اعلم أيدك الله أن الصوم هو الإمساك و الرفعة يقال صام النهار إذا ارتفع قال إمرؤ القيس إذا صام النهار و هجرا أي ارتفع و لما ارتفع الصوم عن سائر العبادات كلها في الدرجة سمي صوما و رفعه سبحانه بنفي المثلية عنه في العبادات كما سنذكره و سلبه عن عباده مع تعبدهم به و أضافه إليه سبحانه و جعل جزاء من اتصف به بيده من أنايته و ألحقه بنفسه في نفي المثلية و هو في الحقيقة ترك لا عمل و نفي المثلية نعت سلبي فتقوت المناسبة بينه و بين الله قال تعالى في حق نفسه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فنفى أن يكون له مثل فهو سبحانه لا مثل له بالدلالة العقلية و الشرعية و خرج النسائي عن أبي أمامة قال أتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت مرني بأمر آخذه عنك قال عليك بالصوم فإنه لا مثل له فنفى أن يماثله عبادة من العبادات التي شرع لعبادهو من عرف أنه وصف سلبي إذ هو ترك المفطرات علم قطعا أنه لا مثل له إذ لا عين له تتصف بالوجود الذي يعقل و لهذا قال الله تعالى الصوم لي فهو على الحقيقة لا عبادة و لا عمل و اسم العمل إذا أطلق عليه فيه تجوز كإطلاق لفظة الموجود على الحق المعقول عندنا تجوزا إذ من كان وجوده عين ذاته لا تشبه نسبة الوجود إليه نسبة الوجود إلينا فإنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
(إيراد حديث نبوي إلهي)
خرج مسلم في الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم قال الله عز و جل كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي و أنا أجزي به و الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ و لا يسخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم إني صائم و الذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك و للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره و إذا لقي ربه عز و جل فرح بصومه و اعلم أنه لما نفى المثلية عن الصوم كما ثبت فيما تقدم من حديث النسائي و الحق لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لقي الصائم ربه عز و جل يوصف ليس كمثله شيء فرآه به فكان هو الرائي المرئي فلهذا قال صلى الله عليه و سلم فرح بصومه و لم يقل فرح بلقاء ربه فإن الفرح لا يفرح بنفسه بل يفرح به و من كان الحق بصره عند رؤيته و مشاهدته فما رأى نفسه إلا برؤيته ففرح الصائم لحوقه بدرجة نفي المماثلة و كان فرحه بالفطر في الدنيا من حيث إيصال حق النفس الحيوانية التي تطلب الغذاء لذاتها فلما رأى العارف افتقار نفسه الحيوانية النباتية إليه و رأى جوده بما أوصل إليها من الغذاء أداء لحقها الذي أوجبه الله عليه قام في هذا المقام بصفة حق فأعطى بيد الله كما يرى الحق عند لقائه بعين الله فلهذا فرح بفطره كما فرح بصومه عند لقاء ربه (بيان ما يتضمنه هذا الخبر) و لما كان العبد موصوفا بأنه ذو صوم و استحق اسم الصائم بهذه الصفة ثم بعد إثبات الصوم له سلبه الحق عنه و أضافه إلى نفسه فقال إلا الصيام فإنه لي أي صفة الصمدانية و هي التنزيه عن الغذاء ليس إلا لي و إن وصفتك به فإنما و صفتك باعتبار تقييد ما من تقييد التنزيه لا بإطلاق التنزيه الذي ينبغي لجلالى فقلت و أنا أجزي به فكان الحق جزاء الصوم للصائم إذا انقلب إلى ربه و لقيه بوصف لا مثل له و هو الصوم إذ كان لا يرى من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ إلا من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ كذا نص عليه أبو طالب المكي من سادات أهل الذوق من وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ ما أوجب هذه الآية في هذه الحالة ثم قوله و الصيام جنة و هي الوقاية مثل قوله وَ اتَّقُوا الله أي اتخذوه وقاية و كونوا له أيضاوقاية فأقام الصوم مقامه في الوقاية و هو لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و الصوم من العبادات لا مثل له و لا يقال في الصوم ليس كمثله شيء فإن الشيء أمر ثبوتي أو وجودي و الصوم ترك فهو معقول عدمي و وصف سلبي فهو لا مثل له لا أنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فهذا الفرق بين نعت الحق في نفي المثلية و بين وصف الصوم بها ثم إن الشارع نهى الصائم و النهي ترك و نعت سلبي فقال لا يرفث و لا يسخب فما أمره بعمل بل نهاه أن يتصف بعمل ما و الصوم ترك فصحت المناسبة بين الصوم و بين ما نهي عنه الصائم ثم أمر أن يقول لمن سابه أو قاتله إني صائم أي تارك لهذا العمل الذي عملته أنت أيها المقاتل و الساب في جانبي فنزه نفسه عن أمر ربه عن هذا العمل فهو مخبر أنه تارك أي ليس عنده صفة سب و لا قتال لمن سابه و قاتله ثم قال و الذي نفس محمد بيده يقسم صلى الله عليه و سلم لخلوف فم الصائم و هو تغير رائحة فم الصائم التي لا توجد إلا مع التنفس و قد تنفس بهذا الكلام الطيب الذي أمر به و هو قوله إني صائم فهذه الكلمة و كل نفس الصائم أطيب يوم القيامة يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ عند الله فجاء بالاسم الجامع المنعوت بالأسماء كلها فجاء باسم لا مثل له إذ لم يتسم أحد بهذا الاسم إلا الله سبحانه فناسب كون الصوم لا مثل له و قوله من ريح المسك فإن ريح المسك أمر وجودي يدركه الشام و يلتذ به السليم المزاج المعتدل فجعل الخلوف عند الله أطيب منه لأن نسبة إدراك الروائح إلى الله لا تشبه إدراك الروائح بالمشام فهو خلوف عندنا و عنده تعالى هذا الخلوف فوق طيب المسك في الرائحة فإنه روح موصوف لا مثل لما وصف به فلا تشبه الرائحة فإن رائحة الصائم عن تنفس و رائحة المسك لا عن تنفس من المسك و لنا واقعة في مثل هذا كنت عند موسى بن محمد القباب بالمنارة بحرم مكة بباب الحزورة و كان يؤذن بها و كان له طعام يتأذى برائحته كل من شمه و سمعت في الخبر النبوي أن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم و نهي أن تقرب المساجد برائحة الثوم و البصل و الكراث فبت و أنا عازم أن أقول لذلك الرجل أن يزيل ذلك الطعام من المسجد لأجل الملائكة فرأيت الحق تعالى في النوم فقال لي عز و جل لا تقل له عن الطعام فإن رائحته عندنا ما هي مثل ما هي عندكم فلما أصبح جاء على عادته إلينا فأخبرته بما جرى فبكى و سجد لله شكرا ثم قال لي يا سيدي و مع هذا فالأدب مع الشرع أولى فازاله من المسجد رحمه الله و لما كانت الروائح الكريهة الخبيثة تنفر عنها الأمزجة الطبيعية السليمة من إنسان و ملك لما يحسونه من التأذي لعدم المناسبة فإن وجه الحق في الروائح الخبيثة لا يدركه إلا الله خاصة و من فيه مزاج القبول له من الحيوان أو الإنسان الذي له مزاج ذلك الحيوان لا ملك و لهذا قال عند الله فإن الصائم أيضا من كونه إنسانا سليم المزاج يكره خلوف الصوم من نفسه و من غيره و هل يتحقق أحد من المخلوقين السالمين المزاج بربه وقتا ما أو في مشهد ما فيدرك الروائح الخبيثة طيبة على الإطلاق ما سمعنا بهذا و قولي على الإطلاق من أجل أن بعض الأمزجة يتأذى بريح المسك و الورد و لا سيما المحرور المزاج و ما يتأذى منه فليس بطيب عند صاحب ذلك المزاج فلهذا قلنا على الإطلاق إذا الغالب على الأمزجة طيب المسك و الورد و أمثاله و المتأذي من هذه الروائح الطيبة مزاج غريب أي غير معتاد و لا أدري هل أعطى الله أحدا إدراك تساوى الروائح بحيث أن لا يكون عنده خبث رائحة أم لا هذا ما ذقناه من أنفسنا و لا نقل إلينا إن أحدا أدرك ذلك بل المنقول عن الكمل من الناس و عن الملائكة التأذي بهذه الروائح الخبيثة و ما انفرد بإدراك ذلك طيبا إلا الحق هذا هو المنقول و لا أدري أيضا شأن الحيوان من غير الإنسان في ذلك ما هو لأني ما أقامني الحق في صورة حيوان غير إنسان كما أقامني في أوقات في صور ملائكته و الله أعلم ثم إن الشرع قد نعت الصوم من طريق المعنى بالكمال الذي لا كمال فوقه حين أفرد له الحق بابا خاصا و سماه باسم خاص يطلب الكمال يقال له باب الريان منه يدخل الصائمون و الري درجة الكمال في الشرب فإنه لا يقبل بعد الري الشارب شربا أصلا و مهما قبل فما ارتوى أرضا كان أو غير أرض من أرضين الحيوانات خرج مسلم من حديث سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل معهم أحد غيرهم يقال أين الصائمون فيدخلون منه فإذا دخل آخرهم أغلق فلا يدخل منه أحد و لم يقل ذلك في شيء من منهي العبادات و لا مأمورها إلا في الصوم فبين بالريان أنهم حازوا صفة كمال في العمل إذ قد اتصفوا بما لا مثل له كما تقدمو ما لا يماثل هو الكامل على الحقيقة و الصائمون من العارفين هنا دخلوه و هناك يدخلون منه على علم من الخلائق أجمعين فلنذكر إن شاء الله في هذا الباب أحكام الصوم المشروع و توابعه و لواحقه و أنواعه و واجبة و مندوبة كما ذكرنا فيما تقدم من أخواته من زكاة و صلاة في العموم و الخصوص على طبقاتهم في ذلك و له عندنا مراتب أولها الصوم العام المعروف الذي تعبدنا الله به و هو الصوم الظاهر في الشاهد على تمام شروطه فإذا فرغنا من الكلام على أحكام المسألة التي نوردها في ذلك انتقلنا إلى الكلام بلسان الخواص و خلاصتهم على صوم النفس بما هي آمرة للجوارح و هو إمساكها عما حجر عليها في مسألة مسألة و ارتفاعها عن ذلك و على صوم القلب الموصوف بالسعة للنزول الإلهي حيث قال تعالى وسعني قلب عبدي فنتكلم على صومه و هو إمساكه هذه السعة أن يعمرها أحد غير خالقه فإن عمرها أحد غير خالقه فقد أفطر في الزمان الذي يجب أن يكون فيه صائما إيثارا لربه مسألة مسألة و الكلام على جملة المفطرات في نوع كل صوم على الاختصار و التقريب فإنه باب يطول و سأورد في هذا الباب من الأخبار النبوية ما تقف عليه إن شاء الله تعالى
(وصل في فصل تقسيم الصوم)
اعلم أن الصوم المشروع منه واجب و منه مندوب إليه و الواجب على ثلاثة أنواع منه ما يجب بإيجاب الله تعالى إياه ابتداء و هو صوم شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن أي في صيامه أو عدة من أيام أخر في حق المسافر أفطر أو لم يفطر عندنا و عند غيرنا إن أفطر و في حق المريض و منه ما يجب لسبب موجب و هو صيام الكفارات و منه ما يجب من الله بما أوجبه الإنسان على نفسه و هو غير مكروه و هو صوم النذر فإنه يستخرج به من البخيل و ما ثم واجب غير ما ذكرنا و أما المندوب فمنه ما يتقيد بالزمان المرغب فيه كصوم الأيام البيض و الاثنين و الخميس و أشباه ذلك من الأيام و الشهور و منه ما يتقيد بالحال كصيام يوم و فطر يوم و هو أعدل الصوم و كالصيام في سبيل الله و منه ما لا يتقيد بزمان و هو أن يصوم الإنسان متى شاء متطوعا بذلك
(وصل في فصل الصوم الواجب الذي هو شهر رمضان لمن شهده)
فلنقدم في ذلك ذكر رمضان و بعد هذا نتكلم في أحكام صومه خرج مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة و غلقت أبواب النار و صفدت الشياطين زاد النسائي في كتابه و نادى مناد في كل ليلة يا طالب الخير هلم و يا طالب الشر أمسك رواه النسائي عن عرفجة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم عن النبي صلى الله عليه و سلم لما كان مجيء رمضان سببا في الشروع في الصوم فتح الله أبواب الجنة و الجنة الستر فدخل الصوم في عمل مستور لا يعلمه منه إلا الله تعالى لأنه ترك و ليس بعمل وجودي فيظهر للبصر أو يعمل بالجوارح فهو مستور عن كل ما سوى الله لا يعلمه من الصائم إلا الله تعالى و الصائم الذي سماه الشرع صائما لا الجائع و غلق الله أبواب النار فإذا غلقت أبواب النار عاد نفسها عليها فتضاعف حرها عليها و أكل بعضها بعضا كذلك الصائم في حكم طبيعته إذا صام غلق أبواب نار طبيعته فوجد للصوم حرارة زائدة لعدم استعمال المرطبات و وجد ألم ذلك في باطنه و تضاعفت شهوته للطعام الذي يتوهم الراحة بتحصيله فتقوى نار شهوته بغلق باب تناول الأطعمة و الأشربة و صفدت الشياطين و هي صفة البعد فكان الصائم قريبا من الله بالصفة الصمدانية فإنه في عبادة لا مثل لها فقرب بها من صفة لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و من كانت هذه صفته فقد صفدت الشياطين في حقه و قد ورد في الخبر أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فسدوا مجاريه بالجوع و العطش أي هذه الأسباب معينة له على ما يريده من الإنسان من التصرف في الفضول و هو ما زاد على التصرف المشروع ثم اعلم علمك الله من لدنه علما و جعل لك في كل أمر حكمة و حكما إن رمضان اسم من أسماء الله تعالى و هو الصمد ورد الخبر النبوي بذلك روى أحمد بن عدي الجرجاني من حديث نجيح أبي معشر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى و إن كان في هذا الإسناد أبو معشر فإن علماء هذا الشأن قالوا فيه إنه مع ضعفه يكتب حديثه فاعتبروه رضي الله عنهم و لذلك قال الله تعالى شَهْرُ رَمَضانَ و لم يقل رمضان و قال فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ و لم يقل رمضان فتقوى بهذا حديث أبي معشر مع قول العلماء فيه إنه يكتب حديثه مع ضعفه فزاد قوة في هذا الحديث بما أيده القرآن من ذلك فما فرض الله الصوم الذي لا مثل له ابتداء إلا في شهر سماه سبحانه باسم من أسمائه في مثل له في الشهور لأنه ليس في أسماء شهور السنة من له اسم تسمى الله به إلا رمضان فجاء باسم خاص اختص به معين و ليس كذلك في إضافة رجب يقول النبي صلى الله عليه و سلم فيه إنه شهر الله المحرم فالكل شهور الله و ما نعته هنا إلا بالمحرم و هو أحد الشهور الحرم ثم إن الله تعالى أنزل القرآن في هذا الشهر في أفضل ليلة تسمى ليلة القدر فأنزله فيه هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ من الْهُدى وَ الْفُرْقانِ من كونه رمضان و أما من كونه ليلة القدر فأنزله كتابا مبينا أي بينا أنه كتاب و بين كون الشيء كتابا و قرآنا و فرقانا مراتب متميزة يعلمها العالمون بالله فنهى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يقال رمضان لقوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فلو قيل لكان مثلا في هذا الاسم فأضاف لفظ الشهر إليه حتى تنتفي عنه المثلية في الشهور خاصة و يبقى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ على رتبته من كل وجه و قد فرض الله صومه و ندب إلى قيامه و هو يتضمن صوما و فطرا لأنه يتضمن ليلا و نهارا و اسم رمضان ينطلق عليه في حال الصوم و الإفطار حتى يتميز من رمضان الذي هو اسم الله تعالى فإن الله تعالى له الصوم الذي لا يقبل الفطر و لنا الصوم الذي يقبل الفطر و ينتهي إلى حد و هو إدبار النهار و إقبال الليل و غروب الشمس فكان إطلاقه على الحق لا يشبه إطلاقه على الخلق و ندب إلى القيام في ليلة لتجليه تعالى يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ و إن كان التجلي لله في كل ليلة من السنة و لكن تجليه في رمضان في زمان فطر الصائمين ما هو مثل تجليه للمفطر من غير صوم لأن هذا وجود فطر عن ترك مشروع موصوف بأنه لا مثل له و ذلك الآخر لا يسمى مفطرا بل يسمى آكلا إذا كان الفطر الشق فهذا الأكل للصائم شق أمعائه بالطعام و الشراب بعد سدها بالصوم حيث قال سدوا مجاريه بالجوع و العطش و كان القيام بالليل لأن القيام نتيجة قوة في المحل و سبب قوي المحل الغذاء و كان بالليل لمناسبة الغيب فإن القوة عن الغذاء غيب غير محسوس إنتاج القوة عن الغذاء و لما شمل رمضان الصوم و الفطر و القيام و عدم القيام لذلك ورد في الخبر لا يقولن أحدكم إني قمت رمضان كله و صمته قال الراوي فلا أدري أ كره التزكية أو قال لا بد من نومة أو رقدة فجعل الاستثناء في قيام ليله لا في صوم نهاره خرج هذا الحديث أبو داود عن أبي بكرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فالفطر هنا هو الإدبار و الإقبال و الغروب سواء أكل أو لم يأكل فصوم شهر رمضان واجب على كل إنسان مسلم بالغ عاقل صحيح مقيم غير مسافر و هو عين هذا الزمان المعلوم المشهور المعين من الشهور الاثني عشر شهرا الذي بين شعبان و شوال و المعين من هذا الزمان صوم الأيام دون الليالي و حد يوم الصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فهذا هو حد اليوم المشروع للصوم لا حد اليوم المعروف بالنهار فإن ذلك من طلوع الشمس إلى غروبها و لما اتصف من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ بالأول و الآخر كذلك وصف الصوم الذي لا مثل له بأول و آخر فأوله الطلوع الفجري و آخره الغروب الشمسي فلم يجعل أوله يشبه آخره لأنه اعتبر في أوله ما لم يعتبر في آخريته مما هو موجود في آخريته موصوف فيه الصائم بالإفطار و في أوليته موصوف فيه بالصوم و لا فرق بين الشفق في الغروب و الطلوع من حين الغروب إلى حين مغيب الشفق أو من حين الانفجار إلى طلوع الشمس و لهذا عدل الشرع إلى لفظة الفجر لأن حكم انفجاره لوجود النهار حكم غروب الشمس لإقبال الليل و حصوله فكما علم بانفجار الصبح إقبال النهار و إن لم تطلع الشمس كذلك عرفنا بغروب الشمس إقبال الليل و إن لم يغرب الشفق فانظر ما أحكم وضع الشريعة في العالم فالجامع بين الأول و الآخر في الصوم وجود العلامة على إقبال زمان الصوم و زمان الفطر و هو إدبار النهار كما إن بالفجر إدبار الليل فرمضان أعم من صيامه و سيأتي الكلام على الوصال في موضعه و هل صاحبه يسمى صائما أم لا و بعد أن ذكرنا تحديد يوم الصوم سواء كان في شهر رمضان أو في غيره فلننظر في تحديد الشهر فأقل مسمى الشهر تسعة و عشرون يوما و أكثره ثلاثون يوما هذا هو الشهر العربي القمري خاصة الذي كلفنا إن نعرفه و شهود العادين بالعلامة أيضا لكن أصحاب العلامة يجعلون شهرا تسعة و عشرين و شهرا ثلاثين و الشرع تعبدنا في ذلك برؤية الهلال و في الغيم بأكبر المقدارين إلا في شعبان إذا غم علينا هلال رمضان فإن فيه خلافا بين أن نمد شعبان إلى أكثر المقدارين و هو الذي ذهبت إليه الجماعة و أما أن نرده إلى أقل المقدارين و هو تسعة و عشرون و هو مذهب الحنابلة و من تابعهم و من خالف من غير هؤلاء لم يعتبر أهل السنة خلافه فإنهم شرعوا ما لم يأذن به الله و الذي أقول به أن يسأل أهل التسيير عن منزلة القمر فإن كان على درج الرؤية و غم علينا عملنا عليه و إن كان على غير درج الرؤية كملنا العدة ثلاثين و أما الشهور التي لا تعد بالقمر فلها مقادير مخصوصة أقل مقاديرها ثمانية و عشرون و هو المسمى بالرومية فبراير و أكثرها مقدارا ستة و ثلاثون يوما و هو المسمى بالقبطية مسرى و هو آخر شهور سنة القبط و لا حاجة لنا بشهور الأعاجم فيما تعبدنا به من الصوم فأما انتهاء الثلاثين في ذلك فهو عدد المنازل و النازلين اللذين لا يخنسان و هما الشمس المشبهة بالروح التي ظهرت به حياة الجسم للحس و القمر المشبهة بالنفس لوجود الزيادة و النقص و الكمال الزيادي و النقصي و المنازل مقدار المساحة التي يقطعها ما ذكرناه دائبا فإن بالشهر ظهرت بسائط الأعداد و مركباتها بحرف العطف من أحد و عشرين إلى تسعة و عشرين و بغير حرف العطف من أحد عشر إلى تسعة عشر و حصر وجود الفردية في البسائط و هي الثلاثة و في العقد و هي الثلاثون ثم تكرار الفرد لكمال التثليث الذي عنه يكون الإنتاج في ثلاثة مواضع و هي الثلاثة في البسائط و الثلاثة عشر في العدد الذي هو مركب بغير حرف عطف و الثلاثة و العشرون بحرف العطف و انحصرت الأقسام و لما رأينا أن الروح يوجد فتكون الحياة و لا يكون هناك نقص و لا زيادة فلا يكون للنفس عين موجودة لها حكم كموت الجنين في بطن أمه فقد نفخ الروح فيه أو عند ولادته لذلك كان الشهر قد يوجد من تسعة و عشرين يوما فإذا علمت هذا فقد علمت حكمة مقدار الشهر العربي و إذا عددناه بغير سير الهلال و نوينا شهرا مطلقا في إيلاء أو نذر عملنا بالقدر الأقل في ذلك و لم نعمل بالأكثر فإنا قد حزنا بالأقل حد الشهر ففرغنا و إنما نعتبر القدر الأكثر في الموضع الذي شرع لنا أن نعتبره و ذلك في الغيم على مذهب أو يعطي ذلك رؤية الهلال لقوله صلى الله عليه و سلم صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته
(وصل في فصل إذا غم علينا في رؤية الهلال)
اختلف العلماء إذا غم الهلال فقال الأكثرون تكمل العدة ثلاثين فإن كان الذي غم هلال أول الشهر عد الشهر الذي قبله ثلاثين و كان أول رمضان الحادي و الثلاثين و إن كان الذي غم هلال آخر الشهر أعني شهر رمضان صام الناس ثلاثين يوما و من قائل إن كان المغمى هلال أول الشهر صام اليوم الثاني و هو يوم الشك و من قائل في ذلك يرجع إلى الحساب بتسيير القمر و الشمس و هو مذهب ابن الشخير و به أقول (وصل اعتبار هذا) تقدم حديث سبب الخلاف خرج مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ذكر رمضان فضرب بيده فقال الشهر هكذا و هكذا ثم عقد إبهامه في الثالثة صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته فإن غمي عليكم فاقدروا ثلاثين و قد ورد أيضا من حديث ابن عمر أنه قال صلى الله عليه و سلم إنا أمة أمية لا نكتب و لا نحسب الشهر هكذا و هكذا و هكذا و عقد الإبهام و الشهر هكذا و هكذا و هكذا يعني تمام ثلاثين فهذا الحديث الثاني رفع الإشكال و حديث اقدروا من حمله على التضيق ابتدأ بصوم رمضان من يوم الشك و من حمله على التقدير حكم بالتسيير و به أقول اعلم أنه لا ترفع الأصوات إلا بالرؤية و به سمي هلالا فمتى ما طلع هلال المعرفة في أفق قلوب العارفين من الاسم الإلهي رمضان وجب الصوم و متى طلع هلال المعرفة في أفق قلوب العارفين من الاسم الإلهي فاطر السموات و الأرض وجب الفطر على الأرواح من قوله السموات و على الأجسام من قوله و الأرض و طلع هنا أي ظهر فإنه غارب يتلو الشمس فإن غم على العارف و لم يره من أجل الحجاب الحائل من عالم البرزخ فإن الغيم برزخي بين السماء و الأرض فيقدر العارف لهلال المعرفة في قلبه بحاله و ذلك أن ينظر في هلال عقله بتسييره في منازل سلوكه حالا بعد حال و مقاما بعد مقام فإن كان مقامه يعطي الكشف و إن النداء قد جاءه من خلف حجاب كما جاء وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ الله إِلَّا وَحْياً أَوْ من وَراءِ حِجابٍ غير أن حجاب الطبيعة قام له في ذلك الوقت في أمر من أموره من شغل الخاطر بمال أو أهل و إن كان في الله فيعملبحساب ذلك و يعامل اسم الله رمضان بما يليق به و إن لم يشهده فإن الحال اقتضى له ذلك و إن لم يعطه الحال لصحة الحساب أخرجكم ذلك الاسم الإلهي إلى وقته
