قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الحادي و السبعون في أسرار الصوم) (بخش ۲)

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
مسكتك في داري لإظهار صورتيفسبحانكم مجلى و سبحان سبحانا
فما أبصرت عيناك مثلي كاملاو لا أبصرت عيني كمثلك إنسانا
فلم يبق في الإمكان أكمل منكمونصبت على هذا من الشرع برهانا
فأي كمال كان لم يك غيركمعلى كل وجه كان ذلك ما كانا
طهرت إلى خلقي بصورة آدمو قررت هذا في الشرائع إيمانا
و سميته لما تجلى بصورتيإلى ناظري حقا و إن كان إنسانا
فقل فيه ما تهواه إن شئت أنهليقبله عينا و إن كان أكوانا
فلو كان في الإمكان أكمل منكمولكان وجود النقص في إذا كانا
لأنك مخصوص بصورة حضرتيو أكمل منها ما يكون فقد بأنا
فماثل وجودي فالتقابل حاصلفزن ذاتكم إني وضعتك ميزانا
تجد علم ما قد قلت فيك مسطراو لا أحدا أوجدته منك ريانا
ظهرت لنا مجلى فعاينت صورتيو عاينت فيك الكون رمزا و تبيانا
و ساررتكم لما رأيت سراركمو أعلنت قولي إذ تجليت إحسانا
و ما أنت ذاتي لا و لا أنا ذاتكمفإن كنت لي عينا فلا تبده الآنا
فأخسرنا من كان يعلن سرهو أربحنا من كان يخفيه كتمانا
فمن كان ذا كتم لسري و غيرةسيلقي غدا روحا لدي و ريحانا
إذا كنت لي عينا أكون لكم يداو أظهركم بالحال سرا و إعلانا
و صيرت قلبي للتجلي منصةو مهدته حبا لخيلك ميدانا
و أملأته من كل شهم غشمشملدعواك فرسانا تجول و ركبانا
و جئتك بالأسماء يقدم جمعهامن أسمائه الحسنى خبيرا و محسانا
و أنزلتها تبغي الفناء بفنائكمو أرسلتها عينا معينا و طوفانا
وهبتك يا عبدي من أسماء ذاتكمملابس أعياد ضروبا و ألوانا
فإن كنت لي بي كنت أنت و لا تقلأنا أنت بل كن في الخليقة رحمانا

فتحقق أيدك الله ما أشرنا إليه في صيام ما ذكرناه من الثلاثة الأيام من كل شهر فهي في حقنا على حد ما ذكرناه و تقبل هذه الثلاثة الأيام في حق العامة زكاة ذلك الشهر و في مجموع السنة زكاة تلك السنة و هي ستة و ثلاثون يوما فهي‏مثل العشر في زكاة الحبوب فإن العامة مع النفس التي تطلب الغذاء و هي النفس النباتية لا الحيوانية فإن الحيوان ما يطلب الغذاء من كونه حيا و إنما يطلبه من كونه نباتا فلا تخلط بين الحقائق و لهذا جوزوا من حيث امتنعوا في زمان الصوم من استعمال ما ينمون به و هو الغذاء و رحمهم الله تعالى بالسحور عوضا من أكل بالنهار فما نقص الصائم من غذائه شي‏ء إذا تسحر و رغب الله في أكلة السحور و سماه غذاء حتى لا يكون للنفس النباتية مقال يطلبه حق من الله فإن ترك العبد السحور تعين عليه من النفس طلب حقها و من الله الذي أمره بإيصال حقها إليها فإن المكلف مأمور أن يؤدي إلى كل ذي حق حقه‏ و كما فرقنا بيننا و بين أهل الكتاب في أكلة السحور و كان الاعتبار في سحورنا غير ما تعتبره العامة لذلك كان صومنا يخالف صومهم من هذه الجهة فنحن مشاركون لهم فيما تطلبه النفس النباتية منا و منهم و هم لا يشاركوننا فيما يختص بالنفس الناطقة التي هي العقل من إيصال الحق إلى مستحقه فإن لنفسك عليك حقا و هو أشد حقوق الأكوان بعد حق الله عليك لأن خصمك بين جنبيك و ما من حق لكون من الأكوان على أحد إلا و لله فيه حق على ذلك الكون فاحفظ نفسك فإذا كان غدا في موطن الجزاء و التجلي ظهر الفرق بين الفرق و التفاضل فكم بين نفس تحشر بنعوت إلهية و بين نفس محرومة من ذلك فتصرف قيمتها يوم القيامة إلى ما كانت صرفتها في الدنيا من الانكباب على ما تطلبه هذه النشأة الطبيعية من الاتساع فيما هو فوق الحاجة فلا فرق بينه و بين سائر الحيوانات و هذا هو الإنسان الحيوان‏ و ربما أكثر الحيوان إذا اكتفى ما له همة في المستأنف و الإنسان ليس كذلك لا يزال مهموما و منهوما في الحال و الاستقبال فيجمع و لا يشبع لأنه خُلِقَ هَلُوعاً إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَ إِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلى‏ صَلاتِهِمْ دائِمُونَ و هم المتأخرون عن هذه الصفة التي جبلوا عليها فإن المصلي هو المتأخر عن السابق في الحلبة فهذا معنى قوله إِلَّا الْمُصَلِّينَ هنا في الاعتبار و قد يكون تفسيرا للآية فإنه سائغ و لكن حمله على الإشارة أعصم فنفوس العامة التي هي بهذه المثابة محجوبة في الدنيا و الآخرة ليرتفع عنهم الألم كما ارتفع هنا و كذلك أهل الله فكما هم الخلق في الدنيا كذلك يكونون غدا يوم القيامة و لو لا حشر الأجسام في الآخرة لقامت بنفوس الزهاد و العارفين في الآخرة حسرة الفوت و لتعذبوا لو كان الاقتصار على الجنات المعنوية لا الحسية فخلق الله في الآخرة جنة حسية و جنة معنوية و أباح لهم في الجنة الحسية ما تشتهي أنفسهم و رفع عنهم ألم الحاجات فشهواتهم كالإرادة من الحق إذا تعلقت بالمراد تكون فما أكل أهل السعادة لدفع ألم الجوع و لا شربوا لدفع ألم العطش و لما اشتغلوا هنا بالله من حيث ما كلفهم فهم يجرون في الأمور بالميزان الذي حد لهم خائفين من أن يطففوا أو يخسروا الميزان جعل لهم سبحانه الاشتغال في الآخرة بالجنة الحسية لأجسامهم الطبيعية جزاء وفاقا قال تعالى إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ هُمْ وَ أَزْواجُهُمْ في ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ‏ و العارفون و غير العارفين في هذه الصورة الحسية على السواء و يفوز العارفون بما يزيدون عليهم بجنات المعاني ف جَنَى الْجَنَّتَيْنِ للعارفين دانٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ و لا بشي‏ء من آلائك ربنا نكذب فهذا الاشتغال منع العامة و علماء الرسوم في الدنيا و الآخرة و أهل الله معهم من حيث نفوسهم النباتية و الحيوانية في هذا الشغل و هم مع الله من ذلك الوجه الآخر فكما أنه ما حجبهم في الدنيا ما هم عليه من الحاجة إلى الغذاء مع قوة سلطانه في الدنيا لدفع آلام الجوع و العطش و الإحساس بأنواع الأشياء المؤلمة كذلك لا يحجبهم في الآخرة نعيم الجنان المحسوس عن الله في الاتصاف بأسمائه التي تليق بالدار الآخرة لأن لها أسماء إلهية لا يعلمها اليوم أحد أصلا فإن الأسماء الإلهية إنما يظهرها مواطنها سيقول النبي صلى الله عليه و سلم فأحمده بمحامد لا أعلمها الآن فإن الموطن يعين الأسماء فإنه عن آثارها و لكن هذا الذي نذكره من النعيم الذي لا حسرة فيه إنما يكون في الجنة لا في القيامة فإن يوم القيامة يوم التغابن للكل فالسعيد يقول يا ويلتا ليتني زدت و الشقي يقول يا حَسْرَتى‏ عَلى‏ ما فَرَّطْتُ و لهذا سمي يوم الحسرة لإظهاره مثل هذا لأنه من حسرت الثوب عني فظهر ما تحته أي أزلته‏

