(وصل في فصل قول المال أنواع العطاء)
اعلم أن المال يقبل أنواع العطاء و هو ثمانية أنواع لها ثمانية أسماء فنوع يسمى الإنعام و نوع يسمى الهبة و نوع يسمى الصدقة و نوع يسمى الكرم و نوع يسمى الهدية و نوع يسمى لجود و نوع يسمى السخاء و نوع يسمى الإيثار و هذه الأنواع كلها يعطى بها الإنسان و يعطى بسبعة منها الحق تعالى و هي ما عدا الإيثار فإن قال أجنبي فمن أي حقيقة إلهية ظهر الإيثار في الكون و هو لا يعطي على جهة الإيثار لأنه غني عن الحاجة و الإيثار إعطاء ما أنت محتاج إليه إما في الحال و إما بالمال و هو أن تعطي مع حصول التوهم في النفس أنك محتاج إليه فتعطيه مع هذا التوهم فيكون عطاؤك إيثارا و هذا في حق الحق محال فقد ظهر في الوجود أمر لا ترتبط به حقيقة إلهية فنقول قد قدمنا أن الغني المطلق إنما هو للحق من حيث ذاته معرى عن نسبة العالم إليه فإذا نسبت العالم إليه لم تعتبر الذات فلم تعتبر الغني و إنما اعتبرت كونها إلها فاعتبرت المرتبة فالذي ينبغي للمرتبة هو ما تسمت به من الأسماء و هي الصورة الإلهية لا الذات من حيث عينها بل من كونها إلها ثم إنه أعطاك الصورة التي هي الخلافة و سماك بالأسماء كلها على طريق المحمدة فقد أعطاك ما هي المرتبة موقوفة نسبتها إليه و هي الأسماء الحسنى فإن قلت فإن المعطي لا يبقى عنده ما أعطاه قلنا هذا يرجع إلى حقيقة المعطي ما هو فإن كان محسوسا فإن المعطي يفقده بالإعطاء و إن كان معنى فإنه لا يفقده بالإعطاء و لهذا حددنا الإيثار بإعطاء ما أنت محتاج إليه و لم نتعرض لفقد المعطي و لا لبقائه فإن ذلك راجع إلى حقيقة الأمر الذي أعطيت ما هو فاعلم ذلك فمن هذه الحقيقة صدر الإيثار في العالم و ما بعد هذا البيان بيان فالإنعام إعطاء ما هو نعمة في حق المعطي إياه مما يلائم مزاجه و يوافق غرضه و الهبة الإعطاء لينعم خاصة و الهدية الإعطاء لاستجلاب المحبة فإنها عن محبة و لهذا قال الشارع تهادوا تحابوا و الصدقة إعطاء من شدة و قهر و إباية فأما في الإنسان لكونه جبل على الشح ف من يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ و إِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً فإذا أعطى بهذه المثابة لا يكون عطاؤه لا عن قهر منه لما جبلت النفس عليه و في حق الحق هذه النسبة حقيقة ما ورد من التردد الإلهي في قبضه نسمة المؤمن و لا بد له من اللقاء يريد قبض روحه مع التردد لما سبق في العلم من ذلك فهو في حق الحق كأنه و في حق العبد هو لا كأنه أدبا إلهيا و دليل العقل يرمي مثل هذالقصوره و عدم معرفته بما يستحقه الإله المعبود و الحق عرف بهذه الحقيقة التي هي عليها عبادة فقبلتها العقول السليمة من حكم أفكارها عليها بصفة القبول التي هي عليه حين ردتها العقول التي هي بحكم أفكارها و هذه هي المعرفة التي طلب منا الشارع أن نعرف بها ربنا و نصفه بها لا المعرفة التي أثبتناه بها فإن تلك مما يستقل العقل بإدراكها و هي بالنسبة إلى هذه المعرفة نازلة فإنها ثبتت بحكم العقل و هذه ثبتت بالأخبار الإلهي و هو بكل وجه أعلم بنفسه منا به و الكرم العطاء بعد السؤال حقا و خلقا و الجود العطاء قبل السؤال حقا لا خلقا فإذا نسب إلى الخلق فمن حيث إنه ما طلب منه الحق هذا الأمر الذي عينه الخلق على التعيين و إنما طلب الحق منه أن يتطوع بصدقة و ما عين فإذا عين العبد ثوبا أو درهما أو دينارا أو ما كان من غير أن يسأل في ذلك فهو الجود خلقا و إنما قلنا لا خلقا في ذلك لأنه لا يعطي على جهة القربة إلا بتعريف إلهي و لهذا قلنا حقا لا خلقا و إذا لم يعتبر الشرع في ذلك فالعطاء قبل السؤال لا على جهة القربة موجود في العالم بلا شك و لكن غرض الصوفي أن لا يتصرف إلا في أمر يكون قربة و لا بد فلا مندوحة له عن مراعاة حكم الشرع في ذلك و السخاء العطاء على قدر الحاجة من غير مزيد لمصلحة يراها المعطي إذ لو زاد على ذلك ربما كان فيها هلاك المعطي إياه قال تعالى وَ لَوْ بَسَطَ الله الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الْأَرْضِ وَ لكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ و الإيثار إعطاء ما أنت محتاج إليه في الوقت أو توهم الحاجة إليه قال تعالى وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ و كل ما ذكرناه من العطاء فإنه الصدقة في حق العبد لكونه مجبولا على الشح و البخل كما إن آلام في الأعطيات الإلهية من هذه الأقسام الثمانية إنما هو الوهب و هو الإعطاء لينعم لا لأمر آخر فهو الوهاب على الحقيقة في جميع أنواع عطائه كما هو العبد متصدق في جميع أعطياته لأنه غير مجرد على الغرض و طلب العوض لفقره الذاتي فما ينسب إلى الله بحكم العرض ينسب إلى المخلوق بالذات و ما ينسب إلى الحق بالذات كالغنى ينسب إلى المخلوق بالعرض النسبي الإضافي خاصة قال تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم خُذْ من أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً أي ما يشتد عليهم في نفوسهم إعطاؤها و لهذا قال ثعلبة بن حاطب هذه أخية الجزية لما اشتد عليه ذلك بعد ما كان عاهد الله كما أخبرنا الله في قوله وَ مِنْهُمْ من عاهَدَ الله الآية فلما رزقه الله مالا و فرض الله الصدقة عليه قال ما أخبر الله به عنه و قوله بَخِلُوا به هي صفة النفس التي جبلت عليه و هي إذا حكمت على العبد استبدله الله بغيره نسأل الله العافية و هكذا ورد و إن تتلوا عما سألتموه من الإنفاق و بخلتم يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ أي على صفتكم بل يعطون ما يسألون كما قال فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ فإن الملك أوسع من أن يضيق عن وجود شيء فالصدقة أصل كوني و الوهب أصل إلهي و مما يؤيد ما ذكرناه أن الملائكة قالت من جبلتها حيث لم ترد الخير إلا لنفسها و غلب عليها الطبع في ذلك عن موافقة الحق فيما أراد أن يظهره في الكون من جعل آدم خليفة في الأرض فعرفهم بذلك فلم يوافقوه لحكم الطبع في الطمع في أعلى المراتب ثم تستر حكم الطبع لئلا تنسب إلى النقص من عدم موافقة الحق فأقام لهم صورة الغيرة على جناب الحق و الإيثار لعظمته و ذهلوا عن تعظيمه إذ لو وقفوا مع و ما ينبغي له من العظمة لوافقوه ما وافقوه و إن كانوا فصدوا الخير فقالوا أَ تَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ أي فنحن أولى من هذا فرجحوا نظرهم على علم الله في خلقه لذلك قال لهم إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ فوصفهم بنفي العلم الذي علم الحق من هذا الخليفة مما لم يعلموا و أثنوا على أنفسهم فمسألتهم جمعت ذلك حيث أثنوا على أنفسهم و عدلوها و جرحوا غيرهم و ما ردوا العلم في ذلك إلى الله فهذا من بخل الطبع بالمرتبة و هذا يؤيد أن الملائكة كما ذهبنا إليه تحت حكم الطبيعة و أن لها أثرا فيهم قال تعالى ما كانَ لِي من عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ و الخصام من حكمها و قد ورد اختصام ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب في الشخص الذي مات بين القريتين فوصفهم بالخصام و لو لا أن مرتبتها دون النفس و فوق الهباء لسرى حكمها و من أراد أن يقف على أصل هذا الشأن فلينظر إلى تضاد الأسماء الإلهية فمن هناك ظهرت هذه الحقيقة في الجميع فهم مشاركون لنا في حكم الطبيعة و من حكمها البخل و الشح فيمن تركب منها و هو من الاسم المانع في الأسماء و سببه فينا إن الفقر و الحاجة ذاتي لنا و لكل ممكن و لهذا افتقرت الممكنات إلى المرجح لإمكانها فالمكون عن الطبيعة شحيح بخيل بالذات كريم بالعرضفما فرض الله الزكاة و أوجبها و طهر بها النفوس من البخل و الشح إلا لهذا الأمر المحقق فالفرض منها أشد على النفس من صدقة التطوع للجبر الذي في الفرض و الاختيار الذي في التطوع فإنه في الفرض عبد بحكم سيد و في الاختيار لنفسه إن شاء و إن شاء
(وصل في فصل الادخار من شح النفس و بخلها)
