قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب السبعون في أسرار الزكاة) (بخش ۱)

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
أخت الصلاة هي الزكاة فلا تقسالنص في هذي و تلك على السواء
قامت على التثمين نشأتها لذاحملت على التقسيم عرش الاستوا
و لذاك تقسم في ثمانية من الأصنافشرعا و هو حكم من استوى‏
جاء الكتاب بذكرهم و صفاتهمو على مقامهم العلى قد احتوى‏
فزكت بها أموالهم و ذواتهمو تقدست بصلاة من أخذ اللوا
ذاك النبي محمد خير الورىفي جنسه و له العلو على السوي‏
نال المحبة من عنايته فمايشكو القطيعة و الصبابة و الجوى‏

قال الله تعالى آمرا عباده وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ أَقْرِضُوا الله قَرْضاً حَسَناً و القرض هنا صدقة التطوع فوردو لهذا سماها الله صدقة أي هي أمر شديد على النفس تقول العرب رمح صدق أي صلب شديد قوي أي تجد النفس لإخراج هذا المال لله شدة و حرجا كما قال ثعلبة بن حاطب‏ (وصل مؤيد) قال تعالى في حق ثعلبة بن حاطب وَ مِنْهُمْ من عاهَدَ الله لَئِنْ آتانا من فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَ لَنَكُونَنَّ من الصَّالِحِينَ و ما أخبر الله تعالى عنه أنه قال إن شاء الله فلو قال إن شاء الله لفعل ثم قال تعالى في حقه فَلَمَّا آتاهُمْ من فَضْلِهِ بَخِلُوا به وَ تَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ و ذلك أن الله لما فرض الزكاة جاء مصدق رسول الله صلى الله عليه و سلم يطلب منه زكاة غنمه فقال هذه أخية الجزية و امتنع فأخبر الله فيه بما قال فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً في قُلُوبِهِمْ إِلى‏ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا الله ما وَعَدُوهُ وَ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ‏ فلما بلغه ما أنزل الله فيه جاء بزكاته إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فامتنع رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يأخذها منه و لم يقبل صدقته إلى أن مات صلى الله عليه و سلم‏ و سبب امتناعه صلى الله عليه و سلم من قبول صدقته أن الله أخبر عنه أنه يلقاه منافقا و الصدقة إذا أخذها النبي منه صلى الله عليه و سلم طهره بها و زكاه و صلى عليه كما أمره الله و أخبر الله أن صلاته سكن للمتصدق يسكن إليها و هذه صفات كلها تناقض النفاق و ما يجده المنافق عند الله فلم يتمكن لهذه الشروط أن يأخذ منه رسول الله صلى الله عليه و سلم الصدقة لما جاءه بها بعد قوله ما قال و امتنع أيضا بعد موت رسول الله صلى الله عليه و سلم عن أخذها منه أبو بكر و عمر لما جاء بها إليهما في زمان خلافتهما فلما ولي عثمان بن عفان الخلافة جاءه بها فأخذها منه متأولا أنها حق الأصناف الذين أوجب الله لهم هذا القدر في عين هذا المال‏ و هذا الفعل من عثمان من جملة ما انتقد عليه و ينبغي أن لا ينتقد على المجتهد حكم ما أداه إليه اجتهاده فإن الشرع قد قرر حكم المجتهد و رسول الله صلى الله عليه و سلم ما نهى أحدا من أمرائه أن يأخذ من هذا الشخص صدقته و قد ورد الأمر الإلهي بإيتاء الزكاة و حكم رسول الله صلى الله عليه و سلم في مثل هذا قد يفارق حكم غيره فإنه قد يختص رسول الله صلى الله عليه و سلم بأمور لا تكون لغيره لخصوص وصف إما تقتضيه النبوة مطلقا أو نبوته صلى الله عليه و سلم فإن الله يقول لنبيه صلى الله عليه و سلم في أخذ الصدقة تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها و ما قال يتطهرون و لا يتزكون بها فقد يكون هذا من خصوص وصفه و هو رءوف رحيم بأمته فلو لا ما علم أن أخذه يطهره و يزكيه بها و قد أخبره الله أن ثعلبة بن حاطب يلقاه منافقا فامتنع أدبا مع الله‏ فمن شاء وقف لوقوفه صلى الله عليه و سلم كأبي بكر و عمر و من شاء لم يقف كعثمان لأمر الله بها العام و ما لم يلزم غير النبي صلى الله عليه و سلم أن يطهر و يزكي مؤدي الزكاة بها و الخليفة فيها إنما هو وكيل من عينت له هذه الزكاة أعني الأصناف الذين يستحقونها إذ كان رسول الله صلى الله عليه و سلم ما نهى أحدا و لا أمره فيما توقف فيه و اجتنبه فساغ الاجتهاد و راعى كل مجتهد الدليل الذي أداه إليه اجتهاده فمن خطأ مجتهدا فما وفاه حقه و إن المخطئ و المصيب منهم واحد لا بعينه‏ (وصل) اعلم أن الله تعالى لما قال الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ كان ذلك قبل فرض الزكاة التي فرض الله على عباده في أموالهم فلما فرض الله الزكاة على عباده المؤمنين طهر الله بها أموالهم و زال بأدائها اسم البخل من مؤديها فإنه قال فيمن أنزلت الزكاة من أجله فَلَمَّا آتاهُمْ من فَضْلِهِ بَخِلُوا به وَ تَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ فوصفهم بعدم قبول حكم الله فأطلق عليهم صفة البخل لمنعهم ما أوجب الله عليهم في أموالهم ثم فسر العذاب الأليم بما هو الحال عليه فقال تعالى يَوْمَ يُحْمى‏ عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى‏ بِها جِباهُهُمْ‏ و ذلك أن السائل إذا رآه صاحب المال مقبلا إليه انقبضت أسارير جبينه لعلمه أنه يسأله من ماله فتكوى جبهته فإن السائل يعرف ذلك في وجهه ثم إن المسئول يتغافل عن السائل و يعطيه جانبه كأنه ما عنده خبر منه فيكوي بها جنبه فإذا علم من السائل أنه يقصده و لا بد أعطاه ظهره و انصرف فأخبر الله أنه تكوى بها ظهورهم فهذا حكم مانعي الزكاة أعني زكاة الذهب و الفضة و أما زكاة الغنم و البقر و الإبل فأمر آخر كما ورد في النص أنه يبطح لها بقاع قرقر فتنطحه بقرونها و تطأه بأظلافها و تعضه بأفواهها فلهذا خص الجباة و الجنوب و الظهور بالذكر في الكي و الله أعلم بما أراد فأنزل الله الزكاة كما قلنا طهارة للأموال و إنما اشتدت على الغافلين الجهلاء لكونهم اعتقدوا أن الذي عين لهؤلاء الأصناف ملك لهم و أن ذلك من أموالهم و ما علموا إن ذلك المعي ذما هو لهم و إنه في أموالهم لا من أموالهم فلا يتعين لهم إلا بالإخراج فإذا ميزوه حين ذلك يعرفون أنه لم يكن من مالهم و إنما كان في مالهم مدرجا هذا هو التحقيق و كانوا يعتقدون أن كل ما بأيديهم هو مالهم و ملك لهم فلما أخبر الله أن لقوم في أموالهم حقا يؤدونه و ما له سبب ظاهر تركن النفس إليه لا من دين و لا من بيع إلا ما ذكر الله تعالى من ادخار ذلك له ثوابا إلى الآخرة شق ذلك على النفوس للمشاركة في الأموال‏ و لما علم الله هذا منهم في جبلة نفوسهم أخرج ذلك القدر من الأموال من أيديهم بل أخرج جميع الأموال من أيديهم فقال تعالى وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ أي هذا المال ما لكم منه إلا ما تنفقون منه و هو التصرف فيه كصورة الوكلاء و المال لله و ما تبخلون به فإنكم تبخلون بما لا تملكون لكونكم فيه خلفاء و على ما بأيديكم منه أمناء فنبههم بأنهم مستخلفون فيه و ذلك لتسهل عليهم الصدقات رحمة بهم يقول الله كما أمرناكم أن تنفقوا مما أنتم مستخلفون فيه من الأموال أمرنا رسولنا و نوابنا فيكم أن يأخذوا من هذه الأموال التي لنا بأيديكم مقدارا معلوما سميناه زكاة يعود خيرها عليكم فما تصرف نوابنا فيما هو لكم ملك و إنما تصرفوا فيما أنتم فيه مستخلفون كما أيضا أبحنا لكم التصرف فيه فلما ذا يصعب عليكم فالمؤمن لا مال له و له المال كله عاجلا و آجلا فقد أعلمتك أن الزكاة من حيث ما هي صدقة شديدة على النفس فإذا أخرج الإنسان الصدقة تضاعف له الأجر فإن له أجر المشقة و أجر الإخراج و إن أخرجها عن غير مشقة فهذا فوق تضاعف الأجر بما لا يقاس و لا يحد كما ورد في الماهر بالقرآن أنه ملحق بالملائكة السفرة الكرام و الذي يتتعتع عليه القرآن يضاعف له الأجر للمشقة التي ينالها في تحصيله و درسه فله أجر المشقة و أجر التلاوة و الزكاة بمعنى التطهير و التقديس فلما أزال الله عن معطيها من إطلاق اسم البخل و الشح عليه فلا حكم للبخل و الشح فيه و بما في الزكاة من النمو و البركة سميت زكاة لأن الله يربيها كما قال وَ يُرْبِي الصَّدَقاتِ فتزكوا فاختصت بهذا الاسم لوجود معناه فيها ففي الزكاة البركة في المال و طهارة النفس و الصلابة في دين الله و من أوتي هذه الصفات فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً و أما قوله فيها إن تقرضه قرضا حسنا فالحسن في العمل أن تشهد الله فيه فإنه من الإحسان و بهذا فسر الإحسان رسول الله صلى الله عليه و سلم حين سأله عنه جبريل عليه السلام و ذلك إن تعلم أن المال مال الله و إن ملك إياه بتمليك الله و بعد التمليك نزل إليك في ألطافه إلى باب المقارضة يقول لك لا يغيب عنك طلبي منك القرض في هذا المال من أن تعرف أن هذا المال هو عين مالي ما هو لك فكما لا يعز عليك و لا يصعب إذا رأيت أحدا يتصرف في ماله كيف شاء كذلك لا يعز عليك و لا يصعب ما أطلبه منك مما جعلتك مستخلفا فيه لعلمك بأني ما طلبت منك إلا ما أمنتك عليه لأعطيه من أشاء من عبادي فإن هذا القدر من الزكاة ما أعطيته قط لك بل أمنتك عليه و الأمين لا يصعب عليه أداء الأمانة إلى أهلها فإذا جاءك المصدق الذي هو رسول رب الأمانة و وكيلها أد إليه أمانته عن طيب نفس فهذا هو القرض الحسن‏ فإن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإنك إذا رأيته علمت أن المال ماله و العبد عبده و التصرف له و لا مكره له و تعلم أن هذه الأشياء إذا عملتها لا يعود على الله منها نفع و إذا أنت لم تعملها لا يتضرر بذلك و إن الكل يعود عليك فالزم الأحسن إليك تكن محسنا إلى نفسك و إذا كنت محسنا كنت متقيا أذى شح نفسك فجمع لك هذا الفعل الإحسان و التقوى فيكون الله معك ف إِنَّ الله مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ و من المتقين من يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ بأداء زكاته و من المحسنين من يعبدني كأنه يراني و يشهدني و من شهوده إياي علمه أني ما كلفته التصرف إلا فيما هو لي و تعود منفعته عليه منة و فضلا مع الثناء الحسن له على ذلك وَ الله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ‏ (وصل إيضاح) و اعلم أن الله فرض الزكاة في الأموال أي اقتطعها منها و قال لرب المال هذا القدر الذي عينته بالفرض من المال ما هو لك بل أنت أمين عليه فالزكاة لا يملكها رب المال ثم إن الله تعالى أنزل نفوسنا منا منزلة الأموال منا في الحكم فجعل فيها الزكاة كما جعلها في الأموال فكما أمرنا بزكاة الأموال قال لنا في النفوس قَدْ أَفْلَحَ من زَكَّاها كما أفلح من زكى ماله كما ألحقها بالأموال في البيع و الشراء فقال إِنَّ الله اشْتَرى‏ من الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ فجعل الشراء و البيع في النفوس و الأموال و في هذه الآية مسألة فقهية كذلك جعل الزكاة في الأموال و النفوس فزكاة الأموال معلومة كما سنذكرها في هذا الباب على التفصيل إن شاءالله‏ و زكاة النفوس بوجه أبينه لك إن شاء الله أيضا على الأصل الذي ذكرناه أن الزكاة حق الله في المال و النفس ما هو حق لرب المال و النفس فنظرنا في النفس ما هو لها فلا تكليف عليها فيه بزكاة و ما هو حق الله فتلك الزكاة فيعطيه لله من هذه النفس لتكون من المفلحين بقوله قَدْ أَفْلَحَ من زَكَّاها و من يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏ فإذا نظرنا إلى عين النفس من حيث عينها قلنا ممكنة لذاتها لا زكاة عليها في ذلك فإن الله لا حق له في الإمكان يتعالى الله علوا كبيرا فإنه تعالى واجب الوجود لذاته غير ممكن بوجه من الوجوه و وجدنا هذه النفس قد اتصفت بالوجود قلنا هذا الوجود الذي اتصفت به النفس هل اتصفت به لذاتها أم لا فرأينا إن وجودها ما هو عين ذاتها و لا اتصفت به لذاتها فنظرنا لمن هو فوجدناه لله كما وجدنا القدر المعين في مال زيد المسمى زكاة ليس هو بمال لزيد و إنما هو أمانة عنده‏ كذلك الوجود الذي اتصفت به النفس ما هو لها إنما هو لله الذي أوجدها فالوجود لله لا لها و وجود الله لا وجودها فقلنا لهذه النفس هذا الوجود الذي أنت متصفة به ما هو لك و إنما هو لله خلعه عليك فأخرجه لله و أضفه إلى صاحبه و أبق أنت على إمكانك لا تبرح فيه فإنه لا ينقصك شي‏ء مما هو لك و أنت إذا فعلت هذا كان لك من الثواب عند الله ثواب العلماء بالله و نلت منزلة لا يقدر قدرها إلا الله و هو الفلاح الذي هو البقاء فيبقى الله هذا الوجود لك لا يأخذه منك أبدا فهذا معنى قوله قَدْ أَفْلَحَ من زَكَّاها أي قد أبقاها موجودة من زكاها وجود فوز من الشر أي من علم إن وجوده لله أبقى الله عليه هذه الخلعة يتزين بها منعما دائما و هو بقاء خاص ببقاء الله فإن الخائب الذي دساها هو أيضا باق و لكن بإبقاء الله لا ببقاء الله فإن المشرك الذي هو من أهل النار ما يرى تخليص وجوده لله تعالى من أجل الشريك و كذلك المعطل و إنما قلنا ذلك لئلا يتخيل من لا علم له أن المشرك و المعطل قد أبقى الله الوجود عليهما فبينا أن إبقاء الوجود على المفلحين ليس على وجه إبقائه على أهل النار و لهذا وصف الله أهل النار بأنهم لا يموتون فيها و لا يحيون بخلاف صفة أهل السعادة فإنهم في الحياة الدائمة و كم بين من هو باق ببقاء الله و موجود بوجود الله و بين من هو باق بإبقاء الله و موجود بالإيجاد لا بالوجود و بهذا فاز العارفون لأنهم عرفوا من هو المستحق لنعت الوجود و هو الذي استفادوه من الحق فهذا معنى قوله قَدْ أَفْلَحَ من زَكَّاها فوجبت الزكاة في النفوس كما وجبت في الأموال و وقع فيها البيع و الشراء كما وقع في الأموال و سيرد طرف من هذا الفصل عند ذكرنا في هذا الباب في الرقيق و ما حكمه و لما ذا لم تلحق النفس بالرقيق فتسقط فيه الزكاة و إن كان الرقيق يلحق بالأموال من جهة ما كما سنذكره إن شاء الله في داخل هذا الباب كما سأذكر أيضا فيما تجب فيه الزكاة من الإنسان بعدد ما تجب فيه من أصناف المال في فصله إن شاء الله من هذا الباب‏ (وصل) و أما قوله تعالى فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى‏ أي أن الله لا يقبل زكاة نفس من أضاف نفسه إليه فإنه قال فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ فأضافها إليكم أي إذا رأيتم أن أنفسكم لكم لا لي و الزكاة إنما هي حقي و أنتم أمناء عليها فإذا دعيتم فيها فتزعمون أنكم أعطيتموني ما هو لكم و إني سألتكم ما ليس لي و الأمر على خلاف ذلك فمن كان بهذه المثابة من العطاء فلا يزكي نفسه فإني ما طلبت إلا ما هو لي لا لكم حتى تلقوني فينكشف الغطاء في الدار الآخرة فتعلمون في ذلك الوقت هل كانت نفوسكم التي أوجبت الزكاة فيها لي أو لكم حيث لا ينفعكم علمكم بذلك و لهذا قال فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ فأضاف النفوس إليكم و هي له‏ أ لا ترى عيسى عليه السلام كيف أضاف نفسه إليه من وجه ما هي له و أضافها إلى الله من وجه ما هي لله فقال تَعْلَمُ ما في نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما في نَفْسِكَ فأضافها إلى الله أي نفسي هو نفسك و ملكك فإنك اشتريتها و ما هي في ملكي فأنت أعلم بما جعلت فيها و أضاف نفسه إليه فإنها من حيث عينها هي له و من حيث وجودها هي لله لا له فقال تَعْلَمُ ما في نَفْسِي من حيث عينها و لا أعلم ما في نفسك من حيث وجودها و هو من حيث ما هي لك و النفس‏ و إن كانت واحدة اختلفت الإضافات لاختلاف النسب فلا بعارض قوله فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ما ذكرناه من قوله قَدْ أَفْلَحَ من زَكَّاها فإن أنفسكم هنا يعني أمثالكم‏ قال النبي صلى الله عليه و سلم لا أزكي على الله أحدا و سيرد الكلام إن شاء الله في هذا الباب في وجوب الزكاة و على من تجب و فيما تجب فيه و في كم تجب و من كم تجب و متى تجب و متى لا تجب و لمن تجب و كم يجب له من تجب له باعتبارات ذلك كله في الباطن بعد أن نقررها في الظاهر بلسان الحكم المشروع كما فعلنا في الصلاة لنجمع بين الظاهر و الباطن لكمال النشأة فإنه ما يظهر في العالم صورة من أحد من‏خلق الله بأي سبب ظهرت من أشكال و غيرها إلا و لتلك العين الحادثة في الحس روح تصحب تلك الصورة و الشكل الذي ظهر فإن الله هو الموجد على الحقيقة لتلك الصورة بنيابة كون من أكوانه من ملك أو جن أو إنس أو حيوان أو نبات أو جماد و هذه هي الأسباب كلها لوجود تلك الصورة في الحس فلما علمنا أن الله قد ربط بكل صورة حسية روحا معنويا بتوجه إلهي عن حكم اسم رباني لهذا اعتبرنا خطاب الشارع في الباطن على حكم ما هو في الظاهر قد ما بقدم لأن الظاهر منه هو صورته الحسية و الروح الإلهي المعنوي في تلك الصورة هو الذي نسميه الاعتبار في الباطن من عبرت الوادي إذا جزته و هو قوله تعالى إِنَّ في ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ و قال فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ أي جوزوا مما رأيتموه من الصور بأبصاركم إلى ما تعطيه تلك الصور من المعاني و الأرواح في بواطنكم فتدركونها ببصائركم و أمر و حث على الاعتبار و هذا باب أغفله العلماء و لا سيما أهل الجود على الظاهر فليس عندهم من الاعتبار إلا التعجب فلا فرق بين عقولهم و عقول الصبيان و الصغار فهؤلاء ما عبروا قط من تلك الصورة الظاهرة كما أمرهم الله و الله يرزقنا الإصابة في النطق و الإخبار عما أشهدناه و علمناه من الحق علم كشف و شهود و ذوق فإن العبارة عن ذلك فتح من الله تأتي بحكم المطابقة و كم من شخص لا يقدر أن يعبر عما في نفسه و كم من شخص تفسد عبارته صحة ما في نفسه و الله الموفق لا رب غيره‏ و اعلم أنه لما كان معنى الزكاة التطهير كما قال تعالى تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بها كان لها من الأسماء الإلهية الاسم القدوس و هو الطاهر و ما في معناه من الأسماء الإلهية و لما لم يكن المال الذي يخرج في الصدقة من جملة مال المخاطب بالزكاة و كان بيده أمانة لأصحابه لم يستحقه غير صاحبه و إن كان عند هذا الآخر و لكنه هو عنده بطريق الأمانة إلى أن يؤديه إلى أهله كذلك في زكاة النفوس فإن النفوس لها صفات تستحقها و هي كل صفة يستحقها الممكن و قد يوصف الإنسان بصفات لا يستحقها الممكن من حيث ما هو ممكن و لكن يستحق تلك الصفات الله إذا وصف بها ليميزها عن صفاته التي يستحقها كما إن الحق سبحانه وصف نفسه بما هو حق للممكن تنزلا منه سبحانه و رحمة بعباده‏ فزكاة نفسك إخراج حق الله منها فهو تطهيرها بذلك الإخراج من الصفات التي ليست بحق لها فتأخذ مالك منه و تعطي ماله منك و إن كان كما قال تعالى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً و هو الصحيح فإن نسبتنا منه نسبة الصفات عند الأشاعرة منه فكل ما سوى الله فهو لله بالله إذ لا يستحق أن يكون له إلا ما هو منه قال صلى الله عليه و سلم مولى القوم منهم و هي إشارة بديعة فإنها كلمة تقتضي غاية الوصلة حتى لا يقال إلا أنه هو و تقتضي غاية البعد حتى لا يقال إنه هو إذ ما هو منك فلا يضاف إليك فإن الشي‏ء لا يضاف إلى نفسه لعدم المغايرة فهذا غاية الوصلة و ما يضاف إليك ما هو منك فهذا غاية البعد لأنه قد أوقع المغايرة بينك و بينه فهذه الإضافة في هذه المسألة كيد الإنسان من الإنسان و كحياة الإنسان من الإنسان فإنه من ذات الإنسان كونه حيوانا و تضاف الحيوانية إليه مع كونها من عين ذاته و مما لا تصح ذاته إلا بها فتمثل هذه الإصابة تعقل ما أومأنا إليه من نسبة الممكنات إلى الواجب الوجود لنفسه فإن الإمكان للممكن واجب لنفسه فلا يزال انسحاب هذه الحقيقة عليه لأنها عينه و هي تضاف إليه و قد يضاف إليه ما هو عينه فهذا معنى قوله لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أي ما توصف أنت به و يوصف الحق به هو لله كله فما لك لا تفهم ما لك بما في قوله أعطني ما لك فهو نفي من باب الإشارة و اسم من باب الدلالة أي الذي لك و أصليته من اسم المالية و لهذا قال خذ من أموالهم أي المال الذي في أموالهم مما ليس لهم بل هو صدقة مني على من ذكرتهم في كتابي يقول الله أ لا تراه قد قال إن الله فرض علينا زكاة أو صدقة في أموالنا فجعل أموالهم ظرفا للصدقة و الظرف ما هو عين المظروف فمال الصدقة ما هو عين مالك بل مالك ظرف له فما طلب الحق منك ما هو لك‏ فالزكاة في النفوس آكد منها في الأموال و لهذا قدمها الله في الشراء فقال إِنَّ الله اشْتَرى‏ من الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ ثم قال وَ أَمْوالَهُمْ فالعبد ينفق في سبيل الله نفسه و ماله و سيرد من ذلك في هذا الباب ما نقف عليه إن شاء الله‏ (وصل في وجوب الزكاة) الزكاة واجبة بالكتاب و السنة و الإجماع فلا خلاف في ذلك‏ أجمع كل ما سوى الله على إن وجود ما سوى الله إنما هو بالله فردوا وجودهم إليه سبحانه لهذا الإجماع و لا خلاف في ذلك بين كل ما سوى الله فهذا اعتبار الإجماع في زكاة الوجود فرددنا ما هو لله إلى الله فلا موجود و لا موجود إلا الله‏و أما الكتاب ف كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ و ليس الوجه إلا الوجود و هو ظهور الذوات و الأعيان و أما السنة فلا حول و لا قوة إلا بالله فهذا اعتبار وجوب الزكاة العقلي و الشرعي‏ (وصل في ذكر من تجب عليه الزكاة) اتفق العلماء على أنها واجبة على كل مسلم حر بالغ عاقل مالك للنصاب ملكا تاما هذا محل الاتفاق و اختلفوا في وجوبها على اليتيم و المجنون و العبد و أهل الذمة و الناقص الملك مثل الذي عليه الدين أو له الدين و مثل المال المحبس الأصل‏ (وصل) اعتبار ما اتفقوا عليه المسلم هو المنقاد إلى ما يراد منه و قد ذكرنا أن كل ما سوى الله قد انقاد في رد وجوده إلى الله و إنه ما استفاد الوجود إلا من الله و لا بقاء له في الوجود إلا بالله‏ و أما الحرية فمثل ذلك فإنه من كان بهذه المثابة فهو حر أي لا ملك عليه في وجوده لأحد من خلق الله جل جلاله‏ و أما البلوغ فاعتباره إدراكه للتمييز بين ما يستحقه ربه عز و جل و ما لا يستحقه و إذا عرف مثل هذا فقد بلغ الحد الذي يجب عليه فيه رد الأمور كلها إلى الله تعالى علوا كبيرا و هي الزكاة الواجبة عليه‏ و أما العقل فهو أن يعقل عن الله ما يريد الله منه في خطابه إياه في نفسه بما يلهمه أو على لسان رسوله صلى الله عليه و سلم و من قيد وجوده بوجود خالقه فقد عقل نفسه إذ العقل مأخوذ من عقال الدابة و على الحقيقة عقال الدابة مأخوذ من العقل فإن العقل متقدم على عقال الدابة فإنه لو لا ما عقل إن هذا الحبل إذا شدت به الدابة قيدها عن السراح ما سماه عقالا و أما قولهم المالك للنصاب ملكا تاما فملكه للنصاب هو عين وجوده لما ذكرناه من الإسلام و الحرية و البلوغ و العقل و أما قولهم ملكا تاما إذ التام هو الذي لا نقص فيه و النقص صفة عدمية قال فهو عدم فالتام هو الوجود فهو قول الإمام أبي حامد و ليس في الإمكان أبدع من هذا العالم إذ كان إبداعه عين وجوده ليس غير ذلك أي ليس في الإمكان أبدع من وجوده فإنه ممكن لنفسه و ما استفاد إلا الوجود فلا أبدع في الإمكان من الوجود و قد حصل فإنه ما يحصل للممكن من الحق سوى الوجود فهذا معنى اعتبار قولهم ملكا تاما و أما اعتبار ما اختلفوا فيه فمن ذلك الصغار فقال قوم تجب الزكاة في أموالهم و قال قوم ليس في مال اليتيم صدقة و فرق قوم بين ما تخرجه الأرض و بين ما لا تخرجه فقالوا عليه الزكاة فيما تخرجه الأرض و ليس عليه زكاة فيما عدا ذلك من الماشية و الناض و العروض و فرق آخرون بين الناض و غيره فقالوا عليه الزكاة إلا في الناض خاصة اعتبار ما ذكرنا اليتيم من لا أب له بالحياة و هو غير بالغ أي لم يبلغ الحلم بالسن أو الإنبات أو رؤية الماء قال تعالى لَمْ يَلِدْ و قال سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ فليس الحق باب لأحد من خلق الله و لا أحد من خلقه يكون له ولدا سبحانه و تعالى فمن اعتبر التكليف في عين المال قال بوجوبها و من اعتبر التكليف في المالك قال لا يجب عليه لأنه غير مكلف‏ كذلك من اعتبر وجوده لله قال لا تجب الزكاة فإنه ما ثم من يقبلها لو وجبت فإنه ما ثم إلا الله و من اعتبر إضافة الوجود إلى عين الممكن و قد كان لا يوصف بالوجود قال بوجوب الزكاة و لا بد إذ لا بد للاضافة من تأثير معقول‏ و لهذا تقسم الموجودات إلى قسمين إلى قديم و إلى حادث فوجود الممكن وجود حادث أي حدث له هذا الوصف و لم يتعرض للوجود في هذا التقسيم هل هو حادث أو قديم لأنه لا يدل حدوث الشي‏ء عندنا على أنه لم يكن له وجود قبل حدوثه عندنا و على هذا يخرج قوله تعالى ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ و هو كلام الله القديم و لكن حدث عندهم كما تقول حدث عندنا اليوم ضيف فإنه لا يدل ذلك على أنه لم يكن له وجود قبل ذلك فمن راعى أن الوجود الحادث غير حق للموصوف به و أنه حق لغير الممكن قال بوجوب الزكاة على اليتيم لأنه حق للواجب الوجود فيما اتصف به هذا الممكن كما يراعي من يرى وجوبها على اليتيم في ماله أنها حق للفقراء في عين هذا المال فيخرجها منه من يملك التصرف في ذلك المال و هو الولي‏ و من راعى أن الزكاة عبادة لم يوجب الزكاة لأن اليتيم ما بلغ حد التكليف و قد أشرنا إلى ذلك و لنا