(وصل في فصل اعتبار وقت الرؤية)
اتفقوا على أنه إذا رؤي من العشاء على إن الشهر من اليوم الثاني و اختلفوا إذا رؤي في سائر أوقات النهار أعني أول ما يرى فأكثر العلماء على إن القمر في أول وقت رؤي من النهار أنه لليوم المستقبل كحكمه في موضع الاتفاق و من قائل إذا رؤي قبل الزوال فهو لليلة الماضية و إن رؤي بعد الزوال فهو لليلة الآتية و به أقول (وصل في الاعتبار فيه) حكم الاسم الإلهي في أي حال ظهر من الأحوال فالحكم له في الحال بالتجلي و في الاستقبال بالأثر حتى يأتي حكم اسم آخر يزيل حكم الأول و أما من يعتبر الرؤية قبل الزوال و بعده فاعلم إن الاستواء هو المسمى في الطريق موقف السواء و هو الموقف الذي لا يتميز فيه سيد من عبد و لا عبد من سيد فإن قلت فيه في تلك الحالة سيد صدقت و إن قلت فيه عبد صدقت لأن لك شاهد حال في كل قول يشهد لك بصدق ما تقول فقل ما شئت فيه تصدق و هو مثل قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمى فكونه رمى حق و كونه لم يرم حق يقول تعالى كنت يده التي يبطش بها فإن قلت إن الرامي هو الله صدقت و إن قلت إن الرامي هو محمد صلى الله عليه و سلم صدقت هذا هو موقف السواء فإن كنت في موقف أبي بكر الصديق ما رأيت شيئا إلا رأيت الله قبله فتكون ممن رآه قبل الزوال فالحكم للماضي و أنت بالحال في أول الشهر و ذلك اليوم هو أوله و إن كنت عثماني المشهد أو صاحب دليل فكر فتقول ما رأيت شيئا إلا رأيت الله بعده و هو الذي رآه بعد الزوال فحكمه في المستقبل و وقته في الاستواء وقت وجه الدليل له نسبة إلى الدليل و نسبة إلى المدلول ثم يظهر الزوال و هو رجوع الظل من خط الاستواء إلى الميل العيني فإنه راجع إلى العشي و هو طلب الليل
(وصل في فصل اختلافهم في حصول العلم بالرؤية بطريق البصر)
اختلف العلماء في ذلك فكلهم قالوا إن من أبصر هلال الصوم وحده أن عليه إن يصوم إلا ابن أبي رباح فإنه قال لا يصوم إلا برؤية غيره معه و اختلفوا هل يفطر برؤيته وحده فمن قائل لا يفطر و من قائل يفطر و به أقول و كذلك يصوم لرؤيته وحده و لكن مع حصول العلم في الرؤيتين و أما حصول العلم بالرؤية من طريق الخبر فمن قائل لا يصام و لا يفطر إلا بشاهدين عدلين و من قائل يصام بواحد و يفطر باثنين و من قائل إن كانت السماء مغيمة أعني في موضع الهلال قبل واحد و إن كانت مصحية لم يقبل إلا الجم الغفير أو عدلان و كذلك في هلال الفطر فمن قائل اثنان و من قائل واحد (وصل في الاعتبار في ذلك) فيما يراه أهل الله من التجلي في الأسماء الإلهية هل يقف مع رؤيته أو يتوقف حتى يقوم له شاهد من كتاب أو سنة قال الجنيد علمنا هذا مقيد بالكتاب و السنة يريد أنه نتيجة عن العمل عليهما و هو الذي أردناه بالشاهد و هما الشاهدان العدلان و قال تعالى أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ من رَبِّهِ و هو صاحب الرؤية وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ و هو ما ذكرناه من العمل على الخبر إما كتاب أو سنة و هو الشاهد الواحد و الشاهدان الكتاب و السنة و إنما احتجنا إلى العمل عليهما دون العثور على النقل الذي يشهد لصاحب هذا المقام لأن ذلك يتعذر إلا بخرق العادة و هو أن يعرف من هناك بأية الدليل أو الخبر و قد رأينا هذا الجماعة من أصحابنا يحتجون على مواجيدهم بالقرآن و ما تقدم لهم به حفظ و بالسنة و قد روينا هذا عن أبي يزيد البسطامي و متى لم يعط ذلك لم يحكم عليه بقبول و لا برد كأهل الكتاب إذا أخبرونا عن كتابهم بأمر لا نصدق و لا نكذب بهذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم فنتركه موقوفا و الذي أعرف من قول الجنيد لعلمي بالطريق أنه أراد أن يفرق بين ما يعطي لصاحب الخلوات و المجاهدة و الرياضة على غير طريق الشرع بل بما تقتضيه النفوس من طريق العقل و بين ما يظهر للعاملين على الطريقة المشروعة بالخلوات و الرياضات فيشهد له سلوكه على الطريقة المشروعة الإلهية بأن ذلك الظاهر له من عند الله على طريق الكرامة به فهذا معنى قول الجنيد علمنا هذا مقيد بالكتاب و السنة و في رواية مشيد أي هو نتيجة عن عمل مشروع إلهي ليفرق بينهو بين ما يظهر لأرباب العقول أصحاب النواميس الحكمية و المعلوم واحد و الطريق مختلف و صاحب الذوق يفرق بين الأمرين
(وصل في فصل زمان الإمساك)
اتفقوا على إن آخره غيبوبة الشمس و اختلفوا في أوله فمن قائل الفجر الثاني و هو المستطير و من قائل هو الفجر الأحمر الذي يكون بعد الأبيض و هو قول حذيفة و ابن مسعود و هو نظير الشفق الأحمر الذي يكون في أول الليل و الذي أقول به هو تبينه للناظر إليه حينئذ يحرم الأكل و هذا هو نص القرآن حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ من الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ يريد بياض الصبح و سواد الليل (وصل الاعتبار في هذا) غيبوبة الشمس هي انقضاء مدة حكم الاسم الإلهي رمضان في الصوم فإنه الذي شرع الصوم فانتهاء مدة حكمه في الصوم هو مغيب الشمس و إن كان اسم رمضان كما هو لم يزل عن ولايته فإن له حكما آخر فينا و هو القيام و تولي الحكم في المحل الذي كان موصوفا بالصيام الاسم الذي هو فاطر السموات و الأرض و لكن بتولية اسم رمضان إياه فهو النائب عنه كما أنه في الصوم رفيع الدرجات و ممسك السموات و الأرض أَنْ تَزُولا أو أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ فأفطر الصائم و بقي حكمه مستمرا في القيام إلى الحد الذي يحرم فيه الأكل الاسم الإلهي رمضان فتولى الاسم الممسك و يبقى الاسم الفاطر واليا على المريض و المسافر و المرضع و الحامل و ذلك الحد هو الفجر الأبيض المستطير و هو الأولى من الفجر الأحمر إلا عند من يقول بفار التنور إنه الفجر كما إن الأخذ بالتواتر أولى من الأخذ بالخبر الواحد الصحيح و القرآن متواتر و هو القائل حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ من الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ من الْفَجْرِ فإن أصل الألوان البياض و السواد و ما عداهما من الألوان فبرازخ بينهما تتولد من امتزاج البياض و السواد فتظهر الغبرة و الحمرة و الخضرة إلى غير ذلك من الألوان فما قرب للبياض كانت كمية البياض فيه أكثر من كمية السواد و كذلك في الطرف الآخر و جاءت السنة في حديث حذيفة بالحمرة دون البياض فقال هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع و هو محتمل و البياض المذكور في القرآن ليس بمحتمل فرجحنا الأبيض على الأحمر بوجهين قويين القرآن و عدم الاحتمال و اعتبارهما حكم الايمان و هو الأبيض فإنه مخلص لله غير ممتزج و الأحمر للنظر الاجتهادي و هو حكم العقل و نظر العقل ممتزج بالحس من طريق الخيال لأنه يأخذ عن الفكر عن الخيال عن الحس إما بما يعطيه و إما بما تعطيه القوة المصورة و هو قاطع مما يعطيه إلا أنه تدخل عليه الشبهة القادحة فلهذا أعطينا الشفق الأحمر لنظر المجتهد إذ الحمرة لون حدث من امتزاج البياض و السواد و هو امتزاج خاص و أما اعتبار التبين في قوله تعالى وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ و لا يتبين حتى يكون الطلوع و إليه أذهب في الحكم فلم يحرم الأكل مع حصول الطلوع في نفس الأمر لكن ما حصل البيان عند الناظر كذلك الحق و إن كان في نفس الأمر هو الظاهر في المظاهر الإمكانية لكن لم يتبين ذلك لكل أحد و كما عفا الشارع عن الآكل في أكله و أباح له الأكل مع تحقق طلوع الفجر في نفس الأمر لكن ما تبين له كذلك ما وقع من العبد الذي لا يعرف أن الحق هو الظاهر في المظاهر الإمكانية بأفعاله و أسمائه لا يؤاخذ بها من جهل ذلك حتى يتبين له الحق في ذلك فيكون على بصيرة في قوله إذا أحببته كنت سمعه و بصره فكان العبد مظهر الحق و قد ثبت أن الله قال على لسان عبده في الصلاة سمع الله لمن حمده فنسب القول إليه و اللسان للعبد الذي هو محل القول و اللسان مظهرا مكاني و كما يحرم على المكلف الأكل عند تبين الفجر كذلك يحرم على صاحب الشهود أن يعتقد أن ثم في الوجود غير الله فاعلا بل و لا مشهودا إذ كان قد عم في الحديث القوي و الجوارح و ما ثم إلا هذان
(وصل في فصل ما يمسك عنه الصائم)
أجمعوا على أنه يجب على الصائم الإمساك عن المطعوم و المشروب و الجماع و هذا القدر هو الذي ورد به نص الكتاب في قوله تعالى فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ من الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ من الْفَجْرِ (وصل في الاعتبار في هذا) أما المطعوم فهو علم الذوق و الشرب فالصائم على صفة لا مثل لها و من اتصف بما لا مثل له فحكمه إن لا مثل له و الذوق أول مبادي التجلي الإلهي فإذا دام فهو الشرب و الذوق نسبة تحدث عند الذائق إذا طعم المذوقو الصوم ترك و الترك ما له صفة وجودية تحدث فإن الترك ليس بشيء وجودي يحدث لأنه نعت سلبي و الطعم يضاده فلهذا حرم تناول المطعوم على الصائم لأنه يزيل حكم الصوم عنه و أما المشروب فهو تجل وسط و الوسط محصور بين طرفين لمن هو وسط لهما و الحصر يقضي بالتحديد في المحصور و الصوم صفة إلهية و الله لا يقتضي الحصر و لا يتصف به و لا بالحد و لا يتميز بذلك عندنا فيناقض المشروب الصوم فلهذا حرم على الصائم المشروب ثم إن المشروب لما كان تجليا أذن بوجود الغير المتجلي له و الغير في الصائم لا عين له لأن الصوم لله ليس لنا و أنا المنعوت به فقد أنزلني الحق بهذه الصفة منزلته و الشيء لا يتجلى لنفسه فالصائم لا يتناول المشروب و يحرم عليه ذلك و أما الجماع فهو لوجود اللذة بالشفعية فكل واحد من الزوجين صاحب لذة فيه فكل واحد مثل للآخر في الجماع و لهذا سمي جماعا لاجتماع الزوجين و الصائم لا مثل له لاتصافه بصفة لا مثل لها فحرم الجماع على الصائم هذا موضع الاجتماع على هذه الثلاثة التي تبطل الصوم و لا يكون الموصوف بها أو بأحدها صائما
(وصل في فصل ما يدخل الجوف مما ليس بغذاء)
اختلفوا فيما يدخل الجوف مما ليس بغذاء كالحصي و غيره و فيما يدخل الجوف من غير منفذ الطعام و الشراب كالحقنة و فيما يرد باطن الأعضاء و لا يرد الجوف مثل أن يرد الدماغ و لا يرد المعدة فمن قائل إن ذلك يفطر و من قائل لا يفطر (وصل في فصل الاعتبار) مشاركة الحكماء أصحاب الأفكار أهل الله فيما يفتح لهم من علم الكشف بالخلوة و الرياضة من طريق النظر و أهل الله تعالى بهما من طريق الايمان و اجتمعا في النتيجة فمن فرق من أصحابنا بينهما بالذوق و أن مدرك هذا غير مدرك هذا و إن اشتركا في الصورة قال لا يفطر و من قال المدرك واحد و الطريق مختلف فذلك اعتبار من قال يفطر و أما اعتبار باطن الأعضاء ما عدا الجوف فهو إن يكون الصائم في حضرة إلهية فأقيم في حضرة مثالية مثل قوله أعبد الله كأنك تراه فهل لمن خرج من عباد الله في ذوقه عن حكم التشبيه و التمثيل أن يؤثر فيه قول الشارع أعبد الله كأنك تراه فيترك علمه و ذوقه و ينزل إلى هذه المنزلة أدبا مع الشرع و حقيقة من الكشف فيكون قد أفطر أو لا ينزل و يقول أنا مجموع من حقائق مختلفة و في ما يبقيني على ما أنا عليه و في ما تطلبه مشاهدة هذا التنزل و هو كوني متخيلا أو ذا خيال فيعلم إن الحق قد طلب مني أن نشهده في هذه الحضرة من هذه الحقيقة و من كل حقيقة في فيتعين لهذا التجلي المثالي مني هذه الحقيقة التي تطلبه و تبقي على ما أنا عليه من حقيقة أن لا خيال و لا تخيل فهذا اعتبار من يرى أنه لا يفطر ما يرد باطن الأعضاء الخارجة عن المعدة
(وصل في فصل القبلة للصائم)
فمن علماء الشريعة من أجازها و منهم من كرهها على الإطلاق و منهم من كرهها للشاب و أجازها للشيخ (اعتبار هذا الفصل) هذه المسألة نقيض مسألة موسى عليه السلام فإنه طلب الرؤية بعد ما حصل له الكلام فالمشاهدة و الكلام لا يجتمعان في غير التجلي البرزخى و هو كان مقام شهاب الدين عمر السهروردي الذي مات ببغداد رحمه الله فإنه روى لي عنه من أثق بنقله من أصحابه أنه قال باجتماع الرؤية و الكلام فمن هنا علمت إن مشهده برزخي لا بد من ذلك غير ذلك لا يكون و القبلة من الإقبال و القبول على الفهوانية من حضرة اللسن فإنه محل الكلام و كان الإقبال عليه أيضا بالكلام المسموع إذا كان في المشاهدة المثالية و من كان فيها يتصور منه طلب الإقبال على الفهوانية فإذا كلمه لم يشهده و هذا المقام الموسى ذقته في الموضع الذي ذاقه موسى عليه السلام غير أني ذقته في بلة في الرمل على قدر الكف و ذاقه موسى عليه السلام في حاجته و هي طلبه النار لأهله ففرحت حيث كان ماء و إنما قلنا إذا كلمه لم يشهده لأن النفس الطالبة تستفرغ لفهم الخطاب فتغيب عن المشاهدة فهو بمنزلة من يكره القبلة إذ الصائم صاحب المشاهدة لأن الصوم لا مثل له و المشاهدة لا مثل لها و أما من أجازها فقال التجلي مثالي فلا أبالي فإن الذات من وراء ذلك التجلي و التجلي لا يصح إلا من مقام المتجلي له و أما لو كان التجلي في غير مقام المتجلي له لم يصح طلب غير ما هو فيه لأن مشاهدة الحق فناء و مع الفناء لا يتصور طلب فإن اللذة أقرب من طلب الكلام لنفس المشاهد و مع هذا فلا يلتذ المشاهد في حال المشاهدةقال أبو العباس السياري رحمه الله ما التذ عاقل بمشاهدة قط لأن مشاهدة الحق فناء ليس فيها لذة و أما من كرهها للشاب فاعتباره المبتدي في الطريق أجازها للشيخ و اعتباره المنتهى فإن المنتهي لا يطلب الرجوع من المشاهدة إلى الكلام فيترك المشاهدة و يقبل على الفهوانية إذ لا تصح الفهوانية إلا مع الحجاب كما قال وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ الله إِلَّا وَحْياً أَوْ من وَراءِ حِجابٍ و المنتهي يعرف ذلك فلا يفعله و أما المبتدي و هو الشباب فما عنده خبرة بالمقامات فإنه في مقام السلوك فلا يعرف منها إلا ما ذاقه و النهاية إنما تكون في المشاهدة و هو يسمع بها من الأكابر فيتخيل أنه لا يفقد المشاهدة مع الكلام و المبتدي في مشاهدة مثالية فيقال له ليس الأمر كما تزعم أن كلمك لم يشهدك و إن أشهدك لم يكلمك و لهذا لم يجوزها للشاب و أجازها للشيخ لأن الشيخ لا يطلب الفهوانية إلا إذا كان وارثا للرسول في التبليغ عن الله فيجوز له الإقبال على الفهوانية لفهم الخطاب
(وصل في فصل الحجامة للصائم)
فمن قائل إنها تفطر و الإمساك عنها واجب و من قائل إنها لا تفطر و لكنها تكره للصائم و من قائل إنها غير مكروهة للصائم و لا تفطر (وصل في اعتبار هذا الفصل) الاسم المحيي يرد على الاسم رمضان في حال حكمه في الصائم في شهر رمضان أو على الاسم الممسك الذي يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا أو يُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إذ كانت الحياة الطبيعية في الأجسام بخار الدم الذي يتولد من طبخ الكبد الذي هو بيت الدم للجسد ثم يسرى في العروق سريان الماء في الطوارق لسقي البستان لحياة الشجر فإذا طمى يخاف أن ينعكس فعله في البدن فيخرج بالفصاد أو بالحجامة ليبقى منه قدر ما يكون به الحياة فلهذا جعلنا الحكم للاسم المحيي أو الممسك فإن بالحياة تبقي سماوات الأرواح و أرض الأجسام و به يكون حكم المحيي أقوى مما هو بنفسهما اسمان الهيان إخوان فإذا وردا على اسم الله رمضان في حكم الصائم أو على الاسم الإلهي الذي به أضاف الحق الصوم لنفسه في غير رمضان و وجدا في المنزل الأقرب لهذا المحل الاسم الإلهي الضار و المميت استعانا بالاسم الإلهي النافع فصاروا ثلاثة أسماء إلهية يطلبون دوام هذه العين القائمة فحركوه لطلب الحجامة فلم يفطر الصائم و لم يكره فإن بوجودها ثبت حكم الاسم الإلهي رمضان لها و من قال تكره و لا تفطر فوجه الكراهة في الاعتبار أن الصائم موصوف بترك الغذاء لأنه حرم عليه الأكل و الشرب و الغذاء سبب الحياة للصائم و قد أمر بتركه في حال صومه و إزالة الدم إنما هو في هذه الحال بالحجامة من أجل خوف الهلاك فقام مقام الغداء لطلب الحياة و هو ممنوع من الغذاء فكره له ذلك و بهذا الاعتبار و بالذي قبله يكون الحكم فيمن قال إنها تفطر و الإمساك عنها واجب (وصل في فصل القيء و الاستقاء) فمن قائل فيمن ذرعه القيء إنه لا يفطر الصائم و هم الأكثرون و من قائل إنه يفطر و هو ربيعة و من تابعه و كذلك الاستقاء الجماعة على أنه مفطر إلا طاوس فإنه قال ليس بمفطر (وصل في اعتبار هذا الفصل) المعدة خزانة الأغذية التي عنها تكون الحياة الطبيعية و إبقاء الملك على النفس الناطقة الذي به يسمى ملكا و بوجوده تحصل فوائد العلوم الوهبية و الكسبية و النفس الناطقة تراعي الطبيعة و الطبيعة و إن كانت خادمة البدن فإنها تعرف قدر ما تراعيها النفس الناطقة التي هي في الملك فإذا أبصرت الطبيعة إن في خزانة المعدة ما يؤدي إلى فساد هذا الجسم قالت للقوة الدافعة أخرجي الزائد المتلف بقاؤه في هذه الخزانة فأخذته الدافعة من الماسكة و فتحت له الباب و أخرجته و هذا هو الذي ذرعه القيء فمن راعى كونه كان غذاء فخرج على الطريق الذي منه دخل عن قصد و يسمى لأجل مروره على ذلك الطريق إذا دخل مفطرا أفطر عنده بالخروج أيضا و من فرق بين حكم الدخول و حكم الخروج و لم يراع الطريق و هما ضدان قال لا يفطر و هذا هو الذي ذرعه القيء فإن كان للصائم في إخراجه تعمل و هو الاستقاء فإن راعى وجود المنفعة و دفع الضرر لبقاء هذه البنية فقام عنده مقام الغذاء و الصائم ممنوع من استعمال الغذاء في حال صومه و كان إخراجه ليكون عنه في الجسم ما يكون للغذاء قال إنه مفطر و من فرق بين حكم الدخول و حكم الخروج قال ليس بمفطر و هذا كله في الاعتبار الإلهي أحكام الأسماء الإلهية التي يطلبها استعداد هذا البدن لتاثيرها في كل وقت فإن الجسم لا يخلو من حكم اسم إلهي فيه فإن استعد المحل لطلب اسم إلهيغير الاسم الذي هو الحاكم فيه الآن زال الحكم و وليه الذي يطلبه للاستعداد و نظيره إذا خامر أهل بلد على سلطانهم فجاءوا بسلطان غيره لم يكن للأول مساعد فيزول عن حكمه و يرجع الحكم الذي طلبه الاستعداد فالحكم أبدا إنما هو للاستعداد و الاسم الإلهي المعد لا يبرح حكمه دائما لا ينعزل و لا يصح المخامرة من أهل البلد عليه فهو لا يفارقه في حياة و لا موت و لا جمع و لا تفرقة و يساعده الاسم الإلهي الحفيظ و القوي و أخواتهما فاعلم ذلك ثبت أن النبي صلى الله عليه و سلم احتجم و هو صائم خرجه البخاري عن ابن عباس و خرج أبو داود عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من ذرعه القيء و هو صائم فليس عليه القضاء و إن استقاء فليقض رواة هذا الحديث كلهم ثقات (وصل في فصل النية) فمنهم من رأى النية شرطا في صحة الصيام و هو الجمهور و منهم من قال لا يحتاج رمضان إلى نية إلا أن يكون الذي يدركه صوم رمضان مريضا أو مسافرا فيريد الصوم (وصل في الاعتبار فيه) النية القصد و شهر رمضان لا يأتي بحكم القصد من الإنسان الصائم فمن راعى أن الصوم لله لا للعبد قال بالنية في الصوم فإنه ما جاء شهر رمضان إلا بإرادة الحق من الاسم الإلهي رمضان و النية إرادة بلا شك و من راعى أن الحكم للوارد و هو شهر رمضان فسواء نواه الصائم الإنساني أو لم ينوه فإن حكمه الصوم فليست النية شرطا في صحة صومه فإن لم يجب عليه و خيره مع كونه ورد كالمريض و المسافر صار حكمهما بين أمرين على التخيير فلا يمكن أن يعدل إلى أحد الأمرين إلا بقصد منه و هو النية
(وصل في فصل من هذا الفصل و هو تعيين النية المجزئة في ذلك)
فمن قائل لا بد في ذلك من تعيين صوم رمضان و لا يكفيه اعتقاد الصوم مطلقا و لا اعتقاد صوم معين غير صوم رمضان و من قائل إن أطلق الصوم أجزأه و كذلك إن نوى فيه غير صيام رمضان أجزأه و انقلب إلى صيام رمضان إلا أن يكون مسافرا فإن للمسافر عنده أن ينوي صيام غير رمضان في رمضان و من قائل إن كل صوم نوى في رمضان انقلب إلى رمضان المسافر و الحاضر في ذلك على السواء (وصل الاعتبار فيه) قال تعالى قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فالحكم للمدعو بالأسماء الإلهية لا للأسماء فإنها و إن تفرقت معانيها و تميزت فإن لها دلالة على ذات معينة في الجملة و في نفس الأمر و إن لم تعلم و لا يدركها حد فإنه لا يقدح ذلك في إدراكنا و علمنا أن ثم ذاتا ينطلق عليها هذه الأسماء كذلك الصوم هو المطلوب سواء كان مندوبا أو واجبا على كثرة تقاسيم الوجوب فيه و من راعى الاسم الإلهي رمضان فرق بينه و بين غيره فإن غيره هو من الاسم الممسك لا من اسم رمضان و الأسماء الإلهية و إن دلت على ذات واحدة فإنها تتميز في أنفسها من طريقين الواحد من اختلاف ألفاظها و الثاني من اختلاف معانيها و إن تقاربت غاية القرب و تشابهت غاية الشبه و أسماء المقابلة في غاية البعد كالضار و النافع و المعز و المذل و المحيي و المميت و الهادي و المضل فلا بد من مراعاة حكم ما تدل عليه من المعاني و بهذا يتميز العالم من الجاهل و ما أتى الحق بها متعددة إلا لمراعاة ما تدل عليه من المعاني و مراعاة قصد الحق تعالى في ذلك أولى من غيره فلا بد من التعيين لحصول الفائدة المطلوبة بذلك اللفظ المعين دون غيره من تركيبات الألفاظ التي هي الكلمات الإلهية و من اعتبر حال المكلف و هو الذي فرق بين المسافر و الحاضر و له في التفرقة وجه صحيح لأن الحكم يتبع الأحوال فيراعي المضطر و غير المضطر و المريض و غير المريض و كذلك الأسماء تراعي أيضا فيراعي اسم الخمر إذا تخللت من اسم الخل فيتغير الحكم الإلهي في هذا الجسم المعين بتغير الأسماء كما تغيرت الأسماء في بعض الأشياء لتغير الأحوال إذ كان التغيير في ذلك الحكم اسم إلهي أوجب له تغيير الاسم فتغير الحكم