اعلم أنه من شح النفس الادخار و الشبهة لها إلى وقت الحاجة فإذا تعين المحتاج كان العطاء و على هذا أكثر بعض نفوس الصالحين و أما العامة فلا كلام لنا معهم و إنما نتكلم مع أهل الله على طبقاتهم و القليل من أهل الله من يطلب على أهل الحاجة حتى يوصل إليهم ما بيده فرضا كان أو تطوعا فالفرض من ذلك قد عين الله أصنافه و رتبه على نصاب و زمان معين و التطوع من ذلك لا يقف عند شيء فإن التطوع إعطاء ربوبية فلا يتقيد و الفرض إعطاء عبودية فهو بحسب ما يرسم له سيده و إعطاء العبودية أفضل فإن الفرض أفضل من النفل و أين عبودية الاضطرار من عبودية الاختيار و هذا الصنف قليل في الصالحين و شبهتهم أنا لم نكلف الطلب عليهم و المحتاج هو الطالب فإذا تعين لي بالحال أو بالسؤال أعطيته و الذين هم فوق هذه الطبقة التي تعطي على حد الاستحقاق فهم أيضا أعلى من هؤلاء و هم الذين يعطون ما بأيديهم كرما إلهيا و تخلقا فيعطون المستحق و غير المستحق و هو عندنا من جهة الحقيقة الآخذ مستحق لأنه ما أخذ إلا بصفة لفقر و الحاجة لا بغيرها سواء كانت الأعطية ما كانت من هدية أو وهب أو غير ذلك من أصناف العطايا كالتاجر الغني صاحب الآلاف يجوف القفار و يركب البحار و يقاسي الأخطار و يتغرب عن الأهل و الولد و يعرض بنفسه و بماله للتلف في أسفاره و ذلك لطلب درهم زائد على ما عنده فحكمت عليه صفة الفقر و أعمته عن مطالعة هذه الأهوال و هونت عليه الشدائد لأن سلطان هذه الصفة في العبد قوية فمن نظر هذا النظر الذي هو الحق فإنه يرى أن كل من أعطاه شيئا و أخذه منه ذلك الآخر فإنه مستحق لمعرفته بالصفة التي بها أخذها منه إلا أن يأخذها قضاء حاجة له لكونه يتضرر بالرد عليه أو ليستر مقامه بالأخذ فذلك يده يد حق كما ورد أن الصدقة تقع بيد الرحمن قبل وقوعها بيد السائل فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله فهذا أخذ من غير خاطر حاجة في الوقت و غاب عن أصله الذي حركه للاخذ و هو أن ذلك تقتضيه حقيقة الممكن فهذا شخص قد استترت عنه حقيقته في الأخذ بهذا الأمر الغرضي فنحن نعرفه حين يجهل نفسه فما أعطى إلا غني عما أعطاه سواء كان لغرض أو عوض أو ما كان فإنه غني عما أعطى و ما أخذ إلا مستحق أو محتاج لما أخذ لغرض أو عوض أو ما كان لأن الحاجة إلى تربية ما أخذ حاجة إذ لا يكون مربيا إلا بعد الأخذ فافهم فإنه دقيق غامض بسبب النسبة الإلهية في التربية للصدقة مع الغني المطلق الذي يستحقه و النسب الإلهية لا ينكرها إلا من ليس بمؤمن خالص فإن الله يقول وَ أَقْرِضُوا الله قَرْضاً و يقول جعت فلم تطعمني و ظمئت فلم تسقني و بين ذلك كله فلم يمتنع جل و تعالى عن نسبة هذه الأشياء إليه تنبيها منه لنا إنه هو الظاهر في المظاهر بحسب استعداداتها و اليد العليا هي المنفقة فهي خير بكل وجه من اليد السفلي التي هي الآخذة فالمعطي بحق و الآخذ بحق ليسا على السواء في المرتبة و لا في الاسم و لا في الحال فما من شيء إلا و له وجه و نسبة إلى الحق و وجه و نسبة إلى الخلق و لهذا جعله إنفاقا فقال وَ أَنْفِقُوا من ما رَزَقْناكُمْ و مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ فراعى عز و جل في هذا الخطاب أكابر العلماء لأنهم الذين لهم العطاء من حيث ما هو إنفاق لعلمهم بالنسبتين لأنه من النفق و هو جحر اليربوع و يسمى النافقاء له بابان إذا طلب من باب ليصاد خرج من الباب الآخر كالكلام المحتمل إذا قيدت صاحبه بوجه أمكن أن يقول لك إنما أردت الوجه الآخر من محتملات اللفظ و لما كان العطاء له نسبة إلى الحق و الغني و نسبة إلى الخلق و الحاجة سماه الله إنفاقا فعلماء الخلق ينفقون بالوجهين فيرون الحق فيما يعطونه معطيا و آخذا و يشاهدون أيديهم هي التي يظهر فيها العطاء و الأخذ و لا يحجبهم هذا عن هذا فهؤلاء لا يرون إلا مستحقا فكل آخذ إنما أخذ بحكم الاستحقاق و لو لم يستحقه لاستحال القبول منه لما أعطيه كما يستحيل عليه الغني المطلق و لا يستحيل عليه الفقر المطلق ثم إن الذين ينتظرون مواقيت الحاجة و يدخرون كما ذكرنا للشبهة التي وقعت لهم فمنهم من يدخر على بصيرة و منهم من يدخر لا عن بصيرة فلا نسلم لهمادخارهم في ذلك لأنه لا عن بصيرة و ليس من أهل الله فإن أهل الله هم أصحاب البصائر و الذي عن بصيرة فلا يخلو إما أن يكون عن أمر إلهي يقف عند و يحكم عليه أو لا عن أمر إلهي فإن كان عن أمر إلهي فهو عبد محض لا كلام لنا معه فإنه مأمور كما نظنه في عبد القادر الجيلي فإنه كان هذا مقامه و الله أعلم لما كان عليه من التصرف في العالم و إن لم يكن عن أمر إلهي فأما أن يكون عن اطلاع أن هذا القدر المدخر لفلان لا يصل إليه إلا على يد هذا فيمسكه لهذا الكشف و هذا أيضا من وجوه عند القادر و أمثاله و إما أن يعرف أنه لفلان و لا بد و لكن لم يطالع على أنه على يده أو على يد غيره فإمساك مثل هذا الشح في الطبيعة و فرح بالوجود و يحتجب عن ذلك بكشفه من هو صاحبه و بهذا احتججنا على عبد العزيز بن أبي بكر المهدوي في ادخاره فوقف و لم يجد جوابا فإنه ادخر لا عن بصيرة إن ذلك على يده و لا عن بصيرة إن ذلك المعين عنده صاحبه فافتضح بين أيدينا في الحال و مثل هذا ينبغي أن لا يدخر و لقد أنصف سيد الطائفة عاقل زمانه المنصف بحاله أبو السعود بن الشبل حيث قال نحن تركنا الحق يتصرف لنا فلم يزاحم الحضرة الإلهية فلو أمر وقف عند الأمر أو عين له وقف مع التعيين و فيه خلاف بين أهل الله فإنه من الرجال من عين لهم إن ذلك المدخر لا يصل إلى صاحبه إلا على يده في الزمان الفلاني المعين فمنهم من يمسكه لي ذلك الوقت و منهم من يقول ما أنا حارس أنا أخرجه عن يدي إذ الحق تعالى ما أمرني بإمساكه فإذا وصل الوقت فار الحق يرده إلى يدي حتى أوصله إلى صاحبه و أكون ما بين الزمانين غير موصوف بالادخار لأني خزانة الحق ما أنا خازنه إذ قد تفرغت إليه و فرغت نفسي له لقوله وسعني قلب عبدي فلا أحب أن يزاحمه في تلك السعة أمر ليس هو فاعلم لك فقد نبهتك على أمر عظيم في هذه المسألة فلا تصح الزكاة من عارف إلا إذا ادخر عن أمر إلهي أو كشف محقق معين إنه ما يسبق في العلم أن يكون لهذا الشيء خازن غيره فحينئذ يسلم له ذلك و ما عدا هذا فإنما يزكي من حيث نزكي العامة انتهى الجزء الثالث و الخمسون
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(وصل في فضل تقسيم الناس في الصدقات المعطي منهم و الآخذ)
اعلم أن الناس على أربعة أقسام فيما يعطونه و فيما يأخذونه قسم يستعظم ما يعطي و يستحقر ما يأخذ و قسم يستحقر ما يعطي و يستعظم ما يأخذ و قسم يستحقر ما يعطي و ما يأخذ و قسم يستعظم ما يعطي و ما يأخذ و لهذا منهم من ينتقي و هم الذين لا يرون وجه الحق في الأشياء و منهم من لا ينتقي و هم الذين يرون وجه الحق في الأشياء و قد ينتقون لحاجة الوقت و قد لا ينتقون لاطلاعهم على فقرهم المطلق فمنهم و منهم فإن مشاربهم مختلفة و كذلك مشاهدهم و أذواقهم بحسب أحوالهم فإن الحال للنفس الناطقة كالمزاج للنفس الحيوانية فإن المزاج حاكم على الجسم و الحال حاكم على النفس ثم اعلم أن استعظام الصدقة مشروع قال تعالى فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ و قال وَ أَطْعِمُوا الْقانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ يعني من البدن التي جعلها سبحانه من شعائر الله قال وَ من يُعَظِّمْ شَعائِرَ الله فَإِنَّها من تَقْوَى الْقُلُوبِ لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ يعني البدن و في هذه القصة قال وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ و قد ذكرنا في شرح المنفق لذي الإنفاق منه كونه له وجهان فكذلك هنا فنالنا منها لحومها و نال الحق منها التقوى منا فيها و من تقوانا تعظيمها فقد يكون استعظام الصدقة من هذا الباب عند بعض العارفين فلهذا يستعظم ما يعطي إن كان معطيا أو ما يأخذ إن كان آخذا و قد يكون مشهده ذوقا آخر و هو أول مشهد ذقناه من هذا الباب في هذا الطريق و هو إني حملت يوما في يدي شيئا محقرا مستقذر في العادة عند لعامة لم يكن أمثالنا يحمل مثل ذلك من أجل في النفوس من رعونة الطبع و محبة التميز على من لا يلحظ بعين التعظيم فرأيت الشيخ و معه أصحابه مقبلا فقال له أصحابه يا سيدنا هذا فلان قد أقبل و ما قصر في الطريق لقد جاهد نفسه يراه يحمل في وسط السوق حيث يراه الناس كذا و ذكروا له ما كان بيدي فقال الشيخ فلعله ما حمله مجاهدة لنفسه قالوا له فما ثم إلا هذا قال فاسألوه إذا اجتمع بنا فلما وصلت إليها سلمت على الشيخ فقال لي بعد رد السلام بأي خاطر حملت هذا في يدك و هو أمر محقر مستقذر و أهل منصبك منأرباب الدنيا لا يحملون مثل هذا في يديهم لحقارته و استقذاره فقلت له يا سيدنا حاشاك من هذا النظر ما هو نظر مثلك إن الله تعالى ما استقذره و لا حقره لما علق القدرة بإيجاده كما علقها بإيجاد العرش و ما تعظمونه من المخلوقات فكيف بي و أنا عبد حقير ضعيف استحقر و أستقذر ما هو بهذه المثابة فقبلني و دعا لي و قال لأصحابه أين هذا لخاطر من حمل المجاهد نفسه فقد يكون استعظام الصدقة من هذا الباب في حق المعطي و في حق الآخذ فلاستعظام الأشياء وجوه مختلفة يعتبرها أهل الله أوحى الله إلى موسى عليه السلام إذا جاءتك من أحد باقلاية مسوسة فأقبلها فإني الذي جئت بها إليك فيستعظمها المعطي من حيث إنه نائب عن الحق تعالى في إيصالها و يستعظمها الآخذ من حيث إن الله جاء بها إليه فيد المعطي هنا يد الحق عن شهود أو إيمان قوي فإن الله يقول إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده فأضاف القول إليه و العبد هو الناطق بذلك و قال تعالى في الخبر كنت له سمعا و بصرا و يدا و مؤيدا و قد يكون استعظامها عند