الرب حق و العبد حق يا ليت شعري من المكلف‏

هذا في البالغ و الصغير غير مكلف و هو اليتيم و هكذا سائر العبادات على هذا النحو فإن الشي‏ء لا يعبد نفسه و إذا تحقق عارف مثل هذا و تبين أنه ما ثم إلا الله خاف من الزلل الذي يقع فيه من لا معرفة له ممن ذمه الشارع من القائلين بإسقاط الأعمال نعوذ بالله من الخذلان فنظر العارف عند ذلك إلى الأسماء الإلهية و توقف أحكام بعضها على بعض و تفاضلها في‏التعلقات كما قد ذكرناه في غير ما موضع فيوجب العبادات من ذلك الباب و بذلك النظر ليظهر ذلك الفعل في ذلك المحل من ذلك الاسم الإلهي القائم به إذا خاطبه اسم إلهي ممن له حكم الحال و الوقت فتعين على هذا الاسم الإلهي الآخر إن تحرك هذا المحل لما طلب منه فسمى ذلك عبادة و هو أقصى ما يمكن الوصول إليه في باب إثبات التكاليف في عين التوحيد حتى يكون الآمر المأمور و المتكلم السامع‏ و أما اعتبار من فرق بين ما تخرجه الأرض و بين ما لا تخرجه الأرض فاعتباره ما بطهره من الموصوف بالوجود الذي هو الممكن من الأشياء على يديه مما هو سبب ظهورها فإن أضاف وجود ذلك إلى ما أضاف إليه وجوده قال لا زكاة و إن لم يضف و اعتبر ظهورها منه قال بالواجب‏ و أما من فرق بين الناض و ما سواه فالناض لما كان له صفة الكمال أو التشبه بالكمال و نزل ما سوى الناض عن درجة الكمال أو التشبه بالكمال و اتصف بالنقص أوجب الزكاة في الناقص ليطهره من النقص و لم يوجبه في الكمال فإن الكمال لا يصح أن يكون في غيره إذ لا كمال إلا في الوحدة و من ذلك أهل الذمة و الأكثر على أنه لا زكاة على ذمي إلا طائفة روت تضعيف الزكاة على نصارى بنى تغلب و هو أن يؤخذ منهم ما يؤخذ من المسلمين في كل شي‏ء و قال به جماعة و رووه من فعل عمر بهم و كأنهم رأوا أن مثل هذا توقيف و إن كانت الأصول تعارضه‏ و الذي أذهب إليه أنه لا يجوز أخذ الزكاة من كافر و إن كانت واجبة عليه مع جميع الواجبات إلا أنه لا يقبل منه شي‏ء مما كلف به إلا بعد حصول الايمان به فإن كان من أهل الكتاب ففيه عندنا نظر فإن أخذ الجزية منهم قد يكون تقريرا من الشارع لهم دينهم الذي هم عليه فهو مشروع لهم فيجب عليهم إقامة دينهم فإن كان فيه أداء زكاة و جاءوا بها قبلت منهم و الله أعلم و ليس لنا طلب الزكاة من المشرك و إن جاء بها قبلناها يقول الله تعالى وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ و يقول الله تعالى قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ و الكافر هنا المشرك ليس الموحد (وصل) الاعتبار قال الله تعالى لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إِلًّا وَ لا ذِمَّةً الإل الله اسم من أسمائه و الذمة العهد و العقد فإن كان عهدا مشروعا فالوفاء به زكاته فالزكاة على أهل الذمة فإن عليهم الوفاء بما عوهدوا عليه من أسقط عنهم الزكاة أي أن الذمي إذا عقد ساوى بين اثنين في العقد و من ساوى بين اثنين جعلهما مثلين و قد قال تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ فلا يقبل توحيد مشرك فإن المشرك مقر بتوحيد الله في عظمته لقوله ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى‏ فهذا توحيد بلا شك و مع هذا منع الشرع من قبوله‏ و اعلم أن الدليل يضاد المدلول و التوحيد المدلول و الدليل مغاير فلا توحيد فمن جعل الدليل على التوحيد نفس التوحيد لم يكن هنالك من تجب عليه زكاة فلا زكاة على الذمي و الزكاة طهارة فلا بد من الايمان فإن الايمان طهارة الباطن و ليس الايمان المعتبر عندنا إلا أن يقال الشي‏ء لقول المخبر على ما أخبر به أو يفعل ما يفعل لقول المخبر لا لعين الدليل العقلي‏ و علم الشرك من أصعب ما ينظر فيه لسريان التوحيد في الأشياء إذ الفعل لا يصح فيه اشتراك البتة فكل من له مرتبة خاصة به لا سبيل له أن يشرك فيها و ما ثم إلا من له مرتبة خاصة لكن الشرك المعتبر في الشرع موجود و به تقع المؤاخذة (وصل متمم) اعلم أن الكفار مخاطبون بأصل الشريعة و هو الايمان بجميع ما جاء به الرسول من عند الله من الأخبار و أصول الأحكام و فروعها و هو قوله صلى الله عليه و سلم و تؤمنوا بي و بما جئت به‏ و هو العمل بحسب ما اقتضاه الخطاب من فعل و ترك فالإيمان بصدقة التطوع أنها تطوع واجب و هو من أصول الشريعة و إخراج صدقة التطوع فرع و لا فرق بينها و بين الصدقة الواجبة في الايمان بها و في إخراجها و إن لم يتساويا في الأجر فإن ذلك لا يقدح في الأصل فإن افترقا من وجه فقد اجتمع من الوجه الأقوى‏ فالإيمان أصل و العمل فرع لهذا الأصل بلا شك و لهذا إلا يخلص للمؤمن معصية أصلا من غير أن يخالطها طاعة فالمخلط هو المؤمن العاصي فإن المؤمن إذا عصى في أمر ما فهو مؤمن بأن ذلك معصية و الايمان واجب فقد أتى واجبا فالمؤمن مأجور في عين عصيانه و الايمان أقوى‏ و لا زكاة على أهل الذمة بمعنى أنها لا تجزى عنهم إذا أخرجوها مع كونها واجبة عليهم كسائر جميع فروض الشريعة لعدم الشرط المصحح لها و هو الايمان بجميع ما جاءت به الشريعة لا بها و لا ببعض ما جاء به الشرع فلو آمن بالزكاة وحدها أو بشي‏ء من الفرائض أنها فرائض أو بشي‏ء من النوافل أنها نافلة و لو ترك الايمان بأمر واحد من فرض أو نفل لم يقبل منه إيمانه إلا أن يؤمن بالجميع و مع هذا فليس لنا أن نسأل ذميا زكاته فإن أتى بهامن نفسه فليس لنا ردها لأنه جاء بها إلينا من غير مسألة فيأخذها السلطان منه لبيت مال المسلمين لا يأخذها زكاة و لا يردها فإن ردها عليه فقد عصى أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم‏ و أما العبد فالناس فيه على ثلاثة مذاهب فمن قائل لا زكاة في ماله أصلا لأنه لا يملكه ملكا تاما إذ للسيد انتزاعه و لا يملكه السيد ملكا تاما أيضا لأن يد العبد هي المتصرفة فيه إذن فلا زكاة في مال العبد و ذهبت طائفة إلى أن زكاة مال العبد على سيده لأن له انتزاعه منه و قالت طائفة على العبد في ماله الزكاة لأن اليد على المال توجب الزكاة فيه لمكان تصرفها فيه تشبيها بتصرف الحر قال شيخنا و جمهور من قال لا زكاة في مال العبد على أن لا زكاة في مال المكاتب حتى يعتق و قال أبو ثور في مال المكاتب الزكاة و الذي أقول به أنه لا يخلو الأمر إما أن يرى أن الزكاة حق في المال و لا يراعي المالك فيجب على السلطان أخذها من كل مال بشرطه من النصاب و حلول الحول على من هو في يده و من رأى أن وجوب الزكاة على أرباب المال جاء ما ذكرناه من المذاهب في ذلك فالأولى كل ناظر في المال هو المخاطب بإخراج الزكاة منه‏ اعتبار ذلك‏ العبد و ما يملكه لسيده فبأي شي‏ء أمره سيده وجبت عليه طاعته و الزكاة حق أوجبه الله في عين المال لأصناف مذكورين و هو بأيدي المؤمنين فإنه لا يخلو مال عن مالك أي عن يد عليه لها التصرف فيه فالزكاة أمانة بيد من هو المال بيده لهؤلاء الأصناف و ما هو مال للحر و لا للعبد فوجب أداؤه لأصحابه ممن هو عنده و له التصرف فيه حرا كان أو عبدا من المؤمنين و الكل عبيد الله فلا زكاة على العبد لأنه مؤد أمانة و الزكاة عليه بمعنى إيصال هذا الحق إلى أهله ف إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها و تطهيره المال الذي فيه الزكاة بالزكاة أعني بإخراجها منه و الزكاة على السيد لأنه يملكه من باب ما أوجبه الحق لخلقه على نفسه مثل قوله كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ و قوله فَسَأَكْتُبُها و قوله وَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ و قوله أُوفِ بِعَهْدِكُمْ فكل من رأى أصلا مما ذكرناه ذهب في مال العبد مذهب‏ (وصل) و من ذلك المالكون الذين عليهم الديون‏ التي تستغرق أموالهم و تستغرق ما تجب فيه الزكاة من أموالهم و بأيديهم أموال تجب الزكاة فيها فمن قائل لا زكاة في مال حبا كان أو غيره حتى يخرج منه الدين فإن بقي منه ما تجب فيه الزكاة زكى و إلا فلا و قالت طائفة الذين لا يمنع زكاة الحبوب و يمنع ما سواها و قالت طائفة الدين يمنع زكاة الناض فقط إلا أن تكون له عروض فيها وفاء له من دينه فإنه لا يمنع و قال قوم الذين لا يمنع زكاة أصلا الاعتبار في ذلك‏ الزكاة عبادة فهي حق الله و حق الله أحق أن يقضى بذا ورد النص عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و الله قد جعل الزكاة حقا لمن ذكر من الأصناف في القرآن العزيز الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ من بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا من خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ من حَكِيمٍ حَمِيدٍ و الدين حق مترتب متقدم فالدين أحق بالقضاء من الزكاة (وصل) و من ذلك المال الذي هو في ذمة الغير و ليس هو بيد المالك و هو الدين فمن قائل لا زكاة فيه و إن قبض حتى يمر عليه حول و هو في يد القابض و به أقول و من قائل إذا قبضه زكاه لما مضى من السنين و قال بعضهم يزكيه لحول واحد و إن قام عند المديان سنين إذا كان أصله عن عوض فإن كان على غير عوض مثل الميراث فإنه يستقبل به الحول‏ (اعتبار الباطن في ذلك) لا مالك إلا الله و من ملكه الله إذا كان ما ملكه بيده بحيث يمكنه التصرف فيه فحينئذ تجب عليه الزكاة بشرطها و لا مراعاة لما مر من الزمان فإن الإنسان ابن وقته ما هو لما مضى من زمانه و لا لما يستقبله و إن كان له أن ينوي في المستقبل و يتمنى في الماضي و لكن في زمان الحال هذا كله فهو من الوقت لا من الماضي و لا من المستقبل‏ فلا مراعاة لما مر على ذلك المال من الزمان حين كان بيد المديان فإنه على الفتوح مع الله تعالى دائما الذي بيده المال هو الله فالزكاة واجبة فيه لما مر عليه من السنين‏ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم حجي عن أبيك و أمر صلى الله عليه و سلم ولي الميت بما على الميت من صيام رمضان‏ و ما هو إلا إيصال ثمرة العمل لمن حج عنه أو صام عنه مما هو واجب عليه إلا أن فرط فله حكم آخر و مع هذا فمن حج عنه أو عمل عنه عمل ما فهو صدقة من عمل هذا العمل على المعمول عنه ميتا كان المعمول عنه أو غير ميت غير أن الحي لا يسقط عنه الواجب عليه إلا إذا لم يستطع فعله فإن فعله وليه عنه كان له أجر من أدى ما وجب عليه و ليس ذلك إلا في الحج بما ذكرناه و الثواب ما هو له بقابض إلا إن كان المعمول عنه ميتا فإنه أخراوي فإن كان حيا فالقابض عنه الوكيل و هو الله فإذا قبضه أعطاه في الآخرة لمن‏عمل له هنا في الدنيا (وصل من اعتبار هذا الباب) و من اعتبار الشخص يتمنى أن لو كان له مال لعمل به برا فيكتب الله له أجر من عمل فإن نيته خير من عمله و يكتب له على أوفى حظ و هو في ذمة الغير ليس بيده منه شي‏ء فإذا حصل له ما تمناه من المال أو مما تمناه مما يتمكن له به الوصول إلى عمل ذلك البر وجب عليه أن يعمل ذلك البر الذي نواه فإن لم يفعل لم يكتب له أجر ما نواه فلو مات قبل اكتساب ما تمنى كتب له أجر ما نواه قال تعالى أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ أي هما اختبار لإقامة الحجة في صدق الدعوى أو كذبها (وصل) و من هذا الباب اختلافهم في زكاة الثمار المحبسة الأصول فمن قائل فيها الزكاة و من قائل لا زكاة فيها و فرق قوم بين أن تكون محبسة على المساكين فلا يكون فيها زكاة و بين أن تقوم على قوم بأعيانهم فتجب فيها الزكاة و بوجوب الزكاة أقول كانت على من كانت بتعيين أو بغير تعين فإن كانت بتعيين قوم وجب عليهم إخراج الزكاة و إن كانت بغير تعيين وجب على السلطان أخذ الزكاة منها بحكم الوكالة اعتبار الباطن في ذلك‏ الثمر هو عمل الإنسان المكلف و العمل قد يكون مخلصا لله كالصلاة و الصيام و أمثالهما و قد يكون فيه حق للغير كالزكاة إلا أنه مشروع مثل أن يعمل الإنسان عملا فيقول هذا لله و لوجوهكم فهو لوجوهكم أو مالي إلا الله و أنت‏ قال النبي صلى الله عليه و سلم من قال هذا الله و لوجوهكم ليس لله منه شي‏ء ثم شرع لمن هذا قوله أن يقول هذا لله ثم لفلان و لا يدخل واو التشريك فهذا العمل فيه لله و هو نظير الزكاة في المال المحبس الأصل و فيه للخلق و هو قوله ثم لفلان بحرف ثم لا بحرف الواو و هو ما يبقى بيد الموقوف عليه من هذا الثمر الزائد على الزكاة فهذا اعتبار من يرى فيه الزكاة و من يرى أنه لا زكاة فيه أي لا حق لله فيها فاعتباره قول النبي صلى الله عليه و سلم فهو لوجوهكم ليس لله منه شي‏ء أي لا حق فيه لله و من رأى أن الزكاة حق الفقراء رأى في اعتباره أن زكاة الثمر المحبس الأصل و هو العمل من هذا العبد الذي هو محبس على سيده لا يعتق أبدا يقول إن العمل هو لله بحكم الوقفية و للحور العين و أمثالهم من ذلك العمل نصيب و هو المعبر عنه بالزكاة كما قال بعضهم في حق المجاهدين‏

أبواب عدن مفتحاتو الحور منهن مشرفات‏
فاستبقوا أيما استباقو بادروا أيها الغزاة
فبين أيديكمو جنانفيها حسان منعمات‏
يقلن و الخيل سابقاتمهورنا الصبر و الثبات‏