(وصل في فصل وقت النية للصوم)
فمن قائل لا يجزي الصيام إلا بنية قبل الفجر مطلقا في جميع أنواع الصوم و من قائل تجزى النية بعد الفجر في صوم التطوع لا في الفروض و من قائل تجزئ النية بعد الفجر في الصيام المتعلق وجوبه بوقت معين و النافلة و لا تجزى في الواجب في الذمة (وصل الاعتبار في ذلك) الفجر علامة على طلوع الشمس فهو كالاسم الإلهي من حيث دلالته على المسمى به لا على المعنى الذي تميز به عن غيره من الأسماء و القاصد للصوم قد يقصده اضطرارا و اختيارا و الإنسان في علمه بالله قد يكون صاحب نظر فكري أو صاحب شهود فمن كان علمه بالله عن نظر في دليل فلا بد أن يطلب على الدليل الموصل إليه إلى المعرفة فهو بمنزلة من نوى قبل الفجر و مدة نظره في الدليل كالمدة من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس و المعرفة بالله على قسمين واجبة كمعرفته بتوحيده في ألوهيته و معرفة غير واجبة كمعرفته بنسبة الأسماء إليه التي تدل على معان فإنه لا يجب عليه النظر في تلك المعاني هل هي زائدة عليه أم لا فمثل هذه المعرفة لا يبالي متى قصدها هل بعد حصول الدليل بتوحيد الإله أو قبله و أما الواجب في الذمة فكالمعرفة بالله من حيث ما نسب الشرع إليه في الكتاب و السنة فإنه قد تعين بالدليل النظري إن هذا شرعه و هذا كلامه فوقع الايمان به فحصل في الذمة فلا بد من القصد إليه من غير نظر إلى الدليل النظري و هو الذي اعتبر فيه النية قبل الفجر لأنه عنده علم ضروري و هو المقدم على العلم النظري لأن العلم النظري لا يحصل إلا أن يكون الدليل ضروريا أو مولدا عن ضروري على قرب أو بعد و إن لم يكن كذلك فليس بدليل قطعي و لا برهان وجودي
(وصل في فصل الطهارة من الجنابة للصائم)
فالجمهور على إن الطهارة من الجنابة ليست شرطا في صحة الصوم و أن الاحتلام بالنهار لا يفسد الصوم إلا بعضهم فإنه ذهب إلى أنه إذا تعمد ذلك أفسد صومه و هو قول ينقل عن النخعي و طاوس و عروة بن الزبير و قد روى عن أبي هريرة ذلك في المتعمد و غير المتعمد و كان يقول من أصبح جنبا في رمضان أفطر و كان يقول ما أنا قلته محمد صلى الله عليه و سلم قاله و رب الكعبة و قال بعض المالكين إن الحائض إذا طهرت قبل الفجر فأخرت الغسل إن يومها يوم فطر (وصل الاعتبار في هذا) الجنابة الغربة و الغربة بعد الحيض أذى و الأذى يوجب البعد و أعني الأذى الخاص مثل قوله إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ الله أي أبعدهم و اللعنة البعد و سببه وقوع الأذى منهم فهو بعيد من الاسم القدوس و الصوم يوجب القرب من الله الذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و الصوم لا مثل له في العبادات فكما لا يجتمع القرب و البعد لا يجتمع الصوم و الجنابة و الأذى و من راعى أن الجنابة حكم الطبيعة فكذلك الحيض و قال إن الصوم نسبة إلهية أثبت كل أمر في موضعه فقال بصحة الصوم للجنب و للطاهرة من الحيض قبل الفجر إذا أخرت الغسل فلم تتطهر إلا بعد الفجر و هو الأولى في الاعتبار لما تطلبه الحكمة من إعطاء كل ذي حق حقه فإن الحكيم عز و جل يقول أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى أي بين و أثنى الله بهذا القول لما حكاه عن موسى أنه قاله لفرعون و لم يجرحه تعالى في هذا القول كما جرح من قال إِنَّ الله فَقِيرٌ و إِنَّ الله ثالِثُ ثَلاثَةٍ
(وصل في فصل صوم المسافر و المريض شهر رمضان)
فمن قائل إنهما إن صاماه وقع و أجزأهما و من قائل إنه لا يجزيهما و أن الواجب عليهما عدة من أيام أخر و الذي أذهب إليه أنهما إن صاماه فإن ذلك لا يجزيهما و أن الواجب عليهما أيام أخر غير أني أفرق بين المريض و المسافر إذا أوقعا الصوم في هذه الحالة في شهر رمضان فأما المريض فيكون الصوم له نفلا و هو عمل بر و ليس بواجب عليه و لو أوجبه على نفسه فإنه لا يجب عليه و أما المسافر لا يكون صومه في السفر في شهر رمضان و لا في غيره عمل بر و إذا لم يكن عمل بر كان كمن لم يعمل شيئا و هو أدنى درجاته أو يكون على ضد البر و نقيضه و هو الفجور و لا أقول بذلك إلا أني أنفي عنه إن يكون في عمل بر في ذلك الفعل في تلك الحال و الله أعلم (الاعتبار) السالك هو المسافر في المقامات بالأسماء الإلهية فلا يحكم عليه الاسم الإلهي رمضان بالصوم الواجب و لا غير الواجب و لهذا قال صلى الله عليه و سلم ليس من البرالصيام في السفر و اسم رمضان يطلبه بتنفيذ الحكم فيه إلى انقضاء شهر سلطانه و السفر يحكم عليه بالانتقال الذي هو عدم الثبوت على الحال الواحدة فبطل حكم الاسم الإلهي رمضان في حق المسافر الصائم و من قال إنه يجزيه جعل سفره في قطع أيام الشهر و جعل الحكم فيه الاسم رمضان فجمع بين السفر و الصوم و أما حكم انتقاله المسمى سفرا فإنه ينتقل من صوم إلى فطر و من فطر إلى صوم و حكم رمضان لا يفارقه و لهذا شرع صيامه و قيامه ثم جواز الوصال فيه أيضا مع انتقاله من ليل إلى نهار و من نهار إلى ليل و حكم رمضان منسحب عليه و لهذا أجزأ المسافر صوم رمضان و أما المريض فحكمه غير حكم المسافر في الاعتبار فإن العلماء أجمعوا على إن المريض إن صام رمضان في حال مرضه أجزأه و المسافر ليس كذلك عندهم فضعف استدلالهم بالآية فاعتباره إن المرض يضاد الصحة و المطلوب من الصوم صحته و الضدان لا يجتمعان فلا يصح المرض و الصوم و اعتبرناه في شهر رمضان دون غيره لأنه واجب بإيجاب الله ابتداء فالذي أوجبه هو الذي رفعه عن المريض فلا يصح أن يرجع ما ليس بواجب من الله واجبا من الله في حال كونه ليس بواجب
(وصل في فصل من يقول إن صوم المسافر و المريض يجزيهما في شهر رمضان فهل الفطر لهما أفضل أم الصوم)
فمن قائل إن الصوم أفضل و من قائل إن الفطر أفضل و من قائل إنه على التخيير فليس أحدهما بأفضل من الآخر (الاعتبار) من اعتبر أن الصوم لا مثل له و أنه صفة للحق قال إنه أفضل و من اعتبر أنه عبادة فهو صفة ذلة و افتقار فهو بالعبد أليق قال إن الفطر أفضل و لا سيما للسالك و المريض فإنهما محتاجان إلى القوة و منبعها الفطر عادة فالفطر أفضل و من اعتبر أن الصوم من الاسم الإلهي رمضان و أن الفطر من الاسم الإلهي الفاطر و قال لا تفاضل في الأسماء الإلهية بما هي أسماء للاله تعالى قال ليس أحد الاسمين بأفضل من الآخر لأن المفطر في حكم الفاطر و الصائم في حكم الرفيع الدرجات و حكم الممسك و حكم اسم رمضان و هذا مذهب المحققين رفع الشريف و الأشرف و الوضيع و الشريف الذي في مقابلته من العالم الذي هو عبارة عن كل ما سوى الله تعالى
(وصل في فصل هل الفطر الجائز للمسافر هل هو في سفر محدود أو غير محدود)
فمن قائل إنه يفطر في السفر الذي يقصر فيه الصلاة و ذلك على حسب اختلافهم في هذه المسألة و من قائل إنه يفطر في كل ما ينطلق عليه اسم سفر و به أقول (الاعتبار في ذلك) المسافرون إلى الله و هو الاسم الجامع و هو الغاية المطلوبة و الأسماء الإلهية في الطريق إليه كالمنازل للمسافرين و منازل القمر المقدرة لسير القمر في الطريق إلى غاية مقصوده و أقل السفر الانتقال من اسم إلى اسم فإن وجد الله في أول قدم من سفره كان حكمه بحسب ذلك و قد انطلق عليه أنه مسافر و ليس لأكثره عندنا نهاية و لا حد لقوله صلى الله عليه و سلم في دعائه اللهم إني أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم غيبك فهذا اعتبار من قال يفطر فيما ينطلق عليه اسم سفر و من قال بالتحديد في ذلك فاعتباره بحسب ما حدد فمن اعتبر الثلاثة في ذلك كان كمن قال الأحدية أو الواحد لا حكم له في العدد و إنما العدد من الاثنين فصاعدا و السفر هنا إلى الاسم الله و لا سفر إليه إلا به فأول ما يلقاه من كونه مسافرا إليه في الفردية و هي الثلاثة أول الأفراد فهذا هو السفر المحدود ثم يؤخذ الاعتبار في تحديد العلماء تقصير الصلاة في باب الصلاة من هذا الكتاب و إنا قد ذكرناه في صلاة القصر من هذا الكتاب
(وصل في فصل المرض الذي يجوز فيه الفطر)
فمن قائل المرض هو الذي يلحق من الصوم فيه مشقة و ضرر و من قائل إنه المرض الغالب و من قائل إنه أقل ما ينطلق عليه اسم مرض و به أقول و هو مذهب ربيعة بن أبي عبد الرحمن (الاعتبار) المريد تلحقه المشقة و هو صاحب مكايدة و جهد و من أجل ذلك شرع لنا وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ و قال تعالى وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ فيعينه الاسم القوي على ما هو بصدده فهذا مرض يوجب الفطر و أما من اعتبر المرض بالميل و هو الذي ينطلق عليه اسم مرض و هو مذهب محمد بن عبد الجبار النفري صاحب المواقف من رجال الله كذا أحسبه و الإنسان لا يخلو عن ميل بالضرورة فإنه بين حق و خلق و بين حق و حق من حيث الأسماء الإلهية و كل طرف يدعوه إلى نفسه فلا بد له من الميلإما عنه أو إليه به أو بنفسه بحسب حاله و لا سيما أهل طريق الله فإنهم في مباحهم في حال ندب أو وجوب فلا يخلص لهم مباح أصلا فلا يوجد أحد من أهل الله تكون كفتا ميزانه على الاعتدال و الإنسان هو لسان الميزان فلا بد فيه من الميل إلى جانب داعي الحق و هذا هو اعتبار من يقول بالفطر فيما ينطلق عليه اسم مرض و أن الله عند المريض بالأخبار الإلهي الثابت أ لا تراه يلجأ إليه و يكثر من ذكره على أي دين كان أو نحلة فإنه بالضرورة يميل إليه و يظهر لك ذلك بينا في طلب النجاة مما هو فيه فإن الإنسان بحكم الطبع يجري إذا مسه الضر إلى طلب من يزيله عنه و ليس إلا الله قال تعالى وَ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في الْبَحْرِ ضَلَّ من تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ و إن جهل الطريق إليها فما جهل الاضطرار فإنه حاله ذوقا و نحن إنما نراعي القصد و هو المطلوب و أما من اعتبر المرض الغالب فهو ما يضاف إلى العبد من الأفعال فإنه ميل عن الحق في الأفعال إذ هي له و الموافق و المخالف يميل بها إلى العبد سواء مال اقتدارا أو خلقا أو كسبا فهذا ميل حسي شرعي و هو قولهم رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ فأضافوا الايمان إليهم إيجادا و قول الله لهم آمنوا بالله تقرير الصحة ما نسبوه من الأفعال إليهم بهذه الإضافة فهذا هو الشرعي فهذا بمنزلة المرض و أنه الميل الغالب لأنه بين الحق و الخلق
(وصل في فصل متى يفطر الصائم و متى يمسك)
فمن قائل يفطر في يومه الذي خرج فيه مسافرا و من قائل لا يفطر يومه ذلك و استحب العلماء لمن علم أنه يدخل المدينة ذلك اليوم أن يدخلها صائما فإن دخلها مفطرا لم يوجبوا عليه كفارة (الاعتبار) إذا خرج السالك في سلوكه من حكم اسم إلهي كان له إلى حكم اسم آخر إلهي دعاه إليه ليوصله إليه حكم اسم آخر ليس هو الذي خرج عنه و لا هو الذي يصل إليه كان بحكم ذلك الاسم الذي يسلك به و هو معه أينما كان قال تعالى وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ و إن اقتضى له ذلك الاسم الصوم كان بحكم صفة الصوم و إن اقتضى له الفطر كان بحكم صفة الفطر فإذا علم أنه يحصل في يومه الذي هو نفسه بفتح الفاء في حكم الاسم الذي دعاه إليه و يريد النزول عليه كان بحكم صفة ذلك الاسم من فطر أو صوم لا أعين له حالا من الأحوال لأن الأحوال تختلف و لا حرج عليه فيما كان من ذلك و بالله التوفيق
(وصل في فصل المسافر يدخل المدينة التي سافر إليها و قد ذهب بعض النهار)
اختلف العلماء فيمن هذه حاله فقال بعضهم يتمادى على فطره و قال آخرون يكف عن الأكل و كذلك الحائض تطهر تكف عن الأكل (وصل الاعتبار في هذا الفصل) كان له مطلوب في سلوكه فوصل إليه هل يحجبه فرحه بما وصل إليه عن شكر من أوصله إليه فإن حجبه تغير الحكم عليه و راعى حكم الإمساك عنه و إن لم يحجبه ذلك اشتغل عند الوصول بمراعاة من أوصله فلم يخرج عن حكمه و تمادى على الصفة التي كان عليها في سلوكه عابدا لذلك الاسم عبادة شكر لا عبادة تكليف و كذلك الحائض و هو كذب النفس ترزق الصدق فتطهر عن الكذب الذي هو حيضها و الحيض سبب فطرها فهل تتمادى على صفة الفطر بالكذب المشروع من إصلاح ذات البين و الكذب في الحرب و كذب الرجل لزوجته أو تستلزم ما هو صدق في محمود و واجب و مندوب فإن الصدق المحظور كالغيبة و النميمة مثل الكذب المحظور يتعلق بهما الإثم و الحجاب على السواء مثاله من يتحدث بما جرى له مع امرأته في الفراش فأخبر بصدق و هو من لكبائر و كذلك ما ذكرناه من الغيبة و النميمة انتهى الجزء السادس و الخمسون
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(وصل في فصل هل يجوز للصائم بعض رمضان أن ينشئ سفرا ثم لا يصوم فيه)
اختلف العلماء فيمن هذه حاله فمن قائل يجوز له ذلك و هو الجمهور و من قائل لم يجز له الفطر روى هذا القول عن سويد بن غفلة و غيره (الاعتبار) لما كان عندنا و عند أهل الله كلهم إن كل اسم إلهي يتضمن جميع الأسماء و لهذا ينعت كل اسم إلهي بجميع الأسماء الإلهية لتضمنه معناها كلها و لأن كل اسم إلهي له دلالة على الذات كما له دلالة على المعنى الخاص به و إذا كان الأمر كما ذكرناه فأي اسم إلهي حكم عليك سلطانه قد يلوح لك في ذلك الحكم معنى اسمإلهي آخر يكون حكمه في ذلك الاسم أجلي منه و أوضح من الاسم الذي أنت به في وقته فتنشئ سلوكا إليه فمن قائل منا يبقى على تجلى الاسم الذي لاح له فيه ذلك المعنى و منا من قال ينتقل إلى الاسم الذي لاح له معناه في التضمن فإنه أجلي و أتم فالرجل مخير إذا كان قويا على تصريف الأحوال فإن كان تحت تصريف الأحوال كان بحكم حال الاسم الذي يقضي عليه سلطانه
(وصل في فصل المغمى عليه و الذي به جنون)
اتفق الفقهاء على وجوبه على المغمى عليه و اختلفوا في المجنون فمنهم من أوجب القضاء عليه و منهم من لم يوجب القضاء و به أقول و كذلك عندي في المغمى عليه و اختلفوا في كون الإغماء و الجنون مفسدا للصوم فمن قائل إنه مفسد و من قائل إنه غير مفسد و فرق قوم بين أن يكون أغمى عليه قبل الفجر أو بعد الفجر و قوم قالوا إن أغمى عليه بعد ما مضى أكثر النهار أجزأه و إن أغمى عليه أول النهار قضى (الاعتبار) الإغماء حالة فناء و الجنون حالة و له و كل واحد من أهل هذه الصفة ليس بمكلف فلا قضاء عليه على إن القضاء في أصله عندنا لا يتصور في الطريق فإن كل زمان له وارد يخصه فما ثم زمان يكون فيه حكم الزمان الذي مضى فما مضى من الزمان مضى بحاله و ما نحن فيه فنحن تحت سلطانه و ما لم يأت فلا حكم له فينا فإن قالوا قد يكون من حكم الزمان الحالي الذي هو الآن قضاء ما كان له أداؤه في الزمان الأول قلنا له فهو مؤد إذن إذ هذا زمان أداء ما سميته قضاء فإن أردت به هذا فمسلم في الطريق فأنت سميته قاضيا و زمان الحال ما عنده خبر لا بما مضى و لا بما يأتي فإنه موجود بين طرفي عدم فلا علم له بالماضي و لا بما جاء به و لا بما فات صاحبه منه و قد يشبه ما يأتي به زمان الحال ما أتى به زمان الماضي في الصورة لا في الحقيقة كما تشبه صلاة العصر في زمان الحال الوجودي صلاة الظهر التي كانت في الزمان الماضي في أحوالها كلها حتى كأنها هي و معلوم أن حكم العصر ما هو حكم الظهر حتى لو رأينا شخصا محافظا على الصلوات في أوقاتها و اتفق أنه نسي الظهر أو نام عنها حتى دخل وقت العصر فرأيناه يصلي أربعا في ذلك الوقت صلاة الظهر و يغلب علينا إنه يصلي العصر للشبه الكثير الذي بينهما و ليست هذه هذه
(وصل في فصل صفة القضاء لمن أفطر في رمضان)
فمن العلماء من أوجب التتابع في القضاء كما كان في الأداء و منهم من لم يوجبه و هؤلاء منهم من خير و منهم من استحب و الجماعة على ترك إيجابه (الاعتبار) إذا دخل الوقت في الواجب الموسع بالزمان طلب الاسم الأول من المكلف الأداء فإذا لم يفعل المكلف و أخر الفعل إلى آخر الوقت تلقاه الاسم الآخر فيكون المكلف في ذلك الفعل قاضيا بالنسبة إلى الاسم الأول و أنه لو فعله في أول دخول الوقت كان مؤديا من غير دخل و لا شبهة و كان مؤديا بالنسبة إلى الاسم الآخر فالصائم المسافر أو المريض إذا أفطر إنما الواجب عليه عدة من أيام أخر في غير رمضان فهو واجب موسع الوقت من ثاني يوم من شوال إلى آخر عمره أو إلى شعبان من تلك السنة فيتلقاه الاسم الأول ثاني يوم من شوال فإن صامه كان مؤديا من غير شبهة و لا دخل و إن أخره إلى غير ذلك الوقت كان مؤديا من وجه قاضيا من وجه و بالتتابع في ذلك في أول زمانه يكون مؤديا بلا شك و إن لم يتابع فيكون قاضيا فمن راعى قصر الأمل و جهل الأجل أوجب و من راعى اتساع الزمان خير و من راعى الاحتياط استحب و كل حال من هذه الأحوال له اسم إلهي لا يتعدى حكمه فيه فإن الكون في قبضة الأسماء الإلهية تصرفه بطريقين بحسب حقائقها و بحسب استعدادات الأكوان لها لا بد من الأمرين لذي عينين فإن الأوصاف النفسية للأسماء و غير الأسماء لا تنقلب فافهم ذلك و تحققه تسعد إن شاء الله تعالى
(وصل في فصل من أخر قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر)
اختلف العلماء فيمن هذه حاله فقالت طائفة عليه القضاء و الكفارة و قالت طائفة عليه القضاء و لا كفارة عليه و به أقول (الاعتبار) المقامات التي لها جهات كثيرة مختلفة قد يغفل السالك عن حكمها في جهة ما من جهات متعلقاتها كالورع فإن له حكما في جهات كثيرة منها في الطعام و الشراب و اللباس و الأخذ و النظر و الاستماع و السعي و اللمس و الشم فإن عمر بن الخطاب أتى بمسك من المغانم قبل أن تأخذه القسمة ليعرض عليه فمسك بأنفه لئلا ينالمن رائحة شيئا دون المسلمين قبل أن تأخذه القسمة ورعا فسئل عن ذلك فقال إنما ينتفع من هذا بريحة و كذلك الورع في النسب و الأسماء فإذا فات السالك وجه من وجوه متعلقات مثل هذا المقام و انتقل إلى غيره من المقامات و قد بقيت عليه بقية من حكم هذا المقام الذي انتقل عنه فإذا تعين عليه استعماله في وقت آخر لحالة تطلبه بذلك من مطعم أو غيره يتذكر ما فاته قبل ذلك منه فمنا من قال عليه الكفارة و كفارته التوبة مما جرى منه في تفريطه و الاستغفار و منا من قال لا كفارة عليه فإنه لم يتعمد و لا قصد انتهاك الحرمة و إنما جعله في ذلك عذر من تأويل في المسألة أو غفلة و الإنسان في هذا الطريق مؤاخذ بالغفلات عند بعضهم و لهذا أوجب الكفارة عليه من أوجبها و من يرى أنه غير مؤاخذ بالغفلات لم يوجب عليه كفارة و القضاء مجمع عليه عند الجميع و صورته إنه إذا نال منه أحد أمرا حرم على المتناول تناوله منه عرضا كان أو مالا أو أثرا بدنيا من جرح أو غيره و له أن يعفو عنه فيما يتناول ذلك منه فيعفو و يحسن و لا يؤاخذ بكل جريمة من الغير في حقه مما يعطي الورع المتعدي في ذلك أن لا يفعله فهذا هو صورة القضاء ثم إنه يستقصي جميع جهات متعلقات ذلك المقام جهده حتى لا يترك منه شيئا فتدبر هذه المسألة فإنها من أنفع المسائل في طريق الله
(وصل في فصل من مات و عليه صوم)