أهل الكشف لما يرى و يشاهد و يسمع من تسبيح تلك الصدقة أو الهدية أو الهبة أو ما كانت لله تعالى و تعظيمها لخالقها باللسان الذي يليق بها و قوله تعالى وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ فتعظم عنده لما عندها من تعظيم الحق و عدم الغفلة و الفتور دائما كما تعظم الملوك الصالحين و إن كانوا فقراء مهانين عبيدا كانوا أو إماء و أهل بلاء كانوا أو معافين و يتبركون بهم لانتسابهم إلى طاعة الله على ما يقال فكيف صاحب هذا المشهد الذي يعاين فمن كان هذا مشهده أيضا من معط و آخذ يستعظم خلق الله إذ هو كله بهذه المثابة و قد يقع التعظيم له أيضا من باب كونه فقيرا إلى ذلك الشيء محتاجا إليه من كون الحق تعالى جعله سببا لا يصل إلى حاجته إلا به سواء كان معطيا و آخذا إذا كان هذا مشهده و قد يستعظم ذلك أيضا من حيث قول الله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله فتسمى الله في هذه الآية بكل شيء يفتقر إليه و هذا منها و أسماء الحق معظمة و هذا من أسمائه و هو دقيقة لا يتفطن إليها كل أحد إلا من يشاهد هذا المشهد و هو من باب الغيرة الإلهية و النزول الإلهي العام مثل قوله تعالى وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ مع ما عبد في الأرض من الحجارة و النبات و الحيوان و في السماء من الكواكب و الملائكة و ذلك لاعتقادهم في كل معبود أنه إله لا لكونه حجرا و لا شجرة و لا غير ذلك و إن أخطئوا في النسبة في أخطئوا في المعبود فلهذا قال وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ فكان من قضائه أنهم اعتقدوا الإله و حينئذ عبدوا ما عبدوا فهذا من الغيرة الإلهية حتى لا يعبد إلا من له هذه لصفة و ليس إلا الله سبحانه في نفس الأمر فقد تستعظم الصدقة من هذا الكشف و أما استحقارها عند بعضهم فلمشهد آخر ليس هذا فإن مشاهد القوم و أحوالهم و أذواقهم و مشاربهم تحكم عليهم بقوتها و سلطانها و هل كل ما ذكرناه في الاستعظام إلا من باب حكم الأحوال و الأذواق و المشاهد على أصحابها فمنها إن يشاهد إمكان ما تعطيه من صدقة إن كان معطيا أو ما يأخذ إن كان آخذا و الإمكان للممكن صفة افتقارية و ذلة و حاجة و حقارة فيستحقر صاحب هذا المشهد كل شيء سواء كان ذلك من أنفس الأشياء في العادة أو غير نفيس و قد يكون مشوبا أيضا في الاستحقار من يعطي من أجل الله و يأخذ بيد الله رأيت بعض أهل الله فيما أحسب فإني لا أزكي على الله أحدا كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم و فعله و قد نهانا الله عن ذلك و قد سأل فقير شخصا أن يعطيه صدقة لله فأخرج الرجل المسئول صرة فيها قطع فضة بين كبير و صغير فأخذ يفتش فيها بيده و ذلك الرجل الصالح بنظر إليه ثم رد وجهه إلي و قال لي تعلم على من يبحث هذا المتصدق قلت لا قال على قدر منزلته عند الله فإنه يعطي من أحل الله فإذا رأى قطعة كبيرة يعدل عنها يقول ما تساوي عند الله هذا القدر إلى أن عمد إلى أصغر قطعة وجدها فأعطاها السائل فقال ذلك الصالح هذه قيمتك عند الله ألا كل شيء محتقر في جنب الله لكن هنا كرم إلهي يستند إلى غيرة إلهية و ذلك أن الناس يوم القيامة ينادي مناد فيهم من قبل الله أين ما أعطى لغير الله فيؤتى بالأموال الجسام و العقار و الأملاك ثم يقال أين ما أعطى لوجهي فيؤتى بالكسر اليابسة و الفلوس و قطع الفضة المحفرة و الخليع من الثياب فغار الحق لذلك إن يعطي لوجهه من نعمته مثل ذلك فأخذ الصدقة بيده و رباها حتى صارت مثل جبل أحد أكبر ما يكون فيظهرها له على رءوس الأشهاد و يحقر ما أعطى لغير الله فيجعله هَباءً مَنْثُوراً فلا بد من الاستحضار لمن هذا مشهده و أمثال هذا ممايطول ذكره و قد نبهنا على ما فيه كفاية من ذلك مما تدخل فيه الأربعة الأقسام التي قسمنا العالم إليها في أول هذا الفصل
(وصل في فصل أحوال الناس في الجهر بالصدقة و الكتمان)
من الناس من يراعي صدقة السر لأجل ثناء الحق على ذلك في الحديث الحسن الذي يتضمن قوله ما تدري شماله ما تنفق يمينه و ما جاء في صدقة لسر و اعتناء الله بذلك فيسر بها لعلم الله بما أنفق لا لغير ذلك من إخلاص و شبهه لأن القوم قد حفظهم الله عن الشرك الجلي و الخفي فممن يخلصون و ما ثم إلا الله لا رب غيره و ذلك لمشاهدتهم الحق في الأعمال عاملا فيعلمون إن الحق تعالى ما ذكر باب السر في مثل هذا و فضله على الإعلان في حق من يرى هذا النظر إلا لعلم له في ذلك و إن لم يطلع عليه لا لأجل الإخلاص و الجهر إذا الجهر و السر قد تساويا في حق هؤلاء في المعطي و الآخذ و من هذا الباب قوله من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي و من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم الحديث و أما صاحب الإعلان بالصدقة فليس هذا مشهده و لا أمثاله و إنما الغالب على قلبه و بصره مشاهدة الحق في كل شيء فكل حال عنده أعمال بلا شك ما يشهد غير هذا فيعلن بالصدقة كما يذكره في الملإ فإن من ذكره في الملإ فقد ذكره في نفسه فإن ذكر النفس متقدم بلا شك و ما كل من ذكره في نفسه ذكره في ملأ فهذه حالة زائدة على الذكر النفسي لا مرتبة تفوت صاحب ذكر لنفس فإن ذكر النفس لا يطلع عليه في الحالتين فهو سر بكل وجه فصدقة الإعلان تؤذن بالاقتدار الإلهي فعمن يخفيها أو يسرها و هو الظاهر في المظاهر الإمكانية و هذه كانت طريقة شيخنا أبي مدين و كان يقول قُلِ الله ثُمَّ ذَرْهُمْ أَ غَيْرَ الله تَدْعُونَ و قد يعلن بها للتأسي وراثة نبوية و أما ما يذكر عامة أهل هذا الطريق كأبي حامد و المحاسبي و أمثالهما من العامة من الرياء و طلب الإخلاص فإنما ذلك خطاب الحق بلسان العموم ليعم بذلك ما هو لسان من لا يرى لا لله و نحن إنما نتكلم مع أهل الله في ذلك و لقد كان شيخنا يقول لأصحابه أعلنوا بالطاعة لله حتى تكون كلمة الله هي العليا كما يعلن هؤلاء بالمعاصي و المخالفات و إظهار المنكرات و لا يستحيون من الله قال بعض السادة لأصحاب شيخ معتبر بما ذا كان يأمركم شيخكم قال كان يأمرنا بالاجتهاد في الأعمال و رؤية التقصير فيها فقال أمركم و الله بالمجوسية المحضة هلا أمركم بالأعمال و برؤية مجريها و منشئها فهذا من هذا الباب فقد نبهتك على دقائق صدقة السر و الإعلان في نفوس القوم مع الخلاف الذي بين علماء الرسوم في الصدقة المكتوبة و صدقة التطوع و هو مشهور لا يحتاج إلى ذكره لشهرته من أجل طلب الاختصار و الاقتصاد و في صدقة الإعلان ورد من سن سنة حسنة الحديث و أما الكامل من أهل الله فهو الذي يعطي بالحالتين ليجمع بين المقامين و يحصل النتيجتين و ينظر بالعينين و يسلك النجدين و يعطي باليدين فيعلن في وقت في الموضع الذي يرى أن الحق رجح فيه الإعلان و يسر بها في وقت الموضع الذي يرى أن الحق رجح فيه الأسرار و هذا هو الأولى بالكمل من أهل الله في طريق الله تعالى
(وصل في فصل صدقة التطوع)
صدقة التطوع عبودية اختيار مشوبة بسيادة و إن لم تكن هكذا فما هي صدقة تطوع فإنه أوجبها على نفسه إيجاب الحق الرحمة على نفسه لمن تاب و أصلح من العاملين السوء بجهالة فهذه مثلها ربوبية مشوبة يحكم عليه بها فإن الله تعالى لا يجب عليه شيء بإيجاب غيره فهو الموجب على نفسه الذي أوجبه من حيث ما هو موجب فمن أعطى من هذا الوجوب من هذه المنزلة ثم نفرض أن هذه المرتبة الإلهية إذا فعلت مثل هذا و نفرض لها ثوابا مناسبا على هذا الفعل فنعطيه بعينه لمن أعطى بهذا الوجوب من هذه المنزلة و هم أفراد من العارفين بصدقة التطوع فإن الحق من ذلك المقام يثيبه إذا كان هذا مشربه و هذه مسألة ذوقية مشهودة للقوم و لكن ما رأيت أحدا نبه عليها قبلي إلا إن كان و ما وصل إلي فإنه لا بد لأهل الله المتحققين بهذا المقام من إدراك هذا و لكن قد لا يجريه الله على ألسنتهم أو تتعذر على بعضهم العبارة عن ذلك و قد ذكرناها في كتابنا هذا في غير هذا الموضع بأبسط من هذا القول و أوضح من هذه العبارة و بهذا الاعتبار تعلو صدقة التطوع على صدقة الفرض ابتداء فإن هذا التطوع أيضا قد يكون واجبا بإيجاب الله إذ أوجبه العبد على نفسه كالنذر فإن الله أوجبه بإيجاب العبد و غير النذر قد يلحق بهذا الباب قال الأعرابي في صحيح الحديثيا رسول الله في الزكاة هل على غيرها قال لا إلا أن تطوع فيحتمل إن الله يوجب عليه ذلك إذا تطوع به فيلحقه بدرجة القرض فيكون في الثواب على السواء مع زيادة أجر التطوع في ذلك فيعلو على الفرض الأصلي بهذا القدر و الله يقول لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ فنهي و النهي يعم العمل به بخلاف الأمر فالشروع في الشرع ملزم و هو الأظهر فسوى في النهي بين المفروض و غير المفروض و قضى رسول الله صلى الله عليه و سلم النافلة في الصلاة و الصيام و لا يجوز عندنا ذلك في الفرائض و هي مسألة خلاف في قضاء الفرض الموقت و ليس معنى التطوع في ذلك كله