(وصل في فصل من جعل الثلاثة الأيام من كل شهر صوم أيام الثلاثة البيض)

خرج النسائي من حديث جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الشهرأيام البيض ثلاث عشرة و أربع عشرة و خمس عشرة فهذا ظهور حق في خلق و هو ظهور الشمس لا عينا في القمر ليالي إبداره و هي الليالي البيض و أيامها تسمى الأيام البيض لأن الليل من أوله إلى آخره لا يزال فيها منورا فجعل لياليها أياما لإزالة ظلمة الليل و طلوع الشمس بوساطة القمر مكملا فجعلها شهادة و كانت غيبا يستتر فيها كل شي‏ء فصار يظهر فيها كل ما كان مستورا بظلمة الليل فالنهار و إن كان ولد الليل فهو من أعدائه لأنه ينفره أبدا قال تعالى إِنَّ من أَزْواجِكُمْ وَ أَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ‏

يا حذرى من حذرى لو كان يغني حذرى‏

فالنهار ولد عاق لا يزال يطرد أباه و يهججه ليلا و نهارا على قدر ما يقدر عليه‏ فظهور الشمس في مرآة القمر ظهور حق في خلق لأن النور اسم من أسماء الله تعالى فظهر باسمه النور في ظهور القمر قال تعالى وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً فهو مجلى لنور الشمس وَ جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً فإن النور الحق هو سبحانه فإنه الممد بالنورية لكل منور و السراج نور ممدود بالدهن الذي يعطيه بقاء الإضاءة عليه و لهذا جعل الشمس سراجا و كذلك جعل نبيه صلى الله عليه و سلم سراجا منيرا لأنه يمده بنور الوحي الإلهي في دعائه إلى الله عباده و من شرط من يدعي الإجابة إلى ذلك و جعله بإلى في قوله إلى الله و هو حرف غاية و هو انتهاء المطلوب فتضمنت حرف إلى أن المدعو لا بد أن يكون له سعى من نفسه إلى الله فإن مشى في الظلمة فإنه لا يبصر مواقع الهلكة في الطريق فتحول بينه و بين الوصول إلى الله الذي دعاه إليه بحفرة يقع فيها و بئر يتردى فيها أو شجرة أو حائط يضرب في وجهه فيصرفه عن مطلوبه أو الطريق الموصلة إليه يضل عنها لعدم التمييز في الطرق فإن هذه كلها كالشبه المضلة للإنسان في نظره إذا أراد القرب من الله بالعلم من حيث عقله و افتقر إلى نور يكشف به ما يصده عن مطلوبه و يحرمه الوصول إليه لما دعاه فجعل الحق شرعه سراجا منيرا يتبين لذلك المدعو بالسراج الطريق الموصلة إلى من دعاه إليه فقال تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً وَ داعِياً إِلَى الله بِإِذْنِهِ أي بأمره لم يكن ذلك من نفسك و لا من عقلك و نظرك وَ سِراجاً مُنِيراً أي يظهر به للمدعو ما يمنعه من الوصول فيجتنبه على بصيرة كما قال أَدْعُوا إِلَى الله عَلى‏ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ من اتَّبَعَنِي فجعل لنا سهما مما وصفه به الحق من صفة السراج المنير فهو نور ممدود بإمداد إلهي لا بإمداد عقلي‏ ثم إن الحق سبحانه لما كان من أسمائه تعالى الدهر كما ورد في الصحيح لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر فأمر بتنزيه الزمان من حيث ما سمي دهر الكون الدهر اسما من أسماء الله تعالى فصار لفظ الدهر من الألفاظ المشتركة كما ننزه الحروف أعني حروف المعجم من حيث إنها كتب بها كلام الله تعالى و عظمناها فقال فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله و نهانا أن نسافر بالمصحف إلى أرض العدو و ما سمع السامع إلا أصواتا و حروفا فلما جعلها كلامه أوجب علينا تنزيهها و تقديسها و تعظيمها فقال النبي صلى الله عليه و سلم مخبرا لنا أن صيام الأيام البيض صيام الدهر من باب الإشارة ما هو صيامكم فأضاف الصوم إلى الدهر و هو قوله تعالى الصوم لي‏ و لما جعله صيام الدهر و أنت الصائم في هذه الأيام كان الدهر كمثل الشمس في ظهورها في القمر و كان القمر كالإنسان الصائم و كان نور القمر كالصوم المضاف إلى الإنسان إذا كان هو محل و هو مجلى الدهر تعالى فهو صوم حق في صورة خلق كما قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده‏ فالقائل الله و السماع متعلق بلفظ العبد فهو نطق إلهي في