فمن قائل يصوم عنه وليه و من قائل لا يصوم أحد عن أحد و اختلف أصحاب هذا القول فبعضهم قال يطعم عنه وليه و بعضهم قال لا صيام و لا إطعام إلا أن يوصى به و قال قوم يصوم فإن لم يستطع أطعم و فرق قوم بين النذر و الصيام المفروض فقالوا يصوم عنه وليه في النذر و لا يصوم في الصيام المفروض (الاعتبار) قال الله عز و جل وَ الله وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ و قال تعالى النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ من أَنْفُسِهِمْ فالمريد صاحب التربية يكون الشيخ قد أهله و خصه بذكر مخصوص لنيل حالة مخصوصة و مقام خاص فمات قبل تحصيله فمنا من يرى أن الشيخ لما كان وليه و قد حال الموت بينه و بين ذلك المقام الذي لو حصل له نال به المنزلة الإلهية التي يستحقها رب ذلك المقام فيشرع الشيخ في العمل الموصل إلى ذلك المقام نيابة عن المريد الذي مات فإذا استوفاه أحضر ذلك الميت إحضار من مثله في خياله بصورته التي كان عليها و ألبس تلك الصورة الممثلة ذلك الأمر و سأل الله أن يبقى ذلك عليه فحصلت نفس ذلك الميت في ذلك المقام على أتم وجوهه منة من الله و فضلا وَ الله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ و هذا مذهب شيخنا أبي يعقوب يوسف بن يخلف الكومي و ما راضني أحد من مشايخي سواه فانتفعت به في الرياضة و انتفع بنا في مواجيده فكان لي تلميذا و أستاذا و كنت له مثل ذلك و كان الناس يتعجبون من ذلك و لا يعرف واحد منهم سبب ذلك و ذلك سنة ست و ثمانين و خمسمائة فإنه كان قد تقدم فتحي على رياضتى و هو مقام خطر فأفاء الله علي بتحصيل الرياضة على يد هذا الشيخ جزاه الله عني كل خير و من أهل الله من يقول لا يقوم أحد عن أحد في العمل و لكن يطلبه له بهمته و دعائه و الجماعة على ذلك و هذا الأول نادر الوقوع فهذا اعتبار من يقول لا يصوم أحد عن أحد و اعتبار من يقول يصوم عنه وليه و من قال لا صيام و لا إطعام إلا أن يوصى به فهو أن يقول المريد عند الموت للشيخ اجعلني من همتك و اجعل لي نصيبا من عملك عسى الله أن يعطيني ما كان في أملي و هذا إذا فعله المريد كان سوء أدب مع الشيخ حيث استخدمه في حق نفسه و تهمة منه للشيخ في نسيان حق المريد و الأصل في ذلك أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يسأل ربه في حقه مرافقته في الجنة فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم أعني على نفسك بكثرة السجود فنبهه بهذا العمل على نفسه و سوء أدبه معه و الطريق يقتضي أن الشيخ لا ينسى أهل زمانه فكيف مريده المختص بخدمته فإنه من فتوة أهل هذا الطريق و معرفتهم بالنفوس أنهم إذا كان يوم القيامة و ظهر ما لهم من الجاه عند الله خاف منهم من آذاهم هنا في الدنيا فأول ما يشفعون يوم القيامة فيمن آذاهم قبل المؤاخذة و هذا نص أبي يزيد البسطامي و هو مذهبنا فإن الذين أحسنوا إليهم يكفيهم عين إحسانهم فهم بإحسانهم شفعاء أنفسهم عند الله بما قدموه من الخير في حق هذا الولي و هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ و من عفا و أصلح فأجره على الله و ذلك للعافين عن الناس بل الولي لا ينسى من يعرف الشيخ و إن كان الشيخ لا يعرفه فيسأل الله تعالى أن يغفر و يعفو عمن سمع بذكره فسبه و ذمه أو أثنى عليه خيرا و هذاذقته من نفسي و أعطانيه ربي بحمد الله وعدني بالشفاعة يوم القيامة فيمن أدركه بصري ممن أعرف و من لا أعرف و عين لي هذا المشهد حتى عاينته ذوقا صحيحا لا أشك فيه و هذا مذهب شيخنا أيضا أبي إسحاق بن طريف و هو من أكبر من لقيته و لقد سمعت هذا الشيخ يوما و أنا عنده بمنزله بالجزيرة الخضراء سنة تسع و ثمانين و خمسمائة و قال لي يا أخي و الله ما أرى الناس في حق إلا أولياء عن آخرهم ممن يعرفني قلت له كيف تقول يا أبا إسحاق فقال إن الناس الذين رأوني أو سمعوا بي إما أن يقولوا في حقي خيرا أو يقولوا ضد ذلك فمن قال في حقي خيرا و أثنى علي فما وصفني إلا بصفته فلو لا ما هو أهل و محل لتلك الصفة ما وصفني بها فهذا عندي من أولياء الله تعالى و من قال في شرا فهو عندي ولي أطلعه الله على حالي فإنه صاحب فراسة و كشف ناظر بنور الله فهو عندي ولي فلا أرى يا أخي الأولياء لله و ما قال لي هذا إلا من أجل كلام جرى بيني و بينه في حق إنسان من أهل سبتة كان خلف هذا الشيخ بخلاف ما كان يلقاه به فهذا بلغ من حسن اعتقاده و كان من الشيوخ الذين تحسب عليهم أنفاسهم و يعاقبون على غفلاتهم و مات في عقوبة غفلة ذكرناها في الدرة الفاخرة عند ذكري إياه فيها و أما من فرق بين النذر و الصوم المفروض فإن النذر أوجبه الله عليه بإيجابه و الصوم المفروض الذي هو رمضان أوجبه الله عليه ابتداء من غير إيجاب العبد فلما كان للعبد في واجب النذر تعمل بإيجابه صام عنه وليه لأنه عن وجوب عبد فينوب عنه في ذلك عبد مثله حتى تبرأ ذمته و الصوم المفروض ابتداء لم يكن للعبد فيه تعمل فالذي فرضه عليه هو الذي أماته فلو تركه صامه فكانت الدية على القاتل و قال تعالى فيمن خرج مُهاجِراً إِلَى الله (وَ رَسُولِهِ) ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى الله فالذي فرق كان فقيه النفس سديد النظر علاما بالحقائق و هكذا حكمه في الاعتبار
(وصل في فصل المرضع و الحامل إذا أفطرتا ما ذا عليهما)
فمن قائل يطعمان و لا قضاء عليهما و به أقول فإنه نص القرآن و الآية عندي مخصصة غير منسوخة في حق الحامل و المرضع و الشيخ و العجوز و من قائل تقضيان فقط و لا إطعام عليهما و من قائل تقضيان و تطعمان و من قائل الحامل تقضي و لا تطعم و المرضع تقضي و تطعم و الإطعام مد عن كل يوم أو تحفن حفانا و يطعم كما كان أنس يصنعه (الاعتبار) الحامل الذي يملكه الحال و المرضع الساعي في حق الغير يتعين عليهما حق من حقوق الله فمن رأى أن الدين قبل الوصية قدم حق الغير على حق الله لمسيس الحاجة فإنه حكم الوقت و من قدم حق الله على حق الغير و رأى قول النبي صلى الله عليه و سلم إن حق الله أحق بالقضاء و رأى أن الله قدم في القرآن الوصية على الدين في آية المواريث فقدم حق الله و إليه أذهب قال تعالى من بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ و يرجح عندي حق الغرماء إذا لم يف ما بقي لهم من مال هذا الميت في بيت المال يؤديه عنه السلطان من الصدقات فإنهم من الثمانية الأصناف فلصاحب الدين أمر يرجع إليه في دينه و ليس للوصية ذلك فوجب تقديمها بلا شك عند المنصف و أما المرضع و إن كانت في حق الغير فحق الغير من حقوق الله حيث شرع الله أداءها و صاحب الحال ليس في حق من حقوق الله لأنه غير مكلف في وقت الحال و المرضع كالساعي في حق الغير فهو في حق الله فإنه في أمر مشروع له فقد وكلناك بعد هذا البيان و التفصيل إلى نفسك في النظر فيمن ينبغي له القضاء و الإطعام أو أحدهما ممن ذكرنا
(وصل في فصل الشيخ و العجوز)
أجمع العلماء على أنهما إذا لم يقدرا على الصوم أن يفطرا و اختلفوا إذا أفطر أهل يطعمان أو لا يطعمان فقال قوم يطعمان و قال قوم لا يطعمان و به أقول غير أنهم استحبوا لهم الإطعام و الذي أقول به إن الإطعام إنما شرع مع الطاقة على الصوم و أما من لا يطيقه فقد سقط عنه التكليف في ذلك و ليس في الشرع إطعام من هذه صفته من عدم القدرة عليه فإن الله ما كلف نَفْساً إِلَّا وُسْعَها و ما كلفها الإطعام فلو كلفها مع عدم القدرة لم نعدل عنه و قلنا به (الاعتبار) من كان مشهده أن لا قدرة له كأمثالنا أو يقول إن القدرة الحادثة ما لها أثر إيجاد في المقدور و كان مشهده أن الصوم لله فقد انتفى عنه الحكم بالصوم و الإطعام يقول الله وَ هُوَ يُطْعِمُ وَ لا يُطْعَمُ و قال مصدقا لخليله الَّذِي (هُوَ) يُطْعِمُنِي فقرره و لم يرده و الإطعام إنما هو عوض عن واجب يقدر عليه و لا واجب فلا عوض فلا إطعام و هجير صاحب هذا المقام لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِو ليس له في إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ مدخل و لا في نون نفعل و ألف أفعل لكن له من هذه الأحرف الأربعة الزوائد حرف التاء المنقوط من أعلى بضمير المخاطب و قد تكون الياء المنقوطة من أسفل يفعل بضمير الهوية فاعلم ذلك و بالله التوفيق
(وصل في فصل من جامع متعمدا في رمضان)
أجمعوا أن عليه القضاء و الكفارة و قيل لا يجب عليه إلا القضاء فقط لأن الكفارة في ذلك لم تكن عزمة لقرائن الأحوال لأنه صلى الله عليه و سلم يأمره عند عدم العتق و الإطعام أن يصوم و لا بد إذ كان صحيحا و لو كان مريضا لقال له إذا وجدت الصحة فصم و قال قوم ليس عليه إلا الكفارة فقط ليس عليه قضاء و الذي أذهب إليه أنه لا قضاء عليه و استحب له أن يكفر إن قدر على ذلك و الله أعلم بحكمه في ذلك (الاعتبار) القدرتان تجتمعان على إيجاد ممكن من ممكن فيما ينسب من ذلك إلى العبد في الفعل عن كل من لا يصل عقله إلى معرفة ذلك إما بعتق رقبة من الرق مطلقا أو مقيدا فإن أعتقه من الرق مطلقا فهو أن يقيم نفسه في حال كون الحق عينه في قواه و جوارحه التي بها تميز عن غيره من الأنواع بالصورة و الحد و إذا كان في هذا الحال و كان هذا نعته كان سيدا و زالت عبوديته مطلقا لأن العبودية هنا راحت إذ لا يكون الشيء عبد نفسه فهو هو قال أبو يزيد في تحقق هذا المقام مشيرا تاليا إِنَّنِي أَنَا الله لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي هذا أوحى الله به لموسى و هو خطاب يعم الخلق أجمعين و أما إن كان العبد مقيدا فهو إن يعتق نفسه من رق الكون فيكون حرا عن الغير عبد الله فإن عبوديتنا لله يستحيل رفعها و عتقها لأنها صفة ذاتية له و استحال العتق منها في هذا الحال لا في الحال الأول و قد نبه على ذلك بقوله تعالى قل اللهم مالك الملك فسماه ملكا ليصح له اسم المالك و لم يقل مالك العالم و قال أيضا و هو من باب الإشارة و التحقيق قل أعوذ برب الناس ملك الناس فمن باب التحقيق لما سماهم الناس و لم يسمهم باسم يقتضي لهم أن يكونوا حقا أضافه نفسه إليهم باسم الملك و من باب الإشارة اسم فاعل من النسيان معرفا بالألف و اللام لأنه نسي أن الحق سمعه و بصره و جميع قواه في حال كونه كله نورا و هو المقام الذي سأله رسول الله صلى الله عليه و سلم من ربه أن يقيم فيه أبدا فقال و اجعلني نورا فإن الله من أسمائه النور بل هو النور للحديث الثابت نور إني أراه و قد صحفه بعض النقلة فقال نوراني أراه فحصل في هذا التصحيف معنى بديع و هو إذا جعل عبده نورا فيرى الحق فيه و منه فعند ذلك يكون نورانيا لا غير فهو في ذاته نور و في عبده نوراني فافهم ما قلنا فلما لم يتذكر الناسي هذه الحال و هو في نفسه عليها غافل عنها خاطبه الحق مذكرا له بها في القرآن الذي تعبده بتلاوته لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ما كانوا قد نسوة فهذا يدلك على أنهم كانوا على علم متقدم في شيئية الثبوت و أخذ العهد و أما الإطعام في الكفارة فالطعام سبب في حفظ الحياة على متناولة فهو في الإطعام متخلق بالاسم المحيي لما أمات بما فعله عبادة لا مثل لها كان عليها فكان منعوتا بالمميت في فعلها لأنه تعمد ذلك فأمر بالإطعام ليظهر اسم المقابل الذي هو المحيي فافهم و أما صوم شهرين في كفارته فالشهر عبارة في المحمديين عن استيفاء سير القمر في المنازل المقدرة و ذلك سير النفس في المنازل الإلهية فالشهر الواحد يسير فيها بنفسه ليثبت ربوبية خالقه عليه عند نفسه و الشهر الآخر يسير فيه بربه فإنه رجله التي يسعى بها من باب أن الحق جميع قواه و جوارحه فإنه بقواه قطع هذه المنازل و الحق عين قواه فقطعها بربه لا بنفسه و أما قول هذا الفاعل لرسول الله صلى الله عليه و سلم حين أمره بالصوم في الكفارة أي اتصف بصفة الحق فإن الصوم له فقال من الصوم أتى علي فضحك رسول الله صلى الله عليه و سلم فضحكه علامة على خفة الأمر و لما علم إن الحق أنطقه و ما أراد ذلك الناطق و إن جهله ذلك الأعرابي فكأنه قال له في قوله كفر بالصوم أي كن حقا فنطق إن يقول من الحق أتى علي فإني لما كنت حقا زال التكليف عني فإن الحق لا يكلف فلما ذا تبقيني حقا أنزلني إلى العبودية فأوجب على الكفارة التي هي الستر أي لا تذكر أنك عصيتني بي و لهذا قال للنبي صلى الله عليه و سلم أ تعطيها لأفقر مني ما بين لابتيها أفقر مني فأضاف كمال الفقر إليه لأنه رجع إلى العبودية عن سيادته فعظم ذله و فقره فإن استصحاب الفقر لا ألم في الفقير مثل ألم من كان غنيا ثميفتقر فإن ألمه أشد و الحسرة عنده أعظم فإن حكمه حكم من استؤسر و كان حرا فيجد ألم الاسترقاق لكونه حصل فيه عن حرية
من كان ملكا فعاد ملكا قد حاز هلكا و مات فتكا
و العبد الأصلي المؤثل القن لا يجد ذلك فلهذا قال ما بين لابتيها أفقر مني أنطقه الله بذلك من حيث لا يشعر حتى يكون مناسبا لما أنطقه به أيضا في قوله من الصوم أتى علي فانظر حكمة الله في إجراء هذه الحقائق في عباده من حيث لا يشعرون فهو المتكلم على الحقيقة لا هم فهذا حكم الكفارة على من هذا فعله و الحمد لله قد دخل في هذا جميع الأقوال التي ذكرنا في هذه المسألة إذا تدبرتها فلا حاجة للاطالة في ذلك فإنه كالتكرار و إن كان ذكرها يتضمن فوائد زائدة على ما ذكرنا لاختلاف النسب و لكن يكفي هذا في اعتبار هذه المسألة
(وصل في فصل من أكل أو شرب متعمدا)
فقال قوم عليه القضاء و الكفارة التي أوجبها في الجماع و قال آخرون لا كفارة عليه و الذي أقول به إنه لا قضاء عليه و لا كفارة فإنه لا يقضيه أبدا و لكن يكثر من صوم التطوع لتكمل له فريضته من تطوعه فإن الفرائض عندنا المقيدة بالأوقات إذا ذهب وقتها بتعمده من الواجبة عليه لا يقضيها أبدا مطلقا فليكثر من التطوع الذي يناسبها إلا الحج و إن كان مربوطا بوقت و لكنه مرة واحدة في العمر إلا من يقول بالاستطاعة و لكن متى حج كان مؤديا و يكون عاصيا في التأخير مع الاستطاعة (الاعتبار) الأكل و الشرب تغذ له فأحياه الأكل و الشرب عند هذا السبب لأن حياته مستفادة كما كان وجوده مستفادا ليتميز الممكن الواجب بالغير عن الواجب بنفسه و الصوم لله لا للعبد فلا قضاء عليه و لا كفارة و من قال بالكفارة أوجب عليه ستر مقامه و حكمه فيها حكم المجامع في الاعتبار سواء و من قال بالقضاء عليه يقول ما أوجب عليه القضاء إلا كونه غيرا كما كان في أصل التكليف كما كان في صوم رمضان سواء فيقضيه برده إلى من الصوم له فإن الصوم للعبد الذي هو لله كمن سلف شيئا من غيره فقضاؤه ذلك الدين إنما هو رده إلى مستحقه مع ما عاد عليه من الانتفاع به و العبد إنما يصوم مستسلفا ذلك لأن الصمدانية ليست له و الصوم صمدانية فهو لله لا له فاعلم ذلك
(وصل في فصل من جامع ناسيا لصومه)
فقيل لا قضاء عليه و لا كفارة و به أقول و قيل عليه القضاء دون الكفارة و قيل عليه القضاء و الكفارة (الاعتبار) هذا من باب الغيرة الإلهية لما اتصف العبد بما هو لله و إن كان مشروعا و هو الصوم أنساه الله أنه صائم فأقامه في مقام و حالة تفسد عليه صيامه تنبيها له أن هذه الحقيقة لا يتصف بها إلا الله غيرة إلهية أن يراجع فيما هو له بضرب من الاشتراك فلما لم يكن للعبد في ذلك قصد و لا انتهك به حرمة المكلف سقط عنه القضاء و الكفارة و الجماع قد عرفت معناه فيمن جامع متعمدا و من قال عليه القضاء دون الكفارة قال يشهد بالصمدية له دون نفسه في حال قيامها به فيكون موصوفا بها لا موصوفا بها مثل قوله وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ فنفى و أثبت و من قال عليه القضاء و الكفارة قال النسيان هو الترك و الصوم ترك و ترك الترك وجود نقيض الترك كما أن عدم العدم وجود و من هذه حاله فلم يقم به الترك الذي هو الصوم فما امتثل ما كلف فلا فرق بينه و بين المتعمد فوجب عليه القضاء و الكفارة و الاعتبار قد تقدم في ذلك و أنه ليس في الحديث أن ذلك الأعرابي كان ذاكرا لصومه حين جامع أهله و لا غير ذاكر و لا استفصله رسول الله صلى الله عليه و سلم هل كان ذاكرا لصومه أو غير ذاكر و قد اجتمعا في التعمد للجماع فوجب على الناسي كما وجب على الذاكر لصومه و لا سيما في الاعتبار فإن الطريق تقتضي المؤاخذة بالنسيان لأنه طريق الحضور فالنسيان فيه غريب
(وصل في فصل هل الكفارة مرتبة كما هي في المظاهر أو على التخيير)
فإنه قال له أعتق ثم قال له صم ثم قال له أطعم فلا يدري أ قصد عليه السلام الترتيب أم لا فقيل إنها على الترتيب أولها العتق فإن لم يجد فالصوم فإن لم يستطع فالإطعام و قيل هي على التخيير و منهم من استحب الإطعام أكثر من العتق و من الصيام و يتصور هنا ترجيح بعض هذه الأقسام على بعض بحسب حال المكلف أو مقصود الشارع فمن رأىأنه يقصد التغليظ و إن الكفارة عقوبة فإن كان صاحب الواقعة غنيا أو ملكا خوطب بالصيام فإنه أشق عليه و أردع فإن المقصود بالحدود و العقوبات إنما هو الزجر و إن كان متوسط الحال في المال و يتضرر بالإخراج أكثر مما يشق عليه الصوم أمر بالعتق أو الإطعام و إن كان الصوم عليه أشق أمر بالصوم و من رأى أن الذي ينبغي أن يقدم في ذلك ما يرفع الحرج فإنه تعالى يقول وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ من حَرَجٍ فيكلف من الكفارة ما هو أهون عليه و به أقول في الفتيا و إن لم أعمل به في حق نفسي لو وقع مني إلا أن لا أستطيع فإن الله لا يكلف نَفْساً إِلَّا وُسْعَها و ما آتاها سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً و كذلك فعل فإنه قال فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ثم إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً فأتى بعسر واحد و يسرين معه فلا يكون الحق يراعي اليسر في الدين و رفع الحرج و يفتي المفتي بخلاف ذلك فإن كون الحدود وضعت للزجر ما فيه نص من الله و لا رسوله و إنما يقتضيه النظر الفكري فقد يصيب في ذلك و قد يخطئ و لا سيما و قد رأينا خفيف الحد في أشد الجنايات ضررا في العالم فلو أريد الزجر لكانت العقوبة أشد فيها و بعض الكبائر ما شرع فيها حدا و لا سيما و الشرع في بعض الحدود في الكبائر التي لا تقام إلا بطلب المخلوق و إن أسقط ذلك سقطت و الضرر بإسقاط الحد في مثله أظهر كولي المقتول إذا عفا و ليس للإمام أن يقتله و أمثال هذا من الخفة و الإسقاط فيضعف قول من يقول وضعت الحدود للزجر و لو شرعنا نتكلم في سبب وضع الحدود و إسقاطها في أماكن و تخفيفها في أماكن و تشديدها في أماكن أظهرنا في ذلك أسرارا عظيمة لأنها تختلف باختلاف الأحوال التي شرعت فيها و الكلام فيها يطول و فيها إشكالات مثل السارق و القاتل و إتلاف النفس أشد من إتلاف المال و إن عفا ولي المقتول لا يقتل قاتله و إن عفا رب المال المسروق أو وجد عند السارق عين المال فرد على ربه و مع هذا فلا بد أن تقطع يده على كل حال و ليس للحاكم أن يترك ذلك و من هنا تعرف أن حق الله في الأشياء أعظم من حق المخلوق فيها بخلاف ما تعتقده الفقهاء قال صلى الله عليه و سلم حق الله أحق أن يقضى (الاعتبار) الترتيب في الكفارة أولى من التخيير فإن الحكمة تقتضي الترتيب و الله حكيم و التخيير في بعض الأشياء أولى من الترتيب لما اقتضته الحكمة و العبد في الترتيب عبد اضطرار كعبودة الفرائض و العبد في التخيير عبد اختيار كعبودة النوافل و فيها رائحة من عبودية الاضطرار و بين عبادة النوافل و عبادة الفرائض في التقريب الإلهي بون بعيد في علو المرتبة فإن الله جعل القرب في الفرائض أعظم من القرب في النوافل و إن ذلك أحب إليه و لهذا جعل في النوافل فرائض و أمرنا أن لا نبطل أعمالنا و إن كان العمل نافلة لمراعاة عبودية الاضطرار على عبودية الاختيار لأن ظهور سلطان الربوبية فيها أجلي و دلالتها عليها أعظم
(وصل في فصل الكفارة على المرأة إذا طاوعت زوجها فيما أراد منها من الجماع)
فمن قائل عليها الكفارة و من قائل لا كفارة عليها و به أقول فإن النبي صلى الله عليه و سلم في حديث الأعرابي ما ذكر المرأة و لا تعرض إليها و لا سأل عن ذلك و لا ينبغي لنا أن نشرع ما لم يأذن به الله (الاعتبار) النفس قابلة للفجور و التقوى بذاتها فهي بحكم غيرها بالذات فلا نقدر تنفصل عن التحكم فيها فلا عقوبة عليها و الهوى و العقل هما المتحكمان فيها فالعقل يدعوها إلى النجاة و الهوى يدعوها إلى النار فمن رأى أنه لا حكم لها فيما دعيت إليه قال لا كفارة عليها و من رأى أن التخيير لها في القبول و إن حكم كل واحد منهما ما ظهر له حكم إلا بقبولها إذ كان لها المنع مما دعيت إليه و القبول فلما رجحت أثيبت إن كان خيرا فخير و إن كان شرا فشر فقيل عليها الكفارة
(وصل في فصل تكرر الكفارة لتكرر الإفطار)
فقيل إنه من وطئ ثم كفر ثم وطئ في يوم واحد إن عليه كفارة أخرى و قيل من وطئ مرارا في يوم واحد فليس عليه إلا كفارة واحدة و اختلفوا أيضا فيمن وطئ في يوم من رمضان و لم يكفر حتى وطئ في يوم ثان فقال بعضهم عليه لكل يوم كفارة و قال بعضهم عليه كفارة واحدة ما لم يكفر عن الجماع الأول و الذي أقول به إن عليه كفارة واحدة لأنها ما شرعت إلا لمراعاة رمضان في حال الصوم لا لمراعاة الصوم لأنه لو أفطر في صوم القضاء لم يكفر و لو كانت هذه الكفارة مثل كفارة الظهار لم يوجب عليه كفارة أخرى إذا كفر عن الجماع الأول فلما أوجبها بعد الوقوع لهذا جعلناها تلزمهإذا أوقع الوطء بعد تكفير وطء قبله متعددا كان ذلك الأول أو واحدا (الاعتبار) الروح الواحد يدبر أجساما متعددة إذا كان له الاقتدار على ذلك و يكون ذلك في الدنيا للولي بخرق العادة و في الآخرة نشأة الإنسان تعطي ذلك و كان قضيب البان ممن له هذه القوة و لذي النون المصري كما يدبر الروح الواحد سائر أعضاء البدن من يد و رجل و سمع و بصر و غير ذلك كما تؤاخذ النفس بأفعال الجوارح على ما يقع منها كذلك الأجساد الكثيرة التي يدبرها روح واحد أي شيء وقع منها يسأل عنه ذلك الروح الواحد و إن كان عين ما يقع من هذا الجسم من الفعل مثل ما يقع من الجسم الآخر فيكون ما يلزمه من المؤاخذة على فعل أحد الجسمين يلزمه على فعل الآخر و إن كان مثله و قسم المذاهب على هذا الحد فيما يلزم الروح الواحد من تكرار الفعل بتعدد الأجسام المماثل لتعدد الزمان في حق المجامع في رمضان فاعلم ذلك
(وصل في فصل هل يجب عليه الإطعام إذا أيسر و كان معسرا في وقت الوجوب)
فمن قائل لا شيء عليه و به أقول و من قائل يكفر إذا أيسر (الاعتبار) المسلوب الأفعال مشاهدة و كشفا معسر لا شيء له فلا يلزمه شيء فإن حجب عن هذا الشهود و أثبت ذلك من طريق العلم بعد الشهود كمتخيل المحسوس بعد ما قد كان أدركه بالحس فإن الأحكام الشرعية تلزمه بلا شك و لا يمتنع الحكم في حقه بوجود العلم و يمتنع بوجود المشاهدة فإنه يشاهد الحق محركا له و مسكنا و كذلك إن كان مقامه أعلى من هذا و هو أن يكون الحق سمعه و بصره على الكشف و الشهود فمنا من قال حكمه حكم صاحب العلم فإن الله قد أوجب على نفسه و لا يدخل بذلك تحت حد الواجب و منا من ألحقه بمشاهدة الأفعال منه تعالى كما قدمناه فلا يلزمه الحكم كما لم يلزمه هناك فتارة ينطلق على هذا العبد اسم الحق و تارة ينطلق عليه اسم العبد مع اختلاف هذه الأحوال و في كل واحد من هذه المراتب يلزمه الحكم من وجه و ينتفي عنه من وجه
(وصل في فصل من فعل في صومه ما هو مختلف فيه كالحجامة و الاستقاء و بلع الحصى و المسافر يفطر أول يوم يخرج عند من يرى أنه ليس له أن يفطر)