فالصبر و الثبات من عمل الجهاد بمنزلة الزكاة من الثمر و كونه محبس الأصل هو قوله تعالى وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فما خلقهم إلا لعبادته فهم موقوفون عليه ثم جعل في أعمالهم التي هي بمنزلة الثمر من الشجر نصيبا لله و هو الإخلاص في العمل و هو من العمل و حق لصاحب العمل و هو ما يحصل له من الثواب عليه و هو بمنزلة الزكاة التي يطلبها الثواب فهذا اعتبار زكاة الثمر المحبس الأصل باختلافهم و الله الهادي‏ (وصل) و من هذا الباب على من تجب زكاة ما تخرجه الأرض المستأجرة فقال قوم من العلماء إن الزكاة على صاحب الزرع و قال قوم إن الزكاة إنما تجب على رب الأرض و ليس على المستأجر شي‏ء و بالقول الأول أقول إن الزكاة على صاحب الزرع‏ (وصل) الاعتبار في ذلك‏ الإمام و المؤذن و المجاهد و العامل على الصدقة و كل من يأخذ على عمله أجرا ممن يستأجره على ذلك و الأرض المستأجرة هي نفس المكلف و ما تخرجه هو ما يظهر عن هذه النفس من العمل و الزارع الحق تعالى يقول تعالى أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ و رب الأرض هو الشارع و هو الحق سبحانه من كونه شارعا كما هو في الزرع من كونه موفقا قال تعالى مخبرا عن بعض أنبيائه وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ‏ فهو سبحانه يبذر حب الهدى و التوفيق في أرض النفوس فتخرج أرض النفوس بحسب ما زرع فيها و فيما يظهر من هذه الأرض ما يكون حق لله فيه و منها ما يكون فيه حق للإنسان فما هو لله فهو المعبر عنه بالزكاة و ما بقي فهو للإنسان و الإجارة مشروعة فإن الله اشترى منا نفوسنا ثم أجرنا إياها بالعشر فقال من جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها فالحسنة منا هي العشر الذي نعطيه سبحانه مما زرعه في أراضي نفوسنا من الخير الذي أنبت هذا العمل الصالح‏ فهو سبحانه رب الأرض و هو الزارع و هو المؤجر و هو المستأجر و هو الذي يجب عليه الزكاة و هو الذي يأخذ الصدقات كما قال هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَ يَأْخُذُ الصَّدَقاتِ و لكن بوجوه و نسب مختلفة فهو المعطي و الآخذ لا إله إلا هو و لا فاعل سواه فيوجب من كونه كذا و يجب عليه من كونه كذا قال تعالى كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أي أوجب و فرض لم يوجب ذلك عليه موجب بل هو سبحانه الموجب على نفسه منة منه و فضلا علينا فحقائق أسمائه بها تعرف إلينا و على حقائق هذه الأسماء أثبتت الشرائع الإلهية كلها قُلْ كُلٌّ من عِنْدِ الله فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً و قسم فقال في نسق هذا الكلام ما أَصابَكَ من حَسَنَةٍ فَمِنَ الله وَ ما أَصابَكَ من سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ و هو ما يسوءك فأنت محل أثر السوء فمن حيث هو فعل لا يتصف بالسوء هو للاسم الإلهي الذي أوجده فإنه يحسن منه إيجاد مثل هذا الفعل فلا يكون سوءا إلا من يجده سوء أو من يسوءه و هو نفس الإنسان إذ لا يجد الألم إلا من يوجد فيه ففيه يظهر حكمه لا من يوجد فإنه لا حكم له في فاعله فهذا معنى قوله وَ ما أَصابَكَ من سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ و إن كانت الحسنة كذلك فذلك يحسن عند الإنسان فإنها أيضا تحسن من جانب الحق الموجد لها فأضيفت الحسنة إلى الله فإنه الموجد لها ابتداء و إن كانت بعد الإيجاد تحسن أيضا فيك و لكن لا تسمى حسنة إلا من كونها مشروعة و لا تكون مشروعة إلا من قبل الله فلا تضاف إلا إلى الله‏ و لهذا قلنا في السيئة إنها من قبل الحق حسنة لأنه بينها لتجتنب فتسوء من قامت به إما في الدنيا و إما في العقبي فقد يكون الترك سيئة و ليس بفعل و قد يكون الفعل سيئة و كذلك الحسنة قد تكون فعلا و تركا و التوفيق الإلهي هو المؤثر في الفعل و الترك من حيث ما هو ترك له و من حيث ما هو ظاهر منه إذا كان فعلا و ما من حق واجب على العبد من ترك و فعل إلا و لله فيه حق يقوم به الحاكم نيابة عن الله فإن كان ما بقي من ذلك الفعل أو الترك حق لله تعالى فهو حق لله من جميع وجوهه لا حق لمخلوق فيه كالصلاة و إقامة الحدود و إن كان ما بقي من ذلك الفعل أو الترك حق لمخلوق كضرب أو شتم أو غصب مال ففيه حق لله و هو ما ذكرناه و فيه حق للمخلوق و الحق الذي فيه لله هو عين الزكاة الذي في جميع أفعال الله في خلقه و الحاكم نائبه فيما استخلفه فيه فإن شاء قبضه و إن شاء تركه على ما يعطيه الحال و المصلحة و لا حرج عليه في ذلك و هو المسمى تعزيرا فيما لا حد فيه فتقطع يد السارق و لا بد و إن أخذ المال من يده و عاد إلى صاحبه فالحاكم مخير إن شاء عزره بذلك القدر الذي فيه لله من الحق المشروع و إن شاء لم يعزره و يترك ذلك لله حتى يتولاه في الآخرة بلا واسطة (وصل) و من هذا الباب أرض الخراج إذا انتقلت إلى المسلمين‏ و هي الأرض التي كانت بيد أهل الذمة هل فيها عشر مع الخراج أم لا فمن قائل إن فيها العشر أعني الزكاة و من قائل ليس فيها عشر فاعلم أن الزكاة إما أن تكون حق الأرض أو حق الحب فإن كانت حق الأرض لم تجب الزكاة لأنه لا يجتمع فيها حقان و هو العشر و الخراج و إن كانت حق الحب كان الخراج حق الأرض و العشر حق الحب و الخلاف في بيع أرض الخراج معلوم عند العلماء (وصل) الاعتبار في ذلك‏ الأعمال البدنية بمنزلة الزرع و البدن بمنزلة الأرض و الهوى حاكم على الأرض فإذا انتقلت هذه الأرض إلى حكم الشرع الذي هو العمل بما يقتضيه الإسلام فخراج الأرض هو ما لله عليه من الحقوق من حيث إن جعلها ذات إدراكات و هو علم يستقل بإدراكه العقل فلله في هذه الأرض الخراج إذ شكر المنعم محمود و هو المنعم بها سبحانه‏ فإذا حصلت هذه الأرض في يد المسلم أعني الشرع و انتقلت إليه فالمسلمون على قسمين عارف و غير عارف فالعارف إذا زرع الأعمال الصالحة في هذه الأرض رأى أن الزكاة حق العمل لا حق الأرض فأوجب الزكاة في العمل و هو أن يرد الأعمال إلى عاملها و هو الحق سبحانه و غير العارف يرى أن العمل للقوى البدنية و قد وجب عليها الخراج فلا تجب عنده الزكاة حتى لا يجتمع عليها حقان فإنه لا يرى العمل إلا لنفسه فإنه غير عارف و لم يكلف الله نفسا إلا ما آتاها و قال ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ من الْعِلْمِ‏ و أما قولنا في هذه المسألة فإنه يجتمع في الأرض حقان و لا يبعد ذلك لأن الأرض من كونها بيد من هي بيده يمنع غيره من التصرف فيها إلا بإذنه فعليه حق فيها يسمى الخراج و من حيث إنه زرعها فاختلف حال الأرض بكونها قد زرعت من كونها لم تزرع فوجب فيها حق آخر من كونها ذات زرع فوجب العشر فيها من كونها مزدرعة و وجب الخراج فيها من كونها بيده و حكمه عليها و كذلك نأخذه في الاعتبار (وصل) و أما أرض العشر إذا انتقلت إلى الذمي فزرعها فمن‏قائل ليس فيها شي‏ء أعني لا خراج و لا عشر و قال النعمان إذا اشترى الذمي أرض عشر تحولت أرض خراج فكأنه رأى أن العشر حق أرض المسلمين و الخراج حق أرض الذميين و من يرى هذا فينبغي إن أرض الذمي إذا انتقلت إلى المسلم أن تعود أرض عشر (اعتبار ذلك) للعقل حكم في النفس من حيث ذاته و نظره و للشرع حكم في النفس فإذا سلب العقل النفس من يد الشرع بشبهة اشتراها بها فهل يقبل الله منه كل عمل حمد صورته الشرع و لكن كان عمله من جهة العقل لا من جهة الشرع فمنا من قال يقبل و يجازى عليه في الدنيا إن لم يكن موحدا و كان مشركا فإن كان موحدا قبل منه و جوزي عليه جزاء غير المؤمن‏ فإن المؤمن له في عمله يوم القيامة جزاءان جزاء من حيث إنه مؤمن عامل بشريعة و جزاء من حيث إن ذلك العمل من مكارم الأخلاق و أنه خير و قد قال صلى الله عليه و سلم لحكيم بن حزام حين أسلم و كان قد فعل في الجاهلية خيرا أسلمت على ما أسلفت من خير فجازاه الله بما كان منه من خير في زمان جاهليته‏ فإن الخير يطلب الجزاء لنفسه فإذا اقترن به الايمان تضاعف الجزاء لزيادة هذه الصفة فإن لها حقا آخر فحكم الشرع العشر و حكم العقل الخراج‏ (وصل) إذا أخرج الزكاة فضاعت‏ فقال قوم تجزى عنه و قال قوم هو لها ضامن حتى يضعها موضعها و قوم فرقوا بين أن يخرجها بعد أن أمكنه إخراجها و بين أن يخرجها أول زمان الوجوب و الإمكان فقال بعضهم إن أخرجها بعد أيام من الإمكان و الوجوب ضمن و إن أخرجها في أول الوجوب و لم يقع منه تفريط لم يضمن و قال قوم إن فرط ضمن و به أقول و إن لم يفرط زكى ما بقي و قال قوم بل يعد الذاهب من الجميع و يبقى المساكين و رب المال شريكين في الباقي بقدر حظهما من حظ رب المال مثل الشريكين يذهب بعض المال المشترك بينهما و يبقيان شريكين على تلك النسبة في الباقي فالحاصل في المسألة خمسة أقوال قوله إنه لا يضمن بإطلاق و قول إنه يضمن بإطلاق و قول إن فرط ضمن و إن لم يفرط لم يضمن و قول إن فرط ضمن و إن لم يفرط زكى ما بقي و القول الخامس يكونان شريكين في الباقي‏ و أما إذا ذهب بعض المال بعد الوجوب و قيل تمكن إخراج الزكاة فقيل يزكي ما بقي و قال قوم حال المساكين و حال رب المال حال الشريكين يضيع بعض مالهما و أما إذا وجبت الزكاة و تمكن الإخراج فلم يخرج حتى ذهب بعض المال فإنه ضامن باتفاق و الله أعلم إلا في الماشية عند من يرى أن وجوبها إنما يتم بشرط خروج الساعي مع الحول و هو مذهب مالك‏ (وصل الاعتبار في ذلك) قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تمنحوا الحكمة غير أهلها فتظلموها و لا تمنعوها أهلها فتظلموهم و إنفاق الحكمة عين زكاتها و لها أهل كما للزكاة أهل فإذا أعطيت الحكمة غير أهلها و أنت تظن أنه أهلها فقد ضاعت كما ضاع هذا المال بعد إخراجه و لم يصل إلى صاحبه فهو ضامن لمن ضاع لأنه فرط حيث لم يتثبت في معرفة من ضاعت عنده هذه الحكمة فوجب عليه أن يخرجها مرة أخرى لمن هو أهلها حتى تقع في موضعها و أما حكم الشريكين في ذلك كما تقرر فإن حامل الحكمة إذا جعلها في غير أهلها على الظن فهو أيضا مضيع لها و الذي أعطيت له ليس بأهل لها فضاعت عنده فيضيع بعض حقها فيستدرك معطي الحكمة غير أهلها ما فاته بأن ينظر في حال من ضاعت عنده الحكمة فيخاطبه بالقدر الذي يليق به ليستدرجه حتى يصير أهلا لها و يضيع من حق الآخر على قدر ما نقصه من فهم الحكمة الأولى التي ضاعت عنده‏ و الحال فيما بقي من وجوه الخلاف في الاعتبار على هذا الأسلوب سواء فمن قال بعموم‏ قوله صلى الله عليه و سلم من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار فسأله من ليس بأهل الحكمة فضاعت الحكمة قال لا يضمن على الإطلاق و من أخذ بقوله صلى الله عليه و سلم لا تعطوا الحكمة غير أهلها فتظلموها قال يضمن على الإطلاق و ضمانها أنه يعطيه من الوجوه فيما سأله ما يليق به و إن لم يصح ذلك في نفس الأمر كالأينية فيمن لا يتصف بالتحيز و من أعرض عن الجواب الأول إلى جواب في المسألة يقتضيه حال السائل و الوقت قال يزكي ما بقي و يكون حكم ما مضى و ضاع كحكم مال ضاع قبل الحول و من قال يتعين عليه النظر في حال السائل فلما لم يفعل فقد فرط فإن فعل و غلط لشبهة قامت له تخيل أنه من أهل الحكمة فلم يفرط فهو بمنزلة من قال إن فرط ضمن و إن لم يفرط لم يضمن و القول الخامس قد تقدم في الشريك‏ و لا يخلو العالم أن يعتقد فيما عنده من العلم الذي يحتاج الخلق إليه أن يكون عنده لهم كالأمانة فحكمه في ذلك حكم الأمين أو يعتقدفيه أنه دين عليه لهم فحكمه حكم الغريم و الحكم في الأمانة و الدين و الضياع معلوم فيمشي عليه الاعتبار بتلك الوجوه و الله أعلم‏

(وصل إذا مات بعد وجوب الزكاة عليه)

قال قوم تخرج من رأس ماله و قال قوم إن أوصى بها أخرجت من الثلث و إلا فلا شي‏ء عليه و من هؤلاء من قال يبدأ بها إن ضاق الثلث و منهم من قال لا يبدأ بها (وصل) الاعتبار في ذلك‏ الرجل من أهل طريق الله يعطي العلم بالله و قد قلنا إن زكاة العلم تعليمه فجاء مريد صادق متعطش فسأله عن مسألة من علم ما هو عالم به فهذا أوان وجوب تعليمه إياه ما سأله عنه كوجوب الزكاة بكمال الحول و النصاب فلم يعلمه ما سأله فيه من العلم فإن الله يسلب العالم تلك المسألة فيبقى جاهلا بها فيطلبها في نفسه فلا يجدها فذلك موته بعد وجوب الزكاة فإن الجهل موت قال أَ وَ من كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ أو يكون العالم يجب عليه تعليم من هو أهل فعلم من ليس بأهل فذلك موته حيث جهل الأهلية ممن هو للحكمة أهل و وضعها في غير أهلها ففي الأول قد يمنح المريد الصادق تلك المسألة و لكن عن مشاهدة هذا العالم بأن سمعه يعلمها غيره أو يعلمها ممن قد علمه ذلك العالم قبل ذلك فيكون في ميزان العالم الأول و إن كان قد جهلها فهذا معنى يجزي عنه و يخرج من رأس ماله فإن اعتذر ذلك العالم للمريد و اعترف بعقوبته و ذنبه ففتح الله على المريد بها فاعترافه بمنزلة من أوصى بها و أما إخراجها من الثلث فإن المرض لا يملك من ماله سوى الثلث لا غير فكأنها وجبت فيما يملك و كذلك هذا العالم لا يملك في هذه الحالة من نفسه إلا الاعتذار و الثلثان الآخران لا يملكهما و هو المنة فلا منة له في التعليم بعد هذه الواقعة و لا يجب عليه فإنه قد نسبها و بالجملة فينبغي لمن هذه حالته أن يجدد توبة مما وقع فيه و يستغفر الله فيما بينه و بين الله ف إِنَّ الله يُحِبُّ التَّوَّابِينَ‏ (وصل في خلافهم في المال يباع بعد وجوب الصدقة فيه) فقال قوم يأخذ المصدق الزكاة من المال نفسه و يرجع المشتري بقيمته على البائع و قال قوم البيع مفسوخ و قال قوم المشتري بالخيار من إنفاذ البيع و رده و العشر مأخوذ من الثمرة أو من الحب الذي وجبت فيه الزكاة و قال مالك الزكاة على البائع و به أقول‏ (وصل الاعتبار في ذلك) قال تعالى قَدْ أَفْلَحَ من زَكَّاها يعني النفس لأنه قد صيرها ما لا تجب فيه الزكاة و العبد مأمور بزكاة نفسه ثم إِنَّ الله اشْتَرى‏ من الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ فباع بعض المؤمنين نفسه من الله بعد وجوب الزكاة عليه فإن العبد إذا آمن وجبت عليه زكاة نفسه فباعها من الله بعد وجوب الزكاة فلا تخلو الزكاة إما أن تكون في عين المال أو تكون في ذمة المكلف فإن كانت في ذمة المكلف وجبت على البائع و إن كانت في نفس المال وجب تزكيتها على من بيده المال في عين ذلك المال فيخرجها المشتري من المال و يرجع بالقيمة على البائع و إذا كان وجوبها على البائع فللبائع أن يزكي ذلك القدر مما عنده من المال‏ كالشيخ المرشد يملك نفوس تلامذته فيزكي منها بقدر ما وجب عليه في نفسه من الزكاة قبل بيعها من الله إذ قد كانت وجبت عليه الزكاة في نفسه فتقوم له زكاة نفوس من عنده من المريدين مقام ذلك و إن كان ممن يقول بفسخ البيع فإنه يرجع في بيعه حتى يزكيها و حينئذ يبيعها من الله و إن كان ممن يقول المشتري بالخيار من إنفاذ البيع و رده فذلك إلى الله إن شاء قبلها و زكاها و إن شاء ردها على البائع حتى يزكيها (وصل) و من هذا الباب اختلافهم في زكاة المال الموهوب و اعتباره أن الموهوب له بالخيار إن شاء قبل الهبة و قد عرف ما فيها من الحق فأوصل الحق منها إلى مستحقه و مسك ما بقي و إن شاء رد قدر ما يجب فيها من الزكاة على البائع حتى يؤديها و الموهوب له هو الحق هنا و الذين لهم الزكاة من هذه النفس ما تطلب منهم الجنة و من فيها هل هو حق لهم من نفس المؤمن انتهى الجزء الحادي و الخمسون‏

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(وصل في حكم من منع الزكاة)و لم يجحد وجوبها ذهب أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى أن حكمه حكم المرتد فقاتلهم و سبي ذريتهم و خالفه في ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه و أطلق من استرق منهم و بقول عمر قال الجمهورو ذهبت طائفة إلى تكفير من منع فريضة من الفرائض و إن لم يجحد وجوبها (وصل الاعتبار في ذلك) اعلم أن في نفس المؤمن حظ الجنان و من فيه منها الزكاة و لله ما بقي و هو الذي يصح فيه البيع و إلى هذا ذهبت جماعة المحققين من أهل طريق الله لتعدد أصناف من تجب لهم الزكاة من أنفسهم عليهم فالجنة فيها أصناف يطلبون من نفس المؤمن ما يستحقونه و هي الزكاة فالقصر يطلبه بالسكنى و الزوجات يطلبنه بما احتجن إليه منه فالثمانية الأعضاء المكلفة من الإنسان كما يجب فيها الزكاة على الإنسان كذلك لها نسبة في أن تأخذ الزكاة من جهة أخرى فيقوم ما في الجنان مقام من يقسم عليهم ما يليق به‏ فمن منع الزكاة من نفسه عن أحد هؤلاء الأصناف و هو مقر بها أنها واجبة عليه فهو ظالم غير كافر إلا في الصلاة خاصة فإن تاركها كافر فإن الشرع سماه كافرا بمجرد الترك و ما أدري ما أراد و إنما مانع الزكاة فهو ظالم حيث مسك حق الغير الذي يجب لهم و سأذكر بعد هذا إن شاء الله ما تجب فيه الزكاة وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏

(وصل في ذكر ما تجب فيه الزكاة)

اتفق العلماء على إن الزكاة تجب في ثمانية أشياء محصورة في المولدات من معدن و نبات و حيوان فالمعدن الذهب و الفضة و النبات الحنطة و الشعير و التمر و الحيوان الإبل و البقر و الغنم هذا هو المتفق عليه و هو الصحيح عندنا و أما الزبيب ففيه خلاف‏ (الاعتبار في ذلك) الزكاة تجب من الإنسان في ثمانية أعضاء البصر و السمع و اللسان و اليد و البطن و الفرج و الرجل و القلب ففي كل عضو و على كل عضو من هذه الأعضاء صدقة واجبة يطلب الله بها العبد في الدار الآخرة و أما صدقة التطوع فعلى كل عرق في الإنسان صدقة كما قال صلى الله عليه و سلم يصبح على كل سلامي من الإنسان صدقة و السلامي عروق ظهر الكف و قيل العروق فكل تسبيحة صدقة و كل تهليلة صدقة و كذلك التحميد و التكبير فالزكاة التي في هذه الأعضاء هي حق الله تعالى الذي أوجبها على الإنسان من هذه الأعضاء الثمانية كما أوجبها في هذه الثمانية من الذهب و الورق و سائر ما ذكرنا مما تجب فيه الزكاة بالاتفاق فتعين على المؤمن أداء حق الله تعالى في كل عضو فزكاة البصر ما يجب لله تعالى فيه من الحق كالغض عن المحرمات و النظر فيما يؤدي النظر إليه من القربة عند الله كالنظر في المصحف و في وجه العالم و في وجه من يسر بنظرك إليه من أهل و ولد و أمثالهم و كالنظر إلى الكعبة إذا كنت لها مجاورا فإنه قد ورد أن للناظر إلى الكعبة عشرين رحمة في كل يوم و للطائف بها ستين رحمة و على هذا النحو تنظر في جميع الأعضاء المكلفة في الإنسان من تصرفها فيما ينبغي و كفها عما لا ينبغي‏ (بيان و إيضاح) و اعلم أن هذه الأصناف قد أحاطت بمولدات الأركان كما قلنا و هي المعدن و النبات و الحيوان و ما ثم رابع ففرض الله الزكاة في أنواع مخصوصة من كل جنس من المولدات لطهارة الجنس فتطهر النوع بلا شك من الدعوى التي حصلت فيه من الإنسان بالملك فإن الأصل فيه الطهارة من حيث إنه ملك لله مطلقا و ذلك أن الأصل الذي ظهرت عنه الأشياء من أسمائه القدوس و هو الطاهر لذاته من دنس المحدثات فلما ظهرت الأشياء في أعيانها و حصلت فيها دعاوى الملاك بالملكية طرأ عليها من نسبة الملك إلى غير منشئها ما أزالها عن الطهارة الأصلية التي كانت لها من إضافتها إلى منشئها قبل أن يحلقها هذا الدنس العرضي بملك الغير لها و كفى بالحدث حدثا و هذه الأجناس لا تصرف لها في أنفسها فأوجب الله على مالكها فيها الزكاة و جعل ذلك طهارتها فعين الله فيها نصيبا يرجع إلى الله عن أمر الله لينسبها إلى مالكها الأصلي فتكتسب الطهارة فإن الزكاة إنما جعلها الله طهارة الأموال و كذلك في الاعتبار فإن هذه الأعضاء المكلفة هي طاهرة بحكم الأصل فإنها على الفطرة الأولى و لا تزول عنها تلك الطهارة و العدالة ألا تراها تستشهد يوم القيامة و تقبل شهادتها لزكاتها الأصلية و عدالتها فإن الأصل في الأشياء العدالة لأنها عن أصل طاهر و الجرحة طارئة قال تعالى إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا و قال يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ و قال تعالى وَ قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا و قال تعالى وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَ لا أَبْصارُكُمْ وَ لا جُلُودُكُمْ فهذا كله إعلام من الله لنا أن كل جزء فينا شاهد عدل زكى مرضي و ذلك بشرى خير لنا وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ صورةالخير فيها فإن الأمر إذا كان بهذه المثابة يرجى أن يكون المال إلى خير و إن دخل النار فإن الله أجل و أعظم و أعدل من أن يعذب مكرها مقهورا و قد قال إِلَّا من أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ‏ و قد ثبت حكم المكره في الشرع و علم حد المكره الذي اتفق عليه و المكره الذي اختلف و هذه الجوارح من المكرهين المتفق عليهم أنهم مكرهون فتشهد هذه الأعضاء بلا شك على النفس المدبرة لها السلطانة عليها و النفس هي المطلوبة عند الله عن حدوده و المسئولة عنها و هي مرتبطة بالحواس و القوي لا انفكاك لها عن هذه الأدوات الجسمية الطبيعية العادلة الزكية المرضية المسموع قولها و لا عذاب للنفس إلا بوساطة تعذيب هذه الجسوم و هي التي تحس بالآلام المحسوسة لسريان الروح الحيواني فيها و عذاب النفس بالهموم و الغموم و غلبة الأوهام و الأفكار الرديئة و ما ترى في رعيتها مما تحس به من الآلام و يطرأ عليها من التغييرات كل صنف بما يليق به من العذاب و قد أخبر بمآلها لإيمانها إلى السعادة لكون المقهور غير مؤاخذ بما جبر عليه و ما عذبت الجوارح بالألم إلا لإحساسها أيضا باللذة فيما نالته من حيث حيوانيتها فافهم فصورتها صورة من أكره على الزنا و فيه خلاف و النفس غير مؤاخذة بالهم ما لم تعمل ما همت به بالجوارح و النفس الحيوانية مساعدة بذاتها مع كونها من وجه مجبورة فلا عمل للنفوس إلا بهذه الأدوات و لا حركة في عمل للادوات إلا بالأغراض النفسية فكما كان العمل بالمجموع وقع العذاب بالمجموع ثم تفضي عدالة الأدوات في آخر الأمر إلى سعادة المؤمنين فيرتفع العذاب الحسي‏ ثم يقضي حكم الشرع الذي رفع عن النفس ما همت به فيرتفع أيضا العذاب المعنوي عن المؤمن فلا يبقى عذاب معنوي و لا حسي على أحد من أهل الايمان و بقدر قصر الزمان في الدار الدنيا بذلك العمل لوجود اللذة فيه و أيام النعيم قصار تكون مدة العذاب على النفس الناطقة و الحيوانية الدراكة مع قصر الزمان المطابق لزمان العمل فإن أنفاس الهموم طوال فما أطول الليل على أصحاب الآلام و ما أقصره بعينه على أصحاب اللذات و النعيم فزمان الشدة طويل على صاحبه و زمان الرخاء قصير (إفصاح) و اعلم أن للزكاة نصابا و حولا أي مقدارا في العين و الزمان كذلك الاعتبار في زكاة الأعضاء لها مقدار في العين و الزمان فالنصاب بلوغ العين إلى النظرة الثانية فإنها المقصودة و الإصغاء إلى السماع الثاني و كذلك الثواني في جميع الأعضاء لأجل القصد و المقدار الزماني يصحبه فلنذكر ما يليق بهذا الباب مسألة مسألة على قدر ما يلقي الله عز و جل في الخاطر من ذلك و الله الموفق و الهادي إلى صراط مستقيم‏

(وصل في زكاة الحلي)

اختلف العلماء رضي الله عنهم في زكاة الحلي فمن قائل لا زكاة فيه و من قائل فيه الزكاة (الاعتبار في ذلك) الحلي ما يتخذ للزينة و الزينة مأمور بها قال الله تعالى يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ و قال تعالى قُلْ من حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ و أضافها إليه ما أضافها إلى الدنيا و لا إلى الشيطان و الزكاة حق له و ما كان مضافا إليه لا يكون فيه حق له لأنه كله له فلا زكاة في زينة الله‏ و من اتخذه لزينة الحياة الدنيا و سلب عنه زينة الله أوجب فيه الزكاة و هو أن يجعل الله نصيبا فيه يحيي به ما أضاف منه إلى نفسه و يزكو و يتقدس كما شرع الله للإنسان أن يستعين بالله و يطلب العون منه في أفعاله التي كلفه سبحانه أن يعملها و هو العامل سبحانه لا هم فكذلك ينبغي أن يجعل الزكاة في زينة الحياة الدنيا و إن كانت زِينَةَ الله الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ فأوجبوا الزكاة في تلك الزينة كما أوجبها من أوجبها في الحلي‏

(وصل في زكاة الخيل)

اختلفوا في الخيل فالجمهور على أنه لا زكاة في الخيل و قال قوم إذا كانت سائمة و قصد بها النسل ففيها الزكاة أعني إذا كانت ذكرنا و إناثا (وصل الاعتبار في ذلك) هذا النوع من الحيوان و أمثاله من جملة زينة الله قال تعالى وَ الْخَيْلَ وَ الْبِغالَ وَ الْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَ زِينَةً و هي من زينة الله الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ ثم إنه من الحيوان الذي له الكر و الفر فهو أنفع حيوان يجاهد عليه في سبيل الله فالأغلب فيه أنه لله و ما كان لله فما فيه حق لله لأنه كله لله‏ النفس مركبها البدن فإذا كان البدن في مزاجه و تركيب طبائعه بحيث أن يساعد النفس المؤمنة الطاهرة على ما تريد منه من الإقبال على طاعة الله و الفرار عن مخالفة الله كان لله و ما كان لله فلا حق فيه لله لأنه كله لله و إذا كان البدن يساعد وقتا و لا يساعد وقتا آخر لخلل فيه كان رد النفس بالقهر فيما لا يساعد فيه من طاعة الله زكاة فيه كمن يريد الصلاة و يجد كسلا في أعضائه و تكسرا فيتثبط عنها مع كونه يشتهيها فأداء الزكاة في ذلك الوقت أن يقيمها و لا يتركها مع كسلها و هي في ذلك الوقت سائمة من السامة اعتبار متخذة للنسل لأن فيها ذكرا و إناثا أي خواطر عقل و خواطر نفس‏ (وصل) في سائمة الإبل و البقر و الغنم و غير السائمة فإن قوما أوجبوا الزكاة فيها كلها سائمة و غير سائمة و ذهب الأكثرون إلى أن لا زكاة في غير السائمة من هذه الثلاثة الأنواع‏ (اعتبار هذا الوصل) السائمة الأفعال المباحة كلها و غير السائمة ما عدا المباح فمن قال الزكاة في السائمة قال إن المباح لما كانت الغفلة تصحبه أوجبوا أن يحضر الإنسان عند فعله المباح أنه مباح بإباحة الشارع و لو لم يبح فعله ما فعله فهذا القدر من النظر هو زكاته و أما غير السائمة فلا زكاة فيها لأنها كلها أفعال مقيدة بالوجوب أو الندب أو الحظر أو الكراهة فكلها لا تخيير على الإطلاق للعبد فيها فكلها لله تعالى و ما كان لله لا زكاة فيه فإن الزكاة حق لله في هذا كله و ألحق بعض أصحابنا المندوب و المكروه بالمباح فجعل فيه الزكاة كالمباح سواء و قالت طائفة أخرى ما هو مثل المباح فإن فيه ما يشبه الواجب و المحظور و فيه ما يشبه المباح فإن كان وقته تغليب أحد النظرين فيهما كان حكمه بحكم الوقت فيهما و هو أن يحضر له في وقت إلحاقهما بالمباح و في وقت إلحاقهما بالواجب و المحظور و الصورة في الشبه أن السائمة مملوكة و غير السائمة مملوكة فالجامع بينهما الملك و لكن ملك غير السائمة أثبت لشغل المالك بها و تعاهده إياها و السائمة ليست كذلك و إن كانت ملكا و كذلك المندوب و المكروه هو مخير في الفعل و الترك فأشبه المباح و هو مأجور في الفعل فيهما و الترك فأشبه الواجب و المحظور و هذا أسد مذاهب القوم عندنا و من قال الزكاة في الكل قال إنما أوجب ذلك في الكل سائمة و غير سائمة لأن الأفعال الواقعة من العبد منسوبة للعبد نسبة إلهية و إن اقتضى الدليل خلافها فوجبت الزكاة في جميع الأفعال لما دخلها من النسبة إلى المخلوق‏ و صورة الزكاة فيها استحضارك أن جميع ما يقع منك بقضاء و قدر عن مشاهدة و حضور تام في كل فعل عند الشروع في الفعل و ذلك القدر هو زمان الزكاة بمنزلة انقضاء الحول و قدر ذلك الفعل الذي يمكن الرد فيه إلى الله ذلك هو نصاب ذلك الفعل و هذا مذهب العلماء بالله إن الأفعال كلها لله بوجه و تضاف إلى العبد بوجه فلا يحجبنهم وجه عن وجه كما لا يشغله شأن عن شأن‏