إلا أن العبد عبد بالأصالة و محل لما يوجبه عليه سيده فهو بالذات قابل للوجوب و الإيجاب عليه فالتطوع إنما هو الراجع إلى أصله و الخروج عن الأصل إنما هو بحكم العرض فمن لزم الأصل دائما فلا يرى إلا الوجوب دائما لأنه مصرف مجبور في اختياره تشبيها بالأصل الذي أوجده فإنه قال ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ فما يكون منه إلا ما سبق به العلم فانتفى الإمكان بالنسبة إلى الله فما ثم إلا أن يكون أو لا يكون غير هذا ما في الجناب الإلهي و منه قال في حديث التردد و لا بد له من لقائي أي لا بد له من الموت و قوله أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ و قوله حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَ فليس في الأصل إلا أمر واحد عند الله فليس في الكون واقع إلا أمر واحد علمه من علمه و جهله من جهله هذا تعطي الحقائق فالحكم للوجوب و الإمكان لا عين له بكل وجه الواحد إذا لم يكن فيه إلا حقيقة الوحدة من جميع الوجوه فليس للكثرة وجه فيه تخرج عنه بذلك الوجه فلا يخرج عنه إلا واحد فإن كان في الواحد وجوه معان أو نسب مختلفة فالكثرة الظاهرة عنه لا تستحيل لأجل هذه الوجوه الكثيرة فاجعل بالك من هذه المسألة فإنك من هنا تعرف من أين جئت و من أنت و هل أنت واحد أو كثير و من أي وجه يقبل الواحد الكثرة و يقبل الكثير الوحدة و لما ذا كانت الحكمة في الكثرة أوسع منها في الواحد و الواحد هو الأصل فبما ذا خرج الفرع عن حكم الأصل و ما ثم من يعضده و هل النسب التي أعطت الكثرة في الأصل هل ترجع إلى الأصل أو تعطيها أحكام الفرع و ليست في الأصل أعيان وجودية هذا كله يتعلق بهذه المسألة فسبحان الواحد الموحد بالواحد و أحدية الكثرة فإن للكثرة أحدية تخصها لا بد من ذلك بها سميت تلك الكثرة المعينة و تميزت عن غيرها فما وقع التميز بين الأشياء آحادا أو كثيرين إلا بالوحدة و لو اشترك فيها اثنان ما وقع التميز و التميز حاصل فالوحدة لا بد منها في الواحد و المجموع فما ثم إلا واحد أصلا و فرعا فانظر يا أخي فيما نبهتك عليه فإنه من لباب المعرفة الإلهية و انظر ما تعطيه صدقة التطوع و ما أشرف هذه الإضافة
(وصل في استدراك تطهير الزكاة وصل في الزكاة من غير الجنس في المال المزكى)
فرض رسول الله صلى الله عليه و سلم في كل خمس من الإبل شاة و صنف الشاة غير صنف الإبل فالأصل في هذه المسألة هل يطهر الشيء بنفسه أو يطهر بغيره فالأصل الصحيح أن الشيء لا يطهر إلا بنفسه هذا هو الحق الذي يرجع إليه و إن وقع الخلاف في الصورة فالمراعاة إنما هي في الأصل لما فرض الله الطهارة للعبادة بالماء و التراب و هما مخالفان في الصورة غير مخالفين في الأصل فالأصل إنه من الماء خلق كل شيء حي و قال في آدم خَلَقَهُ من تُرابٍ فما أوقع الطهارة في الظاهر إلا بنفس ما خلق منه كالحيوانية الجامعة للشاء و الإبل و المالية للشاء و الإبل و غير ذلك فلو لا هذا الأمر الجامع ما صحت الطهارة فلهذا صحت الزكاة في بعض الأموال بغير الصنف الذي تجب فيه الزكاة قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في تطهير الإنسان من الجهل من عرف نفسه عرف ربه فبمعرفته صحت طهارته لمعرفته بربه فالحق هو القدوس المطلق و تقديس العبد معرفته بنفسه فما طهر إلا بنفسه فتحقق هذا
(وصل في فصل النصاب)
النصاب المقدار و هو الذي يصح أن يقال فيه كم و يكون كيلا و وزنا و قد بين الشارع نصاب المكيل و نصاب الموزون (الاعتبار في هذا) المكيل المعقول لما ورد في الخبر النبوي من تقسيم العقل في الناس بالقفيز و القفيزين و الأكثر و الأقل فألحقه الشارع بالمكيل و إن كان معنى فهو صاحب الكشف لأتم الأعم الأجلى و قد عرفناك قبل إن الحضرات ثلاث عقلية و حسية و خيالية و الخيالية هي التي تنزل المعاني إلى الصور المحسوسة أعني تجليها فيها إذ لا نعقلهاإلا هكذا و من هذه الحضرة قسم الشارع العقل كيلا تكون العقل أظهره له الحق في صورة المكيل أعني العقول لما أراد الله من ذلك و أما الموزون فالأعمال و هي أيضا معان عرضية تعرض للعامل فألحقها الله بالموزون فقال وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ و قال فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فأدخل العمل في الميزان فكان موزونا و لكن في هذه الحضرة المثالية التي لا تدرك المعاني إلا في صورة المحسوس حتى التحلي الإلهي في النوم فلا ترى الحق إلا صورة و قد ورد في ذلك من الأخبار ما يغني عن الاستقصاء في تحقيق ذلك و هو شيء يعلمه كل إنسان إذ كل إنسان له تحيل في اليقظة و المنام و لهذا يعبر ما يدركه الخيال كما عبر الشارع عليه السلام من صورة اللبن إلى العلم و من صورة القيد إلى الثبات في الدين فهذا معرفة النصاب بما هو نصاب لا بما هو نصاب في كذا فإن ذلك يرد في نصاب ما تخرج منه الزكاة و يندرج في هذا الباب معرفة ما له كمية واحدة و كميات كثيرة فإن لنا في ذلك مذهبا من أجل أن قطعة الفضة أو الذهب قد تكون غير مسكوكة فتكون جسما واحدا فإذا وزنت أعطى وزنها النصاب أو أزيد من ذلك فمن كونها جسما واحدا هل لذلك الجسم كمية واحدة أو كميات كثيرة أعني أزيد من واحد فاعلم إن الأعداد تعطي في الشيء كثرة الكميات و قلتها و العدد كمية فإن كان العدد بسيطا غير مركب فليس له غير كمية واحدة و هو من الواحد إلى العشرة إلى عقد العشرات عقدا عقدا كالعشرين و الثلاثين إلى المائة إلى المائتين إلى الألف إلى الألفين و انتهى الأمر فإذا كان الموزون أو المكيل ينطلق عليه و هو جسم واحد أحد هذه الألقاب العددية فإنه ذو حكم واحد فإن انطلق عليه غير هذه الألقاب من الأعداد مثل أحد عشر أو مثل مائة و عشرين أو مثل ثلاثمائة و مثل ثلاثة آلاف أو ما تركب من العدد فكمياته من العدد بحسب ما تركب أو يكون الموزون ليس جسما واحدا كالدراهم و الدنانير فله أيضا كميات كثيرة فإن كان العدد مركبا و الموزون مجموعا من آحاد كان العدد و الموزون ذو كميات فإن كان أحدهما مركبا أو مجموعا و الآخر ليس بمجموع أو ليس بمركب كان ما ليس بمركب و لا مجموع ذو كمية واحدة و كان المركب و المجموع ذا كميات فاعلم ذلك و تحدث الكميات في الأجسام بحدوث الانقسام إذ الأجسام تقبل القسمة بلا شك و لكن هل يرد الانفصال بالقسمة على الاتصال أم لا فإن ورد على الاتصال كما يراه بعضهم فالجسم الواحد ذو كميات و إن لم يرد على الاتصال كما يراه بعضهم فليس له سوى كمية واحدة و هذا التفصيل الذي ذكرناه نحن من كميات الموزون و كميات العدد على هذا ما رأينا أحدا تعرض إليه و هو مما يحتاج إليه و لا بد و من عرف هذه المسألة عرف هل يصح إثبات الجوهر الفرد الذي هو الجزء الذي لا يقبل القسمة ما لا يصح ثم لتعلم إن من حكمة الشرع جمعه أصناف العدد فيما تجب فيه الزكاة و هي الفردية فجعلها في الحيوان فكان في ثلاثة أصناف و الثلاثة لأول الأفراد و هي الإبل و البقر و الغنم و جعل الشفعية في صنفين في المعدن و هو الذهب و الفضة و في الحبوب و هو الحنطة و الشعير و جعل الأحدية في صنف واحد من الثمر و هو الثمر خاصة هذا بالاتفاق بلا خلاف و ما عدا هذا مما يزكى فبخلاف غير مجمع عليه فمنه خلاف شاذ و منه غير شاذ
(وصل في فصل زكاة الورق)
اتفقوا على أنه خمس أواق للخبر الصحيح و الأوقية أربعون درهما هذا هو النصاب في الورق و زكاته خمسة دراهم و ذلك ربع لعشر (وصل الاعتبار في ذلك) لكل صنف كمال ينتهي إليه فالكمال في الصنف المعدني حازه الذهب و سيأتي ذكره في زكاة الذهب و الورق على النصف من درجة الكمال و المدة الزمانية لحصول الكمال المعدني ستة و ثلاثون ألف سنة و الورق ثمان عشرة ألف سنة و هو نصف زمان الكمال و جميع المعادن تطلب درجة الكمال لتحصلها فتطرأ في الطريق علل تحول بينهم و بين البلوغ إلى الغاية فالواصل منها إلى الغاية هو المسمى ذهبا و ما نزل عن هذه الدرجة لمرض غلب عليه حدث له اسم آخر من فضة و نحاس و أسرب و قزدير و حديد و زئبق فيكون الذهب عن اتحاد أبويه بالنكاح و التسوية في لتناسب و استيلاء حرارة المعدن في الكل على السواء و لم يعرض للأبوين من البرودة و اليبوسة ما يؤثر في هذا الطالب درجة الكمال قبل تحكم سلطان حرارة المعدن فإذا كان السالك بهذه المثابة بلغ الغاية فوجد عين لذهب فإن دخل عليه في سلوكه من البرودة فوق ما يحتاج إليهأمرضه و حال بينه و بين مطلوبه حدث له اسم الفضة فما نزلت عن الذهب إلا بدرجة واحد و الكمال في الأربعة و قد نقص هذا عن الكمال بدرجة واحدة من أربعة و الأربعة أول عدد كامل و لهذا يتضمن العشرة فكان في الفضة ربع العشر لنقصان درجة واحدة عن الذهب بغلبة البرودة و البرودة أصل فأعلى و الحرارة أصل فأعلى و الرطوبة و اليبوسة فرعان منفعلان فتبعت الرطوبة البرودة لكونها منفعلة عنها فلهذا تكونت الفضة على النصف من زمان تكوين الذهب و لما كان المنفعل يدل على الفاعل و يطلبه بذاته لهذا استغنى بذكر المنفعل عن ذكر ما انفعل عنه لتضمنه إياه فقال تعالى وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ و لم يذكر و لا حار و لا بارد و هذا من فصاحة القرآن و إعجازه حيث علم أن الذي أتى به و هو محمد صلى الله عليه و سلم لم يكن ممن اشتغل بالعلوم الطبيعية فيعرف هذا القدر فعلم قطعا إن ذلك ليس من جهته و أنه تَنْزِيلٌ من حَكِيمٍ حَمِيدٍ و أن القائل بهذا عالم و هو الله تعالى فعلم النبي صلى الله عليه و سلم كل شيء بتعليم الله إياه و إعلامه لا بفكره و نظره و بحثه فلا يعرف مقدار النبوة إلا من أطلعه الله على مثل هذه الأمور فانظر ما أحكم علم الشرع في فرض الزكاة في هذه الأصناف على هذا الحد المعلوم في كل صنف صنف لمن نظر و استبصر