فكل من أوجب في هذه الأفعال و أشباهها الفطر اختلفوا فمن قائل منهم عليه القضاء و من قائل منهم عليه القضاء و الكفارة و هكذا كل مختلف فيه و الذي أذهب إليه مما ذكرناه أن الاستقاء فيه القضاء للخبر و قد تقدم اعتبار ما ذكرناه من هذه الأفعال فمن أفطر في يوم يجوز له الإفطار فيه كالمرأة تفطر قبل أن تحيض ثم تحيض في ذلك اليوم و المريض و المسافر يفطران قبل المرض و قبل السفر ثم يمرض في ذلك اليوم أو يسافر فمذهبنا عليه القضاء و لا كفارة و إنما أوجبنا عليه القضاء لأنها حاضت أو مرض أو سافر و أما حكمه في الإثم حكم من أفطر متعمدا حتى أنها لو لم تحض أو لم يمرض أو لم يسافر ما يقضي ذلك اليوم أبدا و ليكثر من صيام التطوع و مع هذا فأمرهم إلى الله لأنهم أفطروا في يوم يجوز لهم الفطر فيه عند الله و أما الظاهر فما قلناه (الاعتبار) في هذا الفعل رائحة من الكشف الذي للنفوس و استطلاع على الغيب من حيث لا يشعر و سببه أنها من عالم الغيب و إن كانت النشأة الجسمية أمها فإن الروح الإلهي أبوها فلها الاطلاع من خلف حجاب رقيق بحيث إنه لو دخل صاحب هذا الفعل طريق أهل الله سارع إليه الكشف لاستعداده و تأهله لذلك و مثل هذا لا يسمى اتفاقيا إذا لأمر الاتفاقي عندنا لا يصح فإن الأمر كله لله و الله لا يحدث شيئا بالاتفاق و إنما يحدثه عن علم صحيح و إرادة و قضاء غيبي و قدر فلا بد من كون ما هو كائن في علمه و إنما بقي هل يتعلق بمن ظهر عليه مثل هذا الفعل الإلهي إثم أم لا فعندنا الإثم متعلق به و لو حصل له العلم الصحيح بأنه في يوم يجوز له الإفطار فيه و لم يتلبس بالسبب فإنه ما شرع له الفطر إلا مع التلبس بالحال الذي تسمى به حائضا أو مريضا أو مسافرا في اللسان الظاهر هذا مذهب المحققين من أهل الله و هو مذهبنا في مثل هذه المسألة و الحكم في صاحبها لله إن شاء عفا و إن شاء آخذ فضلا و عدلا إلا إن كان حاله ممن قد أعلم ما يقع منه من الجرائم مشاهدة و كشفا و من اطلاعه على المقدر عليه اطلاعه أنه غير مؤاخذ بذلك عند الله فإن لم يطلع فلا يبادر و لا يكن له تعمل في ذلك ما لم يعلم علم الله فيه فإن علم أنه مؤاخذ و لا بد فيعلم إنالله قد راعى حكم الظاهر في العموم فيتهيأ لقضاء الله النافذ فيه و هذا عندنا ليس بواقع أصلا و إن كان جائزا عقلا قيل لإبليس لم أبيت عن السجود قال يا رب لو أردت مني السجود لسجدت قال له متى علمت أني لم أرد منك السجود بعد حصول الإباية و المخالفة أو قبل ذلك فقال يا رب بعد وقوع الإباية علمت فقال بذلك آخذتك و اعلم أن من عباد الله من يطلعهم الله على ما قدر عليهم من المعاصي فيسارعون إليها من شدة حيائهم من الله ليسارعوا بالتوبة و تبقي خلف ظهورهم و يستريحون من ظلمة شهودها فإذا تابوا رأوها عادت حسنة على قدر ما تكون و مثل هذا لا يقدح في منزلته عند الله فإن وقوع ذلك من مثل هؤلاء لم يكن انتهاكا للحرمة الإلهية و لكن بنفوذ القضاء و القدر فيهم و هو قوله لِيَغْفِرَ لَكَ الله ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ فسبقت المغفرة وقوع الذنب فهذه الآية قد يكون لها في حق المعصوم وجه و هو أن يستر عن الذنوب فتطلبه الذنوب فلا تصل إليه فلا يقع منه ذنب أصلا فإنه مستور عنه أو يستر عن العقوبة فلا تلحقه فإن العقوبة ناظرة إلى محال الذنوب فيستر الله من شاء من عباده بمغفرته عن إيقاع العقوبة به و المؤاخذة عليه و الأول أتم فتقدمت المغفرة من قبل وقوع الذنب فعلا كان أو تركا فلا يقع إلا حسنة يشهدها و حسنها و من عباد الله من لم يأت في نفس الأمر إلا ما أبيح له أن يأتيه بالنظر إلى هذا الشخص على الخصوص و هذا هو الأقرب في أهل الله فإنه قد ثبت في الشرع أن الله يقول للعبد لحالة خاصة افعل ما شئت فقد غفرت لك فهذا هو المباح و من أتى مباحا لم يؤاخذه الله به و إن كان في العموم في الظاهر معصية فما هو عند الشرع في حق هذا الشخص معصية و من هذا القبيل هي معاصي أهل البيت عند الله قال عليه السلام في أهل بدر و ما يدريكم لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم و في الحديث الثابت أن عبدا أذنب ذنبا فيقول رب اغفر لي فيقول الله أذنب عبدي ذنبا فعلم إن له ربا يغفر الذنب و يأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب إلى أن قال في الرابعة أو في الثالثة افعل ما شئت فقد غفرت لك فأباح له جميع ما كان قد حجره عليه حتى لا يفعل إلا ما أبيح له فعله فلا يجري عليه عند الله لسان ذنب و إن كنا لجهلنا بمن هذه صفته و هذا حكمه عند الله أن نعرفه فلا يقدح ذلك في منزلته عند الله فمن هذه حالته ما فعل إلا ما أبيح له فعله أو تركه فإن الحكم يترتب على الأحوال فحال أهل الكشف على اختلاف أحوالهم ما هو حال من ستر عنه حاله فمن سوى بينهما فقد تعدى فيما حكم به أ لا ترى المضطر ما حرمت الميتة عليه قط متى وجد الاضطرار و غير المضطر ما أحلت له الميتة قط هذا ظاهر الشرع فأحكام الشرائع على الأحوال و نحن فيما جهلنا حاله أن نحسن الظن به ما وجدنا لذلك سبيلا
(وصل في فصل من أفطر متعمدا في قضاء رمضان)
فأكثر العلماء على أنه لا كفارة عليه و إليه أذهب و عليه القضاء و قال بعضهم عليه قضاء يومين و لصاحب هذا القول وجه دقيق خفي أداه إلى هذا القول و هو أنه مخير في القضاء في ذلك اليوم فاختار القضاء ثم بدا له فأفطر و لو كان متنفلا أوجبنا عليه بالشروع قضاء ذلك اليوم فهذا هو اليوم الواحد و اليوم الآخر يوم رمضان الذي عليه فما قصر في نظره صاحب هذا القول و قال قتادة عليه القضاء و الكفارة (الاعتبار) من كان مشهده الاسم الإلهي رمضان في حال القضاء كان حكمه حكم الأداء و حكم الأداء فيمن أفطر متعمدا في رمضان قد تقدم الكلام فيه و ما فيه من الخلاف فهو بحسب ما هو عنده فيجري على ذلك الأسلوب فيه و في اعتباره و من لم يكن مشهده الاسم الإلهي الذي يخص شهره الذي أوقع فيه القضاء لا شهر رمضان و لا اسم رمضان بل مشهده الاسم الذي يحكم عليه بالإمساك فلا يكفر و لكن فيمن كان مذهبه أن يكفر في شهر رمضان و في قوله تعالى فَعِدَّةٌ من أَيَّامٍ أُخَرَ كفاية فإنه قد سماها أخر فما هي أيام رمضان و إنما هي أيام صوم على النكرة أي يوم شاء و لا يسمى يوما إلا بكماله فإذا لم يكمل في حقه فليس بيوم صومه الأسماء التي للشهور القمرية رمضان لشهر رمضان الرفيع لشوال الرحمن لذي قعدة المريد لذي حجة المحرم للمحرم المخلي لصفر المحيي لربيع الأول المعيد لربيع الآخر الممسك لجمادى الأولى الرب بمعنى الثابت لجمادى الآخرة العظيم لرجب الفاصل و الحاكم لشعبان و ما في معنى كل اسم من هذه الأسماء الإلهية
(وصل في فصل الصوم المندوب إليه)
و سأذكر من ذلك ما هو مرغب فيه بالحال كالصوم في الجهاد و بالزمان كصوم الإثنين و الخميس و عرفة و عاشوراء و العشر و شعبان و أمثال ذلك و ما هو معين في نفسه من غير تقييده بيوم مخصوص من أيام الجمعة كعاشوراء و عرفة فمن كونه معين الشهر ألحقناه بالزمان و من كونه مجهولا في أيام الجمعة لم نقيده بالزمان و منه ما هو معين في الشهور كشهر شعبان و منه ما هو مطلق في الأيام مقيد بالشهور كالأيام البيض و صيام ثلاثة أيام من كل شهر و منه ما هو مطلق كصوم أي يوم شاء و منه ما هو مقيد بالتوقيت كصيام داود صيام يوم و فطر يوم و ما يجري هذا المجرى و أما صوم يوم عرفة في عرفة فمختلف فيه و في غير عرفة مرغب فيه إلا أنه على كل حال يكفر السنة التي قبله و السنة التي بعده و أما صوم الستة الأيام من شوال فمرغب فيها و الخلاف في وقتها من شوال و في تتابعها و فيها خلاف شاذ و هو أن يوقع أول يوم منها في شوال و باقي الأيام في سائر أيام السنة
(وصل في فصل الصوم في سبيل الله)
خرج مسلم في الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه من النار سبعين خريفا فذكر صوم العبيد لا صوم الأحرار و العبيد بالحال قليل و بالاعتقاد جميعهم و الصوم تشبيه إلهي و لهذا نفاه عن العبد بقوله تعالى الصوم لي و ليس للعبيد من الصوم إلا الجوع فالتنزيه في الصوم لله و الجوع للعبد فإذا أقيم العبد في التشبيه بالإله المعبر عنه بالتخلق بالأسماء في صفة القهر و الغلبة للمنازع الذي هو العدو و لهذا جعله في الجهاد أعني الصوم لأن السبيل هنا في الظاهر الجهاد عرفنا هذا بقرائن الأحوال لا مطلق اللفظ فإن أخذناه على مطلق اللفظ لا على العرف و هو نظر أهل الله في الأسماء يراعون ما قيد الله و ما أطلقه فيقع الكلام بحسب ما جاء فجاء بلفظ التنكير في السبيل ثم عرفه بالإضافة إلى الله تعالى و الله هو الاسم الجامع لجميع حقائق الأسماء كلها و كلها لها بر مخصوص و سبيل إليها فأي بر كان فيه العبد فهو في سبيل بر و هو سبيل الله فلهذا أتى بالاسم الجامع فعم كما تعم النكرة أي لا تعين و كذلك نكر يوما و ما عرفه ليوسع بذلك كله على عبيده في القرب إلى الله ثم نكر سبعين خريفا فأتى بالتمييز و التمييز لا يكون إلا نكرة و لم يعين زمانا فلم ندر هل سبعين خريفا من زمان أيام العرب أو أيام ذي المعارج أو أيام منزلة من المنازل أو أيام واحد من الجواري الخنس و الكنس أو من أيام الحركة الكبرى أو من الأيام المعلومات عندنا فأبهم الأمر فساوى التنكير الذي في مساق الحديث و كذلك قوله وجهه أبهمه هل هو وجهه الذي هو ذاته أو وجهه المعهود في العرف و كذلك قوله من النار بالألف و اللام هل أراد به النار المعروفة أو الدار التي فيها النار لأنه قد يكون على عمل يستحق دخول ذلك الدار و لا تصيبه النار و على الحقيقة فما منا إلا من يردها فإنها الطريق إلى الجنة و لو لم يكن في المعنى إلا كون الصراط عليها في الآخرة و في الدنيا حفت بالمكاره و قد ألقيتك على مدرجة التحقيق في النظر في كلام الله و في كلام المترجم عن الله من رسول مرسل أو ولي محدث
(وصل في فصل تخيير الحامل و المرضع في صوم رمضان مع الطاقة عليه بين الصوم و الإفطار)
فأشبه المفروض من وجه و هو إذا اختاره و قبل التخيير كان حكمه في حقه حكم المباح المخير في فعله و تركه فأشبه التطوع و فعل المندوب إليه خير من تركه و لهذا قال فيه وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ خرج مسلم عن سلمة بن الأكوع قال كنا في رمضان على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم من شاء صام و من شاء أفطر و افتدى بطعام مسكين حتى نزلت هذه الآية فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فمنهم من جعل ذلك نسخا و منهم من جعله تخصيصا و هو مذهبنا فبقي حكم الآية في الحامل و المرضع إذا خافتا على ولدهما و سماه الله تطوعا و قال فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ فنكر خيرا فدخل فيه الإطعام و الصوم ذكر البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ قال ابن عباس ليست بمنسوخة هو للشيخ الكبير و المرأة الكبيرة و قال أبو داود عن ابن عباس أثبتت في الحبلى و المرضع و قال الدارقطني عن ابن عباس في هذا يطعم كل يوم مسكينا نصف صاع من حنطة اعلم أن الحق إذا خير العبد فقد حيره فإنحقيقته العبودية فلا يتصرف إلا بحكم الاضطرار و الجبر و التخيير نعت السيد ما هو نعت العبد و قد أقام السيد عبده في التخيير اختبارا و ابتلاء ليرى هل يقف مع عبوديته أو يختار فيجري في الأشياء مجرى سيده و هو في المعنى مجبور في اختياره مع كون ذلك عن أمر سيده فكان لا يزول عن عبوديته و لا يتشبه بربه فيما أوجب الله عليه التخيير فمن العبيد من حار و لا يدري ما يرجح و من العبيد من قال إن ربي يقول ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ فنفى فأنا واقف مع النفي فلا أخرج عن عبوديتي طرفة عين و منهم من قال إن ربي يقول ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ من ذواتهم بل أنا أبحت لهم التصرف على الاختيار اخترت لهم ذلك و عينت لهم محالها و من محالها ما جاء في هذه الآية من التخيير بين الصوم و الفطر و بعض الكفارات و لما نبه عباده على إن الصوم خير لهم إذا اختاروه أبان لهم بذلك عن طريق الأفضلية ليرجحوا الصوم على الفطر فكان هذا من رفقه سبحانه بهم حيث أزال عنهم الحيرة في التخيير بهذا القدر من الترجيح و مع هذا فالابتلاء له مصاحب لأنه تعالى لم يوجب عليه فعل ما رجحه له بل أبقى له الاختيار على بابه و لذلك لا يأثم بالإفطار فمن صامه فقد أدى واجبا فإنه فرض عليه فعل أحدهما لا على التعيين فإذا عينه المكلف و هو العبد تعينت الفريضة فيه و هو في أصله مخير فيه فهو يشبه صوم التطوع فيحصل للعبد الذي هذا حاله إذا صامه أجر الفرض و أجر التطوع و أجر المشقة فهو أعظم أجر أو أكثر من الذي يؤدي الواجب غير المخير و كذلك الأجر في الكفارات المخير فيها أجر الوجوب و أجر التطوع و هذا من كرم الله في التكليف انتهى الجزء السابع و الخمسون
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(وصل في فصل تبييت الصيام في المفروض و المندوب إليه)
خرج النسائي عن حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها إن النبي صلى الله عليه و سلم قال من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له يكتب له الصيام من حين يبيت من أول الليل كان أو وسطه أو آخره فيتفاضل الصائمون في الأجر بحسب التبييت و يؤيد ذلك الوصال فكما يكتب له في إيصال يومه بالطرف الأول من ليله يكتب له في اتصال طرفه الآخر من ليله بيومه قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من كان مواصلا فليواصل حتى السحر و سيرد الكلام في الوصال و السحور في هذا الباب فإن في هذا الحديث أعني من كان مواصلا إشعارا بالترغيب في أكلة السحور فالليل أيضا في الوصال محل للصوم و محل للفطر فصوم الليل على التخيير كصوم التطوع في اليوم و الصوم لله في الزمانين فإنه يتبع الصائم ففي أي وقت انطلق عليك اسم صائم فإن الصوم لله و هو بالليل أوجه لكونه أكثر نسبة إلى الغيب و الحق سبحانه غيب لنا من حيث و عدنا برؤيته و هو من حيث أفعاله و آثاره مشهود لنا و الحق على التحقيق غيب في شهود و كذلك الصوم غيب في شهود لأنه ترك و الترك غير مرئي و كونه منويا فهو مشهود فإذا نواه في أي وقت نواه من الليل فلا ينبغي له أن يأكل بعد النية حتى تصح النية مع الشروع فكل ما صام فيه من الليل كان بمنزلة صوم التطوع حتى يطلع الفجر فيكون الحكم عند ذلك لصوم الفرض فيجمع بين التطوع و الفرض فيكون له أجرهما و لما كان الصوم لله و أراد أن يتقرب العبد بدخوله فيه و اتصافه به إلى الله تعالى كان الأولى أن يبيته من أول الثلث إلى آخر من الثلث الأول أو الأوسط فإن الله يتجلى في ذلك الوقت في نزوله إلى السماء الدنيا فيتقرب العبد إليه بصفته و هو الصوم فإن الصوم لا يكون إلا لله إلا إذا اتصف به العبد و ما لم يتصف به العبد لم يكن ثم صوم يكون لله فإنه في هذا الموطن كالقرى لنزول الحق إليه و عليه و لما كان الصيام بهذه المثابة كما ذكرناه تولى الله جزاءه بأنانيته لم يجعل ذلك لغيره كما كان الصيام من العبد لله من غير واسطة كان الجزاء من الله للصائم من غير واسطة و من يلقي سيده بما يستحقه كان إقبال السيد على من هذا فعله أتم إقبال لأن السيد ظهر في هذا الموطن ظهور مستفيد فقابله بنفسه و لم يكل كرامته لغيره فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
(وصل في فصل في وقت فطر الصائم)
خرج مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في سفر في شهر رمضان فلما غابتالشمس قال يا فلان أنزل فاجدح لنا قال يا رسول الله إن عليك نهارا قال أنزل فاجدح لنا قال فنزل فجدح فأتاه به فشرب النبي صلى الله عليه و سلم ثم قال إذا غابت الشمس من هاهنا و جاء الليل من هاهنا فقد أفطر الصائم فسواء أكل أو لم يأكل فإن الشرع أخبر أنه قد أفطر أي أن ذلك ليس بوقت للصوم و أنه بالغروب تولاه الاسم الفاطر و إتيان الليل ظهور سلطان الغيب لا ظهور ما في الغيب فجاء ليستر ما كانت شمس الحقيقة كشفته غيرة لعدم احترام المكاشفين لما عاينوه من شعائر الله و حرماته فإن البصر قد أدرك ما لو اعتبر في شيء منه ما و في بما يجب عليه من التعظيم الإلهي له فلما قلت الحرمة منهم ستره الليل غيرة فدخل في غيب الليل غير أن الإنسان إذا دخل في الغيب و اتصف به أدرك ما فيه من علوم الأنوار لا من علوم الأسرار و علوم الأنوار هو كل علم يتعلق به منافع الأكوان كلها كما إن الليل إذا جاء ظهرت بمجيئه أنوار الكواكب و الله جعلها لنهتدي بها في ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ و هما علم الإحسان و علم الحياة و علوم الأسرار خفيت عن أبصار الناظرين و هي غيب الغيب فصار الغيب على هذا فيه ما يدرك به و فيه ما لا يدرك و لما قال صلى الله عليه و سلم فقد أفطر الصائم فالأولى بالصائم أن يعجل الفطر عند الغروب بعد صلاة المغرب فإنه أولى لأن الله جعل المغرب وتر صلاة النهار فينبغي إن يؤديها بالصفة التي كان عليها بالنهار و هو الإمساك عن الطعام و الشراب و استحب له إذا فرغ من الفريضة أن يشرع في الإفطار و لو على شربة ماء أو تمر قبل النافلة فإن فاعل ذلك لا يزال بخير خرج مسلم عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر فسمى الأكل أو الشرب فطرا مع أنه قال عنه إنه أفطر بمجيء الليل و غروب الشمس فجمع بالأكل بين فطرين فطر بالفعل و فطر بالحكم فمن قال بالمفهوم يرى أنه إذا لم يفطر بالأكل زال عنه الخير الذي كان يأتيه بالأكل لو أكل معجلا فإنه إذا أخر لم يحصل على ذلك الخير الذي أعطاه التعجيل و كان محروما خاسرا في صفقته ثم إنه تفوته الفرحة التي للصائم عند فطره أي يفوته ذوقها و حلاوتها و هي لذة الخروج من الجبر إلى الاختيار و من الحجر إلى السراج و من الضيق إلى السعة و هو المقام المحمدي و البقاء في الحجر مقام يوسفي جاء الرسول ليوسف من العزيز بالخروج من السجن فقال يوسف ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ فلم يخرج و اختار الإقامة في السجن حتى يرجع إليه الرسول بالجواب و إن كان مطابقا لدخوله في السجن فإنه دخله عن محبة و استصحبته تلك الحالة و هو قوله رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ فكانت محبة إضافة لم تكن محبة حقيقة و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يرحم الله أخي يوسف لو كنت أنا لأجبت الداعي يقول سارعت إلى الخروج من السجن لأن مقامه صلى الله عليه و سلم يعطي السعة فإنه أرسله الله رحمة و من كان رحمة لا يحتمل الضيق فلهذا قلنا بلذة فرحة فطر الصائم إنه مقام محمدي لا يوسفي و إنما قلنا بتعجيل الصلاة فيفطر بعد المغرب و قبل التنفل فإنه من فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم و إنما قدمناه على الفطر لأن الصلاة و إن كانت للعبد فإنها حق الله و الفطر حق نفسك و رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول للشخص الذي ماتت أمه و عليها صوم و أراد أن يقضيه عنها فقال له عليه السلام أ رأيت لو كان عليها دين أ كنت تقضيه قال نعم قال فحق الله أحق أن يقضى فقدم حق الله و جعله أحق بالقضاء من حق المخلوق و ذكر مسلم عن أبي عطية قال دخلت أنا و مسروق على عائشة فقلنا يا أم المؤمنين رجلان من أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم أحدهما يعجل الإفطار و يعجل الصلاة و الآخر يؤخر الإفطار و يؤخر الصلاة قالت أيهما الذي يعجل الإفطار و يعجل الصلاة قال قلنا عبد الله بن مسعود قالت كذلك كان يصنع رسول الله صلى الله عليه و سلم و لما كان صلى الله عليه و سلم قد جعله الله أسوة يتأسى به فقال تعالى لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فكان يفطر بأن يشق أمعاءه بشيء من رطب أو تمر أو حسوات من ماء قبل إن يصلي المغرب و بعد الصلاة كان يأكل ما قدر له قال أبو داود في سننه عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يفطر على رطبات قبل إن يصلي فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء فقدم الرطب لأنه أحدث عهد بربه من التمر كما فعل صلى الله عليه و سلم في المطرحين نزل برز بنفسه صلى الله عليه و سلم إليه و حسر الثوب عنه حتى أصابه المطر فسئل عن فعله ذلك فقال صلى الله عليه و سلم إنه حديث عهد بربه
(وصل في فصل صيام سر الشهر)