(وصل في زكاة الحبوب‏ و أما ما اختلفوا فيه من النبات بعد اتفاقهم على الأصناف الثلاثة)

فمنهم من لم ير الزكاة إلا في تلك الأصناف الثلاثة و منهم من قال الزكاة في جميع المدخر المقتات من النبات و منهم من قال الزكاة في كل ما تخرجه الأرض ما عدا الحشيش و الحطب و القصب‏ (الاعتبار في كونه نباتا) فهذا النوع مختص بالقلب فإنه محل نبات الخواطر و فيه يظهر حكمها على الجوارح فكل خاطر نبت في القلب و ظهر عينه على ظاهر أرض بدنه ففيه الزكاة لشهادة كل ناظر فيه إنه فعل من ظهر عليه فلا بد أن يزكيه برده إلى الله ذلك هو زكاته و ما لم يظهر فلا يخلو صاحبه لما نبت في قلبه ما نبت هل كان ممن رأى الله فيه أو قبله فإن كان من هذا الصنف فلا زكاة عليه فيه فإنه لله و من رأى الله بعده من أجله فتلك عين الزكاة قد أداها و إن لم ير الله بوجه وجبت عليه الزكاة عند العلماء بالله و لم تجب عليه الزكاة عند الفقهاء من أهل الطريق لأن الشارع لم يعتبرا لهم حتى يقع الفعل فكان نباتا سقطت فيه الزكاة كما سقطت المؤاخذة عليه‏ فإن كان النبات من الخواطر التي فيها قوت للنفس وجبت الزكاة لما فيها من حظ النفس فإن كان حظ النفس تبعا فلا زكاة فإن قوت هذا الذي هذه صفته فهو الله الذي به يقوم كل شي‏ء قيل لسهل بن عبد الله ما القوت قال الله قيل له سألناك عن قوت الأشباح قال الله فلما ألحوا عليه قال ما لكم و لها دع الديار إلى مالكها و بانيها إن شاء عمرها و إن شاء خربها

(وصل في النصاب بالاعتبار)

و أما النصاب في الأعضاء فهو أن تتجاوز في كل عضو من الأول إلى الثاني و لكن من الأول المعفو عنه لا من الأول المندوب فإن الأول المعفو عنه لا زكاة فيه فإنه لله و الثاني لك ففيه الزكاة و لا بد سواء كان في النظرة الأولى أو السماع الأول أو اللفظة الأولى أو البطشة الأولى أو السعي الأول أو الخاطر الأول‏ و الجامع كل حركة لعضو لا قصد له فيها فلا زكاة عليه فإذاكانت الثانية التالية لها فإنها لا تكون إلا نفسية عن قصد فوجبت الزكاة أي طهارتها و الزكاة فيها هي التوبة منها لا غير فتلتحق بالحركة الأولى في الطهارة من أجل التوبة و التوبة زكاتها هذا حد النصاب فيما تجب فيه الزكاة من جميع ما تجب فيه الزكاة و لا حاجة لتعدادها في الحكم الظاهر المشروع في تلك الأصناف لأن المقصود الاعتبار و قد بان فاكتفينا بذلك عن تفصيله و قد تقدم اعتبار وقت الزكاة و بقي لنا اعتبار من أخرج الزكاة قبل وقتها فإن قوما منعوا من ذلك و به أقول و أجازه بعضهم‏ (اعتباره) تطهير المحل للخاطر قبل وقوعه بالاستعداد له مع علمه بما يخطر له من جهة الكشف الذي هو عليه فإن قطع بحضوره و لا بد لم يجزه فإنه راجع إلى الطهارة الأولى و إذا وقع فلا بد من طهارة لوقوعه بلا شك فلا يتعدى بالأمور أوقاتها فإن الحكم للوقت و من أخرجها قبل الوقت فقد عطل حكم الوقت‏

(وصل في ذكر من تجب لهم الصدقة)

و هم الثمانية الذين ذكر الله في القرآن الفقراء و المساكين و العاملون عليها و المؤلفة قلوبهم و الرقاب و الغارمون و المجاهدون و ابن السبيل‏ اعتبارهم‏ الأعضاء المذكورة تخرج الزكاة من أفعالها و ترد على أعيانها و هو المعبر عنه بثوابها ففي أفعال هذه الأعضاء الزكاة و على أعيانها تقسم الزكاة فمن زكى نظره بنفسه أعطى الزكاة بصره فعاد يبصر بربه بعد ما كان يبصر بنفسه و كذلك من زكى سمعه بنفسه أعطى الزكاة سمعه فصار يسمع بربه و هو قوله كنت سمعه و بصره‏ و كذلك يتكلم و يبطش و يسعى كل ذلك بربه و يتقلب في أموره كلها بربه‏ (وصل) في تعيين الأصناف الثمانية الذين تقسم الزكاة عليهم اعتبارا فمنهم الفقراء قال الله تعالى إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ في الرِّقابِ وَ الْغارِمِينَ وَ في سَبِيلِ الله وَ ابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً من الله يقول فرضها الله لهؤلاء المذكورين فلا يجوز أن تعطي إلى سواهم و في إعطائها لصنف واحد خلاف‏ و الذي أذهب إليه أنه من وجد من هؤلاء الأصناف قسمت عليهم الصدقة بحسب ما يوجد منهم لكن على الأصناف لا على الأشخاص و لو لم يوجد من صنف منهم إلا شخص واحد دفع إليه قسم ذلك الصنف و إن وجد من الصنف أكثر من شخص واحد قسم على الموجودين منه ما تعين لذلك الصنف قل الأشخاص أو كثروا و كذلك العامل عليها قسمه في ذلك البلد بحسب ما يوجد من الأصناف فإن وجد الكل فالكل صنف ثمن الصدقة إلى سبع و سدس و خمس و ربع و ثلث و نصف و للكل‏ ثم إنا نقدم من قدم الله بالذكر في العطاء و كذلك أفعل هنا في تعيينهم في هذا الباب فإن رسول الله صلى الله عليهم و سلم لما جاء في حجة وداعه إلى السعي بين الصفا و المروة تلا قوله تعالى إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ من شَعائِرِ الله ابدأ بما بدأ الله به‏ و حدثني بحكايته في هذا بعض أشياخنا قال أراد رجل من أهل القيروان الحج فبقي يتردد هل يمشي في البحر أو في البر و ما ترجح عنده واحد منهما فقال أسأل أول رجل اجتمع به فحيث ما قال لي سلكت ذلك الطريق قال فأول من لقيه يهودي فحار في أمره هل أسأله فعزم على سؤاله فشاوره فقال له يا مسلم أ ليس الله يقول هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ في الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ فقدم البر فقدم ما قدم الله و هذا هو الطريق نبدأ بما بدأ الله به و نقدم ما قدم الله فإنه من التزم ذلك رأى خيرا في حركاته‏ (اعتبار الفقير) الذي يجب إعطاء الصدقة له لا أنه يجب عليه أخذها عند أهل الطريق إلا عندنا فإنه واجب عليه أخذها إذا أعطيته و لا يسألها أصلا و لو تحقق بالعبودية أسنى مرتبة فيها و جاءته أخذها فإن الزكاة و إن كانت لهؤلاء الأصناف فإنها حق الله في هذه الأموال و للعبد أن يأكل من مال سيده فإنه حقه و إنما حرمت على أهل البيت تخصيصا لهذه الإضافة و سواء تحققوا بالعبودية أو لم يتحققوا فلو كان ذلك للتحقق بالعبودية ما حرمت إلا على رسول الله صلى الله عليه و سلم و من كان على قدمه الأمر و ليس كذلك فأهل الله أولى من تصرف في حقوق الله‏ ثم نرجع فنقول الفقير عندنا الذي ليس وراءه مرتبة للفقر هو الذي يفتقر إلى كل شي‏ء و لا يفتقر إليه شي‏ء و إلى الآن فما رأيت أحدا تحقق بهذه الصفة يقول الله تعالى من باب الغيرة الإلهية يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله فقد كنى عن نفسه في هذه الآية بكل ما يفتقر إليه وَ الله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ فما افتقر فقير إلا إلى الله عرف ذلك هذا الشخص أو لم يعرفه فإن الفقير الإلهي يرى الحق عين كل شي‏ء و هو في عبوديته منغمس مغمور حين رأى الله‏تسمى له باسم كل شي‏ء يفتقر إليه و ما في الوجود شي‏ء إلا و يفتقر إليه مفتقر ما من جميع الأشياء و لا يفتقر إليه شي‏ء لوقوف هذا الفقير عند هذه الآية يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله وَ الله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ فتحقق بهذه الآية فأوجب الله له الطهارة و الزكاة حيث تأدب مع الله و علم ما أراد الله بهذه الآية فإنها من أعظم آية وردت في القرآن للعلماء بالله الذين فهموا عن الله فلم يظهر عليه صفة غنى بالله و لا بغير الله فيفتقر إليه من ذلك الوجه فصح له مطلق الفقر فكان الله غناه بما هو من الأغنياء بالله فإن الغني بالله من افتقر إليه الخلق و زها عليهم بغناه بربه فذلك لا يجب له أن يأخذ هذه الزكاة فما قدم الحق الفقراء بالذكر و فوقهم من هو أشد حاجة منهم لا مسكين و لا غيره فإن الفقير هو الذي انكسر فقار ظهره فلا يقدر على أن يقيم ظهره و صلبه فلا حظ له في القيومية أبدا بل لا يزال مطاطئ الرأس لانكساره فافهم هذه الإشارة و المساكين المسكين من السكون و هو ضد الحركة و الموت سكون فإذا تحرك الميت فبتحريك غيره إياه لا بنفسه فالمسكين من يدبره غيره فلهذا فرض الله له أن يعطي الزكاة و لا يقال فيه إنه آخذ لها و هو لا يتصف بالحاجة و لا بعدم الحاجة و لهذا قلنا في الفقير إنه ما فوقه من هو أشد حاجة منه فإن المسكين هو عين المسلم المفوض أمره إلى الله عن غير اختيار منه بل الكشف أعطاه ذلك و لهذا ألحقناه بالميت فالمسكين كالأرض التي جعلها الله لنا ذلولا فمن ذل ذلة ذاتية تحت عز كل عزيز كان من كان فذلك المسكين لتحققه فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ و أن عزته هي الظاهرة في كل عزيز و هذه معرفة نبوية يقول تعالى أَمَّا من اسْتَغْنى‏ فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى فعند المحققين ضمير له لله و إن كانت الآية جاءت عتبا و لكن في حق فهم العرب و نحن مع شهود رسول الله صلى الله عليه و سلم و ذوقه و مرتبته فإن العارفين مناولهم هذا المقام حسنة من حسنات رسول الله صلى الله عليه و سلم و لا تبالي بذاك العزيز فنقول إنه ممن أشقاه الله بعزه فإن هذا المسكين ما ذل إلا للصفة و هذه الصفة لا تكون إلا لله عنده حقيقة لم تدنسها الاستعارة قط فهذا المسكين لم ير بعينه إلا الله إذ كان لا يرى العزة إلا عزته تعالى لا بعينه و لا بقلبه و نظر إلى ذلة كل ما سواه تعالى بالعين التي ينبغي أن ينظر إليهم بها فتخيل المخلوق الموصوف عند نفسه بالعزة أنه ذلك هذا المسكين لعزه و إنما كان ذلك للعز خاصة و العز ليس إلا لله فوفى المقام حقه فمثل هذا هو المسكين الذي يتعين له إعطاء الصدقة و العاملين عليها العامل المرشد إلى معرفة هذه المعاني و المبين لحقائقها و المعلم و الأستاذ و الدال عليها و هو الجامع لها بعلمه من كل من تجب عليه فله منها على قدر عمالته و ليس الأمر في حقه منها إلا كما قدمناه و الأولى بالمرشد أن يقول ما قالت الرسل إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الله فقد يكون هذا القدر الذي لهم من الزكاة الإلهية فلهم أخذ زكاة الاعتبار لا زكاة المال فإن الصدقة الظاهرة على الأنبياء حرام لأنهم عبيد و العبد لا يأخذ الصدقة من حيث ما تنسب إلى الخلق فاعلم ذلك‏ و المؤلفة قلوبهم فهم الذين تألفهم الإحسان على حب المحسن لأن القلوب تتقلب فتألفها هو أن تتقلب في جميع الأمور كما تعطي حقائقها و لكن لعين واحدة و هي عين الله فهذا تألفها عليه لا تملكها عيون متفرقة لتفرق الأمور التي تتقلب فيها فإن الجداول إذا كانت ترجع إلى عين واحدة فينبغي مراعاة تلك العين و التألف بها فإنه إن أخذته الغفلة عنها و مسكت تلك العين ماءها لم تنفعه الجداول بل يبست و ذهب عينها و إذا راعى العين و تألف بها تبحرت جداولها و اتسعت مذانبها و في الرقاب فهم الذين يطلبون الحرية من رق كل ما سوى الله فإن الأسباب قد استرقت رقاب العالم حتى لا يعرفوا سواها و أعلاهم في الرق الذين استرقتهم الأسماء الإلهية و ليس أعلى من هذا الاستراق إلا استرقاق أحدية السبب الأول من كونه سببا لا من حيث ذاته و مع هذا فينبغي لهم أن لا تسترقهم الأسماء لغلبة نظرهم إلى أحدية الذات من كونه ذاتا لا من كونها إلها ففي مثل هذه الرقاب تخرج الزكاة و الغارمين هم الذين أَقْرَضُوا الله قَرْضاً حَسَناً عن أمره و هو قوله عز و جل آمرا وَ أَقْرِضُوا الله قَرْضاً حَسَناً عطف على أمرين واجبين و هما قوله وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ و ثلث بقوله وَ أَقْرِضُوا الله قَرْضاً حَسَناً فالقرض ثالث ثلاثة و لكن ما عين ما تقرضه كما لم يعين ما تزكيه كما لم يعين صلاة بعينها فعمت كل صلاة أمرنا بإقامتها و كل زكاة و كل قرض إلا أنه نعت قَرْضاً بقوله حَسَناً مع تأكيد بالمصدر و سبب ذلك أن الصلاة و الزكاة العبد فيهما عبد اضطرار و في القرض عبد اختيار فمن الناس من أقرض الله قرض اختيار و هو الذي لم يبلغه الأمر به و بلغه إِنْ تُقْرِضُوا الله أو قوله من ذَا الَّذِي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناًفيأخذ الزكاة الغارم الأول الذي أعطى على الوجوب الصدقة بحكم الوجوب أي أنها تجب له و يأخذها الثاني باختيار المصدق حيث ميزه دون غيره و لا سيما في مذهب من يرى في عدد هؤلاء الأصناف أنه حصر المصرف في هؤلاء المذكورين أي لا يجوز أن تعطي لغيرهم فإذا أعطيت لصنف منهم دون صنف فقد برئت الذمة و هي مسألة خلاف فهذا المقرض بآية من ذَا الَّذِي يُقْرِضُ الله و إِنْ تُقْرِضُوا الله لا يأخذها بحكم الوجوب و المقرض بآية الأمر يأخذها بحكم الوجوب لأن المأمور أدى واجبا فجزاؤه واجب وَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ فإن الايمان واجب فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ و هذه كلها واجبات فأوجب الجزاء بالرحمة لهم بلا شك‏ و في سبيل الله فيمكن إن يريد المجاهدين و الإنفاق منها في الجهاد فإن العرف في سبيل الله عند الشرع هو الجهاد و هو الأظهر في هذه الآية مع أنه يمكن أن يريد بسبيل الله سبل الخير كلها المقربة إلى الله فأما هذا الصنف بحكم ما يقتضيه الطريق فسبيل الله ما يعطيه هذا الاسم الذي هو الله دون غيره من الأسماء الحسنى الإلهية فيخرجها فيما تطلبه مكارم الأخلاق من غير اعتبار صنف من أصناف المخلوقين كرزق الله عباده بل ما تقتضيه المصلحة العامة لكل إنسان بل لكل حيوان و نبات حتى الشجرة يراها تموت عطشا فيكون عنده بما يشترى لها ما يسقيها به من مال الزكاة فيسقيها بذلك فإنه من سبيل الله و لا قائل بهذا و إن أراد المجاهدين فالمجاهدون معلومون بالعرف من هم و المجاهدون أنفسهم أيضا في سبيل الله فيعاونون بذلك على جهاد أنفسهم‏ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر يريد جهاد النفوس و مخالفتها في أغراضها الصارفة عن طريق الله تعالى‏ و ابن السبيل و أبناء السبيل معلومون و هم في الاعتبار أبناء طريق الله لأن الألف و اللام للتعريف فهما بدل من الإضافة و نصيب هؤلاء من الزكاة التي هي الطهارة الإلهية التي ذكرناها فيما قبل‏ (وصل متمم) ثم لتعلم وفقك الله أن الأمور التي يتصرف فيها الإنسان حقوق الله كلها غير أن هذه الحقوق و إن كانت كثيرة فإنها بوجه ما منحصرة في قسمين قسم منهما حق الخلق لله و هوقوله صلى الله عليه و سلم إن لنفسك عليك حقا و لعينك عليك حقا و لزورك عليك حقا و القسم الآخر حق الله لله و هو قوله صلى الله عليه و سلم لي وقت لا يسعني فيه غير ربي‏ و هذا الحق الذي لله هو زكاة الحقوق التي للخلق لله و هذه الحقوق بجملتها في ثمانية أصناف العلم و العمل و هما بمنزلة الذهب و الفضة و من الحيوان الروح و النفس و الجسم في مقابلة الغنم و البقر و الإبل و من النبات الحنطة و الشعير و التمر و في الاعتبار ما تنبته الأرواح و النفوس و الجوارح من العلوم و الخواطر و الأعمال الغنم للروح و البقر للنفس و الإبل للجسم و إنما جعلنا الغنم للأرواح لأن الله جعل الكبش قيمة روح نبي مكرم فقال وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ فعظمه و جعله فداء ولد إبراهيم نبي ابن نبي فليس في الحيوان بهذا الاعتبار أرفع درجة من الغنم و هي ضحايا هذه الأمة أ لا تراها أيضا قد جعلت حق الله في الإبل و هو في كل خمس ذود شاة و جعلت مائة من الإبل فداء نفس ليس برسول و لا نبي فانظر أين مرتبة الغنم من مرتبة الإبل‏ ثم‏ إن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمرنا بالصلاة في مرابض الغنم‏ و الصلاة قربة إلى الله و أماكنها مساجد الله فمرابض الغنم من مساجد الله فلها درجة القربة و الإبل ليست لها هذه المرتبة و إن كانت أعظم خلقا و لهذا جعلناها للأجسام أ لا ترى أنه من أسمائها البدنة و الجسم يسمى البدن و البدن من عالم الطبيعة و الطبيعة بينها و بين الله درجتان من العالم و هما النفس و العقل فهي في ثالث درجة من القربة فهي بعيدة عن القرب الإلهي‏ أ لا ترى النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن الصلاة في معاطن الإبل‏ و علل ذلك بكونها شياطين و الشيطنة البعد يقال ركية شطون إذا كانت بعيدة القعر و الصلاة قرب من الله و البعد يناقض القرب فنهي عن الصلاة في معاطن الإبل لما فيها من البعد و كذلك الجسم الطبيعي أين هو من درجة القربة التي للروح و هو العقل فإنه الموجود الأول و هو المنفوخ منه في قوله وَ نَفَخْتُ فِيهِ من رُوحِي فلهذا جعلنا الروح بمنزلة الكبش و الجسم بمنزلة الإبل‏ و أما كون البقر في مقابلة النفوس و هي دون الغنم في الرتبة و فوق الإبل كالنفس فوق الجسم و دون العقل الذي هو الروح الإلهي و ذلك أن بنى إسرائيل لما قتلوا نفسا و تدافعوا فيها أمرهم الله أن يذبحوا بقرة و يضربوا الميت ببعضها فيحيا بإذن الله فلما حيي‏به نفس الميت عرفنا إن بينها و بين النفس نسبة فجعلناها للنفس‏ ثم إن الروح الذي هو العقل يظهر عنه مما زرع الله فيه من العلوم و الحكم و الأسرار ما لا يعلمه إلا الله و هذه العلوم كلها منها ما يتعلق بالكون و منها ما يتعلق بالله و هو بمنزلة الزكاة من الحنطة لأنها أرفع الحبوب و إن النفس يظهر عنها مما زرع الله فيها من الخواطر و الشهوات ما لا يعلمه إلا الله تعالى فهذا نباتها و هو بمنزلة التمر و زكاة الله منها الخاطر الأول و من الشهوات الشهوة التي تكون لأجل الله و إنما قرناها بالتمر لأن النخلة هي عمتنا فهي من العقل بمنزلة النخلة من آدم فإنها خلقت من بقية طينته و أما الجوارح فزرع الله فيها الأعمال كلها فأنبتت الأعمال و حظ الزكاة منها الأعمال المشروعة التي يرى الله فيها فهذه ثمانية أصناف تجب فيها الزكاة فأما العلم الذي هو بمنزلة الذهب فيجب فيها ما يجب في الذهب و أما العمل الذي هو بمنزلة الفضة فيجب فيه ما يجب في الورق و أما الروح فيجب فيه ما يجب في الغنم و أما النفس فيجب فيها ما يجب في البقر و أما الجوارح فيجب فيها ما يجب في الإبل و أما ما ينتجه العقل من المعارف و ينبته من الأسرار فيجب فيها ما يجب في الحنطة و أما ما تنتجه النفس من الشهوات و الخواطر و تنبته من الواردات فيجب فيه ما يجب في التمر و أما ما تنتجه الجوارح من الأعمال و تنبته من صور الطاعات و غيرها فيجب فيه ما يجب في الشعير (وصل في اعتبار الأقوات بالأوقات) اعلم أن الأوقات في طريق الله للعلماء العاملين بمنزلة الأقوات لمصالح الأجسام الطبيعية و كما أن بعض الأقوات هو زكاة ذلك الصنف كذلك الوقت الإلهي هو زكاة الأوقات الكيانية فإن في الوقت أغذية الأرواح كما إن في الأقوات أغذية الأشباح الحيوانية و النباتية و غذاء الجوارح الأعمال‏ و العلم و العمل معدنان بوجودهما تنال المقاصد الإلهية في الدنيا و الآخرة كما إن بالذهب و الفضة تنال جميع المقاصد من الأعراض و الأغراض فلنبين ما يتعلق بهذا النوع و هذه الأنواع من حق الله الذي هو الزكاة (وصل في مقابلة و موازنة الأصناف الذين تجب لهم الزكاة بالأعضاء المكلفة من الإنسان) و هم الفقراء يوازنهم من الأعضاء الفرج و يوازن المساكين البطن و يوازن العاملين القلب و يوازن المؤلفة قلوبهم بالسمع و يوازن الرقاب بالبصر و يوازن الغارمين باليد و يوازن المجاهدين باللسان و يوازن ابن السبيل بالرجل فإن اعتبرت هذه الموازنة بين هؤلاء الأصناف و بين هذه الأعضاء على ما ذكرناه تجد حكمة ما أشرنا إليه فالفقر في الفرج واضح و كذلك المسكنة في البطن ظاهر و العامل بالقلب صريح و المؤلفة قلوبهم بالسمع بين و الرقاب بالبصر واقع و الغارم باليد إفصاح و المجاهد باللسان صحيح و ابن السبيل بالرجل أوضح من الكل‏

(وصل في معرفة المقدار كيلا و وزنا و عددا)

