على قدر مقامك و لا نحكم فالحكم ليس لك و إنما هو للشارع فإن وقفت من الشارع في ذلك المقام من طريق الكشف على حكم صحيح ثابت في ذلك فاعمل به و لا تتعداه وقف عنده فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ
(وصل في فصل من فاته التكبير على الجنازة)
اختلفوا في الذي يفوته بعض التكبير على الجنازة في مواضع منها هل يدخل بتكبير أم لا و منها هل يقضي ما فاته أم لا و إن قضى فهل يدعو بين التكبيرات أو لا فمن قائل يكبر أول دخوله و من قائل ينتظر حتى يكبر الإمام و حينئذ يكبر و أما قضاء ما فاته فمن قائل يقضي ما فاته من التكبير و الدعاء و من قائل يقضي ما فاته من التكبير نسقا من غير دعاء و الذي أذهب إليه أن الذي يدرك مع الإمام من التكبير هو أول له ثم يتم صلاته بتكبيراتها و الدعاء (الاعتبار) التكبير تعظيم الحق فليسارع إليه و لا ينتظر الإمام و يقضي ما فاته من التكبير نسقا من غير دعاء فإن الله تعالى يقول من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين و المدعو له هنا الميت فيعطي الميت بالذكر من المصلي أفضل مما يعطيه لو دعا له و المقصود بالدعاء للميت إنما هو النفع و النفع الأعظم قد حصل بالذكر
(وصل في فصل الصلاة على القبر لمن فاتته الصلاة على الجنازة)
فقال قوم لا يصلي على القبر و قال قوم لا يصلي على القبر إلا وليها فقط إذا فاتته الصلاة عليها و كان قد صلى عليها غير وليها و قال قوم يصلي على القبر من فاتته الصلاة على الجنازة و اتفق القائلون بإجازة الصلاة على القبر أن من شرط ذلك حدوث الدفن و اختلف هؤلاء في المدة في ذلك فأكثرها شهر و بالصلاة على القبر أقول من غير مدة (وصل الاعتبار في هذا الفصل) لا يصلي على الميت حتى يوارى عن الأبصار في أكفانه فلا فرق أن يوارى بأكفانه أو يوارى بقبره و قد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم الصلاة على الميت بعد ما دفن في قبره فالاعتبار أن الجسم خلق من التراب و عاد إلى أصله فلا فرق بينه في حال انفصاله و بروزه على وجه الأرض أو حصوله تحت التراب فهو منها فإن كان المراد بتلك الصلاة الروح المدبر لهذا الجسم فالروح قد عرج به إلى بارئه و قد فارق الجسد فلا مانع من الصلاة عليه و إن كان المراد بتلك الصلاة الجسد دون الروح فسواء كان فوق الأرض أو تحت الأرض فإن الشارع ما فرق فكل واحد من الإنسان قد رجع إلى أصله فالتحق الروح منه بالأرواح و التحق العنصري منه بالعنصر
(فصول من يصلي عليه و من أولى بالتقديم)
فمن ذلك الصلاة على من هو من أهل لا إله إلا الله فمن قائل يصلي عليهم مطلقا و لو كانوا من أهل الكبائر و الأهواء و البدع و كره بعضهم الصلاة على أهل البدع و بالأول أقول و لم يجز آخرون الصلاة على أهل الكبائر و لا على أهل البغي و البدع و لو علم هذا القائل إن المصلي على الجنازة شفيع و قد ثبت أن النبي صلى الله عليه و سلم قال خبأت دعوتي شفاعة لأهل الكبائر من أمتي (وصل اعتبار هذا الفصل) قال صلى الله عليه و سلم صلوا على من قال لا إله إلا الله و لم يفصل و لا خصص و عم بقوله من و هي نكرة تعم فالمفهوم من هذا الكلام الصلاة على أهل التوحيد سواء كان توحيدهم عن نظر أو عن إيمان أعني عن تقليد للرسول أو عن نظر و إيمان معا و معنى الايمان أن يقولها على جهة القربة المشروعة من حيث ما هي مشروعة و هذا لا سبيل إلى الوصول إلى معرفته من القائل لها إلا بوحي أو كشف فإنه غيب و ما كلف الله نَفْساً إِلَّا وُسْعَها و لهذا ربطه بالقول و من لا يتصور منه القول أو لم يسمع أنه قالها كالصبي الرضيع فإن الرضيع يلحق بأبيه في الحكم فيصلي عليه و من لم تسمع منه يلحق بالدار و الدار دار الإسلام و هو بين المسلمين و لم يعرف منه دين أصلا لا الإسلام و لا غيره و كان مجهولا فإنه يحكم له بالدار فيصلي عليه فإذا كانت عناية الدار تلحقه بالمحقق إسلامه فما ظنكبعناية الله و هذا من عناية الله و أهل لا إله إلا الله بكل وجه و على كل حال لا يقبلهم الخلود في النار إلا من أشرك أو سن الشرك فإنهم لا يخرجون من النار أبدا فالأهواء و البدع و كل كبيرة لا تقدح في لا إله إلا الله لا تعتبر مؤثرة في أهل لا إله إلا الله فإن التوحيد لا يقاومه شيء مع وجوده في نفس العبد و لو لا النص الوارد في المشرك و فيمن سن الشرك لعمت الشفاعة كل من أقر بالوجود و إن لم يوحد فإن المشرك له ضرب من التوحيد أعني توحيد المرتبة الإلهية العظمى فإن المشرك جعل الشريك شفيعا عند الله يقولون هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ الله كما قالوا ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى فوحد هذا المشرك الله في عظمته ليست للشريك عنده هذه الرتبة إذ لو كانت له ما اتخذه شفيعا و الشفيع لا يكون حاكما فلهم رائحة من التوحيد و بهذه الرائحة من التوحيد و إن لم يخرجوا من النار لا يبعد أن يجعل الله لهم فيها نوعا من النعيم في الأسباب المقرونة بها الآلام و أدنى ما يكون من تنعيمهم أن يجعل المقرور في الحرور و نقيضه الذي هو المحرور في الزمهرير حتى يجد كل واحد منهما بعض لذة كما كانت لهم هنا بعض رائحة من التوحيد فيخلقهم الله على مزاج يقبلون به نعيم هذه الأسباب المعتادة بوجود الألم عندها في المزاج الذي لا يلائمه ذلك و ما ذلك على الله بعزيز فإنه الفعال لما يريد و ما ورد نص يحول بيننا و بين ما ذكرناه من الحكم فبقي الإمكان على أصله في هذه المسألة و في الشريعة ما يعضده من قوله وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و قوله رحمتي سبقت غضبي
(وصل في فصل من قتله الإمام حدا)
فمن الناس من لم ير أن يصلي عليه الإمام و منهم من رأى أنه يصلي عليه الإمام و به أقول (اعتبار هذا الفصل) الغاسل غير ممنوع من الصلاة على من غسله و الإمام هنا غاسل فإن القتل هنا للمقتول طهور معنوي مكفر و قد ورد في ذلك الخبر فللإمام أن يصلي عليه لتحقق طهوره و العجب من صاحب هذا المذهب الذي يمنع من صلاة الإمام عليه و هو عنده لو مات من عليه هذا الحد صلى عليه الإمام مع تحققه بأنه مشغول الذمة بهذا الحد الواجب عليه و أنه غير طاهر النفس فإن أمره إلى الله إن شاء آخذه به و إن شاء عفا عنه و بهذا وردت الأخبار فالأولى أن يصلي عليه الإمام إذا قتله حدا كالغاسل سواء فإنه لا معنى لإقامة الحدود على المؤمنين في الدنيا إلا إزالتها عنهم في الآخرة بخلاف من قتل سياسة أو كفرا لا حدا
(وصل في فصل من قتل نفسه هل يصلى عليه أم لا يصلى عليه)