خلق فهو قول الله في هذه الحال لا قول العبد فالسمع على الحقيقة إنما تعلق بكلام الله على لسان العبد الذي هو مجرى الحروف المقطعة فينبغي لنا صح نفسه أن يصوم الغرر من أول كل شهر على نية ما ذكرناه لك من الاعتبار و يصوم الأيام البيض على هذا الاعتبار الآخر و هو صوم النيابة عن الحق فلك جزاء الحق لا الجزاء الذي يليق بك و كل شي‏ء له فما ثم من يقوم مقامه أن يكون جزاء له و كذلك هذا الصائم بهذا الحضور فإنه في عبادة لا مثل لها بنيابة إلهية و مجلى اسم إلهي يقال له الدهر فله كل شي‏ء كما كان الدهر ظرف كل شي‏ء فلا جزاء لهذا الصائم غير من تاب عنه إذا كان مجلاه و لهذا قال و أنا أجزي به معناه إنا جزاؤه بسبب كونه صائما بحق شهودي مشهود له ما هو للحق لا للعبد فقد عرفتك كيف تصوم الأيام البيض و ما تحضره في نفسك عند ما تريد أن تشرع فيها و هي صفة كمال العبد في الأخذ عن الله كما كان القمر في هذه الأيام موصوفا بالكمال‏في أخذه النور من الشمس من الاسم الظاهر للخلق فإن له أيضا كمالا آخر في الوجه الآخر منه من الاسم الباطن ليلة السرار و هو مجلى في تلك الليلة من غير إمداد يرجع إلى الخلق بل هو في السرار بما يخصه من حيث ذاته خالص له و هو الذي أشرنا إليه في صوم سرر الشهر المأمور به شرعا و قد تقدم فاجعل بالك لما فتحناه إلى عين فهمك عناية من الله بك من حيث لا تشعر و لا يحجبنك عن هذا العلم الغريب الذي بيناه لك الرؤيا الشيطانية التي رؤيت في حق أبي حامد الغزالي فحكاها علماء الرسوم و ذهلوا عن أمر الله تعالى سبحانه لنبيه في قوله وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً لم يقل عملا و لا حالا و لا شيئا سوى العلم أ تراه أمره بأن يطلب الحجاب عن الله و البعد منه و الصفة الناقصة عن درجة الكمال أ تراه في قوله ضرب بيده يعني ضربة الحق إياه فعلمت في تلك الضربة علم الأولين و الآخرين لا شي‏ء لم يذكر العمل و لا الحال فحكى أصحاب الرسوم عن شخص سموه و هو أنه رأى أبا حامد الغزالي في النوم فقال له أو سأله عن حاله فقال له لو لا هذا العلم الغريب لكنا على خير كثير فتأولها علماء الرسوم على ما كان عليه أبو حامد من علم هذا الطريق و قصد إبليس بهذا التأويل الذي زين لهم أن يعرضوا عن هذا العلم فيحرموا هذه الدرجات هذا إذا لم يكن لإبليس مدخل في الرؤيا و كانت الرؤيا يا ملكية و إذا كانت الرؤيا من الله و الرائي في غير موطن الحس و المرئي ميت فهو عند الحق لا في موطن الحس‏ و العلم الذي كان يحرض عليه أبو حامد و أمثاله في أسرار العبادات و غيرها ما هو غريب عن ذلك الموطن الذي الإنسان فيه بعد الموت بل تلك حضرته و ذلك محله فلم يبق العلم الغريب على ذلك الموطن إلا العلم الذي كان يشتغل به في الدنيا من علم الطلاق و النكاح و المبايعات و المزارعة و علوم الأحكام التي تتعلق بالدنيا ليس لها إلى الآخرة تعلق البتة لأنه بالموت يفارقها فهذه العلوم الغريبة عن موطن الآخرة و كالهندسة و الهيئة و أمثال هذه العلوم التي لا منفعة لها إلا في الدار الدنيا و إن كان له الأجر فيها من حيث قصده و نيته فالخير الذي يرجع إليه من ذلك قصده و نيته لا عين العلم فإن العلم يتبع معلومه و معلومه هذا كان حكمه في الدنيا لا في الآخرة فكأنه يقول له في رؤياه لو اشتغلنا زمان شغلنا بهذا العلم الغريب عن هذا الموطن بالعلم الذي يليق به و يطلبه هذا الموضع لكنا على خير كثير ففاتنا من خير هذا الموطن على قدر اشتغالنا بالعلم الذي كان تعلقه بالدار الدنيا فهذا تأويل رؤيا هذا الرائي لا ما ذكروه و لو عقلوا لتفطنوا في قوله العلم الغريب فلو كان علمه بأسرار العبادة و ما يتعلق بالجناب الأخروي لما كان غريبا لأن ذلك موطنه و الغربة إنما هي لفراق الوطن فثبت ما ذكرناه فإياك إن تحجب عن طلب هذه العلوم الإلهية و الأخروية و خذ من علوم الشريعة على قدر ما تمس الحاجة إليه مما ينفرض عليك طلبه خاصة وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً على الدوام دنيا و آخرة