اعلم أنه صوم يوم ورد به الأمر من النبي صلى الله عليه و سلم رويناه من طريق أبي داود عن عبد الله بن العلاء عن المغيرة بن قرة قال قال معاوية في الناس يوم مسحل الذي على باب حمص فقال يا أيها الناس إنا قد رأينا الهلال يوم كذا و كذا و أنا متقدم بالصوم فمن أحب أن يفعل فليفعله قال فقام إليه مالك بن هبيرة السبلى فقال يا معاوية أ شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه و سلم أم شيء من رأيك قال فقال سمعته من رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول صوموا الشهر و سره فاعلم إن السر ضد الشهرة و بها سمي الشهر شهرا لاشتهاره و تمييزه و اعتناء المسلمين به و أصحاب تسيير الكواكب فرغب في الصوم في حال السر و الإعلان و اعلم أن سر الشهر هو الوقت الذي يكون فيه القمر في قبضة الشمس تحت شعاعها كذلك العبد إذا أقيم في مشهد من مشاهد القرب الذي تطلبه عيون الأكوان فيه فلا تبصره و ذلك مقام الأخفياء الأبرياء الذين لم يتميزوا في العامة في هذه الدار تحققا بصفة سيدهم حيث لم يجعل سبيلا إلى رؤيته في هذه الدار لحصول دعاوى الكون في المرتبة الإلهية فقالوا ينبغي أن لا نظهر إلا بظهور مولانا و ذلك في الآخرة حيث يقول لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ فلا يجرأ أحد يدعيه فهناك تظهر هذه الطبقة أن لله أخفياء في عباده و ضنائن اكتنفهم في صونه فلما تشبهوا بسيدهم في هذه الصفة من الستر و عدم الظهور لزمهم صوم سر الشهر فإن الصوم صفة صمدانية فاتصفوا بصفة الحق في هذا التقريب كما اتصفوا به في الإعلان في صوم الواجب كشهر رمضان فإنه ظهر هناك باسمه رمضان و سمي به الشهر حجابا عنه تعالى و العامة تقول صمت رمضان و العارف يقول شهر رمضان معلنا فإن الله قال لهم فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ و هو إعلان رمضان و شهرته فَلْيَصُمْهُ إلا المسافر فإن المسافر إليه يسافر ليشهده فما هو في حال شهود في وقت سفره و المريض مائل عن الحق لأن المرض النفسي ميل النفس إلى الكون فلم يشهد الشهر و الحيض كذب النفس و لذلك هو أذى في المحل ينافي الطهارة التي توجب القرب و هو الصدق ورد في الخبر الصحيح أن العبد إذا كذب الكذبة تباعد منه الملك ثلاثين ميلا من نتن ما جاء به فجاء بالثلاثين الذي هو كمال عدة الشهر القمري الذي استسر في شعاع الشمس فكانت الحائض بعيدة من شهود الشهر لما ذكرناه و الحق سبحانه لا يقرب عبده إلا ليمنحه و يعطيه ثم يبرزه إلى الناس قليلا قليلا لئلا يبهرهم بهاء نور ما أعطاه لضعف عيون بصائرهم رحمة بالعامة فلا يزال يظهر لهم قليلا قليلا فلا يبدي لهم من العلم بالله الذي أعطاه في حال ذلك السرار إلا قدر ما يعلم أنه لا يذهلهم إلى أن تعتاد عيون بصائرهم إلى أن يظهر لهم في صورة كمال الأعطية بالخلعة الإلهية و هو قوله من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله فذلك بمنزلة القمر ليلة البدر فهو القدر الذي كان حصل له ليلة السرار في حضرة الغيب من وجه باطنه فإن ضوء البدر كان في السرار من الشمس في الوجه الذي ينظر إلى الشمس في حين المسامتة و الظاهر لا نور فيه و في ليلة الإبدار ينعكس الأمر فيكون الظهور بالاسم الظاهر و كذلك فعل الحق مع عامة عباده احتجب عنهم غاية الحجاب كالسرار في القمر فلم يدركوه فقال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ رحمة بهم فلم يجدوا في أذهانهم و لا في طبقات أحوالهم ما يذهلهم فجاء سرا في رحمة حجاب هذه الآية و هذا غاية نزول الحق إلى عباده في مقام الرحمة لهم ثم استدرجهم قليلا قليلا بمثل وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ و قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصَّمَدُ و قوله أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ الله يَرى إلى أن تقوت أنوار بصائرهم بالمعرفة بالله و أنسوا به قليلا قليلا إلى أن يتجلى لهم في المعرفة التامة النزيهة التي لو تجلى لهم فيها في أول الحال لهلكوا من ساعتهم فقال عز من قائل وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ فقبلوه و لم ينفروا منه و نسوا حال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فكان بقاؤهم في ذلك المقام بقطع الياس لرفع المناسبة من جميع الوجوه أ لا ترى أهل الميت تنقطع وحشتهم من ميتهم لأنهم لا يرجون لقاءه في الدنيا فلا يبقى لهم حزن و أهل الغائب ليس كذلك فإنهم لم ييأسوا من لقائه و كتبه و أخباره ترد عليهم مع الآنات إلى وقت اللقاء عند قدومه فسبحان الحكيم الخبير يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لعلنا نعقل عنه فلمثل هذا وقع صيام سر الشهر و الشهر مثلا مضر و بالمن يعقل عن الله ففي صيام سر الشهر مقام جمعية الهمة على الله حتى لا يرى غير الله و هو قوله صلى الله عليه و سلم لي وقت لا يسعني فيه غير ربي لأنه في تجل خاص به و لهذا أضافه إليه فقال ربي و لم يقل الله و لا الرب و ممايؤيد قولنا إنه يريد بصوم السر من الشهر الجمعية تحضيضه و تحريضه على صوم سرر شعبان و أن يقضيه من فاته فإن شعبان من التفريق و لهذا قيل إنه ما سمي هذا الشهر بلفظ شعبان إلا لتفرق قبائل العرب فيه و كذا قال الله تعالى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ فالشعوب في الأعاجم كالقبائل في العرب أي فرقكم شعوبا و ميز قبيلة من قبيلة و سميت المنية شعوبا لأنها تفرق بين الميت و أهله فكان صيام سرر شعبان آكد من صيام سرر غيره من الشهور لما فيه من التفريق خرج مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لرجل هل صمت من سرر هذا الشهر شيئا قال لا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين مكانه و في طريق أخرى أيضا المسلم عن ابن عمر هل صمت من سرر شعبان و في هذا الفصل علوم و أسرار إلهية يعرفها من تحقق بما نبهنا عليه و أسعد الناس بذلك أهل الاعتبار من الذين يراعون تسيير الشمس و القمر لحفظ أوقات العبادات فإن معرفة منزلة القمر و الشمس في ضرب المثل من أعظم الدلائل على العلم الإلهي الذي يختص بالكون و الإمداد الرباني و الحفظ لبقاء أعيان الكائنات و إِنَّ في ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ أي حاضر فيما يلقى إليه المخبر فيمثله نصب عينيه فكأنه يشاهده فإنه خبر صدق جاء به صادق أمين
جاء به من رب الدار يعلمه بما أودع فيها من كل شيء مليح قال تعالى وَ كُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا ذلك لِتَعْلَمُوا أَنَّ الله عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَ أَنَّ الله قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً
(وصل في فصل في حكمة صوم أهل كل بلد برؤيتهم)
خرج مسلم في صحيحه عن كريب إن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال فقدمت الشام فقضيت حاجتها و استهل على رمضان و أنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس ثم ذكر الهلال فقال متى رأيتم الهلال فقلت رأيناه ليلة الجمعة فقال أنت رأيته فقلت نعم و رآه الناس و صاموا و صام معاوية فقال لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه فقلت أ و لا تكتفي برؤية معاوية و صيامه فقال لا هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم فبدنك و قواك بلدك و إقليمك و عالمك رعيتك و أنت مخاطب بالتصرف فيهم بالقدر الذي حد لك الحق في شرعه و أنت الراعي المسئول عنهم لا غيرك فإن الله ما كلف أحدا إلا بحاله و وسعه ما كلف أحدا بحال أحد ف كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ و كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها و كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ فإذا طلع هلال المعرفة في قلبك من الاسم الإلهي رمضان فقد دعاك في ذلك الطلوع إلى الاتصاف بما هو له و هو الصوم فأمرك بتقييد جوارحك كلها الظاهرة و تقييد قواك الباطنة و أمرك بقيام ليلة و رغبك فيه و هو المحافظة على غيبه و جعل لك فيه فطرا في أول الليل و أمرك بالتعجيل به و غذاء في آخره و أمرك بتأخير ذلك إلى أن يكون في التأخير بمنزلة من قال هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع و ذلك لحكمة التحقق بالاسم الآخر في ليل رمضان كما كنت في يومه فإنك بين طرفي تحليل و تحريم فما خاطبك الحق إلا منك و لا خاطبك إلا بك و هكذا مع كل مكلف في العالم من ملك و جن و إنسان بل من كل مخلوق حال ذلك المخلوق ينزل الحكم عليه بصفة الكلام سواء ضم ذلك الكلام حروف هجاء أو لم تضمه هو عين الكلام الإلهي في العالم إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده و لقد أنطقني سبحانه في ذلك بما أنا ذاكره من الأبيات إن شاء الله تعالى
فلما علمت أنه لكل بلد رؤية و ما وقف حكم بلد على بلد علمت إن الأمر شديد و إن كل نفس مطلوبة من الحق في نفسها لا تجزى نفس عن نفس شيئا و إن تقلب الإنسان في العبادة من وجه بذاته و من وجه بربه ليس لغيره فيه مساغ و لا دخول و أراني ذلك في واقعة فاستيقظت من منامي و أنا أحرك شفتي بهذه الأبيات التي ما سمعتها قبل هذا إلا مني و لا من غيري و هي هذه
فلو علم الإنسان من أي مقام ناداه الحق تعالى بالصيام في قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا و أنه المخاطب في نفسه وحده بهذه الجمعية فإنه قال يصبح على كل سلامي منكم صدقة فجعل التكليف عاما في الإنسان الواحد و إذا كان هذا في عروقه فأين أنت من جوارحه من سمعه و بصره و لسانه و يده و بطنه و رجله و فرجه و قلبه الذين هم رؤساء ظاهره و إن كل جارحة مخاطبة بصوم يخصها من إمساكها فيما حجر عليها و منعت من التصرف فيه بقوله كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ و اعلم أن الله ناداك من كونك مؤمنا من مقام الحكمة الجامعة لتقف بتفصيل ما يخاطبك به على العلم بما أراده منك في هذه العبادة فقال كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ أي الإمساك عن كل ما حرم عليكم فعله أو تركه كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ من قَبْلِكُمْ يعني الصوم من حيث ما هو صوم فإن كان أيضا يعني به صوم رمضان بعينه كما ذهب إليه بعضهم غير أن الذين قبلنا من أهل الكتاب زادوا فيه إلى أن بلغوا به خمسين يوما و هو مما غيروه و قوله كَما كُتِبَ أي فرض عَلَى الَّذِينَ من قَبْلِكُمْ و هم الذين هم لكم سلف في هذا الحكم و أنتم لهم خلف لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي تتخذوا الصوم وقاية فإن النبي صلى الله عليه و سلم أخبرنا أن الصوم جنة و الجنة الوقاية و لا يتخذوه وقاية إلا إذا جعلوه عبادة فيكون الصوم للحق من وجه ما فيه من التنزيه و يكون من وجه ما هو عبادة في حق العبد جنة و وقاية من دعوى فيما هو لله لا له فإن الصوم لا مثل له فهو لمن لا مثل له فالصوم لله ليس لك ثم قال أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ العامل في الأيام كتب الأول بلا شك فإنه ما عندنا بما كتب علي من قبلنا هل كتب عليهم يوم واحد و هو عاشوراء أو كتب عليهم أيام و الذي كتب علينا إنما هو شهر و الشهر إما تسعة و عشرون يوما و إما ثلاثون يوما بحسب ما نرى الهلال و الأيام من ثلاثة إلى عشرة لا غير فطابق لفظ القرآن ما أعلمنا به رسول الله صلى الله عليه و سلم في عدد أيام الشهر فقال الشهر هكذا و أشار بيده يعني عشرة أيام ثم قال و هكذا يعني عشرة أيام و هكذا و عقد إبهامه في الثالثة يعني تسعة أيام و في المرة الأخرى لم بعقد الإبهام فأراد أيضا عشرة أيام و ذلك لما قال تعالى أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ عدد الشارع أيام الشهر بالعشرات حتى يصح ذكر الأيام موافقا لكلام الله فإنه لو قال ثلاثون يوما لكان كما قال في الإيلاء لعائشة قد يكون الشهر تسعة و عشرين يوما و لم يقل هكذا و هكذا كما قال في عدد شهر رمضان فعلمنا أنه أراد موافقة الحق تعالى فيما ذكر في كتابه ثم قال فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ من أَيَّامٍ أُخَرَ فأتى بذكر الأيام أيضا و أشار إلى المخاطبين بقوله مِنْكُمْ و هم الذين آمنوا مَرِيضاً يعني في حبس الحق أَوْ عَلى سَفَرٍ و هم أهل السلوك في الطريق إلى الله في المقامات و الأحوال و السفر من الأسفار و هو الظهور لأنه إنما سمي السفر سفرا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال فيه فأسفر لهم المقام و الحال في هذا السلوك إن العمل ليس لهم و إن كانوا فيه و إنما الله هو العامل بهم كما قال تعالى وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمى فَعِدَّةٌ من أَيَّامٍ أُخَرَ يعني في وقت الحجاب فإنها أيام أخر حتى يجد التكليف محلا يقبله بالوجوب و قد تقدم الكلام في مثل هذا من هذا الباب فلينظر هناك ثم قال وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَيقول من يطيق الصوم قد خيرناه بين الصوم و الإطعام فانتقل من وجوب معين إلى وجوب غير معين عند المكلف و إن كان محصورا و قد علم الله ما يفعل المكلف من ذلك فألحقه بالتطوع فإن كل واحد منهما غير واجب بعينه فأي شيء اختار كان تطوعا منه به إذ له أن يختار الآخر دونه ثم رجح الله له الصوم الذي هو له ليقوم به إذ صفة الصوم من حيث ما هي عبادة لا مثل له فإن قلت فالإطعام صفته أيضا فإنه المطعم قلنا لو ذكر الإطعام دون الفدية لكان و لما قرن بالإطعام الفداء و أضافه إليه كان كان المكلف وجب عليه الصوم و الله لا يجب عليه شيء في الأدب الوضعي الحقيقي إلا ما أوجبه على نفسه و من حصل تحت حكم الوجوب فهو ما سور تحت سلطانه فتعين الفداء و كان الإطعام فراعى الله الصوم هناك فجعله خيرا له فإنه صفته أ لا تراه يقول وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ من أسر الهلاك إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قد تكون أن هنا بمعنى ما يقول ما كنتم تعلمون أن الصوم خير من الإطعام لو لا ما أعلمتكم و يكون معناها أيضا إن كنتم تعلمون الأفضل فيما خيرتكم فيه فقد أعلمتكم يعني مرتبة الصوم و مرتبة الإطعام ثم قال شَهْرُ رَمَضانَ يقول شهر هذا الاسم الإلهي الذي هو رمضان فأضافه إلى الله تعالى من اسمه رمضان و هو اسم غريب نادر الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ يقول نزل القرآن بصومه على التعيين دون غيره من الشهور هُدىً أي بيانا لِلنَّاسِ و القرآن الجمع فلهذا جمع بينك و بينه في الصفة الصمدانية و هي الصوم فما كان فيه من تنزيه فهو لله فإنه قال الصوم لي و من كونه عبادة فهو لك هدى أي بيانا للناس على قدر طبقاتهم و ما رزقوا من الفهم عنه فإن لكل شخص شربا في هذه العبادة وَ بَيِّناتٍ فكل شخص على بينة تخصه بقدر ما فهم من خطاب الله في ذلك من الْهُدى و هو التبيان الإلهي وَ الْفُرْقانِ فإنه جمعك أولا معه في الصوم بالقرآن ثم فرقك لتتميز عنه بالفرقان فأنت أنت و هو هو في حكم ما ذكرناه من استعمالك فيما هو له و هو الصوم فهو له من باب التنزيه و هو لك عبادة لا مثل لها فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ يقول فليمسك نفسه في هذه الشهرة يعني ينزهها بالذلة و الافتقار حتى تعظم فرحته عند الفطر وَ من كانَ مَرِيضاً مائلا و المرض الميل أو محبوسا فإن المريض في حبس الحق أَوْ عَلى سَفَرٍ سلوك في الأسماء الإلهية عم ذوق أو مسافرا عنه إلى الأكوان فَعِدَّةٌ من أَيَّامٍ أُخَرَ ... أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ لا يزاد فيها و لا ينقص منها يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ فيما خاطبكم به من الرفق في التكليف وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ و هو ما يشق عليكم أكد بهذا القول قوله وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ من حَرَجٍ فعرف اليسر هنا بالألف و اللام يشير إلى اليسر المذكور المنكر في سورة أ لم نشرح أي ذلك اليسر أردت بكم و هو قوله فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً في عسر المرض يسر الإفطار ثم إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ عسر السفر يُسْراً يسر الإفطار أيضا فَإِذا فَرَغْتَ من المرض أو السفر فَانْصَبْ نفسك للعبادة و هو الصوم يقول اقضه وَ إِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ في المعونة كان شيخنا أبو مدين رحمه الله يقول في هذه الآية فَإِذا فَرَغْتَ من الأكوان فَانْصَبْ قلبك لمشاهدة الرحمن وَ إِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ في الدوام و إذا دخلت في عبادة فلا تحدث نفسك بالخروج منها و قل يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ برؤية الهلال أو بتمام الثلاثين وَ لِتُكَبِّرُوا الله تشهدوا له بالكبرياء تفردوه به و لا تنازعوه فيه فإنه لا ينبغي إلا له سبحانه فتكبروه عن صفة اليسر و العسر فإنه قال في الإعادة وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ فهو أعلم بما قال و احذر من تأويلك و حمله عليك فكبره عن هذا عَلى ما هَداكُمْ أي وفقكم لمثل هذا و بين لكم ما تستحقونه مما يستحقه تعالى وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فجعل ذلك نعمة يجب الشكر منا عليها لكوننا نقبل الزيادة و الشكر صفة إلهية فَإِنَّ الله شاكِرٌ عَلِيمٌ فطلب منا بهذه الصفة الزيادة لكونه شاكرا فإنه قال لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ فنبهنا بما هو مضمون الشكر لنزيده في العمل وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي لكونك حاجب الباب فَإِنِّي قَرِيبٌ بما شاركناهم فيه من الشكر و الصوم الذي هو لي فأمرناهم بالصوم و عرفناهم أنه لنا ما هو لهم فمن تلبس به تلبس بما هو خاص لنا فكان من أهل الاختصاص مثل أهل القرآن هم أهل الله و خاصته أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ على بصيرة إِذا دَعانِ يقول كما جعلناك تدعو الناس إِلَى الله عَلى بَصِيرَةٍ جعلنا الداعي الذي يدعونا إليه على بصيرة من إجابتنا إياه ما لم يقل لم يستجب لي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي أي لما دعوتهم لي من طاعتي و عبادتي فإني ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فدعوتهم إلى ذلك على ألسنة رسلي و فيكتبي المنزلة التي أرسلت رسلي بها إليهم و أكد ذلك بالسين أعني الاستجابة لما علم من إبايتنا و بعدنا عن إجابته لي أي من أجلي لا تعلمون ذلك رجاء تحصيل ما عندي فتكونون عبيد نعمة لا عبيدي و هم عبيدي طوعا و كرها لا انفكاك لهم من ذلك وَ لْيُؤْمِنُوا بِي يصدقوا بإجابتي إياهم إذا دعوني و ليكن إيمانهم بي لا بأنفسهم لأنه من آمن بنفسه لا بالله لم يستوعب إيمانه ما استحقه فإذا آمن بي و في الأمر حقه فأعطى كل ذي حق حقه و هذا هو الذي يصدق بالأخبار كلها و من آمن بنفسه فإنه مؤمن بما أعطاه دليله و الذي أمرته بالإيمان به متناقض الدلالة متردد بين تشبيه و تنزيه فالذي يؤمن بنفسه يؤمن ببعض و يكفر ببعض تأويلا لا ردا فمن تأول فإيمانه بعقله لا بي و من ادعى في نفسه أنه أعلم بي مني فما عرفني و لا آمن بي فهو عبد يكذبني فيما نسبته إلى نفسي بحسن عبارة فإذا سئل يقول أردت التنزيه و هذا من حيل النفوس بما فيها من العزة و طلب الاستقلال و الخروج عن الاتباع لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ أي يسلكون طريق الرشد كما يفعل الموفقون الذين إذا رأوا سبيل الرشد اتخذوه سبيلا فيمشي بهم إلى السعادة الأبدية فكانت إجابة الحق إياهم حين دعوه و نهاية طريقهم إلى ما فرحت به نفوسهم من تحليل ما كان حرم عليهم في حال صومهم من أول اليوم إلى آخره فقال أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ أي الليلة التي انتهى صومكم إليها لا الليلة التي تصبحون فيها صائمين فهي صفة تصحبكم لي ليلة عيد الفطر و لو كانت إضافة ليلة الصيام إلى المستقبل لم تكن ليلة عيد الفطر فيها فإنك لا تصبح يوم العيد صائما و لو صمت فيه لكنت عاصيا و لا يلزم هذا في أول ليلة من رمضان فإن الأكل و أمثاله كان حلالا قبل ذلك فما زال مستصحب الحكم فلهذا جعلناه للصوم الماضي الرَّفَثُ يعني الجماع إِلى نِسائِكُمْ فجاء بالنساء و لم يقل الأزواج و لا غير ذلك فإن في هذا الاسم معنى ما في النساء و هو التأخير فقد كن أخرن عن هذا الحكم الذي هو الجماع زمان الصوم إلى الليل فلما جاء الليل زال حكم التأخير بالإحلال فكأنه يقول إلى ما أخرتم عنه و أخرن عنه من أزواجكم و ما ملكت أيمانكم ممن هو محل الوطء هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ أي المناسبة بينكم صحيحة ما هي مثل ما تلبستم بنا في صومكم حيث اتصفتم بصفة هي لي و هو الصوم فلستم لباسا لي في قولي وسعني قلب عبدي و لست لباسا لكم في قولي بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ فإن اللباس يحيط بالملبوس به و يستره عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ من الخيانة لشهادتي عليكم حين قبلتم الأمانة لما عرضتها عليكم فقلت في حاملها إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا ظلوما لنفسه بأن كلفها ما لا يدري علم الله فيه عند حمله إياها جهولا بقدرها و ما يتعلق من الذم به إذ أمن خان فيها و لما كان الجهول أَعْمى وَ أَضَلُّ سَبِيلًا لا يدري كيف يضع رجله و لا يرى أين يضع رجله قال عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ لما حجر عليكم فيما حجره عليكم فَتابَ عَلَيْكُمْ أي رجع عليكم وَ عَفا عَنْكُمْ أي بالقليل الذي أباحه لكم من زمان الإحلال الذي هو الليل و إنما جعله قليلا لبقاء التحجير فيه في المباشرة للمعتكف في المساجد بلا خلاف و في غير المسجد بخلاف و المواصل فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ و هو زمان الفطر في رمضان وَ ابْتَغُوا ما كَتَبَ الله لَكُمْ و اطلبوا ما فرض الله من أجلكم حتى تعلموه فتعملوا به من كل ما ذكره في هذه الآية وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا أمر بإعطاء ما عليك لنفسك من حق الأكل و الشرب حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ إقبال النهار من الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ إدبار الليل من الْفَجْرِ الانفجار الضوء في الأفق ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَ لا تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عاكِفُونَ في الْمَساجِدِ فأبقى تحجير الجماع على من هذه حالته و كذلك في الأكل و الشرب للذي ينوي الوصال في صومه يقول صلى الله عليه و سلم من كان مواصلا فليواصل حتى السحر و هو اختلاط الضوء و الظلمة يريد في وقت ظهور ذنب السرحان ما بين الفجرين المستطيل و المستطيل و واصل رسول الله صلى الله عليه و سلم بأصحابه يومين و رأوا الهلال تلك حدود الله التي أمركم أن تقفوا عندها فلا تقربوها لئلا تشرفوا على ما وراءها و هنا علم غامض لا يعلمه إلا من أعطيه ذوقا عناية إلهية كالخضر و غيره فربما تزل قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَ تَذُوقُوا السُّوءَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ الله آياتِهِ أي دلائله للناس إشارة فيتذكر بها لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يتخذون تلك الدلائل وقاية من التقليد و الجهل فإن المقلد ما هو على بينة من ربه و ما هو صاحب دلالة و جعله بمعنى الترجي لأنه ما كل من رزق الدليل و وصل إلى المدلول و حصل له العلم وفق لاستعمال ما علمه إن كان من العلوم التي غايتها العمل