فقيل يصلى عليه و من قائل لا يصلى عليه و بالأول أقول (وصل اعتبار هذا الفصل) لما أذن الله عز و جل في الشفاعة بالصلاة على الميت علمنا أنه عز و جل قد ارتضى ذلك و أن السؤال فيه مقبول و أخبر أن الذي يقتل نفسه في النار خالدا مخلد فيها أبدا و أن الجنة عليه حرام و ما ورد نهي عن الصلاة على من قتل نفسه فيحمل ذلك على من قتل نفسه و لم يصل عليه فيجب على المؤمنين الصلاة على من قتل نفسه لهذا الاحتمال فيقبل الله شفاعة المصلي عليه فيه و لا سيما و الأخبار الصحاح و الأصول تقضي بخروجه من النار و يخرج الخبر الوارد بتأبيد الخلود مخرج الزجر و الحكمة المشار إليها في هذه المسألة في قول الله تعالى بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة ففيه إشارة حقيقة فالاشارة يُسارِعُونَ و سابِقُوا و من تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا و الموت سبب لقاء الله فكان الإنسان في حياته يسافر و يقطع المنازل بأنفاسه إلى لقاء ربه و قد جعل له حدا مخصوصا فاستعجل اللقاء فبادر إليه قبل وصوله إلى ذلك الحد و هو السبب الذي لا تعمل له في لقائه فإن كان عن شوق للقاء الحق فإنه يلقاه برفع الحجب ابتداء فإنه قال حرمت عليه الجنة و الجنة الستر أي منعت عنه أن يستر عني فإنه بادرني بنفسه و لم يقل ذلك على التفصيل فحمله على وجه الخبر للمؤمن لما يعضده من الأصول أولى و أما قوله عليه السلام فيمن قتل نفسه بحديدة و بسم و بالتردي من الجبل فلم يقل في الحديث من المؤمنين و لا من غيرهم فتطرق الاحتمال و إذا دخل الاحتمال رجعنا إلى الأصول فرأينا إن الايمان قوى السلطان لا يتمكن معه الخلود على التأبيد إلى غير نهاية في النار فنعلم قطعا إن الشارع أخبر بذلك عن المشركين في تعيين ما يعذبون به أبدا فقال من قتل نفسه بحديدة منهم فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا أي هذاالصنف من العذاب هو حكمه في النار و كذلك من شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا أي هذا النوع من العذاب يعذب به هذا الكافر و قد ورد من قتل نفسه بشيء عذب به و أما المؤمن فحاشى الايمان بتوحيد الله أن يقاومه شيء فتعين إن ذلك النص في المشرك و إن لم يخص الشارع في هذا الخبر صنفا بعينه فإن الأدلة الشرعية تؤخذ من جهات متعددة و يضم بعضها إلى بعض ليقوي بعضها بعضا لأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا كذلك الايمان بكذا يشد للإيمان بكذا فيقوي بعضه بعضا فإن أهل الجنة إنما يرون ربهم رؤية نعيم بعد دخولهم الجنة كما ورد في الخبر في الزيارة إذا أخذ الناس أماكنهم في الجنة فيدعون إلى الرؤية فيمكن إن الله قد خص هذا الذي بادره بنفسه فقتل نفسه أن يكون قوله حرمت عليه الجنة قبل لقائي فيتقدم للقاتل نفسه لقاء الله رؤية نعيم و حينئذ يدخل الجنة فإن القاتل نفسه يرى أن الله أرحم به مما هو فيه من الحال الموجبة له إلى هذه المبادرة فلو لا ما توهم الراحة عند الله من العذاب الذي هو فيه لما بادر إليه و الله يقول أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا و القاتل نفسه إذا كان مؤمنا فظنه بربه حسن فظنه بربه الحسن هو الذي جعله أن يقتل نفسه و هذا هو الأليق أن يحمل عليه لفظ هذا الخبر الإلهي إذ لا نص بالتصريح على خلاف هذا التأويل و إن ظهر فيه بعد فلبعد الناظر في نظره من الأصول المقررة التي تناقض هذا التأويل بالشقاء المؤبد فإذا استحضرها و وزن عرف ما قلناه و في الأخبار الصحاح أخرجوا من النار من كان في قلبه أدنى من مثقال حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ من إيمان فلم يبق إلا ما ذكرناه و لم يقل الله في هذا الخبر إلا أنه حرم عليه الجنة خاصة فإن قلنا و لا بد بالعقوبة فتكون الجنة محرمة عليه أن يدخلها دون عقاب مثل أهل الكبائر فيكون نصا في القاتل نفسه و غيره من أهل الكبائر في حكم المشيئة فإن صاحب السجلات لا يدخل النار مع أنه من أهل الكبائر إذ ليس معه سوى قول لا إله إلا الله في طول إسلامه مدة حياته في الدنيا فغايته أن يتحقق إنفاذ الوعيد في القاتل نفسه قبل دخول الجنة و إنه لا يغفر له و الله أكرم أن ينسب إليه نفاذا لوعيد بل ينسب إليه المشيئة و ترجيح الكرم كما وصف بعض الأعراب مع كونه من أهل الأغراض نفسه
و إني إذا أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادى و منجز موعدي
و لذا ما ورد في الشرع نص في الإيعاد و ورد في الوعد فَلا تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ فالإيعاد في الشر خاصة و الوعد يكون في الخير و الشر معا
(وصل في فصل حكم الشهيد المقتول في المعركة)
فمن قائل لا يصلى عليه و لا يغسل و من قائل يصلى عليه و لا يغسل (الاعتبار) الحياة المنسوبة إلى الشهيد في المعركة من رأى أن الله أخذ بأبصارنا عن إدراك حياة الشهيد و أنه لحي يرزق كحياة زيد و عمر و في نفس الأمر و هذا ليس ببعيد فإن الحي بهذه المثابة لا يصلى عليه و من رأى أن الصلاة إنما هي الدعاء له بكونه انقطع عمله في الدنيا و إن كان حيا عند ربه لكنه غير عامل قال يصلى عليه أي يدعى له مثل ما يدعى للميت لانقطاعه عن العمل المقرب له إلى الدرجات التي لا تحصل إلا بالعمل من العامل نفسه أو ممن ينوب عنه في عمله كمن يصوم عن وليه إذا مات أو يحج عنه إذا مات أو لم يستطع فتقوم الصلاة على الشهيد من المصلي مقام العمل منه لو كان في حال لم ينقطع العمل منه
(وصل في فصل حكم الصلاة على الطفل)
فمن قائل لا يصلى عليه حتى يستهل صارخا و من قائل يصلى عليه إذا كمل أربعة أشهر لوجود الروح عند هذه المدة (الاعتبار) أمرنا الله بالصلاة على الميت في السنة و لم يقل الميت عن حياة متقدمة فنحن إذا رأينا صورة الجنين و لو كان أصغر من البعوضة بحيث تكون أعضاؤه مصورة حتى يعلم أنه إنسان و إن كان قبل نفخ الروح فيه فإنه ينطلق بالشرع على تلك الصورة أنها ميتة قال تعالى وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ فأطلق علينا اسم الموت قبل نفخ الروح فالمصلي على الجنين إذا خرج عينه بالطرح و شاهدناه صورة و إن لم ينفخ فيه روح للصورة الظاهرة و تحقق اسم الموت فلا مانع للصلاة عليه بوجه من الوجوه و لم يقل رسول الله صلى الله عليه و سلم إنه لا يصلى على ميتإلا بعد أن تتقدمه حياة ما تعرض لذلك و إن كان لم يقع الأمر إلا فيمن تقدمت له حياة و ما يدل عدم النقل على رفع الحكم بل المفهوم من الشرع الصلاة على الميت من غير تخصيص إلا ما خصصه الشارع من النهي عن الصلاة على الكافر و غير ذلك ممن نص على ترك الصلاة عليه و ليس للطفل فيه مدخل بل قد ذكر الترمذي عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أن الطفل يصلى عليه و لا يرث و لا يورث حتى يستهل صارخا فقد حكم بالصلاة عليه و ما حكم بالميراث مثل ما حكم على من مات عن حياة فهذا الخبر يقوي ما ذهبنا إليه من وجود صورة الإنسان و إن لم نعلم أن موته عن حياة و لا عن غير حياة و حديث المغيرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أن الطفل يصلى عليه و ذهب بعضهم إلى أن الطفل لا يصلى عليه أصلا و احتج بأن النبي صلى الله عليه و سلم لم يصل على ابنه إبراهيم و هو ابن ثمانية أشهر فيعارض هذا القائل بأن النبي صلى الله عليه و سلم صلى على ابنه إبراهيم و يقوي هذا الحديث حديث المغيرة و جابر
(وصل في فصل حكم الأطفال من أهل الحرب إذا ماتوا)