(وصل في فصل صيام الإثنين و الخميس)

خرج النسائي عن أسامة بن زيد قال قلت يا رسول الله إنك تصوم حتى تكاد لا تفطر و تفطر حتى تكاد لا تصوم إلا يومين إن دخلا في صيامك و إلا صمتهما قال أي يومين قلت يوم الإثنين و يوم الخميس قال ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين فأحب إن يعرض عملي و أنا صائم‏ فاعلم إن أسماء الأيام الخمسة جاءت بأسماء العدد أولها الأحد و آخرها الخميس و اختص السادس باسم العروبة و في الإسلام باسم الجمعة و السابع بيوم السبت فسميا بالحال لا باسم العدد كما أقسم بالخمسة الخنس الجواري و هي التي لها الإقبال و الإدبار و لم يجعل معهن في هذا القسم الشمس و القمر و إن كانا من الجواري و لكنهما ليسا من الخنس كذلك الجمعة و السبت و إن كانا من الأيام لم يجعل اسمهما من أسماء العدد فلنذكر هنا ما يختص بالاثنين و الخميس كما نذكر في صيام الجمعة و السبت و الأحد ما يختص بهن أيضا في موضعه من هذا الباب فيوم الإثنين لآدم صلوات الله عليه و يوم الخميس لموسى صلى الله عليه و سلم فجمع بين آدم و محمد صلى الله عليه و سلم الجمعية في الأسماء و جوامع الكلم فكما إن آدم علم الأسماء كلها كذلك محمد صلى الله عليه و سلم أوتي جوامع الكلم و الأسماء من الكلم فتلبس بيوم الإثنين الذي هو خاص بآدم لهذه المشاركة و أما موسى فجمع بينه و بين محمد صلى الله عليه و سلم و على جميع النبيين الرفق و هو الذي تطلبه الرحمة و كان النبي صلى الله عليه و سلم أرسله الله رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ و كان‏موسى في ليلة الإسراء لما اجتمع به رسول الله صلى الله عليه و سلم و بمن اجتمع من الأنبياء عليهم السلام لم يأمره أحد من الأنبياء و لا نبه على الرفق بأمته إلا موسى صلى الله عليه و سلم لما فرض الله علينا في تلك الليلة خمسين صلاة فما سأله أحد من الأنبياء لما رجع عليهم ما فرض الله على أمتك إلا موسى عليه السلام فتهمم بنا دون سائر الأنبياء عليهم السلام فلما قال له رسول الله صلى الله عليه و سلم خمسين صلاة قال له موسى عليه السلام راجع ربك في ذلك‏ الحديث و فيه فما زلت أرجع بين ربي تبارك و تعالى و بين موسى عليه السلام حتى فرضها خمسة في العمل و جعل أجرها أجر خمسين فنقص من التكليف و أبقى الأجر على ما كان عليه في الأصل‏ فلما جمع بينه و بين موسى في صفة الرفق بنا تلبس معه بيوم الخميس الذي هو لموسى عليه السلام و كان يتذكر بآدم في صوم الإثنين ما هو عليه من العلم و يتذكر بموسى في صوم الخميس الرحمة التي أرسل بها للعالمين و هما في حال لا يأكلان و لا يشربان فيه لأنهما قد فارقا الحياة الدنيا و ما هما في عالم النش‏ء الجسمي الذي يطلب الغذاء بل هما في برزخ لا غذاء فيه بين النشأتين فأراد صلى الله عليه و سلم لما وقعت بينه و بينهما المشاركة فيما ذكرناه أن يتلبس في هذين اليومين اللذين يجتمع معهما فيهما بترك الطعام و الشراب موافقة لهما ليتفرغ صلى الله عليه و سلم لتحصيل ما أداه إلى الاجتماع بهما في هذين اليومين و جعله صوما دون أن يعتبره اتساعا من الغذاء فحسب حتى يكون تركه ذلك عملا مشروعا فتلبس بصفة هي للحق و هو الصوم فصامهما ليعرض عمله على رب العالمين في ذينك اليومين و هو متلبس بصفة الحق إذ كان الصوم له‏ و لما كان الصوم بالنسبة إلى العباد يدخله الفساد لما كان قابلا لذلك و يقبل الصلاح أيضا كان العرض على رب العالمين لا على اسم غيره و الرب هو المصلح فيصلح ما دخل في هذا الصوم من الفساد إن كان دخله فساد من حيث لا يشعر و يتعلق هذا الحكم بالعلامة خاصة و هي الدلالة على الله تعالى و لذلك قال على رب العالمين من العلامة و فساد العلامة إنما هو من طرو الشبهة عليها في النظر العقلي و ما ثم شبهة أعظم من نسبة الصوم لله دون سائر الأعمال و وصف العبد به فإذا حصل العرض الذي هو التجلي و الكشف بأن للصائم ما لله من الصوم و ما للعبد منه فزالت الشبهة التي يقبلها العقل بالكشف الإلهي فهذا معنى مصلح العلامة و أما إذا اعتبرته بمربي العالمين أي مغذيهم فغذاء الصائم في هذا العرض هو ما يفيده الحق في هذا الصوم من العلوم المختصة بهذين اليومين من علم الأسماء و علم الاثنتي عشرة عينا التي في العلم بها العلم بكل ما سوى الله و هو علم الحياة التي يحيا بها كل شي‏ء و هو العلم المتولد بين النبات و الجماد من المولدات بصفة القهر فإن العيون الاثنتي عشرة إنما ظهرت بضرب العصا الحجر فانفجرت منه بذلك الضرب اثنتا عشرة عينا يريد علوم المشاهدة عن مجاهدة بسبب الضرب و علوم ذوق لأن الماء من الأشياء التي تذاق و يختلف طعمها في الذوق فيعلم بذلك نسبة الحياة كيف اتصف بها المسمى جمادا حتى أخبر عنه الصادق أنه يسبح بحمد الله لأن الحق أضاف ذلك إلى الحجر بقوله منه و من لا كشف له و لا إيمان لا يثبت للجماد حياة فكيف تسبيحا نعوذ بالله من الخذلان فيعلم بهذا الكشف نسبة الحياة أيضا إلى النبات لأن الضرب كان بالعصا و هي من عالم النبات و بضربه بها ظهر ما ظهر و من لا كشف له لا يعلم أن النبات حي إلا من يصرف الحياة إلى النمو فيعلم في يوم الخميس إذا صام من أجل الإمداد روحانية موسى عليه السلام فيه علم الاثنتي عشرة عينا على الكشف و المشاهدة و هو علم ما يتعلق بمصالح العالم قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ من تلك العيون فمن علمها علم حكم الاثنتي عشر برجا و علم منتهى أسماء الأعداد و هي اثنا عشر و علم الإنسان بما هو ولي لله تعالى‏

فانظر إلى شجر يقضي على حجر و انظر إلى ضارب من خلف أستار

و كان الحجاب عليه و الستر موسى عليه السلام كما كان الحجاب للأعرابي على كلام الله محمدا صلى الله عليه و سلم‏ فبصوم يوم الإثنين يجمع بين خلق و حق في بساط مشاهدة و حضور لتحصيل علم الأسماء الإلهية و بصوم يوم الخميس يجمع حفظ نفسه و حفظ الأربع من جهاته التي يدخل عليه منها الشبه المضلة فإنها طرق الشيطان من قوله ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ من بَيْنِ أَيْدِيهِمْ عن أمر وَ اسْتَفْزِزْ و من خَلْفِهِمْ عن أمر وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ و عَنْ أَيْمانِهِمْ عن أمر وَ شارِكْهُمْ و عَنْ شَمائِلِهِمْ عن أمر وَ عِدْهُمْ و هو بعينه في الوسط فإن به تميزت هذه الجهات الأربع و كان المجموع في هذه الحضرة خمسة فاعتصم‏بصوم يوم الخميس لكون الخمسة من خصائصه و موسى صاحبه فيها و هو فظ غليظ يفرق الشيطان منه لفظاظته فيعتصم الصائم يوم الخميس بهذا الحضور الذي ذكرناه من الشيطان الذي أرصد له على هذه الجهات و من قبول نفسه لما يرد به هذا الشيطان لو ورد عليه و هو الشي‏ء الخامس المساعد للشيطان فيما يرومه فيكون موسى حاجب هذه الأبواب فيبقى الصائم فيها مستريحا آمنا و هو صاحب الصوم في ذلك اليوم و لم يقل ذلك في آدم في صوم الإثنين و جعلناه في الاعتبار جمع حق و خلق لئلا يطرأ عليه الخلل في صومه من حيث لا يشعر فإن آدم صاحب ذلك اليوم قبل من إبليس الإزلال من حيث لا يشعر و من لم يدفع عن نفسه فأحرى إن لا يقدر أن يدفع عن غيره فحمل الاثنين على حق و خلق للاشتراك في صفة الصوم و لم يعتبر آدم في هذا الموطن‏ و نسبة الخمسة الخنس ليوم الخميس الذي هو لموسى لكونها لها الكر و الفر بما لها من الإقبال و الإدبار في السير فلها الحكم و القوة بذلك على غيرها لقوة الخمسة التي جمعتها فإن الخمسة من الأعداد تحفظ نفسها و تحفظ العشرين و ما ثم عدد له هذه المرتبة و لا هذه القوة إلا هذه الخمسة و من حفظ نفسه و غيره كان أقوى شبها بما تطلبه العقول من التشبه بمن له هذه الصفة قال تعالى وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما و قال وَ رَبُّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ حَفِيظٌ وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى الجزء التاسع و الخمسون‏