(وصل في فصل السحور)
خرج مسلم عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم تسحروا فإن في السحور بركة و أمر صلى الله عليه و سلم بالسحور و رغب فيه بما ذكر حديث ثان لمسلم و خرج مسلم أيضا عن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فصل ما بين صيامنا و صيام أهل الكتاب أكلة السحور حديث ثالث للنسائي خرج النسائي عن العرباض بن سارية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو يدعو إلى السحور في شهر رمضان فقال هلموا إلى الغذاء المبارك حديث رابع للنسائي و خرج النسائي أيضا عن عبد الله بن الحارث عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قال دخلت على النبي صلى الله عليه و سلم و هو يتسحر فقال إنها بركة أعطاكم الله إياها فلا تدعوها حديث خامس لمسلم و البخاري خرج مسلم عن ابن عمر قال كان لرسول الله صلى الله عليه و سلم مؤذنان بلال و ابن أم مكتوم الأعمى فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن بلالا يؤذن بليل فكلوا و اشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم قال و لم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا و يرقى هذا زاد البخاري فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر يعني ابن أم مكتوم خرجه البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه و سلم حديث سادس لأبي داود خرج أبو داود عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه و سلم إذا سمع أحدكم النداء و الإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه حديث سابع للنسائي خرج النسائي عن عاصم عن ذر قال قلنا لحذيفة أي ساعة تسحرت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم قال هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع حديث ثامن لمسلم خرج مسلم عن أنس قال تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قمنا إلى الصلاة قلت كم كان قدر ما بينهما قال خمسين آية حديث تاسع لمسلم خرج مسلم عن سمرة بن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال و لا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا و حكاه حماد بيده يعني معترضا فهذه أحاديث السحور قد ذكرتها ليقف من سمع كلامي في السحور عليها حتى يعلم أنا ما خرجنا فيما نذهب إليه من الاعتبار عما أشار إليه صلى الله عليه و سلم قولا و فعلا لأن سيد هذه الطائفة أبا القاسم الجنيد يقول علمنا هذا مقيد بالكتاب و السنة يقول رضي الله عنه و إن كنا أخذنا علمنا عن الله ما أخذناه من الكتب و لا من أفواه الرجال فما علمنا الله تعالى علما به نخالف ما جاءت به الأنبياء صلوات الله عليهم من عند الله مما ذكرته من الأخبار و لا ما أنزله الله في كتاب بل هو عندنا كما أخبر الله عن عبده خضر أنه آتاه رحمة من عنده و علمه من لدنه علما و هذا هو علم الوهب الإلهي الذي أنتجه التقوى و العمل على الكتاب و السنة الذي لو عمل أهل الكتاب بما أنزل إليهم و أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ ... لَأَكَلُوا من فَوْقِهِمْ إشارة إلى هذا المقام أعني علم الوهب وَ من تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ إشارة إلى علم الكسب و هو العلم الذي يناله أهل التقوى من هذه الأمة فإنه علم كسب إذ كان نتيجة عمل و هو التقوى فاعلم إن السحور مشتق من السحر و هو اختلاط الضوء و الظلمة يريد زمان أكلة السحور فله وجه إلى النهار و له وجه إلى الليل فيما له وجه إلى النهار سماه غذاء فرجح فيه حكم النهار على حكم الليل كما عمل في الفطر فأمر بتعجيله فرجح فيه النهار أيضا على الليل بوجود آثار الشمس فإن الأكل وقع فيه قبل زوال آثار النهار و دلالة فإن النهار قد أدبر لأن حقيقة النهار من طلوع حاجب الشمس الأول إلى غروب حاجب الشمس الآخر فبمغيبه يغيب قرص الشمس و آثار النهار من أول الليل من مغيبه إلى مغيب البياض و آثاره في آخر الليل من طلوع الفجر الأول إلى طلوع الشمس إلا أنه لا يمنع الأكل طلوع الفجر الأول شرعا و في الفجر الثاني خلاف و موضع الإجماع الأحمر و ما كان قبل ذلك فليس بسحر و إنما هو ليل و بعده إنما هو نهار و هكذا صفة الشبهة لها وجه إلى الحق و لها وجه إلى الباطل في الأمور العقلية و كذلك المتشابه له وجه إلى الحل و له وجه إلى الحرمة و لهذا سمي الفجر الأول الكذاب و ما هو كذاب و إنما أضيف الكذب إليه لأنه ربما يتوهم صاحب السحور أن الأكل محرم عنده و ليس كذلك فإن علته ضرب الشمس أي طرح شعاعها على البحر فيأخذ الضوء في الاستطالة فإذا ارتفعت ذهب ذلك الضوء المنعكس من البحر إلى الأفق فجاءت الظلمة و قرب بروز الشمس إلينا فظهر ضوؤها في الأفق كالطائر الذي فتح جناحيه و لهذا سماه مستطيرا فلا يزال فيزيادة إلى طلوع الشمس كذلك الحق و الباطل فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَ أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ أي يثبت و هو الفجر الصادق و ما بينهما هو السحر كما إن ما بين الوجهين اللذين يظهر أن في الشبهة هو العلم الصحيح يظهر بها أنها شبهة فيتميز بعلمك بها الحق من الباطل كما تميز بانتكاس الفجر الكذاب إلى الأرض و الظلمة الظاهرة عند ذلك إن ذلك الفجر الأول لا يمنع من يريد الصوم من الأكل و لهذا سمته العرب ذنب السرحان لأنه ليس في السباع أخبث منه و لا أكثر محالا فإنه يظهر الضعف ليحقر فيغفل عنه فينال مقصوده من الافتراس فإن ذنبه يشبه ذنب الكلب فيتخيل من لا يعرفه أنه كلب فيأمن منه فهو شبيه المنافق فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم في ذلك الوقت بأكلة السحور و قال أنها بركة أعطاكم الله إياها فأكد أمره بها بنهيه أن لا ندعها فكما صرح بالأمر بها صرح بالنهي عن تركها و أكد في وجوبها فأشبهت صلاة الوتر فإنها صلاة مأمور بها على طريق القربة المأمور بها فهي سنة مؤكدة و عند بعض علماء الشريعة واجبة و أكلة السحور أشد في التأكيد من الوتر في جنس الصلاة لما ورد في ذلك من التصريح بالنهي عن تركها و هو بمنزلة البحث عن الشبهة حتى يعرف بذلك الحق من الباطل فهذه هي البركة التي في أكلة السحور فإن البركة الزيادة فزادت على سائر الأكلات شمولها الأمر بها و النهي عن تركها و ليس ذلك الحكم لغيرها من الأكلات ثم إن النبي صلى الله عليه و سلم جعله فصلا بين منزلة أهل الكتاب و منزلتنا فهي إما ممن اختصنا بها الحق على سائر الأمم من أهل الكتاب و إما ممن أمرنا بالمحافظة عليها حتى نتميز من أهل الكتاب حيث أنزلت عليهم كما أنزلت علينا ففرطوا في حقها كما فعلوا في أشياء كثيرة و كلا الوجهين سائغ و هذا يعم تعجيل الفطر و تأخير السحور فإن اعتبرنا أن أهل الكتاب هم القائمون بكتابهم علمنا إن الله اختصنا بفضل تعجيل الفطر و تأخير السحور عليهم و أنه ما أنزل ذلك عليهم فحرموا فضلها و إن اعتبرنا أن أهل الكتاب هم الذين أنزل عليهم كتاب من الله سواء عملوا به أو لم يعملوا تأكد عندنا إن الله إنما أكد في ذلك حتى تتميز عن أهل الكتاب إذ قد أمروا بذلك فأضاعوه بترك العمل فمن رأى أكلة السحور بضم الهمزة اكتفى باللقمة الواحدة ليقع الفرق بينه و بين أهل الكتاب و هو أقل ما يكون و من فتح الهمزة أراد الغذاء ثم من التأكيد فيها محافظة النبي صلى الله عليه و سلم عليها و على تأخيرها و دعاؤه إليها فسنها قولا و فعلا فقال هلموا إلى الغذاء المبارك كما قال حي على الصلاة ثم إنه صلى الله عليه و سلم من تأكيده في ذلك و تغليبه للأكل على تركه مع التحقق ببيان المانع و هو الفجر الصادق إنك إذا سمعت النداء به إذا كان في البلد من يعلم أنه لا ينادي إلا عند الطلوع الذي به تصح الصلاة كابن أم مكتوم عند رسول الله صلى الله عليه و سلم فإذا سمع المتسحر ذلك وجب عليه الترك فقيل له إن سمعته و الإناء في يدك و أنت تشرب فلا تقطع شريك من الماء مع هذا التحقق حتى تقضي حاجتك منه كما قال حذيفة هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع فجعل الحكم لحال الوقت و هو الوجود فكان الدفع أهون من الرفع لأن المدفوع معدوم و الذي تريد رفعه موجود حاكم بالفعل و هو أنك آكل أو شارب فالحكم له حتى يرتفع بنفسه كذلك الاسم الحاكم في الوقت على العبد إذا طلبه اسم آخر لا حكم له عليه كان الأولى بالعبد أن لا ينفصل من هذا الاسم الإلهي حتى لا يبقى له حكم عليه يطالبه به فإذا فرغ من حكمه تلقى بالأدب ذلك الاسم الإلهي الذي يطلبه أيضا هكذا في الدنيا و الآخرة كشخص حكم عليه اسم التواب عن فعل تقابلت فيه الأسماء الإلهية في حال الذنب فقال المنتقم أنا أولى به و قال الراحم و الغفار أنا أولى به فتقابلت الأسماء في حال العاصي أي اسم إلهي يحكم عليه و فيه فوجدوا التواب فتقوى الاسم الراحم على المنتقم و قال هذا نائبي في المحل فإنه لو لا ما رحمته ما تاب فدفع المنتقم عن طلبه و تسلمه الراحم و صار التواب يرجع به إلى ربه من طاعة إلى طاعة بعد ما كان يرجع به من معصية أو كفر إلى طاعة فهذا التائب ما ينعزل لأن التوبة قد لا تكون من ذنب بل يرجع إلى الله في كل حال في كل طاعة فإن وجد في المحل الاسم الخاذل و هو حكمه في العبد في حال وقوع المخالفة منه فحينئذ يكون تقابل الأسماء المتقابلة أعظم و أشد فإن هذا الفعل يستدعيهما و كان الخاذل بينه و بين هذه الأسماء مواظبة من حيث لا يشعر بما فعله كل واحد منهما فيقول الراحم إن الخاذل دعاني فهو يساعدني على المنتقم و يقول المنتقم إنه دعاني فساعدني على الراحم فإذا أقبلا لا يريا منه مساعدة لأحدهما فإن كان الخذلان كفرا جاءالاسم العدل الحكم ليحكم بين الاسمين المتقابلين الراحم و إخوانه و المنتقم و إخوانه فيقول إن الله أمرني أن أحكم بينكما و هو قوله فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَ أَقْسِطُوا فيقول للطائفتين من الأسماء ارقبوا هذا العبد إلى آخر نفس فإن فارق هذا الجسم و هو على كفره فليتسلمه المنتقم و تتأخر أنت عنه أيها الراحم و جماعتك فيقول الراحم سبقت الرحمة الغضب فأنا السابق فلا أتأخر فيقول له العدل إنما يعتبر السبق في انتهاء المدى و المدى بعد ما انتهى فاترك المنتقم إلى أن يستوفي منه مقدار زمان المخالفة و الخذلان فذلك انتهاء المدى فإذا انتهى فلك تجديد المطالبة فيحكم الله عند ذلك بما يشاء فإن بعثني حاكما حكمت بما يعطيه علمي و إن ولي المفضل أو المنتقم حكم أيضا بحسب ما أذن له فيه فينفصلون على هذا الحد و إن كان الخاذل في هذا المحل لم يعط كفرا و أعطى معصية و وقع هذا التقابل بين الأسماء فجاء الحكم العدل و كلم كل واحدة من الطائفتين و سمع دعواهما و أن كل واحد منهما يدعي الحق له فيطلبهم بالبينة فيقول المنتقم أي بينة أوضح من وقوع الفعل إما تراه سكران إن كان يشرب الخمر أو سارقا أو قاتلا أو ما كان من أمور التعدي فيقول الحكم هذه الأفعال و إن وقعت فهي موضع شبهة و الحاكم لا يحكم إلا ببينة فإن وقوع الشرب للخمر لا يؤذن بأنه ارتكب محرما ربما غص بلقمة ربما هو مريض فما استعمل إلا ما يحل له استعماله ربما قتل هذا قاتل أبيه أو أحدا ممن هذا القاتل وليه و اعتدى عليه بمثل ما اعتدى لا أعلم ذلك إلا بدليل فصورته صورة مخذول و لكن بهذه الشبهة فيقول خصمي يسلم لي أن هذا متعد حد الله في شربه الخمر أو قتله أو ما كان من أفعال المعاصي في ذلك الحال فيقول الراحم نعم صدق إلا أن لي في المحل سلطانا قويا يشد مني و هو معي على المنتقم قال له الحاكم و من هو قال الاسم المؤمن قد نزل عنده في دار الايمان و هو قلبه فله الأمان قال فادعه فجاء فقال أنت في هذا المحل عابر سبيل أو هو محلك و ملكك فيقول هو محلي و ملكي و ما عارضني في ملكي صاحب هذا الفعل الذي هو العاصي فجزاه الله خيرا عني يستعملني في كل حال بما تعطيه حقيقتي و أنا محتاج إليه فيقول للمنتقم تأخر عنه حتى نشاور الاسم المريد الذي هو الحاجب الأقرب إلى الله فإن له المشيئة في هذا العبد و في هذا الحكم فلا يزال الأمر متوقفا إلى انتهاء المدى و هو الأجل المسمى الذي هو الموت فإن مات على المخالفة تسلمه المريد و إن تاب عند الموت تأخر المنتقم عنه بالكلية و تسلمه الراحم و أصحابه فانتهاء المدى في العاصي إنما هو إلى زمن الموت و في الكافر كما قررناه فاعلم ذلك انتهى الجزء الثامن و الخمسون
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(وصل في فصل صيام يوم الشك)
خرج الترمذي عن عمار بن ياسر قال من صام اليوم الذي شك فيه فقد عصى أبا القاسم قال هذا حديث حسن صحيح جمهور العلماء على النهي عن صيام يوم الشك على أنه من رمضان و اختلفوا في تحرى صيامه تطوعا فمنهم من كرهه و منهم من أجازه و أما حديث عمار عندي فما هو نص و لأمر مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم بل هو يحتمل أن يكون عن نظر من عمار و يحتمل أن يكون عن خبر عن النبي صلى الله عليه و سلم و قال بعضهم إن صامه على أنه من رمضان ثم جاء الثبت أنه من رمضان أجزأه (الاعتبار) لما كان الشك يتردد بين أمرين من غير ترجيح أشبه حال العبد إذا كان الحق سمعه و بصره فإن نظر الناظر إلى كون الحق سمعه قال إنه حق و إن نظر إلى إضافة السمع إلى العبد بالهاء من قوله سمعه قال إنه عبد و ما ثم حالة ترجح أحد الناظرين على الآخر فيسقطان و إذا سقطا بقيا بحكم الأصل و الأصل هو وجود عبد و رب هذا هو الأصل النظري و الشرعي من وجه و أما أصل الأصل المراعي قبل هذا الأصل بل الذي هذا الأصل فرع عنه فهو وجود رب في عين عبد فهذا هو أصل الأصول الكشفي الشرعي من وجه فاعمل بحسب ما يتقوى عندك في ذلك و ما هو مشربك فقف عنده حتى يتبين لك وجه الحق في المسألة فتكون عند ذلك من أهل الكشف و الوجود
(وصل في فصل حكم الإفطار في التطوع)
حكى بعضهم الإجماع على أنه ليس على من دخل في صيام تطوع فأفطر لعذر قضاء و اختلفوا إذا قطعه لغير عذر عامدا فمن قائل عليه القضاء و من قائل ليس عليه القضاء (الاعتبار) إذا دخل في فعل بعبودية الاختيار فقد ألزم نفسه العبودية إذا رجع إلى أصله في ذلك الإلزام فحكمه حكم عبودية الاضطرار فيلزمه في التطوع ما يلزمه في الواجب و من راعى كون الحق جعل هذا العبد مختارا فقال لا يرفع حكم الحق عني في هذا الفعل فإنه يؤدي إلى منازعة الحق حيث يجعل الاختيار في موضع الاضطرار فيعامله معاملة الاختيار فإن شاء قضى اختيارا أيضا و إن شاء لم يقض و في هذه المسألة طول في الاعتبار يكفي هذا القدر منه في هذا الكتاب فإن التكليف يثبت عين العبد مضطرا كان أو مختارا
(وصل في فصل المتطوع يفطر ناسيا)
اختلف العلماء فيه فطائفة قالت عليه القضاء و قالت طائفة أخرى لا قضاء عليه و بترك القضاء أقول للخبر الوارد فيه (الاعتبار) الناسي هو التارك لما اختار بعد ما اختار فإن كان عن هوى نفس فالقضاء عليه و إن كان عن شغل بمقام أو حال أو اسم إلهي فلا قضاء عليه و القضاء هنا الحكم عليه بحسب ما تطوع به
(وصل في فصل صوم يوم عاشوراء)
اختلفوا أي يوم هو من المحرم فقيل العاشر و هو الصحيح و به أقول و قيل التاسع (الاعتبار) هنا حكم الاسم الأول و الآخر فمن أقيم في مقام أحدية ذاته صام العاشر فإنه أول آحاد العقد و من أقيم في مقام الاسم الآخر الإلهي صام اليوم التاسع فإنه آخر بسائط العدد و لما كان الصوم أعني صوم عاشوراء مرغبا فيه و كان فرضه قبل فرض رمضان على الاختلاف في فرضيته صح له مقام الوجوب و كان حكمه حكم الواجب فمن صامه حصل له قرب الواجب و قرب المندوب إليه فكان لصاحبه مشهدان و تجليان يعرفهما من ذاقهما من حيث إنه صام يوم عاشوراء
(وصل في فضل صوم يوم عاشوراء)
ذكر مسلم عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال في صيام يوم عاشوراء احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله
فقامت حركة يومه في القوة مقام قوى أيام السنة كلها إذا عومل كل يوم بما يليق به من عبادة الصوم فحمل بقوته عن الذي صامه جميع ما أجرم في السنة التي قبله فلا يؤاخذ بشيء مما اجترح فيها في رمضان و غيره من الأيام الفاضلة و الليالي مع كون رمضان أفضل منه و كذا يوم عرفة و ليلة القدر و يوم الجمعة فمثله مثل الإمام إذا صلى بمن هو أفضل منه كابن عوف حين صلى برسول الله صلى الله عليه و سلم المقطوع بفضله فإنه يحمل سهو المأموم مع كونه أفضل فلا يستبعد أن يحمل صوم يوم عاشوراء جرائم المجرم في أيام السنة كلها و لو شاهدت الأمر أو كنت من أهل الكشف عرفت صحة ما قلناه و ما أراده الشارع و العارف إذا قال احتسب على الله فما يقولها عن حسن ظن بالله و إنما هي لفظة أدب يستعملها مع الله مع أنه على علم من الله أنه يكفرها الله يقول الله عَسَى الله أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ و هو سبحانه يعلم ما يجريه في عباده و مع هذا جاء بلفظ الترجي و المخلوق أولى بهذه الصفة فإنها له حقيقة لو لم يعلمه الله فإذا أعلمه الله بقي على الأصل أدبا مع الله تعالى أ لا تراه صلى الله عليه و سلم مع قطعه بأنه يموت فإن الله يقول له إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ فكيف استثنى لما أتى البقيع و وقف على القبور و سلم عليهم قال و إنا إن شاء الله بكم لاحقون فاستثني في أمر مقطوع به و سواء كان الاستثناء في الموت أو في الايمان فإن كليهما مقطوع له بهما و ذلك أدب إلهي فإن الله قال له وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله فلما أتى في قوله لاحقون باسم الفاعل استثنى امتثالا لأمر الله تعالى
(وصل في فصل من صامه من غير تبييت)
ذكر البخاري عن سلمة بن الأكوع قال أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم رجلا من أسلم أن ينادي في الناس من كان أكل فليتم بقية يومه و من لم يكن أكل فليصم فإن اليوم يوم عاشوراء فجعل حكمه حكم من لم يبيت صوم من شك في أول يوم من رمضان فأكل ثم ثبت أنه من رمضان فأمر بالإمساك و القضاء و هذا حديث صحيح و قال فليتم بقية يومه و لم يسمه صائما فيقوي هذا الحديث حديث القضاء الذي ذكره أبو داود عن عبد الرحمن بن سلمة عن عمه إن أسلمأتت النبي صلى الله عليه و سلم فقال صمتم يومكم هكذا قالوا لا قال فأتموا بقية يومكم و اقضوه يعني يوم عاشوراء و إن كان هذا الحديث لم يلحقوه بالصحيح فراعى حرمة اليوم لما لله فيه من السر الذي يرفع فضله على عباده و ظهر هنا فضل الإمساك عن الطعام و الشراب و إن لم يكن صائما و هو الجوع الذي تشير إليه الصوفية في كلامها و فيه أقول
و لما أمر بقضائه أكد تشبيهه برمضان لا بالنذر المعين إذا فات يومه فإنه لا يقضي و إن أمسك صاحبه بقية يومه إذا لم يبيت و لما أمرنا بصيامه و حرض في ذلك و كان قد أمرنا بمخالفة أهل الكتاب اليهود و النصارى و ذلك فيما شرعوه لأنفسهم مما لم يأذن به الله و بدلوا و غيروا و لم يتميز عندنا ما شرعوه لأنفسهم مما شرع لهم نبيهم فلذلك أمرنا بمخالفتهم إلا فيما قرره النبي صلى الله عليه و سلم لنا مما كان شرعا لهم فعلمناه على القطع مثل رجم الثيب و إقامة الصلاة لمن تذكر بعد نسيانه فلما تعين علمنا به فإن الله تعالى يقول في الأنبياء أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ و قال شَرَعَ لَكُمْ من الدِّينِ ما وَصَّى به نُوحاً الآية و قال عليه الصلاة و السلام نحن أولى بموسى منكم فكنى بنحن عن نفسه و أمته فكنا أولى بموسى من اليهود لأنهم لم يؤمنوا بكل ما أتى به موسى و لو آمنوا بكل ما أتى به موسى لآمنوا بمحمد صلى الله عليه و سلم و بكتابه و نحن أمرنا بالإيمان به و بما أنزل عليه ثم أخبر الحق عنا بذلك و خبره صدق فاستحال في أمة محمد صلى الله عليه و سلم أن يؤمن المؤمن منهم ببعض و يكفر ببعض فهذه عناية إلهية حيث أخبر بعصمتنا من ذلك فهي بشرى لنا قال تعالى آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ من رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ من رُسُلِهِ و مما جاء به موسى صوم يوم عاشوراء فآمنا به و صمناه عن أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم فرضا بخلاف عندنا كما صامه موسى فرضا ثم إن الله فرض علينا رمضان و خيرنا في صوم عاشوراء فنصومه من طريق الأولوية فنجمع بين أجر الفريضة فيه و النفل درجة زائدة على المؤمنين من قوم موسى عليه السلام و لما أمرنا صلى الله عليه و سلم بمخالفة اليهود أمرنا بأن نصوم يوما قبل عاشوراء و هو التاسع و يوما بعده و هو الحادي عشر فقال لنا صلى الله عليه و سلم صوموا يوم عاشوراء و خالفوا فيه اليهود صوموا قبله يوما و بعده يوما و لم يقل خالفوا موسى فإن الله قد عصمنا من مخالفة الأنبياء بل أسقط الله عنا بعض شرائعهم كما أسقط عنا بعض ما شرعه لنا و نحن مؤمنون بكل ناسخ و منسوخ في كل شرع و لا يلزم من الايمان وجود العمل إلا أن يكون العمل مأمورا به فبهذا القدر نخالف اليهود و لهذا توهم علماؤنا إن عاشوراء هو التاسع من المحرم لا غير و قد روينا في ذلك ما يؤيد ما قلناه من أنه اليوم العاشر و هو أنا روينا من حديث أبي أحمد بن عدي الجرجاني الذي رواه من حديث ابن حيي عن داود بن علي عن أبيه عن جده أن النبي عليه السلام قال لئن بقيت إلى قابل لأصومن يوما قبله و يوما بعده و الحديث الثاني و هو ما رواه مسلم من حديث الحكم بن الأعرج قال انتهيت إلى ابن عباس و هو متوسد رداءه في زمزم فقلت له أخبرني عن صوم يوم عاشوراء فقال إذا رأيت يا هذا هلال المحرم فاعدد ثمانا و أصبح اليوم التاسع صائما قلت هكذا كان محمد صلى الله عليه و سلم يصومه قال نعم يعني لو عاش إلى العام القابل يؤيد ما قلناه ما رواه أيضا مسلم عن ابن عباس قال حين صام رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم عاشوراء و أمر بصيامه قالوا يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود و النصارى فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا كان في العالم المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع قال فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم فما صام التاسع على أنه عاشوراء لو صامه و صام يوم عاشوراء بتحقيق يوم العاشر من المحرم فلا ينبغي أن يقال التاسع هو عاشوراء مع وجود هذه الأخبار و قد ذكرنا حكمة يوم التاسع و العاشر في الاسم الأول و الاسم الآخر في هذا الفصل و كذلك أيضا أقول في صيام اليوم الذي بعد عاشوراء حتى يعلم التناسب فيما أشرنا إليه من ذلك فنقول أيضا إنه ملحق بالاسم الأول كعاشوراء في العاشر فإن العاشر أول العقد و الحادي عشر أول تركيب الأعدادتركيب البسائط مع العقد فانظر حكمة الشارع في أمره بصوم يوم قبله و يوم بعده متصلا به حتى لا تقول اليهود إن صومه مقصود لنا فإنه يكره في الفرائض مثل هذا إلا أن يكون الإنسان على عمل يعمله فلا يبالي إلا إن وقع التحجير و قد نهينا أن نقدم رمضان بيوم أو يومين قصدا إلا أن يكون في صيام نصومه ثم من الحكمة أن حرم علينا صيام يوم الفطر حتى لا نصل صيام رمضان بصوم آخر تمييزا لحق الفرض من النفل خلاف اعتبار يوم الجمعة و سيأتي الكلام في صومه إن شاء الله تعالى في هذا الباب