فقيل حكمهم حكم آبائهم لا يصلى عليهم و من قائل حكمهم حكم من سباهم من المسلمين و الذي أقول به إنه متى قدر المسلم على الصلاة على من مات من الأطفال الصغار الذين لم يحصل منهم التمييز و لا العقل إنه يصلى عليهم فإنهم على فطرة الإسلام (الاعتبار) الطفل مأخوذ من الطفل و هو ما ينزل من السماء من الندى غدوة و عشية و هو أضعف ما ينزل من السماء من الماء فالطفل من الكبار كالرش و الوبل و السكب و غير ذلك من أنواع نزول المطر و لما كان بهذا الضعف و الضعيف مرحوم أبدا و الصلاة رحمة فالطفل يصلى عليه إذا مات بكل وجه و لا معنى لترك الصلاة عليه
(وصل في فصل من أولى بالتقديم في الصلاة على الميت)
و اختلفوا فيمن أولى بالتقديم في الصلاة على الميت فقيل وليه و قيل الوالي و به أقول فإنه ثبت أن النبي صلى الله عليه و سلم صلى على الجنازة و لم ينقل عنه قط إنه اعتبر الولي و لا سأل عنه و قدم الحسين بن على سعيد بن العاص و هو والي المدينة في الصلاة على الحسن بن علي و الحاقة في هذه المسألة بصلاة الجمعة و صلاة الجماعة أولى من الحاقة بالولي في مواراته و دفنه (الاعتبار) الوالي له إطلاق الحكم في العموم و الخصوص فهو أقوى ممن له الحكم في بعض الأمور فهو أولى بالصلاة على الميت و بمناجاة الحق و الشفاعة في الميت فإنه نائب الله و نظر الحق إلى من استخلفه أعظم من نظره فيمن لم يجعل له ذلك المنصب العام في الخلافة و كلامه أقبل عنده فإنه فوض إليه الحكم فيما ولاه عليه و الوالي على الحقيقة هو الله تعالى فمن ثبت له هذا الاسم بالوجه الأعم فالأعم فهو أولى بالصلاة على الميت و الوالي من له حكم الوقت من الأسماء الإلهية فيشفع عند من ولاة من الأسماء في الميت ممن هو أعم تعلقا منه و هو الرحمن فإن رحمته وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
(وصل في فصل وقت الصلاة على الجنازة)
فقال قوم لا يصلى عليها في الوقت المنهي عن الصلاة فيه و قال قوم لا يصلى في الغروب و الطلوع و قال قوم يصلى عليها بعد صلاة الصبح ما لم يكن الأسفار و بعد صلاة العصر ما لم يكن الاصفرار و قال قوم يصلى عليها في كل وقت و به أقول غير أنه لا يقبر في ثلاث ساعات الميت و إن أجزنا الصلاة عليه فيها لورود النص أن لا نقبر فيها موتانا و هي الطلوع و الغروب و الاستواء (الاعتبار في هذا الفصل) الصلاة مناجاة و سؤال على حضور و مشاهدة فلا تتقيد بوقت ما لم يقيدها الشرع و ما قيد صلاة الجنازة فإنها ما فيها سجود و أما الاستواء فإنه وقت تسعير النار و القبر أول منزل من منازل الآخرة و لم نقل الموت فإن الموت حالا لا منزل و القبر منزل فإن دفن في ذلك الوقت يشاهد الميت تسعير النار فربما أدركه رعب و الله رفيق بالمؤمن فلم يبح لنا أن نقبر في ذلك الوقت موتانا رحمة بهم و أما الطلوع و الغروب فإنهما ساعات يسجد فيهما الكفار فجهنم تتقدم لأخذهم لصنيعهم ذلك فإذا قبر الميت في ذلك الوقت ربما أبصر مبادرة النار لاخذ هذه الطوائف فيدركه رعب لإقبالها حتى يظن أنها تريده كمن يكون ماشيا في طريق و خلفه من عليه طلب فيرى أمامه شخصا يقصد طلب من يأتي خلفه يفرق منه لفظاعة منظره فربما يتخيل هذا الشخص أنه المقصود لذلك المقبل فلا يأمن من يأتي حتى يجاوزه فيعلم أنه طالب غيره فإن الكافر إذا سجد لغير الله بادرت جهنم لأخذه غيرة أن يسجد لغير الله فإذا رفع رأسهمن السجدة نكصت على عقبها عن أمر الله تعالى لعل هذا الساجد لا يعود إلى مثلها و يتوب فإنه في دار قبول التوبة فلهذا لم يتم إقبالها إليه فالإنسان ما دام حيا إذا كان كافرا يرجى له الإسلام و إذا كان مسلما يخاف عليه الكفرة فإنها ما هي دار طمأنينة لمخلوق ما لم يبشر و مع البشرى يرتفع الخوف لصدق المخبر و يبقى الحكم للحياء و الخشوع فخوف المبشر و اصفراره للحياء خاصة لا للخوف
(وصل في فصل في الصلاة على الجنازة في المسجد)
فأجازها بعضهم و كرهها بعضهم و أما إذا كانت الجنازة خارج المسجد و المصلي في المسجد ففي هذه الصلاة خلاف أيضا و أما الصلاة على الجنائز في المقابر ففيه خلاف و بالجواز أقول في ذلك كله (وصل الاعتبار في هذا الفصل) المصلي على الجنائز شفيع فحيث ما كان يشفع فإن الحق يقول وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ فنحن نعلم أنه مع الجنازة حيث كانت و معي حيث كنت فلا يتقيد بالمكان فالصلاة على الجنازة جائزة في كل مكان من غير تقييد و لا موضع أقذر من موضع فرعون فإن المشرك نجس و مع هذا فجاء موسى و هارون و قال الله لهما إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَ أَرى و كنت أقول بالصلاة على الجنائز حيث كانت في مسجد و غيره حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم في المنام و هو ينهى عن دخول الجنائز المسجد و عن الصلاة عليها فانتهيت فما صليت بعد ذلك على جنازة في المسجد فإن النبي صلى الله عليه و سلم يقول من رآني فقد رآني فإن الشيطان لا يتكونني
(وصل في فصل في شرط الصلاة على الجنازة)
فقال الأكثرون الطهارة شرط فيها كالقبلة سواء و اختلفوا في التيمم لها لمن خاف فواتها فقال قوم يتيمم لها و قال قوم لا يتيمم لها و لا يصلى عليها بتيمم و الذي أقول به أن الطهارة لا تشترط و لكن أكره التوجه إلى الله و ذكره على غير طهارة شرعية (وصل في اعتبار هذا الفصل) قالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يذكر الله على كل أحيانه و هكذا ينبغي أن يكون الأمر فإن الله في كل حال مع العبد و لا سيما المؤمن انتهى الجزء التاسع و الأربعون
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(وصل في فصل في صلاة الاستخارة)
ورد أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يعلم أصحابه الاستخارة كما يعلمهم السورة من القرآن و ورد أنه صلى الله عليه و سلم كان يأمر أن يصلي لها ركعتين و يوقع الدعاء عقيب الركعتين اللتين يصليهما من أجلها بعد السلام منهما و أستحب له أن يقرأ في الأولى فاتحة الكتاب و قوله تعالى وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ أو سورة قل يا أيها الكافرون و في الركعة الثانية يقرأ فاتحة الكتاب و قل هو الله أحد و يدعو بالدعاء المروي في ذلك عقيب السلام يفعل ذلك في كل حاجة مهمة يريد فعلها و قضاءها ثم يشرع في حاجته فإن كان له فيها خيرة عند الله يسر له أسبابها إلى أن تحصل فتكون عاقبتها محمودة و إن تعذر شيء من أسبابها عليه و لم يتفق تحصيلها بيسر فلا يضاد القدر و يعلم أنه لو كان له فيها خيرة عند الله ما تعذرت أسبابها فيعلم إن الله قد اختار له تركها فلا يتألم لذلك و سيحمد عاقبة تركها و ينبغي لأهل الله أن يصلوا صلاة الاستخارة في وقت معين يعنونه من ليل أو نهار في كل يوم فإذا قالوا الدعاء يعد السلام من الركعتين يقولون في الموضع الذي أمر أن يسمى حاجته كما سنذكره يقول اللهم إن كنت تعلم أن جميع ما أتحرك فيه في حقي و في حق غيري و جميع ما يتحرك فيه غيري في حقي و في حق أهلي و ولدي و ما ملكت