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(وصل في فصل صيام يوم الجمعة)

اختلف العلماء في صوم يوم الجمعة فمن قائل يكره صومه و من قائل يكره صومه إلا أن يصام قبله أو بعده‏ خرج مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده‏ و خرج البخاري عن جويرية بنت الحارث أن النبي صلى الله عليه و سلم دخل عليها يوم الجمعة و هي صائمة فقال أ صمت أمس قالت لا قال تريدين أن تصومي غدا قالت لا قال فافطرى‏ اعلم أن يوم الجمعة هو آخر أيام الخلق و فيه خلق من خلقه الله على الصورة و هو آدم فيه ظهر كمال إتمام الخلق و غايته و به ظهر أكمل المخلوقات و هو الإنسان و هو آخر المولدات فحفظ الله به الاسم الآخر على الحضرة الإلهية و حفظه الله بالاسم الآخر فهو الذي ينظر إليه من الأسماء الإلهية و لما جمع الله خلق الإنسان فيه بما أنشأه تعالى عليه من الجمع بين الصورتين صورة الحق و صورة العالم سماه الله بلسان الشرع يوم الجمعة و لما زينه الله بزينة الأسماء الإلهية و حلاه بها و أقامه خليفة فيها بها فظهر بأحسن زينة إلهية في الكمال و خصه الله تعالى بأن جعله أوسع من رحمته تعالى فإن رحمته لا تسعه سبحانه و لا تعود عليه و إن محلها الذي لها الأثر فيه إنما هو المخلوقون و وسع القلب الحق سبحانه فلهذا كان أوسع من رحمة الله و هذا من أعجب الأشياء أنه مخلوق من رحمة الله و هو أوسع منها و من كان مجلى كمال الحق فلا زينة أعلى من زينة الله فأطلق الله عليه اسما على ألسنة العرب في الجاهلية و هو لفظ العروبة أي هو يوم الحسن و الزينة فظهر الحق في كماليته في أكمل الخلق و هو آدم فلم يكن في الأيام أكمل من يوم الجمعة فإن فيه ظهرت حكمة الاقتدار بخلق الإنسان فيه الذي خلقه الله على صورته فلم يبق للاقتدار الإلهي كمال يخلقه إذ لا أكمل من صورة الحق فلما كان أكمل الأيام و خلق فيه أكمل الموجودات و خصه الله بالساعة التي ليست لغيره من الأيام و الزمان كله ليس سوى هذه الأيام فلم تحصل هذه الساعة لشي‏ء من الأزمان إلا ليوم الجمعة و هي جزء من أربع و عشرين جزء من اليوم و هي في النصف منه و هو المعبر عنه بالنهار فهي في ظاهر اليوم و في باطن الإنسان لأن ظاهر الإنسان يقابل باطن اليوم و باطن الإنسان يقابل ظاهر اليوم أ لا تراه أمر في رمضان بالقيام بالليل و القيام حكم ظاهر الإنسان فإن الظاهر منه هو المستريح بالنوم و جعل الله اليوم له سباتا أي راحة و الليل محل التجلي الإلهي و النزول الرباني و استقبال هذا النزول بالقيام الكوني واجب في الطريق أدبا إلهيا و هذا النزول في الليل يقوم مقام الساعة التي في نهار الجمعة لكن النزول في كل ليلة و الساعة خاصة بيوم الجمعة فإنها ساعة الكمال و الكمال لا يكون إلا واحدا في كل جنس إن كان ذلك الجنس ممن له استعداد الكمال كاستعداد الإنسان و ما هو ثم مما قبله غير الإنسان‏ فالإنسان كامل بربه لأجل الصورة و يوم الجمعة كامل بالإنسان لكونه خلق فيه و ما خلق فيه إلا في الساعة المذكورة فيه فإنهاأشرف ساعاته و الحكم فيها للروح الذي في السماء السادسة و هي سماء العدل و الاعتدال صفات و كمال الباطن فإن سلطان هذا اليوم هو الروح الذي في السماء الثالثة و له الاستبداد التام في يومه في الساعة الأولى منه و الثامنة فهو الحاكم بنفسه تجليا و سائر ساعاته يجري حكمه فيه بنوابه و العلم أكمل الصفات فخص الأكمل بالأكمل و الصوم لا مثل له في العبادات فأشبه من لا مثل له في نفي المثلية و من لا مثل له قد اتصف بصفتين متقابلتين من وجه واحد و هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ و هو ما بينهما إذا كان هو الموصوف و كذلك هو بين الظاهر و الباطن و هاتان الصفتان في المعنى واحدة و إنما كان الانقسام فيما ظهر عنها من الحكم فأطلق عليها اسم الظاهر لظهور الحكم عنها و اسم الباطن لخفاء سببه فهما نسبتان له فلما لم يكن بد من إثبات هذه الصفة النسبية التي هي معقول حكمها غير معقول حكم الموصوف لم يكن بد من إثباتها و كل حكم له أولية و آخرية في المحكوم عليه فهو الأول و الآخر من حيث المعنى واحد و من ابتدائه و انتهائه طرفان فيما لا ينقسم‏ و لما كان الأمر على ما قررناه كان من أراد أن يصوم الجمعة يصوم يوما قبله أو يوما بعده و لا يفرده بالصوم لما ذكرناه من الشبه في صيام ذلك اليوم و قيام ليلته إذ كان ليس كمثله يوم فإنه خير يوم طلعت فيه الشمس فما أحكم علم الشرع في كونه حكم أن لا يفرد بالصوم و لا ليلته بالقيام تعظيما لرتبته على سائر الأيام و هو اليوم الذي اختلفت فيه الأمم فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فما بينه الله لأحد إلا لمحمد صلى الله عليه و سلم لمناسبته الكمالية فإنه أكمل الأنبياء و نحن أكمل الأمم و سائر الأمم و أنبيائها ما أبان الحق لهم عنه لأنهم لم يكونوا من المستعدين له لكونهم دون درجة الكمال أنبياؤهم دون محمد صلى الله عليه و سلم و أممهم دوننا في كمالنا فالحمد لله الذي اصطفانا فنحن بحمد الله يوم الجمعة و رسول الله صلى الله عليه و سلم عين الساعة التي فيها التي بها فضل يوم الجمعة على سائر الأيام كما فضلنا نحن بمحمد صلى الله عليه و سلم على سائر الأمم و الصوم لله من وجه التنزيه و الصوم للإنسان عبادة و موضع الاشتراك الصوم فصوم يوم الجمعة بما هو منه لله و صوم اليوم المضاف إليه بما هو للعبد منه إذ بصيام العبد صح أن يكون الصوم لله و بصيام اليوم المضاف إلى يوم الجمعة صح صوم يوم الجمعة وَ الله عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏

(وصل في فصل صيام يوم السبت)