خرج مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ليس في حب و لا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق و لا فيما دون خمس ذود صدقة و لا فيما دون خمس أواق صدقة يريد من الورق‏ فجعل الوسق في الحبوب و هي النبات و هو مكيال معروف و هو ستون صاعا فالخمسة الأوسق ثلاثمائة صاع و هو ما ينبته التخلق بالأسماء أعني الأخلاق الإلهية من الأخلاق في الإنسان لأنا قد روينا أن لله ثلاثمائة خلق من تخلق بواحد منها دخل الجنة و كلها أخلاق يصرفها الإنسان مع المخلوقات و مع من ينبغي أن تصرف معه على حد أمر الله و الزكاة منها هو الخلق الذي يصرفه مع الله فإنه أولى من يتخلق معه فإنه من المحال أن يبلغ الإنسان بأخلاقه مرضاة العالم و إيثار جناب الله أولى و هو أن يتخلق مع كل صنف بالخلق الإلهي الذي صرفه الله معه فيكون موافقا للحق‏ و قوله و لا فيما دون خمس ذو صدقة فهذا من عدد الأعيان و لا ينعد بالعين إلا العمل لا العلم فإن مقدار العلم معنوي و مقدار العمل حسي‏ و لا فيما دون خمس أواق صدقة و الأوقية أربعون درهما و الأربعون في الأوقية نظير الأربعين صباحا من أخلصها ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه فإذا ظهرت من العبد في خمسة أحوال كما هي في الزكاة خمس أواق حال في ظاهره له أوقية و هو إخلاص ظاهر و حال في باطنه مثله و حال في حده مثله و حال في مطلعه مثله و حال في المجموع مثله فهذه خمسة أحوال مضروبة في أربعين يكون الخارج مائتين و هو حد النصاب فيها خمسة دراهم من كل أربعين درهما درهم و هو ما يتعلق بكل أربعين من التوحيد المناسب لذلك النوع و مقادير المعاني و الأرواح أقدار من قوله وَ ما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ‏و مقادير المحسوسات من الأعمال أوزان و بالأوزان عرفت الأقدار

(وصل في توقيت ما سقى بالنضح و ما لم يسق به)

ذكر البخاري عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما سقى بالنضح نصف العشر و ما لم يسق بالنضح العشر (و اعتباره) أعمال المراد و أعمال المريد فالمريد مع نفسه لربه فيجب عليه نصف العشر و هو أن يزكي من عمله ما ظهرت فيه نفسه و المراد مع ربه لا مع نفسه فيجب عليه العشر و هو نفسه كله فإنه لا نفس له لرفع التعب عنه و كذلك اعتباره في العلم الموهوب و العلم المكتسب لم يخلص لله منه إلا نصفه و الموهوب كله لله و الكل عبارة عن قدر الزكاة لا غير و هو ما ينسب إلى الله من ذلك العلم أو العمل و ما ينسب إلى العبد من حيث حضور العبد مع نفسه في ذلك العلم أو العمل‏

(وصل في إخراج الزكاة من غير جنس المزكى)

في كل خمس ذود من الإبل شاة (اعتباره) ألا لله الدين الخالص فزكاة الأعمال الإخلاص و الإخلاص ليس بعمل لافتقاره إلى الإخلاص و هو النية

(وصل في فصل الخليطين في الزكاة)

ذكر الدارقطني عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال الخليطان ما اجتمعا على الحوض و الراعي و الفحل‏ (وصل الاعتبار في ذلك) قوله تعالى وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ فالمعاونة في الشي‏ء اشتراك فيه و هذا معنى الخليطين‏ فالحوض كل عمل أو علم يؤدي إلى حياة القلوب فيستعينا عليه بحسب ما يحتاج كل واحد منهما من صاحبه فيه و هو في الإنسان القلب و الجارحة خليطان فالجارحة تعين القلب بالعمل و القلب يعين الجارحة بالإخلاص فهما خليطان فيما شرعا فيه من عمل أو طلب علم‏ و أما الراعي فهو المعنى الحافظ لذلك العمل و هو الحضور و الاستحضار مثل الصلاة لا يمكن أن يصرف وجهه إلى غير القبلة و لا يمكن أن يقصد بتلك العبادة غير ربه و هذا هو الحفظ لتلك العبادة و القلب و الحس خليطان فيه‏ و أما الفحل فهو السبب الموجب لما ينتجه ذلك العلم أو العمل عند الله من القبول و الثواب فهما شريكان في الأجر فتأخذ النفس ما يليق بها مما يعطيه العلم و يأخذ الحس الذي للجسم ما يليق به من حسن الصورة في الدار الآخرة و المعنى الذي أنتج لهما هذا هو الفحل و هما فيه خليطان‏

(وصل فيما لا صدقة فيه من العمل)

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ليس في العوامل صدقة و لا في الجبهة صدقة خرج هذا الحديث الدارقطني عن علي رضي الله عنه‏ و العوامل هي الإبل التي يعمل عليها و الجبهة الخيل و قد تقدم كلام الزكاة في الخيل‏ (وصل) الاعتبار في ذلك‏ الهياكل عوامل الأرواح لأنها عليها تعمل ما كلفت من العمل و بها يقع العمل منها و لا زكاة على العامل في بدنه و إنما الزكاة على الروح العامل بها و زكاته قصده و تقواه و هو الإخلاص لله في ذلك العمل قال الله تعالى لَنْ يَنالَ الله لُحُومُها وَ لا دِماؤُها وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى‏ مِنْكُمْ‏

(وصل في فصل إخراج الزكاة من الجنس)

خرج أبو داود عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعثه إلى اليمن فقال خذ الحب من الحب و الشاة من الغنم و البعير من الإبل و البقر من البقر (وصل الاعتبار في ذلك) زكاة الظاهر ما قيده به الشرع من الأعمال الواجبة التي لها شبه في المندوب ففريضة الصلاة زكاة النوافل من الصلاة فإنها الواجبة أو صلاة ينذرها الإنسان على نفسه أو أي عبادة كانت و كذلك في الباطن زكاة من جنسه و هو أن يكون الباعث له على العبادة خوف أو مع و الزكاة في الباعث الباطن من ذلك أن تكون ما تستحقه الربوبية من امتثال أمرها و نهيها لا رغبة و لا رهبة الأوقاص‏

(وصل في ذكر ما لا يؤخذ في الصدقة)

ذكر أبو داود في كتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تؤخذ في الصدقة هرمة و لا ذات عوار و لا تيس الغنم إلا أن يشاء المصدق‏ (وصل الاعتبار في ذلك) الهرمة مثل قوله تعالى وَ إِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى‏ و قال ليصل أحدكم‏نشاطه و لا ذات عوار و هو العمل بغير نية أو نية بغير عمل مع التمكن من العمل و ارتفاع المانع و أما مشيئة المصدق في تيس الغنم فاعتباره أن لا يجحف على صاحب المال و هو الحضور في العمل من أوله إلى آخره فربما يقول لا يقبل العمل إلا هكذا و يكفي في العمل النية في أول الشروع و لا يكلف المكلف أكثر من هذا فإن استحضر المكلف النية في جميع العمل فله ذلك و هو مشكور عليه حيث أحسن في عمله و أتى بالأنفس في ذلك و الجامع لهذا الباب اتقاء ما يشين العبادات مثل الالتفات في الصلاة و العبث فيها و التحدث في الصلاة في النفس بالمحرمات و المكروهات و تخيلها و أمثال هذا مما هو مثل الجعرور و لون الحبيق في زكاة التمر و أمثال ذلك من العيوب‏

(وصل في فصل زكاة الورق)

قد تقدم أن الورق هو العمل و أن الذهب هو العلم و الزكاة في العمل الفرض منه و الزكاة في العلم أيضا الفرض منه فإن نوافل الأعمال و العلوم كثيرة و هي التي زكاتها الفرائض لكون الزكاة واجبة و ما كان من النوافل صدقة تطوع فهي حضور العبد في ذلك العمل من الشروع فيه إلى آخره و زكاة أخرى أعني زكاة تطوع و هو أن يقصد بعمله ذلك تكملة الفرائض‏ فإنه‏ ورد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال أول ما ينظر فيه من عمل العبد الصلاة فإن كانت تامة كتبت له تامة و إن كان انتقص منها شيئا قال انظروا هل لعبدي من تطوع فإن كان له تطوع قال الله أكملوا لعبدي فريضته من تطوعه قال ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم‏ يعني الزكاة و الصوم و الحج و ما بقي من الأعمال الواجبة عليه فأما إن يقصد بعمله تلك النافلة تكملة الفرائض أو تعظيم جناب الحق بدخوله في عبودية الاختيار لا يحمله على ذلك طمع في جنة و لا خوف من نار

(وصل في فصل زكاة الركاز)

خرج مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أن في الركاز الخمس‏ و هو ما يوجد من المال في الأرض من دفن الجاهلية أو الكفار (وصل الاعتبار في ذلك) ما هو مركوز في طبيعة الإنسان هو الركاز و هو حب الرئاسة و التقدم على أبناء الجنس و جلب المنافع و دفع المضار و الخمس فيه‏ إذا وجد الرئاسة في قلبه فليقصد بها إعلاء كلمة الله على كلمة الذين كفروا كما هي في نفس الأمر فإن في نفس الأمر كلمة الله هي العليا و كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى‏ و الكفر هنا هو الشرك لا غيره و كما ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم في الخيلاء في الحرب في شأن أبي دجانة حين أخذ السيف من رسول الله صلى الله عليه و سلم بحقه فمشى به مصلتا خيلاء بين الصفين فلما رآه رسول الله صلى الله عليه و سلم على تلك الصورة قال هذه مشية يبغضها الله و رسوله إلا في هذا الموطن‏ و زكاتها ما ذكرناه من قصد إهانة الكفار و الحط من قدرهم و إعلاء كلمة الله التي هي الإسلام و عدم المبالاة بالمشركين‏ و كذلك جلب المنافع و دفع المضار فزكاة جلب المنافع أن يقصد بالمنفعة المعونة له على القيام بطاعة الله من نوم أو أكل أو شرب أو راحة أو ادخار مال و أمثال ذلك و أما دفع المضار أن لا يدفعها إلا من أجل أنها تحول بينه و بين ما يريده من إقامة طاعة الله و دينه و ما يؤول إليه من السعادة في الآخرة فذلك خمس ركازها فإن قلت كيف يضر بدينه فأعني به إن لم يدفع تلك المضرة عن نفسه و إلا حالت بينه و بين أداء فرض من فرائض الله أو حالت بينه و بين أسباب الخير فدفعها خمس ركازها ما في جبلتها من دفع مضار لا تؤدي إلى تعطيل فرض تعين عليه أداؤه أو مرغب فيه و قد سئل النبي صلى الله عليه و سلم عن الركاز فقال هو الذهب الذي يخلق الله في الأرض يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ‏ يعني المعادن‏

(وصل في فصل من رزقه الله مالا من غير تعمل فيه و لا كسب)

ورد في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال في حصول مثل هذا المال لا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول‏ و هو في يده‏ وجه اعتبار ذلك‏ ما يظهر على العبد من مكارم الأخلاق مما لا يأتيها على جهة القربة إلى الله فإنه ينتفع بذلك في الدار الآخرة و لا يلزمه أن ينوي بها القربة إلى الله و لا بد و لكن بلا خلاف إن نوى بذلك القربة فهو أولى و أفضل في حقه و الحديث الوارد في ذلك‏ ما ذكره أبو داود عن ضباعة بنت الزبير قالت ذهب المقداد لحاجته فإذا جرذ يخرج من‏جحر دينارا ثم لم يزل يخرج دينارا دينارا حتى أخرج سبعة عشر دينارا ثم أخرج دينارا ثم أخرج خرقة حمراء فيها دينار فكانت تسعة عشر دينارا فذهب بها إلى النبي صلى الله عليه و سلم فأخبره و قال له خذ صدقتها فقال له النبي صلى الله عليه و سلم هل قربت الجحر قال لا فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم بارك الله لك فيها

(وصل في فصل زكاة المدبر)

قال الراوي رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يأمرنا أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع‏ (وصل في الاعتبار فيه) إذا حدث الإنسان نفسه في نفسه بأن يعمل خيرا أو يأتي خلقا كريما من مكارم الأخلاق فلينو بما حدث به نفسه من ذلك القربة إلى الله‏

(وصل في فصل الصدقة قبل وقتها)

و قال به بعض الأئمة لحديث أبي داود عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إن العباس سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم في تعجيل صدقته قبل أن تحل فرخص له‏ و قال مرة فاذن له تكلم في هذا الحديث و لو صح فهي رخصة في قضية عين لا يقاس عليها (وصل في اعتبار ذلك) نية الصلاة الواجبة على المكلف لا تجب إلا عند الشروع فيها فإن نواها الإنسان قبل ذلك من حين شروعه في الوضوء ثم استصحب النية إلى أن شرع في الصلاة جاز له ذلك و حصل على خير كثير و لكن لا تجزيه الصلاة المقيدة بالوقت قبل دخول الوقت إلا في مذهب من يرى الجمع بين الصلاتين في أول الوقت فلا يبعد أن يجوز تعجيل الصدقة و الاسترواح في مثل هذا من قوله أُولئِكَ يُسارِعُونَ في الْخَيْراتِ وَ هُمْ لَها سابِقُونَ‏ و مثاله أيضا في الاعتبار من جاز له النظر إلى المخطوبة فامتنع من ذلك حياء من الله و حذرا أن يزيد في النظر على قدر الحاجة فلم يفعل حتى عقد عليها و عندي في النظر إلى المخطوبة تقسيم و هو إن كانت المخطوبة من ذرية الأنصار و لم ينظر إليها قبل العقد فهو عاص و إن نظر إلى وجهها قبل العقد كان نظره قربة إلى الله و طاعة لرسوله صلى الله عليه و سلم و أما غير الأنصارية فلا و إن نظر فهو أولى إذا خطب‏ و أما ما ذكرناه من الجمع بين الصلاتين إذا ضم الثانية إلى الأولى فهو في الباطن أن يجد في البسملة روح الفاتحة أو السورة التي يريد قراءتها فإن البسملة في كل سورة مفتاحها

(وصل في فصل زكاة الفطر)

اختلف العلماء في حكم زكاة الفطر فمن قائل إنها فرض و من قائل إنها سنة و من قائل إنها منسوخة بالزكاة (اعتبار الفطر) الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أ و لم يروا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما و الفطر الفتق و منه كل مولود يولد على الفطرة و أول ما فتق الله إسماع المكونات في حال إيجادها و هي حالة تعلق القدرة بين العدم و الوجود بقوله كن فتكونوا بأنفسهم عند هذا الخطاب امتثالا لأمر الله و تلك كلمة الحضرة و أول ما فتق أسماعهم به و هم في الوجود الأول قوله أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ف قالُوا بَلى‏ فهذا خصوص بالبشر و التكوين عموم و أول ما فتق به ألسنتهم بقولهم بلى و أول ما فتق معي الصائمين ما أكلوه يوم عيد الفطر قبل الخروج إلى المصلي و أول ما فتق به معي أهل الجنة أكلهم زيادة كبد النون‏ فينبغي للعبد في صدقة الفطر يوم العيد أن الصفة الصمدانية لا تنبغي إلا لله تعالى فإن الصوم لله لا للعبد و هذه الزكاة فرض على كل إنسان حر أو عبد صغير أو كبير ذكر أو أنثى أن يعرف ما تستحقه الربوبية من صفة الصمدانية ثم إنها لا تجزى عندنا إلا من التمر و الشعير غير ذلك لا يجزي فيها و عند الجمهور من العلماء تجوز من المقتات به و هي مسألة خلاف‏ و القوت ما تقوم به هذه النشأة الطبيعية و قوت الأرواح ما تتغذى به من علوم الكشف أو الايمان خاصة فإن بهذا القدر من العلم تقوم نشأة الأرواح الناطقة و زكاتها علم الكشف خاصة

(وصل في فصل وجوبها على الغني و الفقير و الحر و العبد و الذكر و الأنثى و الصغير و الكبير)

أوجبها رسول الله صلى الله عليه و سلم على كل اثنين صغير أو كبير (اعتباره) متعلم و عالم‏ و قوله حر أو عبد اعتباره‏ من تحرر عن رق الأكوان فكان وقته شهوده كونه حرا عنها أو عبدا من كان وقته شهود العبودية من غير نظرإلى الأكوان‏ و قوله ذكر أو أنثى‏ اعتباره‏ في الذكر العقل و في الأنثى النفس و يعتبر فيهما أيضا في الذكر الناظر في العلم الإلهي و في الأنثى الناظر في علم الطبيعة فنسب كل ناظر إلى مناسبه من جهة ما هو ناظر فيه‏ و قوله غني أو فقير اعتباره‏ غني بالله أو فقير إلى الله‏ و قوله صاعا من تمر الصاع أربعة أمداد نشأته صاعه من أربعة أخلاط لكل ركن أو خلط مد لكمال نشأته روحا و عقلا و جسما و مرتبة ثم شهوده فيها الأربع النسب التي يصف بها ربه في إيجاد عينه و أصول كونه من حياة و علم و إرادة و قدرة لكل صفة مد ليكون الجملة صاعا إذ بهذه النسب يصح كونه ربا و كونك مربوبا عبدا لله تعالى‏

(وصل في فصل إخراج زكاة الفطر عن كل من يمونه الإنسان)

ذكر الدارقطني من حديث ابن عمر رضي الله عنه قال أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بزكاة الفطر عن الصغير و الكبير و الحر و العبد ممن تمونون‏ (وصل الاعتبار في ذلك) الأستاذ يقصد بالتلميذ في التربية ما لا يبلغه علم التلميذ حتى يحصل له ما قصد به الشيخ من الفائدة فذلك زكاة تعليمه فإن فضل ذلك المنوي يعود على التلميذ فكان التلميذ أعطاه الأستاذ لما يعود عليه من الفضل فقد يفتح على الأستاذ بصدق التلميذ فيما ليس عنده و ينجر في هذه المسألة الولي يزكي مال اليتيم الذي في حجره و تحت نظره‏

(وصل في فصل إخراجها عن اليهودي و النصراني)

ذكره أبو الحسن الدارقطني رحمه الله في كتابه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم يعني إخراج زكاة الفطر عن اليهودي و النصراني‏ (الاعتبار في ذلك) نية الخير في العمل فيمن ليس من جنسك يعود فضله عليك و أنا مؤمن بما هو اليهودي و النصراني به مؤمن مما هو حق في دينه و في كتابه من حيث إيماني بكتابي قال تعالى وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ من رُسُلِهِ فمن هناك يخرجها عنه فإني ممن أمونه أيضا فإن كتابي يتضمن كتابه و ديني يتضمن دينه فدينه و كتابه مندرج في كتابي و ديني‏ النفس إذا أشركت في العمل طلب حظها فهي بمنزلة اليهودي و النصراني اللذين يقولان إن عزيرا ابن الله و المسيح ابن الله و يجب على المؤمن إخراج الزكاة عنها و هي بهذه الصفة فإن النبي عليه السلام قام إلى جنازة يهودية و قال أ ليست نفسا فهذا اعتبار إخراج الزكاة عن اليهودي و النصراني هذا إذا اعتبرت المعنى فإذا اعتبرت اشتقاق اللفظ من النصرة و الهدى فالزكاة عنهما القصد بها وجه الله لا غير ذلك انتهى الجزء الثاني و الخمسون‏

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(وصل في فصل وقت إخراج زكاة الفطر)

أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بزكاة الفطر أن تؤدي قبل خروج الناس إلى المصلي‏ (الاعتبار في ذلك) المسارعة في إيصال الراحات إلى المفتقرين إليها و حينئذ يخرج إلى المصلي و هو قوله فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً و المصلي يناجي ربه و هو خارج إلى المصلي فذلك خير له و أطهر

(وصل في فصل المتعدي في الصدقة)

قال الراوي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال المتعدي في الصدقة كمانعها خرجه أبو داود (الاعتبار في ذلك) لنفسك عليك حق و لعينك عليك حق فإذا كلفتها فوق طاقتها أعللتها فادى ذلك إلى تعطيل خير كثير فكنت بمنزلة المانع من الخير في عين ما تريده من الخير و أنت تعلم أن النفس إنما هي بهذه الجوارح فإذا تعطلت الآلات و ضعفت عن العمل بحملها الأول على الشدائد من العمل كنت كالمانع عن العمل و لنا في هذا المعنى‏

ما يفعل الصنع التحرير في شغل آلاته أذنت فيه بإفساد

و الزيادة في الحد نقص من المحدود

(وصل في فصل زكاة العسل)

ذكر الترمذي عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في العسل في كل عشرة أزقاق زق‏ (الاعتبار في ذلك) العلم الذي يأخذه الولي من طريق الوحي مما يتعلق بالغير يجب عليه إذاعته لأهله فإنه من أجلهم أعطيه و إنما خصصناه بالوحي دون غيره من الصفات إذ صفات تحصيل العلم كثيرة لأنا شبهناه بالعسل و هو نتيجة وحي قال تعالى وَ أَوْحى‏ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ فزكاته تعليمه‏

(وصل في فصل الزكاة على الأحرار لا على العبيد)

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ليس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق ذكره الدارقطني من حديث جابر (الاعتبار في ذلك) كما لا يجوز للعبد أن يأخذ الصدقة قيل و لهذا منع رسول الله صلى الله عليه و سلم من الصدقة لتحققه بعبوديته فلم يخرج منه صلى الله عليه و سلم شي‏ء في حركة و لا سكون يكون به حرا بغفلة و لا غير غفلة جملة واحدة و اجتبى آله عناية به في هذا الحكم فكذلك لا يجب في ماله زكاة حتى يكون حرا فإن العبد لا يملك مع سيده و علة الزكاة على الحر دعوى الملك و العبد لا دعوى له في شي‏ء العبد عين قيمته و هو ثمنه الذي اشترى به فكما لا يتصور في ثمنه دعوى و لا إباية فيما يريده السيد من التصرف فيه كذلك العبد و كل عبد لم يكن نظره في ثمنه في معاملة سيده فلا تحقق له في عبوديته و لا معرفة له بنفسه هذا مذهب الطائفة بلا خلاف‏ و إذا كان العبد مع سيده بهذه المثابة غاب العبد و ظهر السيد فإن أصل الظهور الدعوى و يكون السيد في هذه الحال يقوم عند الغير بصفة العبد تشريفا للعبد و هو قوله تعالى جعت فلم تطعمني و مرضت فلم تعدني و هما من صفة العبيد الجوع و المرض و كذا قال الله في الجواب مرض فلان فلم تعده فلو عدته لوجدتني عنده‏ فالله عند عبد هذه صفته و العبد إذا كانت هذه صفته كان عند ربه فافهم‏

(وصل في فصل أين تؤخذ الصدقات)

خرج أبو داود عن النبي صلى الله عليه و سلم أن الصدقة لا تؤخذ إلا في دورهم‏ (اعتباره) دار الإنسان جسمه و أخذ الصدقات من الأرواح الإنسانية إنما هو في الدار الآخرة فلا بد من حشر الأجسام فإنه لا تؤخذ الصدقات ممن وجبت عليه إلا في داره و ليس لأرواح الأناسي ديار إلا أجسامهم‏

(وصل في فصل أخذ الإمام شطر مال من لا يؤدي زكاة ماله بعد أخذ الزكاة منه)

ذكر أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال في حديث أخذ الزكاة و من منعها فأنا آخذها و شطر ماله عزمة من عزمات ربنا الحديث‏ (اعتباره) ما يملكه الإنسان من أعماله ينقسم قسمين قسم يختص بنفسه و قسم يختص بجوارحه و الزكاة التي تجب عليه في عمله هو ما فرض الله عليه من أعماله مندوبها و مباحها فإذا لم يؤد زكاة ماله نظر الله في أعماله التي عملها في الوقت الذي وجب عليه فيه أداء فرض الله فإن كان من مكارم الأخلاق لم يجازه عليها بما يستحقه من الثواب و مسك ذلك الثواب عنه عن زكاة عمل وقته و إن كان من سفسافها ضاعف عليه الوزر فإنه صاحب عمل مذموم في حال تركه لأداء ما وجب عليه فجمع بين أمرين مذمومين عمل و ترك و إن كان في فعل مباح أخذ بترك الواجب خاصة و أما أخذ شطر عمله فهو الشطر الذي يتصور فيه الدعوى و هو العمل فإن التكليف ينقسم إلى عمل و ترك فالترك لا دعوى فيه فيبقى العمل فيأخذه الحق منه بالحجة بأن الله هو الفاعل لذلك العمل فإذا كوشف بهذا لم يبق له على ما يطلب جزاء إذا الجزاء من كونه عاملا و قد تبين له أن العامل هو الله فيبقى في الحيرة إلى أن يمتن الله عليه إما بعد العقوبة أو قبل العقوبة فيغفر له فهذا شطر ماله الذي يؤخذ منه في الدار الآخرة حيث يتصور الحساب‏

(وصل في فصل رضي العامل على الصدقة)