يميني خير لي في ديني و دنياي و عاجل أمري و أجله من ساعتي هذه إلى مثلها من اليوم الآخر فيسره لي و أقدره و رحنى به و إن كنت تعلم أن جميع ما أتحرك فيه في حقي و في حق غيري و جميع ما يتحرك فيه غيري في حقي و في حق أهلي و ولدي و ما ملكت يميني من ساعتي هذه إلى مثلها من اليوم الآخر شر لي في ديني و دنياي و عاجل أمري و آجله كما سيأتي في الدعاء بعد هذا إن شاء الله فإنه إذا فعل ذلك ما يتحرك بحركة و لا يتحرك في حقه بحركة إلا كان له فيها خير محقق فعلا أو تركا جربت هذا دائما يفعل هذا في كل يوم في وقت بعينه يلزمه لا يغيره و صورة دعا الاستخارة اللهم إني أستخيرك بعلمك و أستقدركبقدرتك و أسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر و لا أقدر و تعلم و لا أعلم و أنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر و تسمى حاجتك خير لي في ديني و معاشي و عاقبة أمري أو قال عاجل أمري و آجله فاقدره لي و يسره لي ثم بارك لي فيه و إن كنت تعلم أن هذا الأمر و تذكر حاجتك شر لي في ديني و معاشي و عاقبة أمري أو قال عاجل أمري و آجله فاصرفه عني و اصرفني عنه و أقدر على الخير حيث كان ثم أرضني به فالعارف إذا استخار ربه في حاجة معينة كانت أو مبهمة فيحضر في قلبه عند قوله اللهم أي يا الله اقصد فأدخل هنا الإرادة لأن القصد الإرادة فحذف الهمزة و اكتفى بالهاء من اللهم لقربها في المخرج و المجاورة و ليدلك بذلك على عظيم الوصلة فإن شرح اللهم أي يا الله أمنا بالخير أي اقصدنا و قوله إني آنية الشيء حقيقته كناية عن نفسه و قوله أستخيرك بعلمك يقول أي يا الله أقصد حقيقتي بما اختاره علمك مما لي فيه خير فإنك تعلم ما يصلح لي من الخير و لا أعلم هذا الذي توجهت في طلبه و تقدر على إيجاده و لا أقدر على ذلك فإن كان لي في فعله و ظهور عينه خير فقد علمته فاقدره لي أي افعله لي و إن كان الخير لي في تركه و عدم ظهور عينه فاصرفه عني لكونى استحضرته في خاطري و تخيلته فقد حصل ضرب من الوجود و هو تصوره في خيالي فلا تجعله حاكما علي بظهور عينه فهذا معنى قوله فاصرفه عني ثم قال و اصرفني عنه أي حل بيني و بينه و اجعل بيني و بينه الحجاب الذي بين الوجود و العدم حتى لا أستحضره و لا يحضرني عينا و تخيلا و قوله و استقدرك بقدرتك لأن القدرة صفة الإيجاد و هي أخص تعلقا من العلم فيصرف بالعلم و يوجد بالقدرة و لا يصرف بها فقدم العلم على القدرة لأنه قد يكون له الخيرة في ترك ما طلب فعله و وجوده فكأنه يقول و إن كان في تحصيل ما طلبت تحصيله خير لي فإني أستقدرك بقدرتك أي أقدرني على تحصيله و إن كان ممن يقول بنسبة الفعل للعبد كالمعتزلة و تكون الإضافة في قوله بقدرتك أي بالقدرة التي تخلقها في عبادك و إن كان ممن لا يقول بنسبة الفعل إلى العبد فقوله بقدرتك يعني قدرة الحق التي هي صفته المنسوبة إليه بحكم الصفة لا بحكم الخلق و قوله فإنك تقدر و لا أقدر يتجه هذا قول من الطائفتين أي فإنك تقدر أن تخلق لي القدرة على فعله إن كان قد علمت إن لي فيه خيرا و قد يريد الإخبار عن حقيقة نفي القدرة عن العبد فيقول فإنك تقدر على إيجاده و تحصيل ما طلبته و لا أقدر أي ما لي قدرة أحصله بها لعلمه أن القدرة الحادثة ما لها التكوين و لا تتعدى محلها و قوله و أرضني به أي اجعل الفرح و السرور عندي بحصوله أو بعدم حصوله من أجل ما اخترته لي في سابق علمك و أقدر لي الخير حيث كان و أنت أعلم بالأماكن و الزمان و الأحوال التي لي الخير فيها من غيرها ف إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ أي ما غاب عنا من ذلك تعلمه أنت و لا أعلمه أنا ثم لتعلم إن العلم بالأمر لا يتضمن شهوده فدل إن نسبة رؤيتك الأشياء غير نسبة علمك بها فالنسبة العلمية تتعلق بالشهادة و الغيب فكل مشهود معلوم ما شهد منه و ما كل معلوم مشهود و ما ورد في الشرع قط إن الله يشهد الغيوب و إنما ورد يعلم الغيوب و لهذا وصف نفسه بالرؤية فقال أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ الله يَرى و وصف نفسه بالبصر و بالعلم ففرق بين النسب و ميز بعضها عن بعض ليعلم ما بينها و لما لم يتصور أن يكون في حق الله غيب علمنا إن الغيب أمر إضافي لما غاب عنا فكأنه يقول من يقول و أنت علام الغيوب أي ما غاب عنا و كذلك عالم الغيب و الشهادة أي ما غاب عنا و ما نشهده و يشهده و ما يلزم من شهود الشيء العلم بحده و حقيقته و يلزم من العلم بالشيء العلم بحده و حقيقته عدما كان أو وجودا و إلا فما علمته و الأشياء كلها مشهودة للحق في حال عدمها و لو لم تكن كذلك لما خصص بعضها بالإيجاد عن بعض إذ العدم المحض الذي ليس فيه أعيان ثابتة لا يقع فيه تمييز شهود بخلاف عدم الممكنات فكون العلم ميز الأشياء بعضها عن بعض و فصل بعضها عن بعض هو المعبر عنه بشهوده إياها و تعيينه لها أي هي بعينه يراها و إن كانت موصوفة بالعدم فما هي معدومة لله الحق من حيث علمه بها كما إن تصور الإنسان المخترع للأشياء صورة ما يريد اختراعها في نفسه ثم يبرزها فيظهر عينها لها فاتصفت بالوجود العيني و كانت في حال عدمها موصوفة بالوجود في الوجود الذهني في حقنا و الوجود العلمي في حق الله فظهور الأشياء من وجود إلى وجود من وجود علم إلى وجود عين و المحال الذي هو العدم المحض ما فيه أعيان تمييز فهذا معنى بعض ما يتضمنه دعاء الاستخارة و أما قوله و يسره لي يريد الأسباب التي هي علامات و دلائل على تحصيل المطلوب
(فصول جوامع فيما يتعلق بالصلاة و بها خاتمة الباب)
(وصل في إقامة الصلاة)
إقامة الصلاة ظهور نشأتها على أتم خلقها و خلقها يختلف باختلاف من تنسب إليه فإذا نسبت الصلاة إلى الله فلها نشأة تخالف نشأة نسبتها إلى غير الله من ملك و بشر و غيرهما من المخلوقين فالحق ينشئها نشأة تامة و لهذا قال وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ لتمام خلقها إذا كانت الصلاة المنسوبة إليه في قوله هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ رحمته بعباده و سيأتي ذكر ذلك و نسبة الصلاة إلى الملك أيضا يخرجها و يقيمها تامة النشأة أي صلاة أظهرها فما يظهرها إلا تامة فلا تكون صلاة الملك إلا تامة النشأة و الخلق و كذلك كل صلاة منسوبة إلى جماد و نبات و حيوان ما عدا الإنس و الجن فإن صلاتهما إذا أنشأها قد تكون مخلقة أي تامة الخلقة و غير مخلقة أي غير تامة الخلق فلنذكر أولا صلاة الحق فنقول (وصل) قال تعالى هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ عموما و قال إِنَّ الله وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ خصوصا بخصوص صلاة فإن الضمير في قوله يُصَلُّونَ يجمع الحق و الملائكة و لا يتمكن للملائكة أن تلحق صلاة الله على عبده فإنها لا تتعدى مرتبتها فيكون الحق ينزل في هذه الصلاة إلى صلاة الملائكة لأجل الضمير الجامع فتكون صلاة الله على النبي من مقام صلاة الملائكة على النبي بخلاف قوله هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ فإنه هنا ما جاء بالملائكة إلا بعد ما ذكرنا و فصل بنا بين صلاته و بين الملائكة بقوله عَلَيْكُمْ ثم قال لِيُخْرِجَكُمْ فأفرد الخروج إليه و ما جاء بضمير جامع يجمع بين الله و بين الملائكة في الصلاة على المؤمنين كما فعل في قوله يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ فتميز النبي صلى الله عليه و سلم على سائر البشر بمرتبة لم يعطها أحد سواه أي ما ذكر لنا ذلك فعمنا كلنا و النبي صلى الله عليه و سلم من جملتنا بقوله هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ و أفرد نفسه في ذلك ثم قال وَ مَلائِكَتُهُ فأفرد الملائكة بالصلاة على العباد و فيهم النبي فلجميع الخلق توحيد الصلاة من الله و توحيد الصلاة من الملائكة و خص النبي صلى الله عليه و سلم وحده فيما أخبرنا به بأن جمع له بصلاة جامعة اشترك فيها الله و ملائكته فقال إِنَّ الله وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ و معلوم أن الصلاة في الجمعية ما هي الصلاة التي في حال الإفراد فإن الحالتين متميزتان ففاز النبي صلى الله عليه و سلم بهذه الصلاة ثم أمرنا أن نصلي عليه صلى الله عليه و سلم بمثل هذه الصلاة الجامعة و هو أن نصلي عليه إذا كان الحق لساننا كما ورد في الخبر فحينئذ تصح الصلاة التي أمرنا بها و بهذه المثابة كانت صلاة الملائكة في هذا المقام الذي جمع بينهم و بين الله في الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم فإن في تلك الصلاة كان نطقهم فثبت شرفه صلى الله عليه و سلم على سائر البشر في هذه المرتبة فإنه شرف محقق الوجود بالتعريف و إن ساواه أحد ممن لم نعرف به فذلك شرف إمكاني فتعين فضله بالتعيين على من لم يتعين و إن كان قد صلى عليه مثل هذا في نفس الأمر و لم نخبر فثبت له الفضل بكل حال فلما قال تعالى بعد قوله هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ بعد قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا و لم يقل بما ذا هل بالوجود و بالتوحيد فحمله على الوجود الذي هو أعم أولى لأنه أعم في الرحمة فقال لهم اذْكُرُوا الله ذِكْراً كَثِيراً أي في كل حال وَ سَبِّحُوهُ أي صلوا له فسأل ابن عمر لو كنت مسبحا أتممت يريد مصليا تماما غير قصر و لهذا قال بُكْرَةً وَ أَصِيلًا يعني صلاة الغداة و العشي و كذلك قال فَسُبْحانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ وَ عَشِيًّا وَ حِينَ تُظْهِرُونَ فجمع الصلوات الخمس في هذه الآية وَ لَهُ الْحَمْدُ أي الثناء انطلق في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ فأما تقدير الكلام فلما قال هذا و أمرنا بالذكر و الصلاة قال هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ فأخبر أنه يصلي علينا فالمفهوم من هذا أمران الأمر الواحد أنه يصلي علينا فينبغي لنا أن نذكره بالمدح و الثناء و نصلي له بُكْرَةً وَ أَصِيلًا فإن في ذلك غذاء العقول و الأرواح كما إن غذاء الجسم في هذه الأوقات في قوله لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَ عَشِيًّا و رزق كل مخلوق بحسب ما تطلبه حقيقته فالأرواح غذاؤها في التسبيح فقيل لها سبحه أي صل له في هذه الأوقات و اذكره على كل حال فقيد التسبيح و ما قيد الذكر بوقت فعلمنا إن التسبيح ذكر خاص مربوط بهذه الأوقات و الأمر الآخر إنكم إذا صليتم و ذكرتم الله فإنه يصلي عليكم فصلاتنا و ذكرنا له سبحانه بين صلاتين من الله تعالى صلى علينا فصلينا له فصلى علينا فمن صلاته الأولى علينا صلينا له و من صلاته الثانية علينا كانت السعادة لنا بأن جنينا ثمرة صلاتنا لهو ذكرنا ثم قال وَ مَلائِكَتُهُ أيضا تصلي عليكم بما قد شرع لها من ذلك و هو قوله رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ رَبَّنا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَ من صَلَحَ من آبائِهِمْ وَ أَزْواجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَ قِهِمُ السَّيِّئاتِ وَ من تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ يعني القيامة و المعصومين من وقوع السيئات منهم فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فهذا كله قول الملائكة فصلاة الملائكة علينا كصلاتنا على الجنازة سواء لمن عقل ثم قال لِيُخْرِجَكُمْ بلام السبب من الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ابتداء منه و منة و بدعاء الملائكة و هو هذا الذي ذكرناه و لهذا قال وَ مَلائِكَتُهُ و هو قولهم وَ قِهِمُ السَّيِّئاتِ فإن السيئات ظلمات فمنهم من يخرجهم من ظلمات الجهل إلى نور العلم و من ظلمات المخالفة إلى نور الموافقة و من ظلمات الضلال إلى نور الهدى و من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد و من ظلمات الحجاب إلى نور التجلي و من ظلمات الشقاء و التعب إلى نور السعادة و الراحة ثم قال وَ كانَ بِالْمُؤْمِنِينَ أي بالمصدقين رَحِيماً أي رحمهم لما صدقوا به من وجوده الذي هو أعم من التصديق بالتوحيد ثم يندرج بعد الايمان بالوجود الإلهي كل ما يجب به الايمان على طبقاته ثم قال تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ أي إذا وقع اللقاء بشر بالسلامة أنه لا يشقى بعد اللقاء أبدا فلله رجال يلقونه في الحياة الدنيا و يبشرون بالسلام و ثم من يلقاه إذا مات و ثم من يلقاه عند البعث و ثم من يلقاه في تفاصيل مواقف القيامة على كثرتها و منهم من يلقاه بعد دخول النار و بعد عذابه فيها و متى وقع اللقاء حياه الله بالسلام فلا يشقى بعد ذلك اللقاء فلهذا جعل السلام عند اللقاء و لم يعين وقتا مخصوصا لتفاوت الطبقات في لقائه فأخر لاق يلقاه المؤمن بوجوده خاصة فإنه قال بالمؤمنين و لم يقيد فلا نقيد و قوله وَ أَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً كل أجر على قدر ما عنده من الايمان و أقلهم أجرا المؤمن بوجود الله إلها إلى ما هو أعظم في الايمان فصلاة الله رحمته بخلقه و لذا قال وَ كانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً و قال الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى و العرش ما حوى ملكه كله مما وجد وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و عرشه وسع كل شيء و النار و من فيها من الأشياء و الرحمة سارية في كل موجود فصلاة الحق كائنة على كل موجود و الخلق صور خيالية محركهم الحق و الناطق عنهم الحق فهم مصرفون تجري عليهم أحكام القدرة و هم محو في عين ثبوتهم و عدم في حال وجودهم أولئك هم الصامتون الناطقون و الميتون الأحياء كحياة الشهداء فالعقل يشهد ما لا يشهد البصر فإقامة الصلاة الإلهية عموم رحمته بمخلوقاته فهي مخلوقة قال تعالى أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ و الرحمة شيء و خلقها تعميمها و كذلك صلاة الملائكة تامة الخلقة فإنها دعت للذين تابوا كما ذكر و قالت أيضا وَ قِهِمُ السَّيِّئاتِ فعمت