خرج أبو داود عن عبد الله بن بشر عن أخيه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لا تصوموا يوم السبت‏ إلا فيما افترض عليكم فإن لم يجد أحدكم إلا عود عنب أو لحاء شجر فليمضغه قال أبو داود هذا منسوخ قال أبو عيسى في هذا الحديث حديث حسن و خرج النسائي عن أم سلمة قالت كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصوم يوم السبت و الأحد أكثر ما يصوم و يقول إنهما يوما عيد للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم‏ و اختلف العلماء في صوم يوم السبت فمن قائل بصومه و من قائل لا يصام اعلم أن يوم السبت عندنا هو يوم الأبد الذي لا انقضاء ليومه فليله في جهنم فهي سوداء مظلمة و نهاره لأهل الجنان فالجنة مضيئة مشرقة و الجوع مستمر دائم في أهل النار و ضده في أهل الجنان فهم يأكلون عن شهوة لا لدفع ألم جوع و لا عطش فمن كان مشهده القبض و الخوف اللذين هما من نعوت جهنم قال يصومه لأن الصوم جنة فيتقي به هذا الأمر الذي أذهله و قد ورد في كتاب الترغيب لابن زنجويه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه من صام يوما ابتغاء وجه الله بعده الله من النار سبعين خريفا و مثل هذا و من كان مشهده البسط و الرجاء و الجنة و عرف أن يوم السبت إنما سمي سبتا لمعنى الراحة فيه و إن لم تكن الراحة عن تعب و هو يوم ما بين ابتداء الخلق الذي وقع في يوم الأحد و بين انتهاء الخلق الذي وقع في يوم الجمعة و تلك الستة الأيام التي خلق الله فيها الخلق و قال في يوم السبت و قد وضع إحدى الرجلين على الأخرى أنا الملك و أحكم العالم و قدر في الأرض أقواتها و أَوْحى‏ في كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها و وضع الموازين و أحال الخلق بعضهم على بعض و جعل منهم المفيض و القابل و أكمل استعداداتهم على أتم الوجوه و فعل كما أخبر من أنه أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ و وصف نفسه بالفراغ قال من هذا مشهده الحكمة تعطي الفطر في هذا اليوم فحجر صومه و لما في ذلك من التعب الذي يضاد الراحة فإن الصوم مشقة لأنه ضد ما جبل عليه الإنسان من التغذي‏ و أما من صامه لمراعاة خلاف المشركين فمشهده أن مشهد المشرك الشريك الذي نصبه فلما ولي الشريك أمورهم في زعمهم بما ولوه‏جعل لهم ذلك اليوم عيد الفرحة بالولاية فأطعمهم فيه و سقاهم و لست أعني بالشريك الذي عبدوه و استندوا إليه و إنما أعني بالشريك صورته القائمة بنفوسهم لا عينه فهو الذي أعطاهم السرور في هذا اليوم و جعله عيدا لهم و أما الذين جعلوه شريكا لله فلا يخلو ذلك المجعول أن يرضى بهذا المحال أو لا يرضى فإن رضي كان بمثابتهم كفرعون و غيره و إن لم يرض و هرب إلى الله بما نسبوا إليه سعد هو في نفسه و لحق الشقاء بالناصبين له فمن صامه بهذا الشهود فهو صوم مقابلة ضد لبعد المناسبة بين المشرك و الموحد فأراد أن يتصف أيضا في حكمه في ذلك اليوم بصفة التقابل بالصوم الذي يقابل فطرهم و لذلك كان يصومه صلى الله عليه و سلم‏

(وصل في فصل صوم يوم الأحد)

فمن اعتبر ما ذكرناه من هذا الشهود فإنه يوم عيد للنصارى صامه لمخالفتهم و من اعتبر فيه أنه أول يوم اعتنى الله فيه بخلق الخلق في أعيانهم صامه شكر الله تعالى فقابله بعبادة لا مثل لها فاختلف قصد العارفين في صومهم و من العارفين من صامه لكونه الأحد خاصة و الأحد صفة تنزيه للحق و الصوم صفة تنزيه و رتبة منيعة الحمى لما في الصوم من التحجير على الصائم عن الحظ النفسي من الإفطار و الاستمتاع من الجماع و التنزيه عن المذام فالصائم محجور عليه إن يغتاب أو يرفث أو يجهل أو يتصف بمذموم شرعا في تلك الحال فوقعت المناسبة بينه و بين الأحد في صفة التنزيه فصامه لذلك و كل له شرب معلوم فعامله بأشرف الصفات‏ و لهذا كان للصوم من الطبيعة الحرارة و اليبوسة لفقد الغذاء و هو ضد ما تطلبه الطبيعة فإنها تطلب لأجل الحياة الحرارة لا منفعلها و تطلب الرطوبة التي هي منفعلة عن البرودة فقابلها الصائم بالضد فقابلها بالأصل و منفعله فإنه مأمور بمخالفة النفس و النفس طبيعة محضة منازعة للاله بذاتها لتوقف وجود عالم الأجسام كله عليها و لولاها لم يظهر لعالم الأجسام عين فزهت و تاهت لذلك فقيل للروح المدبر لهذا الجسم العنصري المأمور بحفظ الاعتدال على هذا الجسد و النظر في مصالحه إذا رأيت النفس الطبيعية في هذا المقام من الزهو و الخيلاء فامنعها عن الطعام و الشراب و الاستمتاع بالجماع بنية المخالفة لها و نية التنزيه عما تتخيله الطبيعة إنك مفتقر إليها في ذلك و لتعلم الطبيعة أنها محكوم عليها فتذل تحت العبودة و الافتقار لطلب الغذاء من هذا المدبر لهذا الهيكل فسمى مثل هذا التدبير صوما فإن منعها عن ذلك كله لصلاح المزاج لا يسمى صوما و ذلك الفعل للروح إنما هو من تدبير الطبيعة فسمى مثل هذا حمية لا صوما فإن نوى الروح بهذه الحمية و مساعدة الطبيعة فيما أمرته به صلاح مزاج هذا البدن لأجل عبادة الله و أن يقوم بجميع ما أمره الله به من العبادة في حركاته و سكناته التي لا تظهر منه إلا بصلاح المزاج أجر في تلك الحمية و إن لم تكن صوما فهذا قد أبنت لك بعض أسرار صوم يوم الأحد

(وصل في فصل إن التجلي المثالي الرمضاني و غيره إذا كان فهو لوقته)