(وصل في فصل نصاب الذهب)
المتفق عليه في نصاب الذهب ما نذكره إن شاء الله فقالت طائفة تجب الزكاة في عشرين دينارا كما تجب في مائتي درهم و من قائل ليس في الذهب شيء حتى يبلغ أربعين دينارا ففيه دينار واحد و هو ربع العشر أعني عشرها لأن عشر الأربعين أربعة و ربع الأربعة واحد و من قائل ليس في الذهب زكاة حتى يبلغ صرفه مائتي درهم أو قيمتها فإذا بلغ ففيه ربع عشرة سواء بلغ عشرين دينارا أو أقل أو أكثر هذا فيما كان من ذلك دون الأربعين حينئذ يكون الاعتبار في الذهب ما ذكرناه فإذا بلغ الأربعين كان الاعتبار بها نفسها لا بالدراهم لا صرفا و لا قيمة (الاعتبار في ذلك) في كل أربعين دينارا دينار و هو ربع العشر من ذلك قد ذكرنا أن الفضة لما حكم عليها و هي تطلب الكمال الذي ناله الذهب طبع واحد و هو البرودة من الأربع الطبائع فأخذت من الذهب طبعا واحدا أخرجته عن محل الاعتدال فلهذا أخذ من الأربعين التي هي نصاب الذهب دينار واحد و هو ربع العشر لأنك إذا ضربت أربعة في عشرة كان الخارج أربعين فالأربعة عشر الأربعين و الواحد ربع الأربعة فهو ربع عشرها و هو الواحد الذي أخذته الفضة و صارت به فضة في طلبها درجة الكمال فنقص من الذهب هذا القدر فكانت زكاته دينارا و هذا الدينار قد اجتمع مع الخمسة الدراهم في كونه ربع عشر ما أخذ منه فإن العشرين عشر المائتين و ربع العشرين خمسة فكان في المائتين خمسة دراهم و هي ربع عشرها فمن حمل الذهب على الفضة و قال إن في عشرين دينارا كما في مائتي درهم أو من قال بالصرف و القيمة بمائتي درهم فأوجب الزكاة فيما هذا قيمته و صرفه من الذهب و هذا فيما دون الأربعين فإنه ما ورد نهي فيما دون الأربعين من الذهب كما ورد في الورق فإنه قال ليس فيما دون خمس أواق صدقة و لم يقل ليس فيما دون الأربعين فلهذا ساغ الخلاف في الذهب و لم يسغ في الورق و اجتمعا في ربع العشر بكل وجه و اعتبر العشر و الربع منه لتضمن الأربعة العشرة فضربت فيها و لم تضرب في غيرها لأن الأربعة تتضمن عينها و ما تحتها من العدد فيكون من المجموع عشرة و لهذا قيل في الأربعة أنه أول عدد كامل فإن الأربعة عينها و فيها الثلاثة فتكون سبعة و فيها الاثنان فتكون تسعة و فيها الواحد فتكون عشرة فمن ضرب الأربعة في العشرة كان كمن ضرب الأربعة في نفسها بما تحوي عليه فوجبت الزكاة لنظرها لنفسها في ذلك و لم تنظر إلى بارئها و موجدها فأخذا الحق منها نظرها إلى نفسها و سماه زكاة لها أي طهارة من الدعوى فبقيت لربها بربها فلم يتعين له فيها حق يتميز لأنها كلها له لا لذاتها
(وصل في فصل الأوقاص و هي ما زاد على النصاب مما يزكى)
أجمع العلماء على زكاة الأوقاص في الماشية و على أنه لا أوقاص في الحبوب و اختلفوا في أوقاص الذهب و الورق و بترك الزكاة في أوقاص الذهب و الورق أقول فإن إلحاقهما بالحبوب أولى من إلحاقهما بالماشية فإن الحيوان مجاور للنبات و النبات مجاور للمعدن فإلحاقه في الحكم بالمجاور أحق فإن الجار أحق بصقبه (وصل في اعتبار هذا) الكمال لا يقبلالنقص و الزكاة نقص من المال و لهذا لما كمل الحيوان بالإنسانية لم يكن فيه زكاة فإن الأشياء ما خلقت إلا لطلب الكمال فلا كامل إلا الإنسان و أكمل المعادن الذهب و لهذا لا يقبل النقص بالنار مثل ما يقبله سائر المعادن فإن قلت فالفضة قد نزلت عن درجة الكمال فهي ناقصة فوجبت الزكاة في أوقاصها قلنا قد أشركها الحق في الزكاة إذا بلغت النصاب في الذهب و لم يفعل ذلك في سائر المعادن فلو لا إن بينهما مناسبة قوية لما وقع الاشتراك في الحكم فليكن في الأوقاص كذلك فإن قلت إن الزكاة نقص من المال و من بلغ الكمال لا ينقص و الذهب قد بلغ الكمال و الزكاة فيه إذا بلغ النصاب و هو ذهب في النصاب و ذهب في الأوقاص ما زال عنه حكم الكمال قلنا كذلك أقول هكذا كان ينبغي لو جرينا على هذا الأصل لكن عارضنا أصل آخر إلهي و هو التبدل و التحول في الصور عند التجلي الإلهي و اختلاف النسب و الاعتبارات على الجناب الإلهي و العين واحدة و النسب مختلفة فهي العالمة من كذا و القادرة و الخالقة من كذا فالحق سبحانه ما فرض الزكاة في أعيان المزكى من كونها أعيانا بل من كونها على الخصوص أموالا في هذه الأعيان خاصة لا في كل ما ينطلق عليه اسم مال فاعتبرنا لما جاء الحكم بالزكاة فيهما إذا بلغا النصاب المالية و ما اعتبرنا أعيانهما و اعتبرنا في الأوقاص أعيانهما لا المالية فرفعنا الزكاة فيهما كما اعتبرنا في تحول التجليات الاعتقادات و المرتبة و ما اعتبرنا الذات و اعتبرنا في التنزيه الذات و ما اعتبرنا المرتبة و لا الاعتقادات فلما كان أصل الوجود و هو الحق تعالى يقبل الاعتبارات سرت تلك الحقيقة في بعض الموجودات بل في الموجودات مطلقا فاعتبرنا فيها وجودها مختلفة تارة لأمور عقلية و تارة لأمور شرعية أ لا ترى الرقيق و هو إنسان و له الكمال إذا اعتبرنا فيه المالية أو اعتبارنا أيضا في المشتري له التجارة قومناه عليه بالقيمة و أنزلناه منزلة ما يزكى من المال فأخرجنا من قيمته الزكاة أ لا ترى كمالية الحق لا تقبل وصفا من نعوت المحدثات فلما تجلت في حضرة التمثل للابصار المقيدة بالحس المشترك تبعت الأحكام هذا التجلي الخاص فقال تعالى جعت فلم تطعمني و ظمئت فلم تسقني و مرضت فلم تعدني و لما وقع النظر فيه من حيث رفع النسب قال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و قال فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ فمن كان غنيا عن الدلالة عليه كان هو الدليل على نفسه لشدة وضوحه فإنه لا شيء أشد في الدلالة من الشيء على نفسه و قد نبهتك على إن الأحكام تتبع الاعتبارات و النسب و بعد أن وقع الحكم من الشارع في أمر ما بما حكم به عليها فلا بد لنا أن ننظر ما اعتبر فيه حتى حكم عليه بذلك الحكم و بهذا يفضل العالم على الجاهل فإذا تقرر هذا فاعلم إن البلوغ بالسن أو الإنبات أو الحلم للعقل هو كالنصاب في المال فكما إن النصاب إذا وجد في المال وجبت الزكاة فيه كذلك يجب التكليف على العاقل إذا بلغ ثم بعد أوان البلوغ يستحكم عقله لمرور الأزمان عليه كما يزيد المال بالتجارة فتظهر الأوقاص فمن لم يجد في استحكام عقله إن الله هو الفاعل مطلقا و أن العبد لا أثر له في الفعل وجبت عليه الزكاة في الأوقاص و الزكاة حق الله في المال فنضيف إلى الله من أعماله ما ينبغي أن يضيف و هنا رجلان منهم من يضيف إلى الله ما يضيفه على جهة الحقيقة و يضيف إلى نفسه من أعماله ما يضيف على جهة الأدب كقوله فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها و كقوله فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما و كقول الخليل وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ و كقوله ما أَصابَكَ من حَسَنَةٍ فَمِنَ الله وَ ما أَصابَكَ من سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ و منهم من يضيف ذلك العمل كله إلى الإنسان عقلا و شرعا كالمعتزلي و يضيف إلى الله من ذلك خلق القدرة له في هذا العامل لا غير و أما من لا يرى الأفعال في استحكام عقله إلا من الله و لا أثر للعبد فيها لم ير الزكاة في الأوقاص لأنه ما ثم ما يرد إلى الله فإنه علم إن الكل لله كما قال شيبان الراعي لما سئل عن الزكاة فقال لابن حنبل و للشافعي و هما كانا السائلين على مذهبنا أو على مذهبكم إن كان على مذهبنا فالكل لله لا نملك شيئا و إن كان على مذهبكم ففي كل أربعين شاة من الغنم شاة فاعتبر شيبان أمرا ما فأوجب الزكاة و اعتبر أمرا آخر فلم يوجب الزكاة و المال هو المال بعينه
(وصل في فصل ضم الورق إلى الذهب)