(وصل في فضل صوم يوم عرفة)
ورد في الحديث الثابت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله و السنة التي بعده خرجه مسلم من حديث أبي قتادة فمن صام هذا اليوم فإنه أخذ بحظ وافر مما أعطى الله نبيه صلى الله عليه و سلم في قوله لِيَغْفِرَ لَكَ الله ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه و سلم عمره كله في الحكم حكم الصائم يوم عرفة و خصه باسم عرفة لشرف لفظة المعرفة التي هي العلم لأن المعرفة في اللسان الذي بعث به نبينا صلى الله عليه و سلم تتعدى إلى مفعول واحد فلها الأحدية فهي اسم شريف سمي الله به العلم فكان المعرفة علم بالأحدية و العلم قد يكون تعلقه بالأحدية و غيرها بخلاف لفظ المعرفة فقد تميز اللفظان بما وضعا له و قد ينوب العلم مناب المعرفة في اللسان بالعمل كذا ذكره النحاة و استشهدوا على ذلك بقوله تعالى لا تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ تأويله لا تعرفونهم فعدوا العلم إلى مفعول واحد للنيابة و المعرفة ما لها حكم إلا في الأحدية و ذهلوا عما نعلمه نحن فإن العلم أيضا إنما طلب الأحدية و لهذا صح للمعرفة أن تكون من أسمائه لأن العمل هو الأصل فإنه صفة الحق ليست المعرفة صفته و لا له منها اسم عندنا في الشرع و إن جمعها و العلم حد واحد لكن المعرفة من أسماء العلم كما قلنا و العارف من أسماء العالم فينا بالأحدية و أما قولنا إن العلم إنما هو موضوع للاحدية مثل المعرفة و لهذا سمينا العلم معرفة لأنا إذا قلنا علمت زيدا قائما فلم يكن مطلوبنا زيدا لنفسه و لا مطلوبنا القيام لعينه و إنما مطلوبنا نسبة قيام زيد و هو مطلوب واحد فإنها نسبة واحدة معينة و علمنا زيدا وحده بالمعرفة و القيام وحده بالمعرفة فنقول عرفت زيدا و عرفت القيام و هذا القدر غاب عن النحاة و تخيلوا أن تعلق العلم بنسبة القيام إلى زيد هو عين تعلقه بزيد و القيام و هذا غلط فإنه لو لم يكن زيد معلوما له و القيام أيضا معلوما له قبل ذلك لما صح أن ينسب ما لا يعلمه إلى ما لا يعلمه لأنه لا يدري هل تصح تلك النسبة أم لا و هذا النوع من العلم يسمى عند أصحاب ميزان المعاني التصور و هو معرفة المفردات و التصديق و هو معرفة المركبات و هو نسبة مفرد إلى مفرد بطريق الإخبار بالواحد عن الآخر و هو عند النحويين المبتدأ و الخبر و عند غيرهم الموضوع و المحمول ثم نرجع إلى بابنا فنقول فعلمنا شرف يوم عرفة من حيث اسمه لما وضع له من تعلقه بالأحدية إنما الله إله واحد و الأحدية أشرف صفة الواحد من جميع الصفات و هي سارية في كل موجود و لو لا أنها سارية في كل موجود ما صح أن نعرف أحدية الحق سبحانه فما عرفه أحد إلا من نفسه و لا كان على أحديته دليل سوى أحديته من عرف نفسه عرف ربه هكذا قال صلى الله عليه و سلم و قال أبو العتاهية
و في كل شيء له آية تدل على أنه واحد
و الآية أحدية كل شيء و هي التي يمتاز بها عن غيره من أمثاله فالأحدية تسري في كل شيء من قديم و حادث و معدوم و موجود و لا يشعر بسريانها كل أحد لشدة وضوحها و بيانها كالحياة عند أرباب الكشف و الايمان فإنها سارية في كل شيء سواء ظهرت حياته كالحيوان أو بطنت حياته كالنبات و الجماد فالله حي بغير منازع و ما من شيء مما سوى الله إلا و هو يسبح الله بحمده و لا يسبحه إلا من يعلمه و من شرط العالم أن يكون حيا فلا بد أن يكون كل شيء حيا و لما كانت الأحدية للمعرفة و الأحدية لله تعالى في ذاته رجحنا صوم يوم عرفة على فطره في غير عرفة فإن كنا في عرفة علمنا إن الصوم لله لا لنا فرجحنا فطره على صومه لشهود عرفة فافهم فالصوم لله حقيقة و الأحدية له حقيقة فوقعت المناسبة بين الصوم و يوم عرفة فإن كل واحد لا مثل له فإن صومه يفعل فيما بعده و ليس ذلك لغيره في حق كل أحد و يفعل فيما قبله لأنه زماني فيتقيد بالقبلية و بالبعدية و المقصود إن فعله عام كصفة الحق في إيجاد الممكنات عامة لا تختص بممكن دون ممكن و إن كان الأمرلله من قبل و من بعد فجاء مبنيا غير مضاف لعدم تقييده عز و جل بالقبل و البعد فهذا الذي ليوم عرفة ليس لغيره من الأزمان فقد تميز على جنسه و إن كان ثم أعمال هي أقوى منه في العمل و لكن ليست زمانية أي ما هي لعين الزمان غاية عاشوراء أن يكفر السنة التي قبله فتعلقه بالواقع و عرفة تعلقه بالواقع و غير الواقع فعاشوراء رافع و عرفة رافع و دافع فجمع بين الرفع و الدفع فناسب الحق فإن الحق يتعلق بالموجود حفظا و بالمعدوم إيجادا فكثرت المناسبة بين يوم عرفة و بين الأسماء الإلهية فترجح صومه في غير عرفة و إن كان له هذا الحكم في عرفة إلا إن فطره أعلى في عرفة من صومه لما قلنا و في الحكم الظاهر للاتباع و الاقتداء قال في الاتباع فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله و قال في الاقتداء لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ و أفطر في هذا اليوم في عرفة و إنما اختلف علماء الرسوم في صومه في عرفة لا في غيرها لمظنة المشقة فيها و الضعف عن الدعاء غالبا و الدعاء في هذا اليوم هو المطلوب من الحاج فإن أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة كالمسافر في رمضان في فطره فمن العلماء من اختار الفطر فيه للحاج و صيامه لغير الحاج للجمع بين الأثرين و قد قدمنا في أول الفصل الخبر المروي الصحيح في صيامه فنذكر إن النبي صلى الله عليه و سلم لم يصمه بعرفة رحمة بالناس الذين تدركهم المشقة في صيامه كذا توهم علماء الرسوم و الأمر على ما قلناه فإنه كان قادرا على صومه في نفسه و ينهى أمته عن صيامه بعرفة و مثل هذا وقع في الشرع كنكاح الهبة فهو له خاصة و هو حرام على الأمة بلا خلاف و كالوصال و إن جاز فعلى كراهة خرج مسلم عن أم الفضل أن الناس تماروا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال بعضهم هو صائم و قال بعضهم ليس بصائم فأرسلت إليه بقدح لبن و هو واقف على بعيره فشربه قال تعالى وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ فالرحمة هنا عندنا إن أعلمهم أن الفطر في يوم عرفة في عرفة هي السنة و عند علماء الرسوم طلب الرفق و الحجة لنا في قوله خذوا عني مناسككم فمنها عدم الصوم في ذلك الموضع في ذلك اليوم و الأمر لا يتوقف في الأخذ به إذا ورد معرى عما يخرجه عن الأخذ به و أما حديث النهي عن صيام يوم عرفة في عرفة ففي إسناده مهدي بن حرب الهجري و ليس بمعروف خرجه النسائي من حديثه عن أبي هريرة قال نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن صيام يوم عرفة بعرفة و أما حديث الترمذي عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم عرفة و يوم النحر و أيام التشريق عيدنا أهل الإسلام و هي أيام أكل و شرب قال أبو عيسى حديث عقبة حديث حسن صحيح فكأنه يشير بهذا القول إلى ما قلناه و يشير إلى مقام المعرفة و العارف فإن مقام المعرفة لا يعطي الصوم إذ يعرف العارف الصوم لمن هو فكان يوم عيده يوم حصوله في هذا المقام و أيام العيد أيام سرور فأراد إن يسرى السرور ظاهرا و باطنا في النفس الناطقة بترك الصوم و في الحيوانية بالأكل و الشرب فجمع بين السرورين و لم يتعرض لتحريم الصوم في هذا الحديث و لكن قرنه بالصوم المحرم و هو يوم النحر و بالصوم المكروه و هو صوم أيام التشريق و أنه صلى الله عليه و سلم رجح الأكل و الشرب فيه في الظاهر و لم يتعرض للنهي عن ذلك و حرمنا صيام يوم عيد الأضحى بخبر غير هذا سأورده إن شاء الله ثم قوله صلى الله عليه و سلم في هذا الخبر أهل الإسلام و لم يقل أهل الايمان دل على مراعاة الظاهر هنا و لهذا قلنا إنه راعى النفس الحيوانية التي سرورها بالأكل و الشرب في يوم عيدها فاعلم ذلك
(وصل في فصل صيام الستة من شوال)
قد تقدم ذكر الخلاف في وقتها و في هذا الخبر عندي نظر لكون رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يثبت الهاء في العدد أعني في الستة فقال و أتبعه ستا من شوال و هو عربي و الأيام مذكرة و الصوم لا يكون إلا في اليوم و هو النهار فلا بد من إثبات الهاء فيه فهذا سبب كون الحديث منكر المتن مع صحة طريق الخبر فيترجح عندي أنه اعتبر في ذلك الوصال فوصل صوم النهار بصوم الليل و الليلة مقدمة على النهار لأن النهار مسلوخ منها أو تكون لغة شاذة تكلم بها رسول الله صلى الله عليه و سلم في مجلس كان فيه من هذه لغته و مع هذا فمن استطاع الوصال في هذه الأيام الستة فهو أولى عملا بظاهر لفظ الخبر و الوصال لم يقع النهي عنه نهي تحريم و إنما راعى الشفقة و الرحمة في ذلك بظاهر الناس لئلا يتكلفواالحرج و المشقة في ذلك و لو كان حراما و ما واصل بهم صلى الله عليه و سلم و قد ورد أنه صلى الله عليه و سلم قال إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق و قال من يشاد هذا الدين يغلبه و خرج مسلم عن أنس بن مالك واصل رسول الله صلى الله عليه و سلم في آخر شهر رمضان فواصل ناس من المسلمين فبلغه ذلك فقال لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع المتعمقون تعمقهم فمن لم يقدر أن يواصلها كلها فليواصل حتى السحر في كل يوم فتدخل الليلة في الصوم كل ليلة و يكون حد السحر لفطرها فحد الغروب للنهار في حق من لا يواصل في الصحيح أنه عليه السلام قال أيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر خرجه البخاري عن أبي سعيد و مما يؤيد قولنا إنه أراد الرحمة بالناس في ذلك ما خرجه مسلم أيضا عن عائشة قالت نهاهم النبي صلى الله عليه و سلم عن الوصال رحمة لهم قالوا إنك تواصل قال إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي و يسقيني فكوشف صلى الله عليه و سلم بحال تلك الجماعة التي خاطبهم أنهم ليست لهم هذه الحال و أنه ما أراد بذلك أنه مختص به دون أمته فإنا قد وجدناه ذوقا من نفوسنا في وصالنا فبتنا في حال الوصال فأطعمنا ربنا و سقانا في مبيتنا ليلة وصالنا فأصبحنا أقوياء لا تشتهي طعاما و رائحة الطعام الذي أكلناه الذي أطعمناه ربنا يشم منا و يتعجبون الناس من حسن رائحته فسألونا من أين لك هذه الرائحة في هذا الذي طعمت فما رأينا مثلها فمنهم من أخبرته بالحال و منهم من سكت عنه فلو كان هذا خصوصا برسول الله صلى الله عليه و سلم ما نلناه فصح لنا الوصال و الفطر فجمع لنا بين الأجرين و الفرحتين و حكمة الوصال أن الحق قال الصوم له و أمرنا بما هو له و جعله عبادة لا مثل لها فإذا فرق بالفطر بين اليومين فما واصل فإذا لم يفطر تحقق الوصال فيشير بذلك إلى إيصال صوم العبد بالصوم المضاف إلى الحق ليبين له أن للعبد ضربا من التنزيه بالصوم كما إن للحق من الصوم التنزيه فهو إشعار حسن للعارفين و كذا هو في نفس الأمر فإن العبد له تنزيه يخصه و لا سيما إذا كان عمله تنزيه الحق فإن عمله يعود عليه و هو التنزيه فإن تنزيه الحق ما هو بتنزيه المنزه بل هو تعالى منزه الذات لنفسه ما نحن نزهناه فلذلك يعود تنزيهنا علينا حين حرمه غيرنا فمن قدر على الوصال في هذه الستة الأيام فهو أحق و أولى فإن وجد أحد نقلا عن العرب في اللسان حذف الهاء في عدد المذكر حمل الحديث على تلك اللغة و لقد روينا أن الله حين أنزل على نبيه صلى الله عليه و سلم وَ مَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً لم يعرف هذا اللحن الحاضرون و لا عرفوا معناه فبينما هم كذلك إذا أتى أعرابي قد أقبل غريبا فدخل على رسول الله صلى الله عليه و سلم فسلم عليه و قال يا محمد إني رجل من كبار قومي بضم الكاف و تشديد الباء فعلم الحاضرون أن هذه اللفظة نزلت يلحن ذلك العربي و أصحابه فعلموا معناها فما يبعد أن يكون حذف الهاء جائزا في عدد المذكر في لغة بعض الأعراب و لو كان ذلك لم يقدح فيما ذهبنا إليه من الحقائق المشهودة لنا فيكون الشارع العالم يقصد الأمرين معا في هذه اللفظة في حق من هي لغته و في حق من ليست له بلغة و جعلها ستا و لم يجعلها أكثر و لا أقل و بين أن ذلك صوم الدهر لقول الله تعالى من جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها على هذا أكثر العلماء بالله و هذا فيه حد مخصوص و هو أن يكون عدد رمضان ثلاثين يوما فإن نقص نزل عن هذه الدرجة و عندنا إنه يجبر بهذه الستة من صيام الدهر ما نقصه بالفطر في الأيام المحرم صومها و هي ستة أيام يوم الفطر و يوم النحر و ثلاثة أيام التشريق و يوم السادس عشر من شعبان يجبر بهذه الستة الأيام ما نقص بأيام تحريم الصوم فيها و الاعتبار الآخر و هو المعتمد عليه في صوم هذه الأيام من كونها ستة لا غير إن الله تعالى خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أَيَّامٍ و كنا نحن المقصود بذلك الخلق فأظهر في هذه الستة الأيام من أجلنا ما أظهر من المخلوقات كما ورد في الخبر فكان سبحانه لنا في تلك الأيام فجعل لنا صوم هذه الستة الأيام في مقابلة تلك لأن نكون فيها متصفين بما هو له و هو الصوم كما اتصف هو بما هو لنا و هو الخلق و لهذا كان أحمد السبتي ابن أمير المؤمنين هارون الرشيد يصوم ستة أيام من كل جمعة و يشتغل بالعبادة فيها فإذا كان يوم السبت احترف فيما يأكله بقية الأسبوع و بهذا سمي السبتي فلقيته بالطواف يوم جمعة بعد الصلاة و أنا أطوف فلم أعرفه غير أني أنكرته و أنكرت حالته في الطواف فإني ما رأيته يزاحم و لا يزاحم و يخترق الرجلين و لا يفصل بينهما فقلت هذا روح تجسد بلا شك فمسكته و سلمت عليه فرد علي السلام و ماشيته و وقع بيني و بينه كلام و مفاوضة فكان منها إني قلت لم خصصت يوم السبت بعمل الحرفة فقال لأن الله سبحانه ابتدأخلقنا يوم الأحد و انتهى الفراغ منه في يوم الجمعة فجعلت تلك الأيام لي عبادة لله تعالى لا أشتغل فيها بما فيه حظ لنفسي فإذا كان يوم السبت انفردت لحظ نفسي فاحترفت في طلب ما أتقوت به في تلك الأيام هكذا كل جمعة فإنه سبحانه نظر إلى ما خلق في يوم السبت فاستلقى و وضع إحدى يديه على الأخرى و قال أنا الملك لظهور الملك و لهذا سمي يوم السبت و السبت الراحة و لهذا أخبر تعالى أنه ما مسه من لغوب فيما خلقه و اللغوب الإعياء فهي راحة لا عن إعياء كما هي في حقنا فتعجبت من فطنته و قصده فسألته من كان قطب الزمان في وقتك فقال أنا ثم ودعني و انصرف فلما جئت المكان الذي أقعد فيه للناس فقال لي رجل من أصحابي من المجاورين يقال له نبيل بن خزر بن خزرون السبتي من أهل سبتة إني رأيت رجلا غريبا لا نعرفه بمكة يكلمك و يحادثك في الطواف من كان و من أين جاء فذكرت له قصته فتعجب الحاضرون من ذلك فهذا اعتبار الستة الأيام من الوجه الصحيح و إنما حذف الهاء الشارع إن صحت الرواية لاعتبار الليالي لأنها دلائل الغيب بخلاف النهار و الغيب مما انفرد به الحق فلا يطلع عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا من ارْتَضى من رَسُولٍ و كذلك علم الحكمة في الأشياء لا يكون علما إلا لأهل الله و أما أهل الفكر و القياس فإنهم يصادفون الحكمة بحكم الاتفاق فلا يكون علما عندهم و عند أهل العلم بالله يعلمون أن ذلك هو المراد بذلك الأمر فيكون علما لهم بذلك الاعتبار فيقصدونه لا بحكم الاتفاق فإن بعض الناس إذا رأى كرم أهل الله في مثل هذا يقولون باحتماله لا يقطعون به حملا على نفوسهم و رتبتهم في العلم و هو قول الله تعالى في حق من هذه حالته ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ من الْعِلْمِ فاعلم بذلك و الله الموفق للصواب
(وصل في فصل غرر الشهر و هي الثلاثة الأيام في أوله)
خرج مسلم عن معاذة أنها سألت عائشة أ كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام قالت نعم فقلت لها من أي أيام الشهر كان يصوم قالت لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم اعلم أن كل شهر يرد على الإنسان إنما هو ضعيف ورد عليه من جانب الحق فوجب على الإنسان القيام بحقه المسمى ضيافة و هو الضعيف و حق الصيف ثلاثة أيام فلهذا شرع الشارع في الشرع المندوب إليه ثلاثة أيام من كل شهر و رغبنا في أوله فقلنا نصوم ذلك في الثلاث الغرر منه لأن الشرع ورد بتعجيل الطعام للضعيف فقال العجلة من الشيطان إلا في ثلاث فذكر منها إطعام الضيف و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصوم ثلاثة أيام من غرة كل شهر خرجه النسائي عن ابن مسعود و الصيام صفة للحق و اختصه من جميع الأعمال لنفسه و هو عمل مختص بهذه النشأة لا يكون ذلك لملك فلا يشهده سبحانه ملك مقرب في مشهد صومي و لا يتجلى له سبحانه في مشهد صومي أبدا فإنه من خصائص هذه النشأة و كانت هذه الضيافة ثلاثة أيام لكل شهر لأنه وارد من الحق و راجع إليه سبحانه حامدا له في تلقيه إياه أو ذا ماله بحسب ما يتلقاه العبد به فأحسن ما يتلقاه به ما هو صفة إلهية و هو الصوم و لله تعالى ثلاثمائة خلق كذا ورد عنه صلى الله عليه و سلم و الثلاثة من الثلاثمائة عشر العشر فإن عشر الثلاثمائة ثلاثون و هو الشهر و عشر الثلاثين ثلاثة فهي عشر العشر فهو قوله من جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها فيقبل الحق تلك الثلاثة ثلاثين فيجازيه بالثلاثين ثلاثمائة خلق فإنه قال عَشْرُ أَمْثالِها فكأنه صام الشهر كله فلذلك جوزي بالثلاثمائة إذ كانت الثلاثون قبلت عملا لا جزاء فإنها مثل الحسنة و الحسنة عمل و المثلان هما اللذان يشتركان في صفات النفس فانظر في حكمة الشارع ما ألطفها و أحسنها في ترغيبه إيانا في صوم ثلاثة أيام من كل شهر و ما نبه عموم الخلق على عين الجزاء فإن حصول الجزاء إذا جاء فجأة من غير أن يعرف سببه و لا ينتظر كان ألذ في نفس العامة و الصيام خلق إلهي فكان جزاؤه من جنسه و هي الثلاثمائة خلق إلهي يتصف بها الصائم هذه الثلاثة الأيام كما اتصف بالصيام و هو وصف إلهي و العامي الذي لم يصم على هذا الحد يكون جزاؤه من كونه لم يأكل و لم يشرب فيقال له كل يا من لم يأكل و اشرب يا من لم يشرب قال تعالى كُلُوا وَ اشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ في الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ يعني أيام الصوم في زمان التكليف و أهل الله الذين يصومون هذه الثلاثة الأيام و أي صوم كان على استحضار ما ذكرناه من أنه يتلبس بوصف إلهي يكون جزاؤه من هذه صفته قوله من وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ و لما لم تكن هذه الصفة عملا للملك لم يحضر مع الصائمفي حضرة لهذا التجلي فلا يعرف هذا المجلى ذوقا ذاتيا و الإنسان يشهده تعالى إذا كان من أهل العلم بالله الكامل في جميع ما يشهده فيه الملك كان الملك في أي مقام كان و مع هذا فلا يدل على إن الإنسان أعظم عند الله من الملك فالإنسان أكمل نشأة و الملك أكمل منزلة كذا قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم في مشهد واقعة أبصرته صلى الله عليه و سلم فيه فسألته لكن الإنسان أجمع بالذوق من الملك لأجل جمعيته و بعض الناس يغلط في هذا المقام من أجل تشكل الروحاني في أي صورة شاء و ما علم إن التكحل في العينين ليس كالكحل فالإنسان الكامل لا الإنسان الحيواني أكمل نشأة للحقائق التي أنشئ عليها حقائق الأسماء الإلهية و حقائق العالم و هو الذي أنشأه الله على الصورة فهو بجمعيته حق كله فالحق مجلاه إذ كان له الكمال فيراه بكل عين و يشهده في كل صورة و لا يدل هذا على أنه أفضل عند الله فإن هذا كان لجمعيته فلا يقال في الشيء إنه أفضل من نفسه و إنما تقع الفضيلة بين الغيرين و لا غير فإن الملك جزء من الإنسان و الجزء من الكل و للكل من الجزء ما ليس للجزء من الكل و المثلان لا يتفاضلان فيما هما مثلان فيه فإن تفاضلا فما هما مثلان و لنا في ذلك من قصيدة في واقعة عجيبة و قد نوديت ممسوك الدار