فما تبقي أمر إلا دخل في صلاة الملائكة من طائع و عاص على أنواع الطاعات و المعاصي (وصل) و أما صلاة الإنسان و الجن و هو قوله تعالى الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ فإقامة البشر لها أن تنسب إليهم بمعنى الرحمة كما نسبت إلى الحق و بمعنى الدعاء و الرحمة كما نسبت إلى الملائكة و بمعنى الدعاء و الرحمة و إتمام التكبير و القيام و الركوع و السجود و الجلوس كما ورد في الخبر فمن أتم ركوعها و سجودها و ما شرع فيها و إن كان في جماعة مما تستحقه صلاة الجماعة و الائتمام فقد أكمل خلقها و إن كان انتقص منها شيء كانت له بحسب ما انتقص منها و الله لا يقبلها ناقصة فيضم بعض الصلوات إلى بعض فإن كانت له مائة صلاة و فيها نقص كملت بعضها من بعض و أدخلت على الحق كاملة فتصير المائة صلاة مثلا ثمانين صلاة أو خمسين أو عشرة أو زائدا على ذلك أو ناقصا عنه هكذا هي صلاة الثقلين (وصل) قال الله تعالى أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الله يُسَبِّحُ لَهُ من في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ أي كل هؤلاء قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ الضمير يعود على الله من قوله صلاته أي صلاة الله عليه بنفس وجوده و رحمته به في ذلك و قوله وَ تَسْبِيحَهُ الضمير يعود في تسبيحه على كل أي ما يسبح ربه به و هو صلاته له فوصف الحق نفسه بالصلاة و ما وصف نفسه بالتسبيح فعم بهذه الآية العالم الأعلى و الأسفل و ما بينهما (وصل) من غيرة الله أن تكون لمخلوق على مخلوق منة لتكون المنة لله ما خلق مخلوقا إلا و جعل لمخلوق عليه يدا بوجه ما فإن أراد الفخر مخلوق على مخلوق بما كان منه إليه نكس رأسه ما كان من مخلوق آخر إليه فالعارفون مثل الأنبياء و الرسل و الكمل من العلماء بالله لا يخطر لهم ذلك لمعرفتهم بحقائق الأمور و ما ربط الله به العالم و ما يستحقه جلاله مما ينبغي أن يفرد به و لا يشارك فيه فنصب الأسباب و أوقف الأمور بعضها على بعض و قد قال النبي صلى الله عليه و سلم للأنصار عندما ذكر أن الله قد هداهم به قال لو شئتم أن تقولوا لقلتم وجدناك طريدا فأويناك و ضعيفا فنصرناك الحديث فذكر ما كان منهم في حقه و كان الله قادرا على نصره من غير سبب و لكن فعل ما تقتضيه الحكمة لما جبل عليه من خلقه الله على صورته فقال لرسوله صلى الله عليه و سلم وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ فهذا فخر و يد و منة يتعرض فيها علة و مرض لكن عصم الله نبيه من ذلك فجعل سبحانه في مقابلة هذه العلة دواء كما هي أيضا دواء لما هو لها دواء فقال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ فإن افتخرنا بالصلاة عليه على طريق المنة وجدناه قد صلى علينا حين أمر بذلك و إن تصور في الجواز العقلي أن يمتن بصلاته علينا منعته من ذلك صلاتنا عليه أن يذكر هذا مع كونه السيد الأعظم و لكن لم يترك له سبحانه المنة على خلقه ليكون هو سبحانه المنعم الممتن على عباده بجميع ما هم فيه و ما يكون منهم في حق الله من الوفاء بعهوده فاجعل بالك لما نبهتك عليه فإنه من أسرار المعرفة بالله و بمراتب ما سوى الله إن كنت فطنا (وصل) اعلم أن الله قد ربط إقامة الصلاة بأزمان و هي الأوقات المفروض فيها إقامة الصلوات المفروضات فقال تعالى فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً و ربطها بأماكن و هي المساجد قال تعالى في بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ أي أمر الله أن ترفع حتى تتميز البيوت المنسوبة إلى الله من البيوت المنسوبة إلى المخلوقين و يذكر فيها اسمه بالأذان و الإقامة و التلاوة و الذكر و الموعظة يُسَبِّحُ يقول يصلى لَهُ فِيها أي من أجل أن أمرهم الله بالصلاة فيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ رِجالٌ و لم يذكر النساء لأن الرجل يتضمن المرأة فإن حواء جزء من آدم فاكتفى بذكر الرجال دون النساء تشريفا للرجال و تنبيها على لحوق النساء بالرجال فسمى النساء هنا رجالا فإن درجة الكمال لم تحجر عليهن بل يكملن كما تكمل الرجال و ثبت في الخبر كمال مريم و آسية امرأة فرعون فقال لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ أي لا تشغلهم تجارة وَ لا بَيْعٌ فالتجارة أن يبيع و يشتري معا و البيع أن يبيع فقط فمدحهم بالتجارة و هو البيع و الشراء في أي شيء كان مما أمر الله بالتجارة فيه قال تعالى هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ من عَذابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُجاهِدُونَ في سَبِيلِ الله بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ و قال في البيع إِنَّ الله اشْتَرى من الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ و هو الثمن و جعلها الثمن للحديث الوارد في الخصمين من الظالم و المظلوم إذا أصلح الله بين خلقه يوم القيامة فيأمر الله المظلوم أن يرفع رأسه فينظر إلى عليين فيرى ما يبهره حسنه فيقول يا رب لأي نبي هذا لأي شهيد هذا فيقول الله تعالى لمن أعطاني الثمن قال و من يملك ثم هذا قال أنت بعفوك عن أخيك هذا فيقول يا رب قد عفوت عنه فيقول خذ بيد أخيك فأدخل الجنة و لما أورد رسول الله صلى الله عليه و سلم هذا الحديث تلا فَاتَّقُوا الله وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ فإن الله يصلح بين عباده يوم القيامة فالمؤمن ممدوح في القرآن بالتجارة و البيع فيما ملك بيعه و ما صرح الله فيه بأنه يشترى خاصة فإن التجارة معاوضة و قبض ثمن و البيع بيع ما يملكه و الشراء شراء ما ليس عندك و ما وصف بالشراء في القرآن إلا من أشهدهم الله عن جناية فقال أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَ الْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ و قال إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَ أَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا و السبب في أن المؤمن ما وصفه الله بالشراء فإنه خلقه الله و ملكه جميع ما خلق الله في أرضه الذي هو مسكنه و محله فقال خَلَقَ لَكُمْ ما في الْأَرْضِ جَمِيعاً فجميع ما في الأرض ملكه فما بقي له ما يشتريه و حجر عليه الضلالة و هي صفة عدمية فإنها عين الباطن و هو عدم و لم يأمرنا الله باتباعه فإنه من العدم خرجنا إلى الوجود فلا نطلب ما خرجنا منه هذا تحقيقه لأنه خلقنا لنعبده فإذا اشترينا الضلالة بالهدى فقد اخترنا العدم على الوجود و الباطل على الحق الذي خلقنا له فلم يصف المؤمن بالشراء و مما ملكه الله ما هو مباح له و ما هو واجب عليه إن لا يخرجه و لا يبيعه و هي الواجبات و الفرائض فيبيع صنف المباحات بالواجبات فلهذا شرع له البيع فيما أبيح له بيعه فالمؤمن الكيس الفطن ينظر الوقت الذي يكون فيه بحكم الإباحة يقول ما لي ربح في هذا الملك و الدنيا دار تجارة فلنبع هذا المباح بواجب فهو أولى بي و لا نخسر وقتي فيكون في