ذكر الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن أنس قال أتى رجل من بنى سليم فقال يا رسول الله إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله و رسوله فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها و لك أجرها و إثمها على من بدلها و ذكر أبو داود من حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال سيأتيكم ركب مبغضون فإذا جاءوكم فرحبوا بهم و خلوا بينهم و بين ما يبتغون فإن عدلوا فلا نفسهم و إن ظلموا فعليها و أرضوهم فإن‏تمام زكاتكم رضاهم و ليدعوا لكم‏ و في حديثه أيضا عن بشير بن الخصاصية قال فقلنا يا رسول الله إن أصحاب الصدقة يعتدون علينا أ فنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا قال لا (وصل الاعتبار في ذلك) المصدق هو الوقت و رضاه أن يوفي له بما يقتضيه حاله مما جاء به و إن جاء بشدة و قهر مثل ما يجد الإنسان من خاطر في عمل من الأعمال أي من أعمال الخير إلا أنه شاق ربما أدى إلى تلف فكان أبو مدين رضي الله عنه يقول فيه الدية على القاتل قال تعالى في المهاجر ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى الله و صورة التعدي فيه إن الله قد جعل لنفسك عليك حقا و لعينك عليك حقا فاعتديت عليك في ذلك و هو قوله في المصطفين فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ فالمتعدي هو الوقت و هو الخاطر الذي يخطر بما خطر و هو المتعدي و هو العادل‏

(وصل في فصل المسارعة بالصدقة)

فإن مسلم بن الحجاج ذكر في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال تصدقوا فيوشك الرجل يمشي بصدقته فيقول الذي أعطيها لو جئتنا بها بالأمس قبلتها و أما الآن فلا حاجة لي بها فلا يجد من يقبلها (وصل الاعتبار في ذلك) المسارعة بالتوبة و هي من الفرائض فإن أخرها إلى الاحتضار لم تقبل و هنا مسألة دقيقة القليل من أصحابنا من يعثر عليها و هي أن المراد قد يكون غير تائب فيكون له كشف من الله عناية به فيكون أول ما يكشف له أن الله هو خالق كل شي‏ء فلا يرى لنفسه حركة ظاهرة و باطنة و لا عملا و لا نية و لا شيئا إلا الله ليس بيده من الأمر شي‏ء فهل تتصور منه توبة في هذه الحال أم لا و هو يرى أنه مسلوب الأفعال و إن تاب فهل تقبل توبته مع هذا الكشف أو يكون بمنزلة من تاب بعد طلوع الشمس من مغربها فإن شمس الحقيقة قد طلعت له هنا من مغرب قلبه بصحة علمه و هذا من أصعب الأحوال على قلب المراد المجذوب فإن قبول التوبة و قبول العمل إنما هو مع الحجاب حجاب إضافة العمل إليك و هنا ما خرج شي‏ء عنه حتى يقبله بل هو في يديه و القبول لا يكون إلا من الغير فاعلم إن نسبة الناظر ما هي نسبة العامل فالناظر يقبل من العامل و العامل هو المتصرف في هذه الذات التي هي محل ظهور العمل أي عمل كان فتتصور التوبة من صاحب هذا الكشف و يكون الله هو التواب هنا و هذا أقصى مشهده فليسارع إلى الطاعات على أي حال كان و لا يتوقف فإن الأنفاس ليست له و لا تكليف إلا هنا و يوم القيامة إذ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ سجود تمييز لا سجود ابتلاء فيتميز في دعاء الآخرة إلى السجود من سجد لله ممن سجد اتقاء و رياء و في الدنيا لم يتميز لاختلاط الصور

(وصل في فصل ما تتضمنه الصدقة من الأثر في النسب الإلهية و غيرها)

فمن ذلك قوله تعالى وَ ما أَنْفَقْتُمْ من شَيْ‏ءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ و خرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما من يوم يصبح فيه العباد إلا و ملكان ينزلان يقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا و يقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا فانظر يا أخي كيف جعل هويته خلفا من نفقتك و إنك أحييت من تصدقت عليه فأحياك الله به حياة أبدية لأنه إن لم يكن الحق حياتك فلا حياة فإن قلت لو كان ذلك النصب الياء و رفع اللام قلنا الهوية عين الذات و الهوية تخلف الشي‏ء المتصدق به باسم إلهي تكون به حياة ذلك المنفق و أسماؤه ليست غيره و لكن هكذا تقع العبارة عنها لما يعقل في ذلك من اختلاف النسب و كلامنا في هذه المعاني إنما هو مع أصحابنا الذين قد علموا ما نقول و نشير به إليهم على ما تقرر عندنا في الاصطلاح في ذلك فالأجنبي لا يقبل اعتراضه‏ أ لا ترى الملك يقول اللهم أعط منفقا خلفا مع أنه وعد بالخلف و وعده صدق و الإنفاق هنا من الهلاك و الإتلاف أي أتلف ما كان عنده عنه و لا خلاء فاجعل مكانه ما يناسب أثره فيمن أتلف من أجله فله أجر من أحيا أ لا ترى الآخر يقول اللهم أعط ممسكا تلفا لأن الملائكة لسان خير فيقول هذا الملك اللهم أعط ممسكا ما أعطيت المنفق حتى يتلف ماله مثل صاحبه فكأنه يقول اللهم ارزق الممسك الإنفاق حتى ينفق فإن كنت لم تقدر في سابق علمك إن ينفقه باختياره فأتلف ماله حتى تأجره فيه أجر المصاب فنصيب خيرا و أنت قد قلت وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ من في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً فهذا قد تلف ماله كرها فأعد عليه ثوابا ممن وجد به راحة و إن لم يقصدها هذا الذي رزئ في ماله بالتلف فهذا دعاء له بالخير لا ما يظنه من لا معرفة له بمراتب‏الملائكة فإن الملك لا يدعو بشر و لا سيما في حق المؤمن بوجوده فكيف بتوحيده فكيف بما جاء من عنده‏ و لا شك أن دعاء الملك مجاب لوجهين الواحد لطهارته و الثاني إنه دعاء في حق الغير فهو دعاء لصاحب المال بلسان لم يعصه به و هو لسان الملك إذ هذا موجود في لسان بنى آدم مع كونهم عصاة الألسنة و لكن‏ قال الله تعالى لموسى عليه السلام ادعني بلسان لم تعصني به فقال و ما هو قال دعاء أخيك لك و دعاؤك له فإن كل واحد منكما ما عصاني بلسان غيره الذي دعاني به في حقه فما دعاني له إلا بلسان طاهر و أضاف الدعاء إليه لأن الداعي نائب عن المدعو له و لسان الداعي ما عصى الله به المدعو له‏ و من ذلك أيضا ما خرجه مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الله عز و جل قال لي أنفق أنفق عليك‏ فقد أخبر الله تعالى أن إنفاقك جعل الحق ينفق عليك فهذا من أثر الصدقة في النسبة الإلهية و من ذلك ما ذكره الترمذي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الصدقة تطفئ غضب الرب و تدفع عن ميتة السوء و هو حديث حسن غريب فهذا من أثر الصدقة الدفع و إطفاء نار الغضب فإن الله يغضب يوم القيامة غضبا لم يغضب قبله مثله و لن يغضب بعده مثله على الوجه الذي يليق بجلاله فإن الغضب الذي خاطبنا به معلوم بلا شك و لكن نسبته إلى الله مجهولة لا إن الغضب مجهول أو يحمل على ما ينتجه في الغاضب أو يحمل على معنى آخر لا نعلمه نحن إذ لو كان ذلك لخوطبنا بما لا نفهم فلا يكون له أثر فينا و لا يكون موعظة فإن المقصود الإفهام بما نعلم و لكن إنما جهلنا النسبة خاصة لجهلنا بالمنسوب إليه لا بالمنسوب فاعلم ذلك‏ و لقد جرى لبعض شيوخنا من أهل الموازنة بالمغرب الأقصى أن السلطان رفع إليه في حقه أمور يجب قتله بها فأمر بإحضاره مقيدا و ينادي في الناس أن يحضروا بأجمعهم حتى يسألهم عنه و كان الناس فيه على كلمة واحدة في قتله و القول بما يوجب ذلك و زندقته فمر الشيخ في طريقه برجل يبيع خبزا فقال له أقرضني نصف قرصة فأقرضه فتصدق بها على شخص عابر ثم حمل و أجلس في ذلك الجمع الأعظم و الحاكم قد عزم عليه إن شهد فيه الناس بما ذكر عنه أنه يقتله شر قتلة و كان الحاكم من أبغض الناس فيه فقال يا أهل مراكش هذا فلان ما تقولون فيه فنطق لكل بلسان واحد إنه عدل رضي فتعجب الحاكم فقال له الشيخ لا تعجب فما هي هذه المسألة بعيدة أي غضب أعظم غضبك أو غضب الله و غضب النار قال غضب الله و غضب النار قال و أي وقاية أعظم وزنا و قدرا نصف قرصة أو نصف تمرة قال نصف قرصة قال دفعت غضبك و غضب هذا الجمع بنصف رغيف لما سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول اتقوا النار و لو بشق تمرة و قال إن الصدقة لتطفئ غضب الرب و تدفع ميتة السوء و قد فعل الله ذلك دفع عني شركم و ميتة السوء بنصف رغيف مع حقارتكم و عظم صدقتي فإن صدقتي أعظم من شق تمرة و غضبكم أقل من غضب النار و غضب الرب فتعجب الحاضرون من قوة إيمانه‏ و أسوأ الموتات أن يموت الإنسان على حالة تؤديه إلى الشقاء و لا يغضب الله إلا على شقي فانظر إلى أثر الصدقة كيف أثرت في الغضب الرباني و في أسوأ الموتات و في سلطان جهنم فالمتصدق على نفسه عند الغضب ليس إلا بأن يملكها عند ذلك فإن ملكه إياها عند الغضب صدقة عليها من حيث لا يشعر قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ليس الشديد بالصرعة و إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب‏ فإن الغضب نار محرقة فهذا من صدقة الإنسان على نفسه‏ ثم إن الله قد ذكر أنه لا يغفر لمشرك و مع هذا فإن الله يهون عليه بقدر ما أنفق و قد ذكر أبو داود عن عائشة قالت يا رسول الله أين عبد الله بن جدعان قال في النار قال فاشتد عليها فقال يا عائشة ما الذي اشتد عليك قالت كان يطعم الطعام و يصل الرحم قال أما أنه يهون عليه بما تقولين فيه إنه يخفف عنه بمجرد ما يذكر به من مكارم الأخلاق‏ و قال البخاري في صحيحه إن النبي صلى الله عليه و سلم قال اتقوا النار و لو بشق تمرة فمن لم يجد شق تمرة فبكلمة طيبة و قد قال صلى الله عليه و سلم إن الكلمة الطيبة صدقة و كل تسبيحة صدقة و كل تهليلة صدقة و غير ذلك من الأذكار و الأفعال التي تقتضيها مكارم الأخلاق و لقد ذكر مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم دينار أنفقته في سبيل الله دينار أنفقته في رقبة دينار تصدقت به على مسكين دينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك‏

(وصل في فصل من أنفق مما يحبه)

قال الله عز و جل لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ و كان عبد الله بن عمر يشتري السكر و يتصدق به و يقول إني أحبه عملا بهذه الآية و أحب ما للإنسان نفسه فإن أنفقتها في سبيل الله نال بذلك ما في موازنتها فإنه من استهلك شيئا فعليه قيمته و الحق قد استهلك نفس هذا العبد فإنه أمرك بإنفاق ما تحب و ما لها قيمة عنده إلا الجنة و لهذا إذا لم نجد شيئا وجدت الله فإنه لا يوجد إلا عند عدم الأشياء التي يركن إليها و نفس الإنسان هي عين الأشياء كلها و قد هلكت فقيمتها ما ذكرناه فانظر إلى فضل الصدقة ما أعلاه‏

(وصل في فصل الإعلان بالصدقة)

من الاسم الظاهر و الاستفتاح بها من الاسم الأول و التأسي بها من قوله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله و مسألة الإمام الناس لذوي الفاقة إذا وردوا عليه و ليس عنده في بيت المال ما يعطيهم هو القلب الخالي من العلم الذي تتعدى منفعته للغير من جوارحه و من يحسن الظن به فيسأل الأسماء الإلهية لتعطيه من الأحوال و العلوم ما تستعين بها قواه الظاهرة و الباطنة على ما كلفها الله من الأعمال‏ فإن الله أخبر الرسول صلى الله عليه و سلم أنه يصبح على كل سلامي كل يوم صدقة و جعل كل تسبيحة صدقة و كل تهليلة صدقة إلى غير ذلك و هذه أحوال تحتاج إلى نية و إخلاص و لا تكون النية إلا بعد معرفة من يخلص له و هو الله تعالى فلا بد للإمام أن يسأل ما يتصدق به على كل سلامي و عن كل سلامي و القلب مسئول عن رعيته و هي جميع قواه الظاهرة و الباطنة و الحديث الجامع النبوي لما قررناه و اعتبرناه ما خرجه مسلم عن جرير بن عبد الله‏ قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه و سلم في صدر النهار فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار متقلدين السيوف عامتهم من مضر بل كلهم من مضر فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالا فاذن و أقام فصلى بهم ثم خطب فقال يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ من نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً وَ اتَّقُوا الله الَّذِي تَسائَلُونَ به وَ الْأَرْحامَ إِنَّ الله كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَ اتَّقُوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره حتى قال و لو بشق تمرة قال فجاء رجل بصرة من الأنصار تكاد كفه تعجز عنها بل عجزت قال ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام و ثياب حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم يتهلل كأنه مذهبة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها من بعده من غير أن ينتقص من أجورهم شيئا و من سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها و وزر من عمل بها من بعده من غير أن ينتقص من أوزارهم شيئا

(وصل في فصل شكوى الجوارح إلى الله النفس و الشيطان مما يلقيان إليهن من السوء)

أهل الكشف يرون و يسمعون شكوى الجوارح إلى الله تعالى من النفس الخبيثة التي تدبر البدن و تصرف الجوارح في السوء مما يلقي إليها الشيطان و النفس من حيث هيكلها النوري تشكو النفس لنفس الحيوانية القابلة ما يلقي إليها الشيطان من السوء الذي تصرفه في القوي الظاهرة و الباطنة فإذا صدقوا في شكواهم آمنهم الله مما يخافون و رزقهم قبول ما يلقي إليهم الملك و استعملهم التوفيق بذلك الإلقاء في طاعة الله تعالى و طاعة رسوله حتى تورثه تلك الأعمال مشاهدة الحق تعالى و مناجاته على الكشف و الشهود بلا واسطة يخاطبهم خطاب تقرير على نعم و آلاء و العامة العمي من أهل الحروف و الرسوم لا يشعرون صم بكم عمي فهم لا يعقلون و لا يسمعون هذه الشكوى لقوة صممهم و طمس عيونهم فلو عملوا بما كلفوا لعلمهم الله مثل هذا العلم و يرونه مشاهدة عين كما يراه و يناله أهل الله تعالى و يقول الله تعالى في حق واحد منهم وَ عَلَّمْناهُ من لَدُنَّا عِلْماً و اتَّقُوا الله وَ يُعَلِّمُكُمُ الله و إِنْ تَتَّقُوا الله يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً و يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ به‏ و قد أشار صلى الله عليه و سلم إلى ما ذكرناه في حديث يعم ما وقع في الدنيا و الإشارة به إلى ما ذكرنا و هو ما خرجه البخاري عن أخي جدنا عدي بن حاتم قال بينا أنا عند رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ أتى إليه رجل فشكا إليه الفاقة ثم أتى إليه آخر فشكا إليه قطع السبيل فقال يا عدي هل رأيت الحيرة قلت لم أرها و قد أنبئت عنها قال فإن طالت بك حياة لترين‏الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله قلت فيما بيني و بين نفسي فأين ذعار طي الذين قد سعروا البلاد و لئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى قلت كسرى بن هرمز قال كسرى بن هرمز و لئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج مل‏ء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه و ليلقين الله أحدكم يوم القيامة و ليس بينه و بينه ترجمان يترجم له فيقول له أ لم أبعث إليك رسولا فيبلغك فيقول بلى فيقول أ لم أعطك مالا و أفضل عليك فيقول بلى فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم و ينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم قال عدي سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول اتقوا النار و لو بشق تمرة فمن لم يجد شق تمرة فبكلمة طيبة الحديث‏ أما قوله لا تخاف أحدا إلا الله فهو الخوف الأعظم فإنه هو المسلط و بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ فأين الأمان فهذا تنبيه إدبارنا فإن الشخص الذي يكون في مثل هذه الحال هو في أمان في دنياه و في ماله و على نفسه ممن يؤذيه و هذا مقصد رسول الله صلى الله عليه و سلم و الله هو الذي رزقه الأمان في تلك الحال فيخاف من الله مما في غيبه مما لا يعلمه و لا يعلم أوانه و لو كان هذا الخائف يخاف الله مطلقا لتعلق خوفه على دينه فإن سبيل الشيطان إلى قلبه ليست آمنة كما أمنت السبيل الظاهرة التي تمر فيها السفار من الناس و إذا خاف الله شغله خوفه عن ماله و نفسه و لو لم تكن السبيل آمنة لكان هذا الخائف في أمان فإنه لا يخطر له خاطر إلا في دينه الذي يخاف عليه أن يسلبه حتى أنه لو أصيب في طريقه بتلف مال أو نفس لوقوع لصوص عليه ربما فرح بذلك و استبشر لما له فيه من الأجر الجزيل المدخر و الكفارات و كان حكمه حكم تاجر باع بنسيئة بربح كثير فما أحسن تشبيه النبوة بقوله لا تخاف أحدا إلا الله فأين الأمان و هو صلى الله عليه و سلم ما ذكر ذلك لعدي إلا في إن الأمان المعتاد حاصل في ذلك الوقت لما شكا الرجل من قطع السبيل و لكن أدرج رسول الله صلى الله عليه و سلم في ذلك الأمان الخوف من الله لأولي الألباب و النهي ليعم الخطاب العامة بالأمان و الخاصة بالخوف فهو تبين أحوال خاصة الله أي كونوا على مثل هذه الحالة في أمنكم خائفين من الله تعالى و هذا من جوامع الكلم لمن نظر و استبصر

(وصل في فصل الصدقة على الأقرب فالأقرب و مراعاة الجوار في ذلك)

أقرب أهل الشخص إليه نفسه فإن الله يقول في قربه من عبده إنه أقرب إليه من حَبْلِ الْوَرِيدِ فكأنه يقول إنه أقرب إليه من نفسه فهي أولى بما يتصدق به من غيرها كما إن الله أولى بالقرض لأنه أقرب إليه من نفسه و لكل متصدق عليه صدقة تليق به من المخلوقين ثم جوارحه ثم الأقرب إليه بعد ذلك و هو الأهل ثم الولد ثم الخادم ثم الرحم و الجار كما يتصدق على تلميذه و طالب الفائدة منه و إذا تحقق العارف بربه حتى كان كله نورا و كان الحق سمعه و بصره و جميع قواه كان حقا كله فمن كان أهل الله فإنه أهل هذا الشخص الذي هذه صفته بلا شك كما هم أهل القرآن أهل الله و خاصته كذلك من هم أهل الله و خاصته هم أهل هذا الذي ذكرناه فإنه حق كله كما قال صلى الله عليه و سلم في دعائه و اجعلني نورا لما رأى الحق سمي نفسه نورا فإنه نائب الله في عباده فالمتصدق على أهل الله هو المتصدق على أهله إذا كان المتصدق بهذه المثابة كنت يوما عند شيخنا أبي العباس العربي بإشبيلية جالسا و أردنا أو أراد أحدا عطاء معروف فقال شخص من الجماعة للذي يريد أن يتصدق الأقربون أولى بالمعروف فقال الشيخ من فوره متصلا بكلام القائل إلى الله فيا بردها على الكبد و و الله ما سمعتها في تلك الحالة إلا من الله حتى خيل لي أنها كذا نزلت في القرآن مما تحققت بها و أشربها قلبي و كذا جميع من حضر فلا ينبغي أن يأكل نعم الله إلا أهل الله و لهم خلقت و يأكلها غيرهم بحكم التبعية فهم المقصودون بالنعم و من عداهم كما قلنا إنما يأكلها تبعا بالمجموع و من حيث التفصيل فما منه جوهر فرد و لا فيه عرض إلا و هو يسبح الله فهو من أهل الله فما من العالم من هو خارج عن هذه الأهلية العامة و ما فاز الخاصة إلا بالاطلاع على هذا كشفا و هذه المسألة في طريق الله من أغمض المسائل إذ لبس المجموع سوى هذه الأجزاء فالأبعاض عين الكل فكل جزء و بعض طائع و ليس الكل و لا المجموع بهذه الصفة لكنه طائع بطاعة أحدية الجمع و هي طاعة متميزة عن طاعة مفردات هذا المجموع‏ و قد ورد في خبر في النفقة على الأهل المعلوم في الظاهر المقرر و فضلها ما يكون هذا اعتباره و هو ما خرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله‏عليه و سلم دينار أنفقته في سبيل الله دينار أنفقته في رقبة دينار تصدقت به على مسكين دينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك‏

(وصل في فصل صلة أولي الأرحام و أن الرحم شجنة من الرحمن)

افهم رزقك الله الفهم عن الله لما كانت الرحم شجنة من الرحمن من وصلها وصله الله يعني بمن هي شجنة منه و من قطعها قطعه الله كانت الصدقة على أولي الأرحام صدقة و صلة بالرحمن و على غير الرحم صدقة تقع بيد الرحمن ما فيها صلة بالرحمن‏ هذه الصورة الآدمية خليفة فمنزلة يعطي أن يكون الخليفة ظاهرا بصورة من استخلفه فمن تصدق على نفسه بما فيه حياتها كانت له صدقة و صلة بالله الذي الرحمن من نعوته فإن الله خلق آدم على صورته على خلافهم في الضمير قال الله تعالى بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فوصف الله بالرحمن‏ و خرج الترمذي عن سلمة بن عامر عن النبي صلى الله عليه و سلم قال الصدقة على المسكين صدقة و على ذي الرحم ثنتان صدقة و صلة كلما قويت النسبة عظمت المنزلة هذا عند أصحابنا و الأمر عندنا ليس كذلك فإنه كلما بعدت النسبة عظمت المنزلة و لنا في ذلك‏

رأيت ربي بعين ربي فقلت ربي فقال أنت‏

فيتخيل فيه بعض العارفين أن هذا البيت على النمط الأول و ليس كذلك فضمير المتكلم من هذا البيت عين العبد بربه لا بنفسه فتدبر هذا النظم فإنه من أعجب المعارف الإلهية يحتوي على أسرار عظيمة و علم كبير

(وصل في فصل تصدق الآخذ على المعطي يأخذ منه)

النفس تتصدق على العقل بقبولها منه ما يلقى إليها إذ بعض النفوس لا تقبل و النفس تتصور نفوس مريديها و هم أيتام لا أم لهم لأن نفوسهم ماتت عنهم فليس لهم مدبر إلا هذه النفس التي لشيخهم فتتصدق عليهم بما يلقي الله إليها من الروح الإلهي إذا كانت في مقام الحال المؤثر بالفعل فتجد نفس المريد أمورا لا يعطيها مقامه و لا حاله خارجة عن كسبه فيتخيل إن الله قد فتح عليه بلا واسطة و ذلك الفتح إذا كان من حال نفس هذا الشخص الذي هو الشيخ فإن المريد يتيم في حجر الشيخ و له على ذلك أجر عظيم عند الله فإنه ما من نبي إلا قال في إفادته و تبليغه لما قيل له قل ما أسالكم عليه من أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الله فهو تعليم يقتضي الأجر و هذا هو الأجر الذي لا يخرجك عن عبوديتك فأنت العبد في صورة الأجير ما هو أجر الأجير فإن الأجير من استوجر فهو أجنبي و السيد لا يستأجر عبده لكن العمل يقتضي الأجرة و لا يأخذها و إنما يأخذها العامل و العامل العبد فهو قابض الأجرة من الله فأشبه الأجير في قبض الأجرة و فارقه بالاستيجار يؤيد ما ذكرناه ما خرجه مسلم في صحيحه عن بلال عن النبي صلى الله عليه و سلم سأله عن صدقة المرأة على زوجها و على أيتام في حجرها فقال أجران أجر القرابة و أجر الصدقة

(وصل في فصل معرفة من هما أبوا نفس الإنسان)

المدبرة لجسمه و قواه النفس الجزئية التي هي نفس الإنسان هي ولد جسمه الطبيعي فهو أمها و الروح الإلهي أبوها و لهذا تقول في مناجاتها ربنا و رب آبائنا العلويات و أمهاتنا السفليات فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ من رُوحِي مريم أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ من رُوحِنا فكان عيسى عليه السلام ولدها و هي أمه‏ الجسم المسوي نفخ فيه من الروح نفسا فالجسم أم و المنفوخ منه أب غير أن هذا الولد كاليتيم الذي لا أب له لأن عقله لم يستحكم بالنظر إليه فكأنه لا عقل له فهو بمنزلة الصغير الذي لا أب له يعلمه و يؤدبه فتسوسه نفسه النباتية التي هي جسمه بما خلقها الله عليه من صلاح المزاج فتكون القوي الباطنة و الظاهرة في غاية الصفاء و الاعتدال فتفيد النفس من العلوم التي هي بمنزلة صدقة المرأة على ولدها اليتيم فيحصل لهذا الشخص من جهة جسمه من العلم الإلهي جزاء لما تصدق به على نفسه ما لا يقدر قدره إلا الله‏ قالت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه و سلم هل لي أجر في بنى أبي سلمة أنفق عليهم و لست بتاركتهم هكذا و هكذا إنما هم بني قال نعم لك فيهم أجر ما أنفقت عليهم خرجه مسلم في صحيحه‏