خرج مسلم في صحيحه عن أبي البختري قال لقينا ابن عباس فقلنا إنا رأينا الهلال فقال بعض القوم هذا ابن ثلاث و قال بعض القوم هو ابن ليلتين فقال أي ليلة رأيتموه فقلنا ليلة كذا و كذا فقال إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إن الله مده للرؤية فهو لليلة رأيتموه‏ قالت السادة من أهل الله الحكم للوقت و الإنسان أو الصوفي ابن وقته لا يحكم عليه ماض و لا مستقبل غير أن الإنسان لا يعرف أنه ابن وقته مع حكم الوقت عليه و الصوفي يعلم أنه بحكم وقته كذا هو في نفس الأمر فلهذا قلنا إن الصوفي ابن وقته لاطلاعه على ذلك و لعلمه أنه فيما يحكم عليه به و فيه أثر النبوة و ما كل إنسان يعلم ذلك مع أنه كذا في نفس الأمر فمتى ما ظهر للإنسان هذا الحكم و اتصف على علم بأنه ابن وقته فذلك معنى قوله صلى الله عليه و سلم هو لليلة رأيتموه فإنا نعلم قطعا إذا كان الهلال في الشعاع إنه متجل لنا و لكنا لا نراه كما نعلم قطعا إن الكواكب في السماء بالنهار متجلية لنا و لكنا لا نراها لضعف الإدراك البصري فلا ننسب إليه فإذا رأيناه فإنه الوقت الذي نراه فيه لنعلمه فيحكم علينا بما يعطيه ذلك التجلي فإن كان رمضان أثر فينا نية الصوم و إن كان هلال فطر أثر فينا نية الفطر و إن لم يكن إلا هلال شهر من الشهور أثر فينا العلم بزوال حكم الشهر الذي انقضى و حكم الشهر الذي هذا هلاله و تختلف أحوال الناس فتمتاز الأوقات به لانقضاء الآجال في كل شي‏ء من المبايعات و المداينات و الأكرية و أفعال‏الحج يقول الله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ كما قررناه‏

(وصل في فصل الشهادة في رؤيته)

فإن لم نره و أخبرنا به رجل واحد أو اثنان فهل ندخل تحت حكم الوقت و تقوم لنا الشهادة مقام الرؤية فأقول لا يخلو حكم هذا الهلال في ظهوره أن يظهر بحكم يوافق الغرض النفسي أو يخالفه فإن خالف قبلنا فيه شهادة الواحد و يكون الشاهد الآخر ما أمرنا به من مخالفة النفس فإن النفس بطبعها ما تريد هذا الحكم فينبغي لنا أن نعمل به في هلال الصوم و لما كان الفطر فيه غرض النفس طلبنا شاهدا آخر في الظاهر يشهد لنا حتى يكون فطرنا عبادة لا لأجل غرض النفس و ربما اشترطنا فيهما العدالة و إن مثل هذا الفطر الذي هو عيد الفطر عبادة و صومه حرام فإنا فيه أعني في رؤية هلال الفطر مستقبلو عبادة لوجوب الفطر فيه و تحريم الصوم كما أنا في هلال رمضان مستقبلو عبادة لوجوب الصوم و تحريم الفطر فلا فرق و مع هذا يحتاج إلى شاهدين في هلال الفطر جريا على الأصل و لو لا الخبر الوارد في هلال الصوم لأجريناه مجرى هلال الفطر و إن كان الأمر فيه على الاحتمال و لكن لنا ما ظهر فيحتاج في هلال الفطر إلى شاهدين ظاهرين و في هلال الصوم إلى شاهدين ظاهر و باطن فالباطن شاهد الأمر بمخالفة النفس يقول تعالى وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى‏ و الصوم ليس للنفس فيه هوى طبيعي فما صمنا إلا بشاهدين و لا أفطرنا إلا بشاهدين لأن كل واحدة من العبادتين حكم وجودي فلا بد لكل نتيجة من مقدمتين و هما في هذه العبادات الشاهدان‏ فلنذكر الأخبار الواردة في ذلك لنفيد الواقف على هذا الكتاب مأخذنا حتى لا يفتقر إلى كتاب آخر فيتعب فأقول‏ حديث وارد في سنن أبي داود خرج أبو داود عن ربعي بن خراش عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم قال اختلف الناس في آخر يوم من رمضان فقدم أعرابيان فشهدا عند رسول الله صلى الله عليه و سلم بأنه لأهل الهلال أمس عشية فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم الناس أن يفطروا و أن يغدوا إلى مصلاهم‏ حديث آخر أيضا من سنن أبي داود خرج أبو داود أيضا عن ابن عمر قال تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه و سلم أني رأيته فصام و أمر الناس بصيامه‏ حديث ثالث عن أبي داود أيضا خرج أبو داود أيضا عن الحسين بن الحرث أن أمير مكة خطب ثم قال عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن ننسك للرؤية فإن لم نره و شهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما ثم قال إن فيكم من هو أعلم بالله و رسوله مني و شهد هذا من رسول الله صلى الله عليه و سلم و أومأ بيده إلى رجل قال الحسين فقلت لشيخ إلى جنبي من هذا الذي أومأ إليه فقال هذا عبد الله بن عمر و أمير مكة كان الحارث بن حاطب الجمحي‏ حديث رابع للدارقطني و ذكر الدارقطني من حديث ابن عمر و ابن عباس قالا إن رسول الله صلى الله عليه و سلم أجاز شهادة رجل واحد على رؤية هلال رمضان و قالا كان رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يجيز شهادة الإفطار إلا برجلين‏ و هذا الحديث ضعيف‏

(وصل في فصل الصائم ينقضي أكثر نهاره في رؤية نفسه دون ربه)

لما كان الصوم حكما أضافه الله إليه و عرى الصائم عنه مع كونه أمره بالصيام فانبغى للصائم أن يكون مدة صومه ناظرا فيه إلى ربه حتى يصح كونه صائما لا يغفل عنه فإن الحق لا يضيفه إليه حتى يصح أنه صوم و لا يصح إلا بصيام العبد على الصورة التي شرع الله له فيه أن يأتي بها فإن لم يصمه على حد ما شرع له فما هو صائم و إذا لم يكن صائما فما ثم صوم يرده الله إليه فإن الصائم قد يحسب أنه صائم و قد فعل في صومه فعلا أوجب له ذلك الفعل أن يخرج عن صومه كالغيبة إذا وقعت منه و أمثالها فهو مفطر أي ليس بصائم و إن لم يأكل فإن كان لذلك الفعل كفارة و أتى بها فهو صائم فيحافظ الصائم على هذا فإن فيه إيثار الحق على نفسه فيجازيه على قدر المؤثر به و هو الله تعالى فمن راعى ربه عز و جل راعاه الله تعالى فما يكون جزاؤه إلا هو من وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ و قد وجد في رحله فإن الحق في قلب عبده المؤمن الحاضر معه لا بد من ذلك و الصوم وجد عند الله فإنه له لما صح صوم الصائم طلب رحله فقيل له أخذه الله فكان الله جزاءه‏ فقال الصوم لي و أنا أجزي به‏ حديث مروي في فساد الصوم‏ ذكر أبو أحمد بن عدي الجرجاني من حديث خراش بن عبد الله عن‏أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال من تأمل خلق امرأة حتى يستبين له حجم عظامها من وراء ثيابها و هو صائم فقد أفطر خراش هذا مجهول لأنه كان يحدث من صحيفة كانت عنده و هذا الحديث منها و الذي يرويها عنه ضعيف كذا ذكر شيخنا أبو محمد عبد الحق‏