فمن قائل نضم الدراهم إلى الدنانير فإذا كان من مجموعهما النصاب وجبت الزكاة و من قائل لا يضم فضة إلى ذهب و لا ذهب إلى فضة و به أقول (الاعتبار في ذلك) قال النبي صلى الله عليه و سلم إن لعينك عليك حقا و لنفسك عليك حقافكل و نم و إن كان الإنسان هو الجامع لعينه و نفسه الحيوانية و لكن جعل الله لكل واحد منهما حقا يخصه فحق العين هنا النوم و حق النفس النباتية التغذي و هو الأكل فلا يضم شيء إلى شيء فإن النوم ما يقوم مقام الأكل و لا الأكل يقوم مقام النوم فلا يضم شيء إلى شيء و الذي يرى ضم الشيء إلى الشيء يرى ضم النوم إلى الأكل فإن الأكل سبب في حصول النوم لما يتولد منه من الأبخرة المرطبة التي يكون بها النوم فتنال العين حقها و النفس حقها فلا بأس بضم الذهب إلى الفضة لحصول الحق من ذلك المجموع
(وصل في فصل الشريكين)
فمن قائل إن الشريكين لا زكاة عليهما في مالهما حتى يكون لكل واحد منهما نصاب و به أقول و من قائل إن المال المشترك حكمه حكم مال رجل واحد (الاعتبار في ذلك) العمل من الإنسان إذا وقع فيه الاشتراك فليس فيه حق لله فلا زكاة فيه لأن الله تعالى يقول أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء و هو الذي أشرك و قال صلى الله عليه و سلم من قال هذا لله و لوجوهكم فهو لوجوهكم ليس لله منه شيء و النصاب بالاشتراك غير معتبر فإن الشريكين في حكم الانفصال و إن كانا متصلين فإن الاتصال هو الدليل على وجود الانفصال إذ لو لا الفصل لم يكن الاتصال و إذا كان الحكم للانفصال و لم يبلغ أحدهما ما عنده النصاب في ماله لم تجب عليه الزكاة فإن الزكاة و إن كانت تطلب المال فما تطلبه إلا من المكلف بإخراجه أ لا ترى المال الذي في بيت المال ما فيه زكاة لاشتراك الخلق فيه مع وجود النصاب فيه و حلول الحول إذا مسكه الإمام و لم يفرقه لمصلحة رآها في ذلك فلما اعتبر الخلق المشتركين فيه لم تبلغ حصة واحد منهم النصاب و لم يتعين أيضا رب المال فإذا عينه الإمام و دفع إليه ما يبلغ النصاب فقد خرج من بيت المال و تعين مالكه فزال ذلك الحكم فإذا مضى عليه الحول أدى زكاته انتهى الجزء الرابع و الخمسون
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(وصل في فصل زكاة الإبل)
الزكاة فيها بالاتفاق و قدرها و نصابها مذكور في أحكام الشريعة (الاعتبار) حكم الشارع على الإبل إنها شياطين فأوجب فيها الزكاة لتطهر بذلك من هذه النسبة إذ الزكاة مطهرة رب المال من صفة البخل الشيطنة البعد يقال بئر شطون إذا كانت بعيدة القعر و سمي الشيطان لبعده من رحمة الله لما أَبى وَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ من الْكافِرِينَ و الأفعال و الأعمال إذا لم تنسب إلى الله فقد أبعدت عن الله فوجبت الزكاة فيها و هو ما لله فيها من الحق يردها إليه سبحانه فإذا ردت إليه اكتسبت حلة الحسن فقيل أفعال الله كلها حسنة و الزكاة واجبة على المعتزلي من حيث اعتقاده خلق أعمال العباد لهم و الأشعري تجب عليه الزكاة لإضافة كسبه في العمل إلى نفسه و كان في كل خمس ذود شاة و الخمس هو عين الزكاة من الورق و هو ربع العشر فصار حكم العدد الذي كان زكاة يزكى أيضا كمن يرى الزكاة في الأوقاص فيخرج من كل أربعة دنانير درهما و من أربعين درهما درهما و كما أخرجت من الذهب درهما في الأوقاص و ليس الورق من صنف الذهب كذلك الشاة تخرج في زكاة خمس من الإبل و ليست من صنفها كذلك يؤخذ حق الله من الجارحة بالحرق بالنار و القطع في السرقة و النفس المكلفة هي السارقة و ليست من جنس الجارحة و تطهرت من حكم السرقة بقطع اليد كما تطهر الخمس من الإبل بإخراج الشاة و ليست من صنف المزكى و قد تقدم حكم الأوقاص فلا يحتاج إلى ذكره هنا
(وصل في صغار الإبل)
فمن قائل تجب فيها الزكاة و من قائل لا تجب (الاعتبار) الصغير لا يجب عليه التكليف حتى يبلغ فلا زكاة في صغار الإبل و الصغير يعلم الصلاة و يضرب عليها و هو ابن عشر سنين و لا يضرب إلا على واجب و البلوغ ما حصل فتجب الزكاة في صغار الإبل العقل إذا وجد من الصبي و إن لم يبلغ فمن اعتبر البلوغ أسقط التكليف و من اعتبر استحكام العقل أوجبالتكليف فيما نص الشرع عليه لأن الحكم في ذلك له قال تعالى أَلْحَقْنا بِهِمْ (ذُرِّيَّتَهُمْ) ذرياتهم و قال وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا و قال في المهد آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ في المهد و غيره وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا وَ بَرًّا بِوالِدَتِي و من بره بها كونه برأها مما نسب إليها بشهادته و أتى في كل ما ادعاه ببنية الماضي ليعرف السامع بحصول ذلك كله عنده و هو صبي في المهد و قد ذكر أن الله تعالى أوصاه بالصلاة و الزكاة ما دام في الحياة و أنه آتاه الكتاب و الحكمة و لكن غاب عن أبصار الناس إدراك الكتاب الذي آتاه حتى ظهر في زمان آخر و أما الحكمة فظهر عينها في نفس نطقه بمثل هذه الكلمات و هو في المهد و الإنسان صغير من حيث جسمه لعدم مرور الأزمان الكثيرة عليه في هذه الصورة و أصغر مدته زمان تكوينه ثم لا تزال مدته تكبر إلى حين موته فكلما كبر جسمه صغير عمره فلا ينفك من إضافة الكبر و الصغر إليه فزيادته نقصه و نقصه زيادته فانظر ما أعجب هذا التدبير الإلهي
(وصل في فصل زكاة الغنم)
الاتفاق على الزكاة فيها بلا خلاف و بالله التوفيق (الاعتبار في هذا الوصل) قال تعالى في نفس الإنسان قَدْ أَفْلَحَ من زَكَّاها و قد تقدم الكلام عليها و أن الله أقام الرأس من الغنم مقام الإنسان الكامل فهو قيمته فانظر ما أكمل مرتبة الغنم حيث كان الواحد منها فداء نبي مكرم فقال وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ فعظمه الله و ناب مناب هذا النبي المكرم و قام مقامه فوجبت الزكاة في الغنم كما أفلح من زكى نفسه شعر
(وصل في فصل زكاة البقر)
و الاتفاق أيضا من علماء الشريعة على الزكاة فيها (الاعتبار في ذلك) يقول الله سبحانه في نفس الإنسان قَدْ أَفْلَحَ من زَكَّاها يعني النفس و لما كانت المناسبة بين البقر و الإنسان قوية عظيمة السلطان لذلك حي بها الميت لما ضرب ببعض البقر فجاء بالضرب إشارة إلى الصفة القهرية لما شمخت نفس الإنسان أن تكون سبب حياته بقرة و لا سيما و قد ذبحت و زالت حياتها فحيي بحياتها هذا الإنسان المضروب ببعضها و كان قد أبى لما عرضت عليه فضرب ببعضها فحيي بصفة قهرية للأنفة التي جبل الله الإنسان عليها و فعل الله ذلك ليعرفه أن الاشتراك بينه و بين الحيوان في الحيوانية محقق بالحد و الحقيقة و لهذا هو كل حيوان جسم متغذ حساس فالإنسان و غيره من الحيوان و انفصل كل نوع من الحيوان عن غيره بفصله المقوم لذاته الذي به سمي هذا إنسانا و هذا بقرا و هذا غنما و غير ذلك من الأنواع و ما أبى الإنسان إلا من حيث فصله المقوم و تخيل أن حيوانيته مثل فصله المقوم فأعلمه الله بما وقع أن الحيوانية في الحيوان كله حقيقة واحدة فأفاده ما لم يكن عنده و كذلك ذلك الميت ما حيي إلا بحياة حيوانية لا بحياة إنسانية من حيث إنه ناطق و كان كلام ذلك الميت مثل كلام البقرة في بنى إسرائيل حيث قالت ما خلقت لهذا إنما خلقت للحرث و لما قال النبي صلى الله عليه و سلم هذا الخبر الذي جرى في بنى إسرائيل قال الصحابة تعجبا لبقرة تكلم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم آمنت بهذا و ما رأوا أن الله قد قال ما هو أعجب من هذا أن الجلود قالت أَنْطَقَنَا الله الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ و هنا علم غامض لمن كشف الله عن بصيرته فوجبت الزكاة في البقر كما ظهرت في النفس ثم مناسبة البرزخ بين البقر و الإنسان فإن البقر بين الإبل و الغنم في الحيوان المزكى و الإنسان بين الملك و الحيوان ثم البقرة التي ظهر الأحياء بموتها و الضرب بها برزخية أيضا في سنها و لونها فهي لا فارِضٌ وَ لا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فهذا مقام برزخي فهي لا بيضاء و لا سوداء بل صفراء و الصفرة لون برزخي بين البياض و السواد فتحقق ما أومأنا إليه في هذا الاعتبار فإنه يحتوي على معان جليلة و أسرار لا يعرفها إلا أهل النظر و الإستبصار
(وصل في فضل الحبوب و التمر)