(وصل في فصل المتصدق بالحكمة على من هو أهل لها)

و هي الصدقة على المحتاجين‏ قال تعالى أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى‏ وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى‏ و قال وَ أَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ يعني السائل عن العلم الإنسان يتصدق بالعلم على أهل الله الذين هم أهله الحكمة لا ينبغي أن يتعدى بها أهلها و يحتسب تلك الصدقة عند الله أي لا يرى له فضلا على من علمه و لا تقدما يستدعي بذلك خدمة منه في أدب و تعظيم و تسخير في مقابلة ما أفضل عليه إن فعل ذلك لم يحتسب ذلك عند الله و قد لقينا أشياخا على ذلك و هو طريقنا و قد نبه الشرع عليه في علم الرسوم و عالمه‏ فقال إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة و هو يحتسبها كانت له صدقة يعني تقع بيد الرحمن خرج هذا الحديث مسلم عن أبي مسعود البدري عن رسول الله صلى الله عليه و سلم‏

(وصل في فصل العلم اللدني و المكتسب)

العلم علمان موهوب و مكتسب فالعلم الموهوب لا ميزان له و العلم المكتسب هو ما حصل عن التقوى و العمل الصالح و تدخله الموازنة و التعيين فإن كل تقوى و عمل مخصوص له علم خاص لا يكون إلا له فثم من يتقي الله لله و من يتقي الله للنار و من يتقي الله للشيطان و من يتقي الله لمن لا يتقي الله و كل تقوى لها عمل خاص و علم خاص يحصل لمن له هذه التقوى‏ فانفاق الرجل على نفسه الذي له به صدقة هو ما يغذيها به من هذه العلوم المكتسبة التي بها حياته الأبدية في الدنيا و الآخرة و ذلك أن كل معروف صدقة و أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة و لا معروف إلا الله فلا أهل إلا أهل الله‏ فالناصح نفسه من وقى عرضه فإنه من صدقاته على نفسه و وقاية العرض أن لا يجري عليه من جانب الحق لسان ذم لا غير فيكون محمودا بلسان الشرع و بكل لسان إلهي من ملك و حيوان و نبات و معدن و فلك و كل ما عدا الثقلين و بعض الثقلين و هل يتصور أن يقي عرضه من جميع الثقلين هذا لا يتصور لأن الأصل الذي هو الله لم يبق عرضه من ألسنة خلقه إلا أنه يمكن أن يرتفع عن العرض و إذا أمكن فقد وقى نفسه الذي هو عرضه أن يكون له أثر في نفسه لا أنه وقى عرضه أن يقال فيه و هو معنى قوله وَ ما أَنْفَقْتُمْ من شَيْ‏ءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ‏ فإن أنفق ليتني مجدا في ألسنة الخلق فهو لما أنفق فإن أبتغي إعادة الثناء على الله من حيث إنه آل الله فإن أنفق في هذا الشأن و لا يرى أنه المنفق و أنفق في معصية إبليس و لا يرى العصمة و الإنفاق إلا من يد الله فمثل هذا يستثنى في كل إنفاق إذا كان هذا حاله و ذوقه فلا يجد الثواب على من يعود إلا على معطيه فيد الله منفقة و يد الرحمن آخذة منها

فيد الله منفقةو يد الرحمن آخذة
فالتي للجود خاليةو التي للعبد عاطلة
فصلت آياته عجباو هي للاعيان واصلة
لو تراها في تقلبهاو هي في الأكوان جائلة
قلت أغراضي تصرفهاو هي بالبرهان ساكنة

و يؤيد ما ذكرناه ما يشير إليه‏ قوله صلى الله عليه و سلم كل معروف صدقة و ما أنفق الرجل على نفسه و أهله كتب له صدقة و ما وقى به رجل عرضه فهو صدقة و ما أنفق الرجل من نفقة فعلى الله خلفها إلا ما كان من نفقة في بنيان أو معصية ذكر هذا الحديث أبو أحمد من حديث جابر قال عبد الحميد و هو الذي روى عنه أبو أحمد قلت لابن المنكدر ما وقى به الرجل عرضه يعني ما معناه قال يعطي الشاعر و ذا اللسان‏

(وصل في الفصل بين العبودية و الحرية)

إضافة الإنسان بالعبودية إلى ربه أو إلى العبودية أفضل من إضافته بالحرية إلى الغير بأن يقال حر عن رق الأغيار فإن الحرية عن الله ما تصح فإذا كان الإنسان في مقام الحرية لم يكن مشهوده إلا أعيان الأغيار لأن بشهودهم تثبت الحرية عنهم و هو في هذه الحال غائب عن عبوديته و عبودته معا فمقام العبودية أشرف من مقام الحرية في حق الإنسان و العبودة أشرف من العبودية و

قد أشار صلى الله عليه و سلم إلى مثل هذا في حديث ميمونة بنت الحارث لما أعتقت وليدة لها في زمان رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم فقال لو أعطيتها أخوالك‏لكان أعظم لأجرك‏

فمقام العبودية رجح على ثواب الحرية كما رجح الفقر إلى الله على الغني بالله بعض أشياخنا حدثني عبد الله القلفاط بجزيرة طريف سنة تسعين و خمسمائة و قد جرى بيننا الكلام على المفاضلة بين الغني و الفقير أعني الغني الشاكر و الفقير الصابر و هي مسألة طبولية و انجر في ذلك حال الفقر و الغنى فقال لي حضرت عند بعض المشايخ و حكاها لي عن أبي الربيع الكفيف المالقي تلميذ أبي العباس بن العريف الصنهاجى قال لو أن رجلين كان عند كل واحد منهما عشرة دنانير فتصدق أحدهما من العشرة بدينار واحد و تصدق الآخر بتسعة دنانير من العشرة التي عنده أيهما أفضل فقال الحاضرون الذي تصدق بالتسعة فقال بما ذا فضلتموه فقالوا له لأنه تصدق بأكثر مما تصدق به صاحبه فقال حسن و لكن نقصكم روح المسألة و غاب عنكم قيل له و ما هو قال فرضناهما على التساوي في المال فالذي تصدق بالأكثر كان دخوله إلى الفقر أكثر من صاحبه ففضل بسبقه إلى جانب الفقر و هذا لا ينكره من يعرف المقامات و الأحوال فإن القوم ما وقفوا مع الأجور و إنما وقفوا مع الحقائق و الأحوال و ما يعطيه الكشف و بهذا فضلوا على علماء الرسوم و لو تصدق بالكل و بقي على أصله لا شي‏ء له كان أعلى فنقصه من الدرجة و الذوق على قدر ما تمسك به أ لا ترى ما قاله شيخنا أبو العباس السبتي رحمه الله في المحتضر يوصي بالثلث فإن المحتضر ما يملك من المال إلا الثلث فخرج عما يملك و ما أبقى شيئا و أجاز له الشارع أن يتصدق بالثلث كله الذي يملكه و هو محمود في ذلك شرعا فلقي الله فقيرا على حكم الأصل كما خرج من عنده رجع إليه صفر اليدين قال بعضهم في هذا المعنى‏

إذا ولد المولود يقبض كفهدليل على الحرص المركب في الحي‏
و يبسطها عند الممات مواعظاألا فانظروني قد خرجت بلا شي‏ء

فكان أفضل ممن لم يتصدق بذلك الثلث الذي يملكه أو تصدق بأقل من الثلث و ينوي بما يبقيه أنه صدقة على ورثته و فيه إشارة عجيبة

(وصل في فصل فضل من ترك صدقة بعد موته جارية في الناس من مال أو علم)

العارف بالله يحتضر و في نفسه لو أطاق الكلام أفاد الناس علما بربهم و قد عقل لسانه فنقل عند تلميذ مسألة في العلم النافع من توحيد و غيره أفادها السامعين الحاضرين فإن ذلك العارف المحتضر يجني ثمرتها و التلميذ يجني ثمرة نقله عند الله و يجازي الله بها الميت جزاء وجوب فإنها من سعيه يقول الله وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى‏ و أفضل ما أكله الرجل من كسبه و إن ولده من كسبه و التلميذ ولد ديني بلا شك فما هو من سعى الإنسان فهو له عند الله بطريق الإيجاب الإلهي الذي أوجبه على نفسه‏ و أما ما عمل عنه غيره بحكم النيابة مما لم يؤذن فيه الميت و لا أوصى به و لا له فيه تعمل فإن الله يعطيه ذلك المقام إذا وهبه إياه غيره فيأخذه الميت لا من طريق الوجوب الإلهي لكن يجب عليه أخذه و لا بد فإنه أتاه من غير مسألة و في الحديث الصحيح ما أتاك من غير مسألة فخذه و ما لا فلا تتبعه نفسك و قد وردت من ذلك رائحة في علم الرسوم فيما خرجه مسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أتاه رجل فقال يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها و لم توص و أظنها لو تكلمت تصدقت أ فلها أجران تصدقت عنها قال نعم‏

(وصل في فصل ما تعطيه النشأة الآخرة)

قال الله تعالى كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ و لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى‏ فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ و بدأنا على غير مثال و علمنا ذلك كذلك يعيدنا على غير مثال‏ اعلم أن من ثواب الدار الآخرة و نسبة الإنسان إليه علم النشأة الآخرة و لم يبعد عليه أن يكون الشخص في أماكن مختلفة في الزمن الواحد و هذا أمر تحيله العقول و يشهد بصحته الكشف فهو محال عقلا و ليس بمحال نسبة إلهية كل مصل يناجي ربه و الإنسان مخلوق من حيث حقيقته التي نشأ عليها في الدار الآخرة على الصورة العارف يكون مع كثير من الأسماء الإلهية في أحوال مختلفة مع أحدية العين من العارف و من المسمى و يراه كل إنسان بحسب عينه الذي يحب هذا الرجل أن يظهر إليه به فيكون زيد المصلي في حال صلاته يراه عمر و نائما و يراه خالد كاتبا و يراه محمد خائطا و يراه قاسم آكلا و العين واحدة و كل ذلك بالفعل مشهود لكل راء و كل راء في بلد غير بلد صاحبه كما يدخل‏في أي صورة شاء من صور سوق الجنة و ما سمعت عن أحد نبه على هذا المقام إلا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه في دخوله في حين واحد من جميع أبواب الجنة الثمانية و عن ذي النون المصري في مسائله المشهورة مثل الميت يراه وليه ميتا لا حراك به و يراه الآخر بعينه حيا يسأل في الآن الواحد أما حديث أبي بكر رضي الله عنه‏ فذكره البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم نقول من أنفق زوجين من شي‏ء من الأشياء في سبيل الله دعي من أي أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة و من كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد و من كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة و من كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام باب الريان فقال أبو بكر ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة و قال هل يدعي منها كلها أحد يا رسول الله قال نعم و أرجو أن تكون منهم يا أبا بكر و دعاء الله الناس إلى الدخول يوم القيامة دعاء واحد لدخول الجنان فيدخل الواحد من الباب الواحد و آخر من بابين و ثلاثة و أعمهم دخولا من دخل من الأبواب الثمانية لأن أعضاء التكليف ثمانية لكل عضو باب فلا تنكره في الثواب في الآن الواحد و أنت تشهده في العمل من فعل و ترك كغاض بصره في حال استماع موعظة في حال تلاوة في حال صيام في حال تصدق في حال ورع في حال تحصين فرج كل ذلك بنية قربة إلى الله تعالى و في كل باب منازل‏ كالإيمان بالله بضع و سبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله و أدناها إماطة الأذى عن الطريق‏ و لا أذى أعظم من أذى الشرك و لا طريق أعظم من طريق الايمان فختم بمثل ما به بدأ فلا إله إلا الله نفي ما سوى الله ممن يدعى أو يدعى فيه الألوهة و إماطة الأذى نفي الأذى عن الطريق فاجتمع آخر الدائرة بأولها و انعطف عليها و ما بين هذين بقية شعب الايمان و لكل شعبة منزل في جنة الايمان فمن علم ما قلناه يدخل من أبواب الجنة كلها في زمان واحد و النشأة الآخرة تعطي هذه الأمور كما أعطت النشأة الدنيا جمع شعب الايمان في الإنسان في زمان واحد و لا يستحيل ذلك‏

(وصل في فصل إعطاء الطيب من الصدقات عن طيب نفس)

و اعلم أن الطيب من الصدقات هو أن تتصدق بما تملكه و لا تملك إلا ما يحل لك أن تملكه عن طيب نفس و أعلى ذلك أن تكون فيه مؤديا أمانة سماها الشارع صدقة بلسان الرسم فتكون يدك يد الله عند الإعطاء و لهذا قلنا أمانة فإن أمثال هذا لا ينتفع بها خالقها و إنما يستحقها من خلقت من أجله و هو المخلوق فهي عند الله من الله أمانة لهذا العبد يؤديها إليه إما منه إليه و إما على يد عبد آخر هذا أطيب الصدقات لأنها على حد العلم الصحيح خرجت‏ فإذا حصلت في يد المتصدق عليه أخذها الرحمن بيمينه فإن كان المعطي في نفس هذا العبد حين يعطيها هو الله المعطي فلتكن يده تعلو يد المتصدق عليه و هو السائل و لا بد فإن اليد العليا هي يد الله و هي المنفقة و إن شاهد هذا المعطي يد الرحمن آخذة منه حين يتناولها السائل فتبقى يده من حيث إن المعطي هو الله تعلو على يد الرحمن كما هي فإن الرحمن صفة الله و نعت من نعوته و لكن ما يأخذ منها عينها و إنما يناله منها تقوى المعطي في إعطائه و أكمل وجوهه ما ذكرناه فشهد المعطي أن الله هو المعطي و أن الرحمن هو الآخذ و أن الرحمة هي المعطي و هي الصدقة فإذا أخذها الرحمن في يده بيمينه جعل محلها هذا العبد فأعطاه الرحمن إياها فلا يتمكن إلا ذلك فإن الصدقة رحمة فلا يعطيها إلا الرحمن بحقيقته و تناولها الله من حيث ما هو موصوف بالرحمن الرحيم لا من حيث مطلق الاسم و الصدقة تقع بيد الرحمن قبل أن تقع بيد السائل هكذا جاء الخبر فمثل هذه الصدقة إذا أكلها السائل أثمرت له طاعة و هداية و نورا و علما و هذا كله هو تربية الرحمن لها فإن جميع ما أعطته قوة هذه الصدقة في نفس السائل مما ذكرناه من طاعة و هداية و نور و علم يراه في الآخرة في ميزانه و في ميزان من أعطاه و هو المتصدق نائب الله فيقال له هذه ثمرة صدقتك قد عادت بركتها عليك و على من تصدقت عليه فإن صدقتك على زيد هي عين صدقتك على نفسك فإن خيرها عليك يعود و أفضل الصدقات ما يتصدق به الإنسان على نفسه فيحضر هذا أيضا المتصدق على أكمل الوجوه في نفسه فمثل هذه الصدقة لا يقال لمعطيها يوم القيامة من أين تصدقت و لا لمن أعطيت فإنه بهذه المثابة فإن كان الآخذ مثله في هذه المرتبة تساويا في السعادة و فضل المتصدق بدرجة واحدة لا غير و إن لم يكن بهذه المثابة فتكون بحيث الصفة التي يقيمه الله فيها فإن كانت الصدقة صدقة تطوع فهي منة إلهيةكونية فإن كانت زكاة فرض فهي منة إلهية فإن كانت نذرا فهي إلهية كونية قهرية فإن النذر يستخرج به من البخيل و إن كانت هذه الأعطية هدية فما هو من هذا الباب فإن هذا الباب مخصوص بإعطاء ما هو صدقة لا غير فتكبر هذه الصدقة في يد الرحمن حسا و معنى فالحس منها من حيث ما هي محسوسة فتجدها في الجنة حسية المشهد مرئية بالبصر و المعنى فيها من حيث ما قام به من الكسب الحلال و التقوى فيه و المسارعة بها و طيب النفس بها عند خروجها و مشاهدته ما ذكرناه من الشئون الإلهية فيها فيجدها في الكثيب عند المشاهدة العامة و يجدها في كل زمان تمر عليه الموازين لزمان إخراجها و هو في الجنة فيختص من الله بمشهد في عين جنته لا يشهده إلا من هو بهذه المثابة خرج مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما تصدق أحد بصدقة من طيب و لا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه و إن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله‏ و كل من نزل في صدقته عن هذه الدرجة التي وصفناها كانت منزلته عند الله بمنتهى علمه و قصده‏ فالصدقة لا تكون إلا من الاسم الغني الشديد ذي القوة المتين بطريق الامتنان غير طالب الشكر عليها فإن اقترن معها طلب الشكر فليست من الاسم الغني بل من الاسم المريد الحكيم العالم‏ فإن خطر للمتصدق أن يقرض الله قَرْضاً حَسَناً بصدقته تلك مجيبا لأمر الله فهذا الباب أيضا يلحق بالصدقة لكونه مأمورا بالقرض و قد يكون القرض نفس الزكاة الواجبة فإن طلب عوضا زائدا ينتفع به على ما أقرض خرج عن حده قرضا و كان صدقة غير موصوفة بالقرضية فإنه لم يعط القرض المشروع‏ فإن الله لا ينهى عن الربا و يأخذه منا كذا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم‏ فإنه كل قرض جر نفعا فهو ربا و هو أن يخطر له هذا عند الإعطاء فلا يعطيه إلا لهذا و للمعطي الذي هو المقترض أن يحسن في الوفاء و يزيد فوق ذلك ما شاء من غير أن يكون شرطا في نفس القرض فإن الله قد وعد بتضاعف الأجر في القرض و لكن لا يقرضه العبد لأجل التضاعف بل لأجل الأمر و الإحسان في الجزاء يوم القيامة لله تعالى على ذلك‏ و هذا معنى قوله حسنا في وصف القرض فإن الله يعاملنا بما شرع لنا لا بغير ذلك أ لا تراه قد أمر نبيه صلى الله عليه و سلم أن يسأله يوم القيامة أن يحكم بالحق الذي بعثه به بين عباده و بينه فقال له قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ و الألف و اللام في الحق للحق المعهود الذي بعث به و على هذا تجري أحوال الخلق يوم القيامة فمن أراد أن يرى حكم الله يوم القيامة فلينظر إلى حكم الشرائع الإلهية في الدنيا حذوك النعل بالنعل من غير زيادة و لا نقصان فكن على بصيرة من شرعك فإنه عين الحق الذي إليه مآلك و لا نغتر و كن على حذر و حسن الظن بربك و اعرف مواقع خطابه في عباده من كتابه العزيز و سنة نبيه صلى الله عليه و سلم‏

(وصل في فصل إخفاء الصدقة)

اعلم أن إخفاء الصدقة شرط في نيل المقام العالي الذي خص الله به الأبدال السبعة و صورة إخفائها على وجوه منها أن لا يعلم بك من تصدقت عليه و تتلطف في إيصال ذلك إليه بأي وجه كان فإن الوجوه كثيرة و منها أن تعلمه كيف يأخذ و أنه يأخذ من الله لا منك حتى لا يرى لك فضلا عليه بما أعطيته فلا يظهر عليه بين يديك أثر ذلة أو مسكنة و يحصل له علم جليل بمن أعطاه فتغيب أنت عن عينه حين تعطيه فإنه قد قررت عنده أنه ما يأخذ سوى ما هو له فهذا من إخفاء الصدقة و منها أن تخفي كونها صدقة فلا يعلم المتصدق عليه بين يدي المتصدق فإذا أخذها العامل الذي نصبه السلطان أخذها بعزة و قهر منك فإذا حصلت بيد السلطان الذي هو الوكيل من قبل الله عليها أعطاها لسلطان أربابها لثمانية و أخذها أربابها بعزة نفس لا بذلة فإنه حق لهم بيد هذا الوكيل فلا يعلم الآخذ في أعطيته من هو رب ذلك المال على التعيين فلم يكن للغني رب المال على هذا الفقير منة و لا عزة و لا يعرف هل وصل إليه على التعيين عين ماله على التعيين فكان هذا أيضا من إخفاء الصدقة لأنه لم يعلم المتصدق عين من تصدق عليه و لا علم المتصدق عليه عين المتصدق و ليس في الإخفاء أخفى من هذا فلم تعلم شماله ما أنفقته يمينه هذا هو عين ذلك‏ و قد ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم ما قلناه من إخفاء الصدقة في الإبانة عن المنازل السبعة التي هي لخصائص الحق المستظلين يوم القيامة بظل عرش الرحمن لأنهم من أهل الرحمن‏ خرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام‏عادل و شاب نشأ في عبادة الله و رجل قلبه متعلق بالمساجد و رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه و تفرقا عليه و رجل دعته امرأة ذات منصب و جمال فقال إني أخاف الله و رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه و رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه‏

(وصل في فصل من عين له صاحب هذا المال الذي بيده قبل أن يتصدق به عليه)

إن من عباد الله من يكشف له فيما بيده من الرزق و هو ملك له إنه لفلان و لفلان و يرى أسماء أصحابه عليه و لكن على يده فإذا أعطى من هذه صفته صدقة هل تكتب له صدقة قلنا نعم تكتب له صدقة من حيث ما نسب الله الملك له و إن كوشف فلا يقدح فيه ذلك الكشف أ لا ترى إلى المحتضر قد زال عنه اسم الملك و حجر عليه التصرف فيه و ما أبيح له منه إلا الثلث و ما فوق ذلك فلا يسمع له فيه كلام لأنه تكلم فيما لا يملك‏ و اعلم أن النفس قد جبلت على الشح قال تعالى وَ إِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً و قال وَ من يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ و سبب ذلك أنه ممكن و كل ممكن فقير بالأصالة إلى مرجح يرجح له وجوده على عدمه فالحاجة له ذاتية و الإنسان ما دامت حياته مرتبطة بجسده فإن حاجته بين عينيه و فقره مشهود له و به يأتيه اللعين في وعده فقال الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ فلا يغلب نفسه و لا الشيطان إلا الشديد بالتوفيق الإلهي فإنه يقاتل نفسه و الشيطان المساعد لها عليه و لهذا سماها الشارع صدقة لأنها تخرج عن شدة و قوة يقال رمح صدق أي قوي شديد فلو لم يأمل البقاء و تيقن بالفراق هان عليه إعطاء المال لأنه مأخوذ عنه بالقهر شاء أم أبي فمن طمع النفس أن تجود في تلك الحالة لعل تحصل بذلك في موضع آخر قدر ما فارقته كل ذلك من حرصها فلم تجد مثل هذه النفس عن كرم و لا وقاها الله شحها ذكر مسلم في ذلك عن أبي هريرة قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرا قال أما و أبيك لتنبأنه أن تصدق و أنت صحيح شحيح تخشى الفقر و تأمل البقاء و لا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم‏ قلت لفلان كذا و كذا و قد كان لفلان فينبغي لمن لم يقه الله شح نفسه و قد وصل إلى هذا الحد و ارتفع عنه في تعيينه لفلان طائفة من ماله أن يكون ذلك صدقة فليجعل في نفسه عند تعيينه أنه مؤد أمانة و أن ذلك وقتها فيحشر مع الأمناء المؤدين أمانتهم لا مع المتصدقين و لا يخطر له خاطر الصدقة ببال إن أراد أن ينصح نفسه‏

(وصل في فضل ضروب الملك و التمليك عند أهل الله)