فرجة مع إخوانه فيقول يا رب أحب أن أبيع هذا المباح بواجب فيقول الله له ذلك إليك فيبيع الفرجة بالاعتبار فيما يعطيه ذلك المكان من الحسن و الجمال من الدلالة على الله عز و جل فيفكر في حسن خلق الله و كماله و جماله فتكون فرجته أتم و أفرح لقلبه و ليس من المباح في شيء فإنه قد باعه بهذا الواجب فاعتبر الحق جانب البيع و لم يعتبر فيحق المؤمن جانب الابتياع فكان المؤمن ملك حلة الإباحة و حلة الوجوب فخلع عن نفسه حلة الإباحة و ليس حلة الوجوب و كلاهما له فسمى خلعه لها بيعا و ما سمي لباسه للوجوب شراء فإنها ملكه و رحله و متاعه و الإنسان لا يشتري ما يملكه و لما حجر الله الضلال على خلقه و رجح من رجح منهم الضلال على الهدى اشتروا الضلالة فإنهم لم يكونوا يملكونها بالهدى الذي ملكهم الله إياه فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ في ذلك الشراء لأن الله ما شرع لعباده الشراءثم قال تعالى بعد قوله وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله أي لا يلهيهم شيء عن ذكر الله حين سمعوا المؤذن في هذا البيت يدعوا إلى الله و هو حاجب الباب فقال لهم حي على الصلاة أي أقبلوا على مناجاة ربكم فإنه قد تجلى لكم في صدر بيته و هي القبلة فإن الله في قبلة العبد فبادر أهل الله من بيعهم و تجارتهم المعلومة في الدنيا إلى هذا الذكر عند ما سمعوه فأقاموا الصلاة أي أتموا نشأتها حين أنشئوها بحسن الائتمام بإمامهم و حسن الركوع و السجود و ما تتضمنه من ذكر الله الذي هو أكبر ما فيها كما أخبر الله تعالى فقال إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ بسبب تكبيرة الإحرام فإنه حرم عليه التصرف في غير الصلاة ما دام في الصلاة فذلك الإحرام نهاه عن الفحشاء و المنكر فانتهى فصح له أجر من عمل بأمر الله و طاعته و أجر من انتهى عن محارم الله في نفس الصلاة و إن كان لم ينو ذلك و انظر ما أشرف الصلاة كيف أعطت هذه المسألة العجيبة و هي أن الإنسان إذا تصرف في واجب فإن له ثواب من تصرف في واجب و يتضمن شغله بذلك الواجب عدم التفرغ لما نهي عنه أن يأتيه من الفحشاء و المنكر فيكون له ثواب من نوى أن لا يفعل فحشاء و لا منكرا فإن أكثر الناس تاركون ما لهم هذا النظر لعدم الحضور باستحضار الأولى و لو لم يكن الأمر كذلك لما أعطى فائدة في قوله إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ و الصلاة فعل العبد فهو بصلاته ممن ينهى عن الفحشاء و المنكر فيكون له بالصلاة أجر من ينهى عن الفحشاء و المنكر و هو لم يتكلم فله أجر عبادتين أجر الصلاة و هي عبادة و أجر النهي عن الفحشاء و هو عبادة و قليل من أصحابنا من يجعل ذهنه في عباداته إلى أمثال هذه المراقبات في التعريف الإلهي على لسان الشارع في الكتاب و السنة ثم قال وَ لَذِكْرُ الله أَكْبَرُ يعني فيها فهو أكبر من جملة أفعالها فإنها تشتمل على أقوال و أفعال فقال و لذكر الله في الصلاة أكبر أحوال الصلاة و ما كل أقوال الصلاة ذكر فإن فيها الدعاء و قد فرق الحق بين الذكر و الدعاء فقال من شغله ذكري عن مسألتي و هي الدعاء فما هو الذكر هنا الذكر الخارج عن الصلاة حتى ترجحه على الصلاة إنما هو الذكر الذي في الصلاة فهذا من ربط الصلاة بالمكان و الحال و من أحوال إقامة الصلاة فيمن أمر غيره بالبر و نسي نفسه توبيخ الله من هذه صفته و جعله إياه بمنزلة من لا عقل له فقال أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ و البر من جملة أحوال الصلاة فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول أقرت الصلاة بالبر و السكينة ثم أمر من هذه صفته أن يستعين بالصبر و الصلاة يعني بالصبر على الصلاة فقدم حبس النفس عليها فإن الله يقول وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها فأنث يريد الصلاة و أما قوله وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ فإنكم تجدون فيه قوله كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ في أثر قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ و هذه حالة من أمر بالبر غيره و نسي نفسه أَ فَلا تَعْقِلُونَ يقول أما لكم عقول تنظرون بها قبيح ما أنتم عليه ثم ذكر الخشوع للصلاة فقال وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ فإن الخشوع لله لا يكون إلا عن تجل إلهي و الصلاة مناجاة فلا بد من تجل إن رأيته خاشعا و إن لم يخشع في صلاته فما صلى فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد جعل التجلي الإلهي سببا لوجود الخشوع في القلب و لا سيما في الصلاة و التجلي لأكثر الناس إما بالحضور و هو لأفراد و إما بالاستحضار الخيالي و هو الغالب في عموم الخواص فإن الله في قبلة المصلي و أما خشوع الأكابر الذين التحقوا بالملإ الأعلى فخشوعهم عن التجلي الحقيقي فهم في صلاتهم دائمون و إن أكلوا و شربوا و نكحوا و اتجروا فأمرهم الله تعالى إذا كانوا في مثل هذه الحال أن يستعينوا بالصلاة و الصبر عليها فإن المصلي يناجي ربه فإذا حصل العبد في محل المناجاة مع ربه دائما استلزمه الحياء من الله فلا يتمكن له أن يأمر أحدا ببر و ينسى نفسه منه بل يبتدئ بنفسه و البر هو الإحسان و الخير و من جملة ذلك أن يكون محتاجا للقمة يأكلها و يرى غيره محتاجا إليها و الحاجة على السواء فيعطي غيرهو ينسى نفسه و قد قال له ربه ابدأ بنفسك و شرع له ذلك حتى في الدعاء إذا دعا الله لأحد أن يبدأ بنفسه أحق و غذاء الأرواح الطاعات فهي محتاجة إليها و من جملة طاعاتها الأمر بالطاعات فيقوم هذا الغافل القليل الحياء من الله فيأمر غيره بالبر و هو على الفجور و ينسى نفسه فلا يأمرها بذلك فهو بمنزلة من يغذى غيره و يترك نفسه و هو في غاية الحاجة إلى ذلك الغذاء و نفسه أوجب عليه من ذلك الغير و السبب في ذلك ما أبينه لك إن شاء الله (وصل) و ذلك أن جميع الخيرات صدقة على النفوس أي خير كان حسا و معنى فينبغي للمؤمن أن يتصرف في ذلك بشرع ربه لا بهواه فإنه عبد مأمور تحت أمر سيده فإن تعدى شرع ربه في ذلك لم يبق له تصرف إلا هوى نفسه فسقط عن تلك الدرجة العلية إلى ما هو دونها عند العامة من المؤمنين و أما عند العارفين فهو عاص فإذا خرج الإنسان بصدقته فأول محتاج يلقاه نفسه قبل كل نفسه محتاجة و هو إنما أخرج الصدقة للمحتاجين فإن تعدى أول محتاج فذلك لهواه لا لله فإن الله قال له ابدأ بنفسك و هي أول من يلقاه من أهل الحاجة و قد شرع له في الإحسان أن يبدأ بالجار الأقرب فالأقرب فإن رجح إلا بعد في الجيران على الأقرب مع التساوي في الحاجة فقد اتبع هواه و ما وقف عند حد ربه و هذا سار في جميع أفعال البر و سبب ذلك الغفلة عن الله تعالى فأمر بالصفة التي تحضره مع الله و هي الصلاة (وصل) و من تأثير الصلاة بالحال قول الله للمؤمنين فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ فأمرهم بالذكر و الشكر أمرهم أن يستعينوا على ذلك بالصبر و الصلاة و أخبرهم إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ عليها و على كل مشقة ترضي الله مما كلف عباده بها لأن الصبر من المقامات المشروطة بالمشقات و المكاره و الشدائد المعنوية و الحسية و جعل الصبر هنا لما ذكرناه و للتطابق في قوله وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ و الشكر من المقامات المشروطة بالنعماء و المحبة ليس للبلاء في الشكر دخول و لا للصبر في النعم دخول كما يراه من لا معرفة له بحقائق الأمور فالصلاة هنا و الصبر عليها و هو الدوام و الثبات و حبس النفس عليها مؤثرة في الذكر و الشكر فالصبر هنا هو قوله وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها فلذلك ذكر الصبر مع الصلاة فكما يؤثر الصبر على الذكر و الشكر في الذكر و الشكر كذلك يؤثر في الصلاة سواء و تؤثر الصلاة من حيث الصبر عليها في الذكر و الشكر و من حيث هي صلاة و ذلك أن الصلاة مناجاة بين الله و بين عبده فإذا ناجى العبد ربه فأولى ما يناجيه به من الكلام كلامه الذي شرع له أن يناجيه به و هو قراءة القرآن في أحوال الصلاة من قيام و هو قراءة الفاتحة و ما تيسر معها من كلامه و من ركوع و هو قوله تعالى فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ في ركوعه فهو ذاكر ربه في صلاته بكلامه المنزل و كذلك في سجوده يقول سبحان ربي الأعلى فإنه لما نزل قوله سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال رسول الله صلى الله عليه و سلم اجعلوها في سجودكم فأمرنا الله بذكره و شكره و الفاتحة تجمع الذكر و الشكر و هي التي يقرأها المصلي في قيامه فالشكر فيها قوله الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ و هو عين الذكر بالشكر إلى كل ذكر فيها و في سائر الصلاة فذكر الله في حال الصلاة و شكره أعظم و أفضل من ذكره سبحانه و شكره في غير الصلاة فإن الصلاة خير موضوع العبادات و قد أثرت هذه الصلاة في الذكر هذا الفضل و هو يعود على الذاكر و ينبغي لكل من أراد أن يذكر الله تعالى و يشكره باللسان و العمل أن يكون مصليا و ذاكرا بكل ذكر نزل في القرآن لا في غيره و ينوي بذلك الذكر و الدعاء الذي في القرآن ليخرج عن العهدة فإنه من ذكره بكلامه فقد خرج عن العهدة فيما ينسب في ذلك الذكر إلى الله و ليكون في حال ذكره تاليا لكلامه فيقول من التسبيحات ما في القرآن و من التحميدات ما في القرآن و من الأدعية ما في القرآن فتقع المطابقة بين ذكر العبد بالقرآن لأنه كلام الله و بين ذكر الله إياه في قوله أذكركم فيذكر الله الذاكر له أيضا و ذكره كلامه فتكون المناسبة بين الذكرين فإذا ذكره بذكر يخترعه لم تكن تلك المناسبة بين كلام الله في ذكره للعبد و بين ذكر العبد فإن العبد هنا ما ذكره بما جاء في القرآن و لا نواه و إن صادفه باللفظ و لكن هو غير مقصود ثم إن هذا الذكر بالقرآن جاء في الصلاة فالتحقق بالأذكار الواجبة و الأذكار الواجبة عند الله أفضل فإن العبد مأمور بقراءة الفاتحة في الصلاة و لهذا أوجبها من أوجبها من العلماء و كذلك العبد مأمور بالتسبيح في الركوع و السجود بما نزل في القرآن و هو قوله صلى الله عليه و سلم اجعلوها في ركوعكم و اجعلوها في سجودكم فأمر و المصلي مأمورأن يسبح الله ثلاثة فما زاد في ركوعه بما أمر به و في سجوده ثلاثة فما زاد بما أمر به و ذلك أدناه و أمره محمول على الوجوب و لهذا رأى بعض العلماء و هو إسحاق بن إبراهيم بن راهويه أن ذلك واجب و أنه من لم يسبح ثلاث مرات في ركوعه و سجوده لم تجز صلاته و قال الله تعالى استعينوا على ذكري و شكري بالصبر و الصلاة فلو لا ما علم الحق أن الصلاة معينة للعبد لما أمره بها فأنزلها منزلة نفسه فإن الله قال للعبد قل وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يعني في عبادتك فجعل للعبد أن يستعين بربه و أمره أن يستعين في ذكره و شكره بالصلاة فأنزل الصلاة منزلة نفسه و في معونة العبد على ذكره و شكره و ناهيك يا ولي الله من حالة و صفة و حركات و فعل أنزله الحق في أعظم الأشياء و هو ذكر الله منزلة نفسه فكأنه من دخل في الصلاة فقد التبس بالحق و الحق هو النور و لهذا قال الصلاة نور فأنزلها منزلة نفسه قال صلى الله عليه و سلم و جعلت قرة عيني في الصلاة و قرة عيني ما تسر به عند الرؤية و المشاهدة فالمصلي متلبس في صلاته بالحق مشاهد له مناج فجمعت الصلاة بين هذه الثلاثة الأحوال و كذلك قوله في هذه الآية وَ اشْكُرُوا لِي يقال شكرته و شكرت له فشكرته نص في أنه المشكور عينه و قوله و شكرت له فيه وجهان الوجه الواحد أن يكون مثل شكرته و الوجه الثاني أن يكون الشكر من أجله فإذا كان الشكر من أجله يقول له سبحانه اشكر من أولاك نعمة من عبادي من أجلي ليكون شكره للسبب عين شكره لله فإنه شكره عن أمره و جعل المنعم هنا نائبا عن ربه و طاعة النائب طاعة من استخلفه من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله فلهذا قال سبحانه وَ اشْكُرُوا لِي و لم يقل و اشكروني ليعم الحالتين و قال في الوجهين اسْتَعِينُوا في ذلك بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ كما أمر بالمعونة فيما يوجب الشكر و هو الإحسان بالإنعام فقال وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ و هو الإحسان بالإنعام وَ التَّقْوى أي اجعلوا ذلك وقاية و هي مناسبة للصلاة فإن الصلاة وقاية عن الفحشاء و المنكر ما دام العبد متلبسا بها فإن الله سمي نفسه بالواقي و الصلاة واقية و العبد متلبس بصلاته و هي وقاية مما ذكرناه و الله هو الواقي فانظر ما أشرف حال الصلاة لمن نظر و استبصر فالسعيد من ثابر عليها و حافظ و داوم و من شرفها أن الله ما علق الوعيد إلا بمن سها عنها لا فيها فقال فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ و لم يقل في صلاتهم فإن العبد في صلاته بين مناج و مشاهد فقد يسهو عن مناجاته لاستغراقه في مشاهدته و قد يسهو عن مشاهدته لاستغراقه في مناجاته مما يناجيه به من كلامه و لما كان كلامه سبحانه مخبرا عما يجب له من صفات التنزيه و الثناء و مخبرا عما يتعلق بالأكوان من أحكام و قصص و حكايات و وعد و وعيد جال الخاطر في الأكوان لدلالة الكلام عليها و هو مأمور بالتدبر في التلاوة فربما استرسل في ذلك الكون لمشاهدته إياه فيه فيخرج من كون ذلك الكون مذكورا في القرآن إلى عينه خاصة لا من كونه مذكورا لله على الحد الذي أخبر به عنه فيسمى مثل هذا إذا أثر شكا له في صلاته فلا يدري ما مضى من صلاته فشرع إن يسجد سجدتي سهو يرغم بهما الشيطان و يجبر بهما النقصان و يشفع بهما الرجحان فتتضاعف صلاته فيتضاعف الأجر و ذلك في النفل و الفرض سواء و ما توعد الله بمكروه من سها في صلاته فمن تنبه لما ذكرناه و أومأنا إليه يعلم فضل الله و رحمته بعباده و الناس عن مثل هذا غافلون فلا يعرف شرف العبادات إلا عباد الله الذين ليس للشيطان عليهم سلطان و لا برهان جعلنا الله و إياكم ممن صبر و صلى و سبق و ما صلى بمنه و يمنه