فقد عرفت أيضا ما تجب الزكاة فيه من ذلك بالاتفاق (الاعتبار في ذلك) النفس النباتية و هي التي تنمي بالغذاء فزكاتها في الإنسان بالصوم و لكن له شرط في طريق الله و هو أن الصائم إنما يمسك عن الأكل بالنهار فليأخذ ما كان يستحق أن يأكل بالنهار و يتصدق به ليخرج بذلك من البخل فإذا لم يفعل ذلك عندنا و استوفى في عشائه ما فاته بالنهار فما أمسك و بهذا ينفصل صوم خواص أهل الله عن صوم العامة و ما تسحر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا رحمة بالعامة حتى يجدوا ما يتأسوا به فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول من كان مواصلا فليواصل حتى السحر مع أنه رغب في تعجيل الفطر و تأخير السحور قال تعالى وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ و هذا الاعتبار فيما يزكى من الحبوب و بالله التوفيق (وصل) و أما التمر فهو أيضا كما قلنا الزكاة فيه بالاتفاق و قد تقدم ذلك (و أما اعتبار التمر في الزكاة) فاعلم أن النبي صلى الله عليه و سلم جعل النخلة عمة لنا و شبهها بالمؤمن حين سأل الناس عنها و وقع الناس في شجر البوادي و وقع عند عبد الله بن عمر أنها النخلة أصاب ما أراده رسول الله صلى الله عليه و سلم و بهذا الحديث يحتج على إباحة الحزورات التي تستعملها الناس فكما إن التمر تجب فيه الزكاة شرعا كذلك المؤمن لما شارك الحق في هذا الاسم تعين للحق فيه حق كما تعين في جميع الأسماء الحسنى يسمى ذلك الحق زكاة فيزكي المؤمن هذه النسبة إليه بالصدق في جميع أقواله و أفعاله و أحواله و إعطاء الأمان منه لكل خائف من جهته فإذا صدق في ذلك كله صدقه الله تعالى لأنه لا يصدق سبحانه إلا الصادق و لا يصدقه تعالى إلا من اسمه المؤمن لا غير فصدق العبد رد لاسم الله المؤمن عليه كرد صورة الناظر في المرآة على الناظر ليصدقه سبحانه فيما صدق فيه هذا العبد فهذا زكاته من نسبة الايمان إليه فأعطى حق الله من إيمانه بما صدق فيه من أقواله و أفعاله و أحواله و تمت أصناف ما يزكى من الأموال المتفق عليها و يلحق بها ما اختلف فيه فإنه لا يخلو أن يكون ما اختلف فيه نباتا أو حيوانا أو معدنا و قد بينا ذلك في المتفق عليه فليحكم في المختلف فيه بذلك الحكم و ليعتبر فيه ما يليق بذلك الصنف حتى لا يطول الكلام و مذهبنا في هذا الكتاب الاقتصار و الاختصار جهد الطاقة فإن الكتاب كبير يحتوي على ما لا بد منه في طريق الله من الأمهات و الأصول فإن الأبناء و الفروع تكاد لا تنحصر بل لا تنحصر وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
(وصل في فصل الخرص)
الاتفاق على إجازة الخرص فيما يخرص من النخيل و غير ذلك و هو تقدير النصاب في ذلك حتى يقوم مقام الكيل (الاعتبار في ذلك) هو موضع خطر يحتاج إلى معرفة و تحقيق في المقادير و بصيرة حادة قال تعالى قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ و هذه إشارة تلحق بالتفسير و إن لم نرد بها التفسير و لكن لتقارب المعنى و المكيل و الموزون بمنزلة العلم و الخرص بمنزلة غلبة الظن و الأصل العلم ثم إنه إذا تعذر العلم حكمنا بغلبة الظن و ذلك لا يكون إلا في الأحكام الشرعية أعني في فروع الأحكام فإن الحاكم لا يحكم إلا بشهادة الشاهد و هو ليس قاطعا فيما شهد به من ذلك و الأصل في الحكم المشروع غلبة الظن حتى في السعادة عند الله فإن الله يقول أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا فحسن الظن بالله إذا غلب على العبد أنتج له السعادة كما إن سوء الظن بالله يرديه وَ ذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فما اختلف العلماء في حكم الحاكم بين الخصمين بغلبة الظن و اختلفوا في حكمه بعلمه فكانت غلبة الظن في هذا النوع أصلا متفقا عليه يرجع إليه و كان العلم في ذلك مختلف فيه و الحق تعالى و إن لم يكن عنده إلا العلم فإنه يحكم بالشهود و لهذا جاء قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ أي بما شرعت لي و أرسلتني به و في هذا الطريق معرفة الله بالعقل بطريق الخرص و لهذا تقبل الشبهة القادحة في الأدلة و معرفة الله من طريق الشرع المتواتر مقطوع بها لا تقدح فيها شبهة عند المؤمن أصلا و إن جهلت النسبة فالعلم بالله من جهة الشرع و هو تعريف الحق عباده بما هو عليه فإنه أعلم بنفسه من عباده به فإن العلم به منه أن يعلم أنه جامع بين التنزيه و التشبيه و هذا في الأدلة النظرية غير سائغ أعني الجمع بين الضدين في المحكوم عليه ليس ذلك إلا هنا خاصة فلا يحكم عليه خلقه و العقل و نظره و فكره من خلقه فكلامه في موجدة بأنه ليس كذا أو هو كذا خرص بلا شكو الخارص قد يصيب و قد يخطئ و العلم بالله من حيث القطع أولى من العلم به من حيث الخرص و إن كان الخرص لا بد منه في العلم بالله ابتداء
(وصل في فصل ما أكل صاحب التمر و الزرع من تمره و زرعه قبل الحصاد و الجداد)
فمن قائل يحسب ذلك عليه في النصاب و من قائل لا يحسب عليه و يترك الخارص لرب المال ما أكل هو و أهله و يأكل (الاعتبار) ثمر الإنسان و زرعه أعماله و أعماله واجبة و مندوب إليها و مباحة خاصة و أما المكروه و المحظور فلا دخول لهما هنا و لا سيما المحظور خاصة في الزكاة و قد يدخل في الزكاة بوجه خاص في فعل المحظور و ذلك أن المؤمن لا تخلص له معصية أصلا من غير أن تكون مشوبة بطاعة و هم الذين خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً فالطاعة التي تشوب كل معصية هي الايمان بها أنها معصية و كما هي طاعة في عين معصية فهي قرب في عين بعد فذلك الايمان هو زكاتها فيطهر المحظور بالإيمان فهو قوله تعالى يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ فإذا أعطى هذا القدر في عمل المعصية وقع الترجي للعبد من الله في القبول و هو قوله تعالى وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً و هؤلاء منهم عسى الله أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أي يرجع عليهم بالرحمة و القبول و الغفران و تبديل السيئات فهذه عناية الزكاة أثرت في الحظر و أما في أعمال الطاعات فنصابها الذي تجب فيه الزكاة زكاتها المباح من عامله خاصة و هو الذي يخص النفس فإن الزكاة و إن كانت حق الله فما هي حق الله إلا من حيث إنه شرعها فهي راجعة إلينا فإن الله عين مصارفها بذكر الأصناف الذين يأخذونها فتصدق الله على الإنسان بالمباح في الثمانية الأعضاء من جميع أعماله فتلك الزكاة التي أعطاها الله من جميع أعماله و ذلك لفقره و مسكنته و عمله و تألفه على طاعة ربه و اجتماعه من حيث إيمانه عليها و فكاك رقبته من رق الواجبات في أوقات المباحات و إن اندرجت فيها أعني الواجبات لأنه يجب عليه اعتقاد المباح أنه مباح إلى غير ذلك فمن حسبه عليه في النصاب فلكونه من جملة ما شرع له لأن المباح مشروع كالواجب فلهذا يتصرف فيه تصرف من أبيح له لا تصرف الطبع و من قال لا يحسب عليه فلكونه و إن كان مباحا إنما راعى سقوط التكليف في المباح لأن المكلف لا يكون مخيرا فإن التكليف مشقة و التخيير لا مشقة فيه و إن تضمن الحيرة و التردد
(وصل في فصل وقت الزكاة)
فجمهور العلماء في الصدر الأول مجمعون على وجوب الزكاة في الذهب و الفضة و الماشية باشتراط الحول و ما خالف في ذلك أحد من الصدر الأول فيما نقل إلينا إلا ابن عباس و معاوية لأنه لم يثبت عندهما في ذلك حديث صحيح ثابت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فاعلم إن الحول فيه كمال الزمان فأشبه كمال النصاب فكما وجبت بكمال النصاب وجبت بكمال الزمان و معنى كمال الزمان تعميمه للفصول الأربعة فيه و لهذا ينتظر بالعنين الحول الكامل حتى تمر عليه الفصول الأربعة فلا تغير في حاله شيئا أي لا حكم لها في عنته لعدم استعداده لتاثيرها و كمال الإنسان إنما هو في عقله فإذا كمل في عقله فقد كمل حوله فوجب عليه إخراج الزكاة و هي أن يعلم ما لله عليه من الحقوق فيجتهد في أداء ذلك و وقت الحبوب و التمر يوم حصاده وجده من غير اشتراط الحول إذ قد مر الحول على الأصل و هو ما للخريف و الشتاء و الربيع و الصيف فيه من الأثر فكأنه ما خرج عن حكم الحول بهذا الاعتبار فمن العبادات ما هي مرتبطة بالحول كالحج و الصيام و ما ذكرناه من صنف ما من أصناف المال المزكى و من العبادة الواجبة ما لا يرتبط بالحول كالصلاة و العمرة و نوافل الخيرات ما عدا الحج فإن واجبة و نافلته سواء في الحول
(وصل في فصل زكاة المعدن)
فمن العلماء من راعى فيه الحول مع النصاب تشبيها بالذهب و الفضة و منهم من راعى فيه النصاب دون الحول تشبيها بما تخرجه الأرض مما تجب فيه الزكاة (وصل الاعتبار في هذا) المعدن الطبيعة التي تتكون عنها الأجسام و نفوس الأجسام الجزئية و الطبيعية أربع حقائق بتأليفها ظهر عالم الأجسام و في العلم الإلهي أن العالم ظهر عن الله تعالى من كونهحيا عالما مريدا قادرا لا غير و كل اسم له حكم في العالم فداخل تحت حيطة هذه الأربعة الأسماء الأمهات فمن راعى النصاب دون الحول اعتبر هذا فإنه فوق الزمان فإذا تكون عن الإنسان ما يتكون عن الطبيعة فقد بلغ النصاب فوجبت الزكاة و هي إلحاق ذلك بالأربع الصفات الثابتة في العلم الإلهي الذي لا يصح التكوين إلا بها و الطبيعة آلة لا إله و من اعتبر الحول مع النصاب فإنه إذا تكون عن الإنسان ما يتكون عن العناصر لا عن الطبيعة و العناصر لا يتكون عنها شيء إلا بمرور الأزمان عليها و هي حركات الأفلاك التي فوقها فزكاتها مقيدة بالزمان و هي إعطاء حق الله تعالى من ذلك التكوين بإضافته إلى الوجه الخاص الإلهي الذي له في كل ممكن من غير نظر إلى سببه و هذا هو عالم الخلق و الأمر و الأول هو عالم الأمر خاصة فاعلم ذلك
(وصل في فصل حول ربح المال)