العارف يقول الله له هذا ملكك فيقبله منه بالأدب و العلم في ذلك أنه ملك استحقاق لمن يستحقه و من هو حق له و ملك أمانة لمن هو له بيده أمانة و ملك وجود لمن هو موجود عنه فالأشياء كلها ملك لله وجودي و هي للعبد بحسب الحال فما لا بد له في نفس الأمر من المنفعة به على النفس فهو ملك استحقاق له و هو من الطعام و الشراب ما يتغذى به في حين التغذي به مما يتغذى لا مما يفضل عنه و يخرج من سبيله و غير ذينك و من الثياب ما يقيه من حر الهواء و برده و أما ما عدا هذا القدر فهو بيده ملك أمانة لمن يدفع به أيضا ما دفع هو به عن نفسه مما ذكرناه‏ فلا يخلو العارف إما أن يكون ممن كشف أسماء أصحاب الأشياء مكتوبة عليها فيمسكها لهم حتى بدفعها إليهم في الوقت الذي قدره الحكيم و عينه فيفرق ما بين ما هو له فيسميه ملك استحقاق لأن اسمه عليه و هو يستحقه و بين ما هو لغيره فيسميه ملك أمانة لأن اسم صاحبه عليه و الكل بلسان الشرع ملك له في الحكم الظاهر أو يكون هذا العارف ممن لم يكشف له ذلك فلا يعرف على التعيين ما هو رزقه من الذي هو عنده فإذا كوشف فيعمل بحسب كشفه فإن الحكم للعلم في ذلك و إن لم يكاشف فالأولى به أن يخرج عن ماله كله صدقة لله و رزقه لا بد أن يأتيه ثقة بما عند الله إن كان قد بقي له عند الله ما يستحقه و إن لم يبق له عند الله شي‏ء فلا ينفعه إمساك ما هو ملك له شرعا فإنه لا يستحقه كشفا في نفس الأمر و هو تارك له و هو غير محمود هذه أحوال العارفين‏ و قد يخرج صاحب الكشف عن ماله كله عن كشفه لأنه يرى عليه اسم الغير فلا يستحق منه شيئا فيشبه بالصورة من خرج عن ماله كله من غير كشف فإن لم يكن عنده ثقة بالله فيذمه الشرع إن خرج عن كل ماله ثم بعد ذلك يسأل الناس الصدقة فمثل هذا لا تقبل صدقته كما قد ورد في ذلك في حديث النسائي في الرجل الذي تصدق عليه بثوبين ثم جاء رجل آخر يطلب أن يتصدق عليه أيضا و ألقى هذا المتصدق عليه الأول أحدثوبيه صدقة عليه فانتهره رسول الله صلى الله عليه و سلم و قال خذ ثوبك و لم يقبل صدقته‏ فإذا علم من نفسه أنه لا يسأل و لا يتعرض فحينئذ له أن يخرج عن ماله كله و لكن بميزان الأفضلية إن كان عالما إذا لم يكن له كشف فإن كان صاحب كشف عمل بحسب كشفه و لقد خرج أبو داود ما يناسب ما ذكرناه من‏ حديث عمر بن الخطاب قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم يوما أن نتصدق فوافق ذلك مالا عندي و قلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما فجئت بنصف مالي فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما أبقيت لأهلك قلت مثله قال و أتى أبو بكر بكل ما عنده فقال ما أبقيت لأهلك قال أبقيت لهم الله و رسوله قلت لا أسابقك إلى شي‏ء أبدا فينبغي للعالم بنفسه أن يعامل نفسه بما يعامله به الشرع الحاكم عليه و لا ينظر المريد لما يخطر له في الوقت فيكون تحت حكم خاطره فيكون خطأه أكثر من إصابته و هنا يتميز العاقل العالم من الجاهل و لكن هذا كله لمن لا كشف له من أهل الله و قد سكت رسول الله صلى الله عليه و سلم عن أبي بكر لما أتاه بماله كله لمعرفته بحاله و مقامه و ما قال له هلا أمسكت لا هلك شيئا من مالك و أثنى على عمر بذلك بحضرة رسول الله صلى الله عليه و سلم و لم ينكره عليه و قال لكعب بن مالك في هذا الحديث أمسك بعض مالك و كان كعب بن مالك قد انخلع من ماله كله صدقة لخاطر خطر له فلم يعامله رسول الله صلى الله عليه و سلم بخاطره و عامله بما يقتضيه حاله فقال أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك‏

(وصل في فصل ما ينظره العارف في فضل الله و عدله و مكر الله تعالى)

إن من مكر الله و عدله و فضله أن يبين للناس ما فيه مصلحتهم هذا من فضله و أما عدله و مكره هو أن يعاملهم بصفاتهم فالعارفون في مثل هذا المقام ينظرون في أحوال أنفسهم و فيما يؤتيهم الله في بواطنهم و ظواهرهم و يزنون ذلك بالميزان الذي وضعه الرحمن ليقيم الوزن بالقسط و لا يخسر الميزان فإن اعتدلت الكفتان فذلك العلم الصحيح و إن ترجحت كفة العطاء على كفة الحال فلينظر في الحال فإن كان مما يحمده الشرع فذلك إما جزاء معجل و إما زيادة فضل و إن كان الحال مما يذمه لسان الشرع فذلك مكر من الله و إن كان الحال مما لا يذم و لا يحمد فذلك عدل من الله يؤول إما إلى فضل إن شكر الله و عمل بطاعته في المستأنف بتلك الأعطية أو يؤول إلى مكر خفي إن عمل فيه بمعصية الله فإن ألهم الاستغفار و التوبة أو أن ذلك مكر إلهي فلا يخلو إما أن يتدارك الأمر أو يبقى على حاله فإن بقي على حاله فهو مكر في مكر و إن تدارك الأمر فذلك من فضل الله و زال عنه حكم المكر في هذه الحال‏ فمن مكر الله و فضله اليد العليا خير من اليد السفلي فإن الصدقة تقع بيد الرحمن ففيه مكر و فضل فإنه‏ قد ورد أنها تقع بيد الرحمن قبل وقوعها بيد السائل‏ و قد ذكر البخاري عن حكيم بن حزام فيما نبهنا عليه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال اليد العليا خير من اليد السفلي و ابدأ بمن تعول و خير الصدقة عن ظهر غنى و من يستعفف يعفه الله و من يستغن يغنه الله‏ فهذا الحديث يتضمن تفصيل ما ذكرناه من الأحوال‏ و أعلى الغني الغني بالله و الاستعفاف هنا القناعة بالقليل فإن العفو يرد في اللسان و يراد به القليل و هو من الأضداد و الصدقة عن ظهر غنى هي الصدقة و الدعاء عن ظهر فقر هو الدعاء المجاب بلا شك و أين الداعي عن ظهر فقر و المعطي عن ظهر غنى‏

(وصل في فصل حاجة النفس إلى العلم)

اعلم أن حاجة النفس إلى العلم أعظم من حاجة المزاج إلى القوت الذي يصلحه و العلم علمان علم يحتاج منه مثل ما يحتاج من القوت فينبغي الاقتصاد فيه و الاقتصار على قدر الحاجة و هو علم الأحكام الشرعية لا ينظر منها إلا قدر ما تمس الحاجة إليه في الوقت فإن تعلق حكمها إنما هو بالأفعال الواقعة في الدنيا فلا تأخذ منه إلا قدر عملك و العلم الآخر هو ما لا حد له يوقف عنده و هو العلم المتعلق بالله و مواطن القيامة فإن العلم بمواطن القيامة يؤدي العالم بها إلى الاستعداد لكل موطن بما يليق به لأن الحق بنفسه هو المطالب في ذلك اليوم بارتفاع الحجب و هو يوم الفصل فينبغي للإنسان العاقل أن يكون على بصيرة من أمره معدا للجواب عن نفسه و عن غيره في المواطن التي يعلم أنه يطلب منه الجواب فيها و لهذا ألحقناه بالعلم بالله‏ و ينبغي لطالب العلم أن لا يسأل في المسئول إلا الله لا عين المسئول هكذا ينبغي‏أن يكون عليه السائل من الحضور مع الله فليستكثر هذا السائل من السؤال فإن الله هو المسئول فإن لم يحضر له ذلك و لم يشاهد سوى الأستاذ و لا يرى العلم إلا منه و لا يرده ذلك العالم إلى الله بقوله الله أَعْلَمُ و لا يقول له من العلم ما يرده إلى الله فيه فذلك الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم على ما ذكره مسلم من حديث أبي هريرة من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقلل أو ليستكثر و إنما أراد الله تعالى من عباده أن يرجعوا إليه في المسائل لا إلى أمثالهم إلا بقدر ما يتعلمون منهم كيف يسألون الله و هو حد التقوى المشروع فقال وَ اتَّقُوا الله بما علمكم من أعلمته بطريق التقوى وَ يُعَلِّمُكُمُ الله فكان هو سبحانه المعلم و سواء كانت المسألة في العلم أو في غير العلم من أعراض الدنيا كما قال لموسى عليه السلام ربه عز و جل فيما أوحى إليه به أو كلمه به سلني حتى الملح تلقيه في عجينك‏ و قال في باب الإشارة لا التفسير الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ في أي قلب يكون و يستقر و على أي قلب ينزل خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ فأضاف التعليم إليه لا إلى غيره هذا كله من الغيرة الإلهية أن يسأل المخلوق غير خالقه ليريح عباده من سؤال من ليس بأيديهم من الأمر شي‏ء و قد نبه رسول الله صلى الله عليه و سلم على هذا و ما خص صلى الله عليه و سلم مسألة من مسألة فقال صلى الله عليه و سلم لو تعلمون ما في المسألة ما مشى أحد إلى أحد يسأله شيئا و قد كره رسول الله صلى الله عليه و سلم المسائل و عابها و أراد من الناس أن يعملوا بما علمهم الله على لسان نبيه صلى الله عليه و سلم و يسألون الله في أعمالهم أن يزيدهم علما إلى علمهم منه فيتولى بنفسه تعليم عباده فإن الله غيور فلا يحب أن يسأل غيره و إن سأل غيره بلسان الظاهر فيكون القلب حاضرا مع الله عند سؤاله إن الله هو المسئول الذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ بالمعنى فإن الاسم الظاهر من الله هو هذا الشخص فإنه من جملة الحروف المرقومة في رق الوجود المنشور فيأخذ هذا السائل جوابه من الله إما بقضاء الحاجة و إما بالدعاء و لهذا كان سؤال الرجل السلطان أولى من سؤال غير السلطان لأن وجود الحق أظهر فيه من غيره من السوقة و العامة و لهذا رفعت الكدية عن الذين يسألون الملوك فإنهم نواب الله و هم موضع حاجة الخلق و هم المأمورون أن لا ينهروا السائل يقول الله لنبيه صلى الله عليه و سلم و هو النائب الأكبر و أما السائل فلا تنهر و لهذا يسأل الله تعالى يوم القيامة النواب و هم الرعاة عن من استرعاهم عليه و يسأل الرعايا ما فعلوا فيهم ثم نرجع إلى مسائل الصدقة التي نحن في بابها فنقول‏ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم المسائل كدوح يكدح بها الرجل في وجهه فمن شاء أبقى على وجهه و من شاء ترك إلا أن يسأل ذا سلطان في أمر لا يجد منه بدا و هذا نص ما ذكرناه و هو حديث خرجه أبو داود عن سمرة بن جندب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم‏ و كذلك سؤال الصالحين العارفين أهل المراقبة أولى من سؤال السلاطين إلا أن تكون هذه الصفات في السلطان فإن أصحاب هذه الصفات أقرب نسبة إلى الله تعالى و قد رأينا بحمد الله من السلاطين من هو بهذه المثابة من الدين و الورع و القيام للحق بالحق رحمهم الله و قد ورد في الخبر أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه و سلم أسأل يا رسول الله قال لا و إن كنت سائلا و لا بد فسل الصالحين‏ فالعارفون إذا سألوا في أمر تعين لهم من مصالح دنياهم إنما يسألون الله بالله في العالم‏ و العلماء بالله الذين استفرغهم شهود الله شغلهم ذكر الله عن المسألة من الله فهؤلاء أصحاب أحوال فأعطاهم العلم به و هو أفضل ما أعطى السائلون فإذا علموه علم ذوق لم يذكروه إلا له بهم و به فأعطاهم بهذا الذكر أمرا جعلهم أن يتركوا الذكر له و به فأعطاهم الرؤية إذ كانت الرؤية أرفع من المشاهدة و هي أفضل صدقة تصدق الله بها على المقربين من عباده‏

(وصل في فصل أخذ العلماء بالله من الله العلم الموهوب)

اعلم أن العلماء بالله لا يأخذون من العلوم إلا العلم الموهوب و هو العلم اللدني علم الحضر و أمثاله و هو العلم الذي لا تعمل لهم فيه بخاطر أصلا حتى لا يشوبه شي‏ء من كدورات الكسب فإن التجلي الإلهي المجرد عن المواد الإمكانية من روح و جسم و عقل أتم من التجلي الإلهي في المواد الإمكانية و بعض التجليات في المواد الإمكانية أتم من بعض فإذا وقع للعالم بالله من تجل إلهي أشراف على تجل آخر لم يحصل له ثم حصل له بعد ذلك فأعطاه من العلم به ما لم يكن عنده لم يقبله في العلم الموهوب و ألحقه بالعلم المكتسب‏ و كل علم حصل له عن دعاء فيه أو بدعاء مطلق فهو مكتسب و ذلك لا يصلح إلا للرسل‏صلوات الله عليهم فإنهم في باب تشريع الاكتساب فإذا وقفوا مع نبوتهم لا مع رسالتهم كان حالهم مع الله حال ما ذكرناه من ترك طلب ما سواه و الأشراف فهم مع الله واقفون و إليه ناظرون و به ناطقون في كل منطوق به و منظور إليه و موقوف عنده‏ و كما أنهم به ناطقون هم به سامعون يذكرون عباده تعبدا و يطيعون عباده تعبدا و يجتهدون و لا يفترون عبادة لا تعرضا و لا طلبا إلا وفاء لما يقتضيه مقام من كلفهم من حيث ما هو مكلف لا من وجه آخر و مقام من كلف فهو يهبهم من لدنه علما لم يكن مطلوبا لهم فيكون مكتسبا و من أسمائه سبحانه المؤمن و هو من نعوت العبد لا من أسماء العبد فإنه إذا كان اسما لم يعلل و إذا كان صفة و نعتا علل فهو لله اسم و للعبد صفة هذا هو الأدب مع الله و قد ورد في معنى ما أشرنا إليه حديث‏ ذكره أبو عمر ابن عبد البر النمري عن خالد بن عدي الجهني قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول من جاءه من أخيه معروف من غير أشراف و لا مسألة فليقبله و لا يرده فإنما هو رزق ساقه الله إليه‏ فجمع هذا الحديث بين الأمر بالقبول و النهي عن الرد فحصل فيه التكليف كله فإن التكليف ما هو سوى أمر و نهي‏ و مما يؤيد صحة هذا الحديث ما خرجه مسلم في صحيحه عن ابن عمران رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يعطي عمر بن الخطاب العطاء فيقول أعطه يا رسول الله أفقر إليه مني فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم خذه فتموله أو تصدق به و ما جاءك من هذا المال و أنت غير مشرف و لا سائل فخذه و ما لا فلا تتبعه نفسك‏ فالأكابر لا يسألون أحدا شيئا إلا إذا كان الله مشهودهم في الأشياء و لا يردون شيئا أعطوه فإن الأدب مع الله أن لا ترد على الله ما أعطاك‏ و فتنة العلم أعظم من فتنة المال فإن شرف المال شرف عارض لا يتعدى أفواه الناس ليس للنفس منه صفة و شرف العلم حلية تتحلى بها النفس ففتنته أعظم و لا زوال له عن صاحبه في حال فقره و غناه و نوائبه و المال يزول عن صاحبه بلص يأخذه أو حرق أو غرق أو هدم أو زلزلة أو جائحة سماوية أو فتنة أو سلطان و العلم منك في حصن حصين لا يوصل إليه أبدا يلزم الإنسان حيا و ميتا دنيا و آخرة و هو لك على كل حال و إن كان عليك في وقت ما فهو لك في آخر الأمر و إن أصابتك الآفات من جهته فلا تكثرت فليس إلا لشرفه حيث لم تعمل به فما أصبت إلا من تركك العمل به لا منه فإذا نجوت أخذ بيدك إلى منزلته و منزلته معلومه و معلومه الحق فينزلك بالحق على قدر ذلك العلم فلا تكن من الجاهلين‏

(وصل في فصل إيجاب الله الزكاة في المولدات)

اعلم أن الله أوجب الزكاة في المولدات و هي ثلاثة معدن و نبات و حيوان فالمعدن ذهب و فضة و النبات حنطة و شعير و تمر و الحيوان إبل و بقر و غنم فعم جميع المولدات و أطلق عليها اسم المولدات لأنها تولدت عن أم و أب عن فلك و حركته الذي هو بمنزلة الجماع و هو الأب و الأركان الأم‏ فكان المال محبوبا للإنسان حب الولد أ لا ترى الله قرنه بالولد في الفتنة فقال إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ فقدم المال على الولد في الذكر وَ الله عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ إذا رزأكم في شي‏ء منهما فالزكاة و إن كانت طهارة الأموال و طهرت أربابها من صفة البخل فهي رزء في المال بلا شك فلصاحبها أجر المصاب و هو من أعظم الأجور و الولد شجنة من الوالد كالرحم شجنة من الرحمن من وصلها وصله الله و من قطعها قطعه الله قال بعض الشعراء في الأولاد و هو من شعر الحماسة

و إنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض‏

فجعل الولد قطعة من الكبد و قال عيسى عليه السلام لأصحابه قلب كل إنسان حيث ما له فاجعلوا أموالكم في السماء تكن قلوبكم في السماء فحث على الصدقة لما علم إن الصدقة تقع بيد الرحمن و هو يقول أَ أَمِنْتُمْ من في السَّماءِ و الصدقة تطفئ غضب الرب‏ فانظر ما أعجب كلام النبوة و ما أدقه و أحلاه فمن ألحق الولد بالوالد و وصله به فله أجر من وصل الرحم فينبغي للإنسان أن يلحق ماله من حيث ما هو مولد مولود بأبيه الذي تولد عنه لأنه قطعة منه فللإنسان المتصدق في صدقة زكاته أجر المصيبة و أجر صلة الرحم إذا زكى ماله‏ و الصبر علي فقد المحبوب من أعظم الصبر و لا يصبر على ذلك إلا مؤمن أو عارف فإن الزاهد لا زكاة عليه لأنه ما ترك له شيئا تجب فيه الزكاة لأن الزهد يقتضي ذلك و العارف ليس كذلك لأن العارف يعلم أن فيه من حيث ما هو مجموع العالم من يطلب المال فيوفيه حقه فتجب عليه الزكاة من ذلك‏الوجه و هو زاهد من وجه و لهذا رجحنا قول من يقول إن الزكاة واجبة في المال لا على المكلف و إنما هو مكلف في إخراجها من المال إذ المال لا يخرج بنفسه‏ فجمع العارف بين الأجرين بخلاف الزاهد و العارفون هم الكمل من الرجال فلهم الزهد و الادخار و التوكل و الاكتساب و لهم المحبة في جميع العالم كله و إن تفاضلت وجوه المحبة فيحبون جميع ما يقع في العالم بحب الله في إيجاد ذلك الواقع لا من جهة عين الواقع فاعلم ذلك فإن فيه دقيق مكر إلهي لا يشعر به إلا الأدباء العارفون فإن العارف يعلم أن فيه جزاء يطلب مناسبة من العالم فيوفي كل ذي حق حقه كما أَعْطى‏ الله كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ‏ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن لنفسك عليك حقا و لعينك عليك حقا و هكذا كل جزء فيك و لهذا يشهد عليك يوم القيامة إذا استشهده الحق عليك و انظر في حكمة السامري حيث علم ما قال عيسى عليه السلام من أن حب المال ملصق بالقلوب صاغ لهم العجل بمرأى منهم من حلبهم لعلمه أن قلوبهم تابعة لأموالهم فسارعوا إلى عبادته حين دعاهم إلى ذلك‏ فالعارف من حيث سره الرباني مستخلف فيما بيده من المال فهو كالوصي على مال المحجور عليه يخرج عنه الزكاة و ليس له فيه شي‏ء فلذلك قلنا إنه حق في المال فإن الصغير لا يجب عليه شي‏ء و قد أمر النبي صلى الله عليه و سلم بالتجارة في مال اليتيم حتى لا تأكله الصدقة و العامي و إن كان مثل العارف في كونه جامعا فإن العامي لا يعلم ذلك فأضيف المال إليه فقيل له أموالكم فيخرج منها الزكاة فالعارف يخرجها إخراج الوصي و العامي يخرجها بحكم الملك وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ و كلا الفريقين صادق في حاله و صاحب دليل إلهي فيما نسب إليه‏ فلو لا المحبة ما فرضت الزكاة ليثابوا ثواب من رزئ في محبوبه و لو لا المناسبة بين المحب و المحبوب لما كانت محبة و لا تصور وجودها و من هنا تعلم حب العارف للمال من أي نسبة هو و حبه لله من أي نسبة هو و لا يقدح حبه في المال و الدنيا في حبه لله و للآخرة فإن ما يحبه منه لأمر ما إلا ما يناسب ذلك الأمر في الإلهيات و في العالم حبوا الله لما يغذوكم به من نعمه فصحت المناسبة و من نعمه المعرفة به و العارف يطلبها منه فهي نسبة فقير إلى غني يطلب منه ما بيده له ليحصله فما طلب منه إلا أمرا حادثا إذ معرفة المحدث بالقديم معرفة حادثة فالمناسبة بينه و بين المعرفة الحدوث و هي بيد المعروف فيتعلق الحب بالمعروف لهذه المناسبة و المعرفة به لا تنقضي و لا تتناهى فالحب لا ينقضي و حصول مثل هذه المعرفة عن التجلي فالتجلي لا ينقضي فالمعرفة مال العارف و زكاة هذا المال التعليم و هي درجة إلهية قال تعالى وَ اتَّقُوا الله وَ يُعَلِّمُكُمُ الله فهو المعلم فلهذا قلنا إن التعليم درجة إلهية و جعل أصناف الزكاة ثمانية لما فيها من صلاح العالم فهي فيما تقوم به الأبدان من الغذاء و قضاء الحاجات مطلقا و في هذين الأمرين صلاح العالم فهم حملة العرش الثمانية و العرش الذي هو الملك محمول لهم فمن تلك الحقيقة كانت في ثمانية أصناف مجمع عليها و ما عداها مما اختلف فيه فهو راجع إليها و لما كان العرش الملك و كان حملة هذا العرش الذي هو عبارة عنا كان هؤلاء الأصناف الثمانية حملته و كان هذا القدر من المال المعبر عنه بالزكاة كالأجرة لحملهم‏ (وصل) إنما سمي المال مالا لأنه يميل بالنفوس إليه و إنما مالت النفوس إليه لما جعل الله عنده من قضاء الحاجات به و جبل الإنسان على الحاجة لأنه فقير بالذات فمال إليه بالطبع الذي لا ينفك عنه و لو كان الزهد في المال حقيقة لم يكن مالا و لكان الزهد في الآخرة أتم مقاما من الزهد في الدنيا و ليس الأمر كذلك و قد وعد الله بتضعيف الجزاء الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف فلو كان القليل حجابا لكان الكثير منه أعظم حجابا أ لا ترى إلى موطن التجلي و الكشف و هو الدار الآخرة و هي محل الرؤية و المشاهدة مع تناول الشهوات النفسية مطلقا من غير تحجير و كلمة كن من كل إنسان فيها حاكمة فلو كان مثل هذا حجابا لكان حجاب الآخرة أكثف و أعظم بما لا يتقارب فسبحان من جعل له في كل شي‏ء بابا إذا فتح ذلك الباب وجد الله عنده و عين في كل شي‏ء وجها إلهيا إذا تجلى عرف ذلك الوجه من ذلك الشي‏ء قال الصديق ما رأيت شيئا إلا رأيت الله قبله فإنه لا يراه إلا بعينه إذ كان الحق بصره في هذا للوطن فيرى نفسه قبل رؤية ذلك الشي‏ء و الإنسان هو المحل لذلك البصر فلهذا قال ما رأيت شيئا لا رأيت الله قبله و سماها الله زكاة لما فيها من الربو و الزيادة و لهذا تعطي قليلا و تجدها كثيرا فلو أعطيته لرفع الحجاب لكونه حجابا لكان الثواب حجبا كثيرة أعظم من هذا الحجاب فلم يكن بحمد الله ما أعطيته حجابا و لا ما وصلت إليه من ذلك حجابا فاعلم ذلك‏ و انظر في تصرف العارف في الدنيا كيف هو و لا يحمل تصرفه على تصرفك و جهلك و سوء تأويلك فترى الزهد عند ذلك أفضل منه هيهات هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ بل هي للعارف صفة كمالية سليمانية هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ من بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ فما أليق هذا الاسم بهذا السؤال أ تراه عليه السلام سأل ما يحجبه عن الله أو سأل ما يبعده من الله‏ ثم انظر إلى أدب رسول الله صلى الله عليه و سلم حين أمكنه الله من العفريت الذي فتك عليه فأراد أن يقبضه و يربطه بسارية من سواري المسجد حتى ينظر الناس إليه فتذكر دعوة أخيه سليمان فرده الله خاسئا فهذه حالة سليمانية حصلت لمحمد صلى الله عليه و سلم و ما رده عنها الزهد فيها و إنما رده عن ذلك الأدب مع سليمان عليه السلام حيث طلب من ربه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده و علمنا من هذه القصة أن قوله لا ينبغي أنه يريد لا ينبغي ظهوره في الشاهد للناس لأحد و إن حصل بالقوة لبعض الناس كمسألة رسول الله صلى الله عليه و سلم مع العفريت فعلمنا أنه أراد الظهور في ذلك لأعين الناس ثم إن الله أجاب سليمان عليه السلام إلى ما طلب منه بأنه ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم بدعوة أخيه سليمان حتى لا يمضي ما قام بخاطره من إظهار ذلك ثم إن الله تمم هذه النعمة لسليمان عليه السلام بدار التكليف فقال له هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ فرفع عنه الحرج في التصريف بالاسم المانع و المعطي فاختص بجنة معجلة في الحياة الدنيا و ما حجبه هذا الملك عن ربه عز و جل‏ فانظر إلى درجة العارف كيف جمع بين العينين و تحقق بالحقيقتين فأخرج الزكاة من المال الذي بيده إخراج الوصي من مال المحجور عليه بقوله وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فجعله مالكا للإنفاق من حقيقة إلهية فيه في مال هو ملك لحقيقة أخرى فيه هو وليها من حيث الحقيقة الإلهية جعلنا الله من العارفين العلماء و بما أودع فيه من قرة أعين‏