فطائفة رأت أن حوله يعتبر فيه من يوم استفيد سواء كان الأصل نصابا أو لم يكن و به أقول و طائفة قالت حول الربح هو حول الأصل أي إذا كمل الأصل حولا زكى الربح معه سواء كان الأصل نصابا أو أقل من نصاب إذا بلغ الأصل مع ربحه نصابا و انفرد بهذا مالك و أصحابه و فرقت طائفة بين أن يكون رأس المال الحائل عليه الحول نصابا أو لا يكون فقالوا إن كان نصابا زكى ربحه مع رأس المال و إن لم يكن نصابا لم يزك (وصل الاعتبار في هذا) الأعمال هي المال و ربحها ما يكون عنها من الصور كالمصلي أو الذاكر يخلق له من ذكره و صلاته ملك يستغفر له إلى يوم القيامة فالصور التي تلبس الأعمال هي أرباحها كمانع الزكاة يأتيه ماله الذي هو قدر الزكاة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوق به و يقال له هذا كنزك و الأعمال على قسمين عمل روحاني و هو عمل القلوب و عمل طبيعي و هو عمل الأجسام و هي الأعمال المحسوسة فما كان من عمل محسوس اعتبر فيه الحول و ما كان من عمل معنوي لم يعتبر فيه الحول لأنه خارج عن حكم الزمان و لا بد من اعتبار النصاب في المعنى و الحس و قد تقدم اعتبار النصاب و هو المقدار قبل هذا من هذا الباب و صورة الزكاة في ذلك الربح هو ما يعود منه على العامل من الخير من كونه موصوفا بصفات الدين لإعطائهم الزكاة من فقير و مسكين و غير ذلك و هو قول النبي صلى الله عليه و سلم فيما يخلق من الأعمال من صور الأملاك أنه يستغفر له ذلك الملك إلى يوم القيامة و لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم و أنا بمكة في المنام و هو يقول و يشير إلى الكعبة يا ساكني هذا البيت لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت في أي وقت كان من ليل أو نهار أن يصلي في أي وقت شاء من ليل أو نهار فإن الله يخلق له من صلاته ملكا يستغفر له إلى يوم القيامة و مصداق بعض هذا الخبر ما روى عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال يا بنى عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت و صلى في أي وقت شاء من ليل أو نهار خرجه النسائي في سننه و الله أعلم
(وصل في فصل حول الفوائد)
و هو ما يستفاد من المال من غير ربحه فقال بعض العلماء إن العلماء أجمعوا على إن المال إذا كان أقل من نصاب و استفيد إليه مال آخر من غير ربحه فكمل من مجموعهما نصاب إنه يستقبل به الحول من يوم كمل و اختلفوا إذا استفاد مالا و عنده نصاب مال آخر قد حال عليه الحول فقال بعضهم يزكى المستفاد إن كان نصابا لحوله و لا يضم إلى المال الذي وجبت فيه الزكاة و به أقول و قال بعضهم الفوائد كلها تزكي لحول الأصل إذا كان الأصل نصابا و كذلك الربح عندهم (وصل اعتبار هذا الفصل) من سن سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها فقد استفاد من عمل غيره ما لم يكن من عمله فيكون ربحه و إنما هو عمل و الحكم في ذلك في الاعتبار على ما هو في الحكم الظاهر كما فصلناه في المذاهب على اختلافها فيما اختلفوا فيه و إجماعها فيما أجمعوا عليه كما تقدم في الفصول قبله من الاعتبار في ذلك سواء
(وصل في فصل اعتبار حول نسل الغنم)
من العلماء من قال حول النسل هو حول الأمهات كانت الأمهات نصابا أو لم تكن و من قائل لا يكون حول النسل حول الأمهات إلا أن تكون الأمهات نصابا (وصل الاعتبار في ذلك) أَلْحَقْنا بِهِمْ (ذُرِّيَّتَهُمْ) ذرياتهم وَ ما أَلَتْناهُمْ من عَمَلِهِمْ من شَيْءٍ و هذا في الذين آمنوا و اتبعتهم ذرياتهم بإيمان فهذه الذرية بمنزلة نوافل الخيرات و الأمهات مثل فرائضالخيرات و كما يتقرب بالفرائض كذلك يتقرب بالنوافل و قد وردت الأخبار بما تنتجه نوافل الخيرات من القرب الإلهي فجعل لها حكما في نفسها فهذا اعتبار من أفرد نسل الغنم بالحكم و من ألحقها بالأمهات كما ذكرنا في المذهبين و اعتباره أن نوافل الخيرات فرائض و كان حكمها حكم الفرائض فلهذا ضمن إليها فإن صلاة التطوع و هي النافلة التي لا تجب على الإنسان و لا يعصي بتركها إذا شرع فيها في صلاة نافلة أو صيام أو حج فإنه يلزمه ما فيها من الفرائض فالركوع و السجود و القيام في صلاة النافلة فريضة واجبة عليه لا تصح أن تكون صلاة إلا بهذه الأركان و لهذا قال الله أكملوا لعبدي فريضته من تطوعه فيكمل فرض المفروض من فرض التطوع كان العمل ما كان فحق الله في نوافل الخيرات ما تحوي عليه من الفرائض و هو زكاتها و ما في ذلك من الفضل يعود على عاملها و لهذا يكون الحق سمعه و بصره في التقرب بالنوافل
(وصل في فصل فوائد الماشية)
قد تقدم اعتبار مثله في فوائد الناض فأغنى عن ذكره في هذا الفصل و إنما جئنا به لننبه عليه
(وصل في فصل اعتبار حول الديون)
فيمن يرى الزكاة فيه فإن قوما قالوا يستقبل به الحول من اليوم الذي قبضه يعني الدين من غريمه و الذين يقولون في الدين الزكاة اختلفوا فمن قائل يعتبر فيه من أول ما كان دينا و إن مضى عليه حول زكى زكاة حول و إن مرت عليه أحوال زكى لكل حول مر عليه زكاة فأنزله صاحب هذا المذهب منزلة المال الحاضر و من قائل يزكيه لعام واحد خاصة و إن أقام أحوالا عند الذي عنده الدين فلا زكاة فيه إلا هذا القدر و لا أعرف له حجة في ذلك (الاعتبار في هذا) الحج عن الميت و من لا يستطيع كما ورد في النص و صيام ولي الميت عن الميت إذا مات و عليه صيام فرض رمضان فصار حقا لله فيه على الولي الذي يحج أو يصوم فذلك الحق هو قدر الزكاة الذي في الدين و تبرأ ذمة الذي عنده الدين كما إن الذي عنده الدين لا زكاة عليه فيما عنده لأنه ليس بمالك له و من يرى أنه لا زكاة عليه فيه ما دام عند المديون بري أنه ليس للإنسان إلا ما سعى و ليس بيده مال يسعى فيه بخير بل خيره منه كونه وسع على المديون بما أعطاه من المال فعين هذا الفعل قام فيه مقام الزكاة فأغنى عن أن يزكيه و أي خير أعظم ممن وسع على عباد الله و قد قرر العلماء أن المقصود بالزكاة إنما هو سد الخلة و الذي يأخذ الدين لو لا حاجته ما أخذه و الذي يعطيه ذلك قد سد منه تلك الخلة فأشبه الزكاة من هذا الوجه فهذا اعتبار من لا يرى زكاة فيه حتى يقبضه و يستقبل به الحول من يوم قبضه و آية الديون على ما قلناه قوله تعالى وَ أَقْرِضُوا الله قَرْضاً حَسَناً و من ذَا الَّذِي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً و لما كان في القرض سد الخلة لذلك قالت اليهود إِنَّ الله فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ أي من أجل فقره طلب القرض منا و غابوا عن الذي أراده الحق تعالى من ذلك من غاية وصلته بخلقه كما جاء في الصحيح جعت فلم تطعمني و شبه ذلك و الباب واحد و قد تقدم الكلام في القرض في أول الباب
(وصل في فصل حول العروض عند من أوجب الزكاة فيها)
و قد تقدم اعتبار الحول و الذي أذهب إليه أنه لا زكاة فيها لعدم النص في ذلك و كأنه شرع زائد و هو القياس المرسل لا شرع مستنبط من شرع ثابت و الله أعلم فمن العلماء من اشترط مع العروض وجود الناض و منهم من اعتبر فيه النصاب و منهم من لم يعتبر ذلك و قال أكثر العلماء المدير و غير المدير حكمه واحد و أنه من اشترى عرضا و حال عليه الحول قومه و زكاه و قال قوم بل يزكي ثمنه و به أقول لا قيمته (وصل الاعتبار في هذا) العروض هو ما يعرض على الإنسان من أعمال البر مما لا نية له في ذلك أو يكون من الأعمال التي لا نشترط فيها النية و له الثواب عليها كما قال صلى الله عليه و سلم أسلمت على ما أسلفت من خير أي لك ثوابه و إن لم يكن فعلك فيه عن شرع ثابت لكنه مكارم خلق فصادف الحق فجوزي عليه فلو لم يكن في ذلك العمل الذي عرض حق لله لنسبة تعطيه ما صح أن يثني عليه فذلك زكاته من حيث لا يشعر
(وصل في فصل تقدم الزكاة قبل الحول)
فمن العلماء من منع من ذلك و بالمنع أقول ظاهرا لا باطنا و منهم من جوز ذلك (الاعتبار) اعتبار التجويز وَ قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ و ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ من خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ الله و سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ من رَبِّكُمْ و أُولئِكَ يُسارِعُونَ في الْخَيْراتِ وَ هُمْ لَها سابِقُونَ و قوله صلى الله عليه و سلم فيمن أتى بالشهادة قبل أن يسألها فعظم ما فيها من الأجر على أجر من أتى بالشهادة بعد أن طولب بأدائها و أما اعتبار المنع فإن الحكم للوقت فلا ينبغي أن يفعل فيه ما لا يقتضيه و هنا دقائق من العلوم من علوم الأسماء الإلهية و هل يحكم اسم في وقت سلطنة اسم آخر مع بقاء حكم صاحب الوقت و هل يشتركان في الوقت الواحد فيكون الحكم لكل واحد من الأسماء حكم في وقته و هل حكم الوقت هو الحاكم على الاسم بأن جعله بحكم الاستعداد المحكوم فيه الذي أعطاه الوقت فما وقع حكم إلا في وقته إلى مثل هذا فأعلمه و يكفي هذا القدر من اعتبار باب الزكاة و الحمد لله انتهى الجزء الخامس و الخمسون
(بسم الله الرحمن الرحيم)