(وصل في فصل حكم صوم السادس عشر من شهر شعبان)

صومه عندنا حرام و هو عندنا من أحد الأيام الستة التي يحرم صومها و هي هذا اليوم و يوم عيد الفطر و يوم عيد الأضحى و ثلاثة أيام التشريق‏ خرج الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح‏ لما كانت ليلة النصف من شعبان ليلة يكتب فيها لملك الموت من يقبض روحه في تلك السنة فيخط على اسم الشقي خطا أسود و على اسم السعيد خطا أبيض به يعرف ملك الموت السعيد من الشقي فكان الموت لهذا الشخص مشهودا لأنه زمن الاطلاع على الآجال و استحضارها عند المؤمن الذي ما له هذا الاطلاع فإذا تلتها ليلة السادس عشر لم ينفك صاحب هذا الشهود أو المستحضر عن ملاحظة الموت فهو معدود بحاله في أبناء الآخرة و بالموت يسقط التكليف فما هو على حالة يبيت فيها الصوم لشهوده حالة الصفة التي تقطع الأعمال فبقي سكران من أثر هذه المشاهدة فمن بقيت عليه إلى دخول رمضان منع من صوم النصف و من لم تبق له منع من صوم السادس عشر خاصة من أجل أنه لم يبيت ليلا و لا ليلة السادس عشر ليلة نسخ الآجال و هي ليلة النصف‏ و إنما خص بعض العلماء من أهل الظاهر السادس عشر أنه محل لتحريم الصوم فيه ما أذكره و هو أنه رحمه الله أورد حديثا صحيحا حدثناه جماعة أبو بكر محمد بن خلف بن صاف اللخمي و أبو القاسم عبد الرحمن بن غالب القمري و أبو الوليد جابر ابن أبي أيوب الحضرمي و أبو العباس ابن مقدام كل هؤلاء قالوا حدثنا أبو الحسن شريح بن محمد بن شريح الرعيني المقري قال حدثنا أبو محمد علي بن أحمد قال حدثنا عبد الله بن الربيع قال حدثنا عمر بن عبد الملك قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي قال قدم عباد بن كثير المدينة فمال إلى مسجد العلاء بن عبد الرحمن فأخذ بيده فأقامه فقال اللهم إن هذا يحدث عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إذا انتصف شعبان فلا تصوموا فقال العلاء اللهم إن أبي حدثني عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ذلك‏ قال أبو محمد بن خرم هكذا رواه سفيان عن العلاء و العلاء ثقة روى عنه شعبة و سفيان الثوري و مالك و ابن عيينة و مسعر بن كدام و أبو العميس و كلهم يحتج بحديثه فلا يضره غمز ابن معين له و لا يجوز أن يظن بأبي هريرة مخالفة ما روى عن النبي صلى الله عليه و سلم و الظن أكذب الحديث فمن ادعى هاهنا إجماعا فقد كذب‏ قال أبو محمد و قد كره قوم الصوم بعد النصف من شعبان جملة إلا أن الصحيح المتيقن مقتضى لفظ هذا الخبر النهي عن الصيام بعد النصف من شعبان و لا يكون الصيام في أقل من يوم و لا يجوز أن يحمل على النهي صوم باقي الشهر إذ ليس ذلك بينا و لا يخلو شعبان أن يكون ثلاثين أو تسعا و عشرين فإذا كان ثلاثين فانتصافه بتمامه خمسة عشر يوما و إن كان تسعا و عشرين فانتصافه في نصف اليوم الخامس عشر و لم ينه إلا عن الصيام بعد النصف فحصل من ذلك النهي عن صيام السادس عشر بلا شك انتهى كلام أبي محمد في كتاب المحلى و منه نقلته و هو روايتي عن هؤلاء الجماعة الذين ذكرناهم في أول مساق حديث العلاء و غيرهم عن أبي الحسن شريح بن محمد بن شريح عنه و هو الذي ذهب إلى أن صوم السادس عشر لا يجوز و عليه ما ذكرناه عنه‏

(وصل في فصل صيام أيام التشريق)

اختلف العلماء رضي الله عنهم في صيام أيام التشريق فمن قائل بجواز صومها و من قائل بجواز صوم المتمتع فيها و من قائل بالكراهة و من قائل بمنع الصوم مطلقا فيها أيام التشريق هي الثلاثة الأيام التي بعد يوم النحر و هي أيام أكل و شرب و ذكر لله تعالى ذكر مسلم في كتابه عن نبيشة الهذلي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال ذلك و هذه صفة أهل الجنة فحيث وجدت هذه الصفة زال معها كل عمل في حال حكمها إلا العبادة فإنها حقيقة لا تزول عن الإنسان دنيا و لا آخرة و الصوم ترك و عبادة فمن اعتبر العبادة فيه أجاز الصوم فيه و من اعتبر ما رجح الشرع من أنها أيام أكل و شرب و ذكر لله تعالى و لم يقل ليالي أكل و شرب فهو خبر إلهي لأنه صلى الله عليه و سلم لا ينطق عن الهوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏ فهو إعلام إلهي على جهة الخبر و الخبر لا يدخله النسخ فأوجب الفطر فيها عبادة واجبة العمل فمن صام فيها فقد رجح نظره على خبر الله تعالى بما ينبغي أن يعمل فيها و من نازع الله في شي‏ء قال إنه له فقد عرض بنفسه للهلاك فإن الصوم له و الفطر لك و ما رخص في صومها المجتهد إلا لمن لم يجد الهدى كذا قال البخاري عن عائشة و ابن عمر ثم جعل لك فيها ذكر لله و هو قوله تعالى فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا الله كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فأمركم فيها بذكر الله فإن العرب كانت في هذه الأيام في الموسم تذكر أنسابها و أحسابها لاجتماع قبائل العرب في هذه الأيام تريد بذلك الفخر و السمعة فهذا معنى قوله كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أي اشتغلوا بالثناء على الله بما هو عليه على طريق الفخر إذ كنتم عبيده و فخر العبد بسيده فإنه مضاف إليه و أكبر من ذلك من كونه منه كما قال صلى الله عليه و سلم مولى القوم منهم و أهل القرآن هم أهل الله و خاصته‏ و العبد لا فخر له بأبيه بل فخره بسيده و إن افتخر العبد بأبيه فإنما يفتخر به من حيث إن أباه كان مقربا عند سيده لأنه عبد مثله ممتثلا لأمره واقفا عند حدوده و رسومه فإنه أيضا عبد الله فلهذا قال كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ فما نهاهم عن ذكر آبائهم و لكن رجح ذكرهم الله على ذكرهم آباءهم بقوله أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً و هو الموصي عباده بقوله أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ أي كونوا أنتم من إيثار ذكر الله و الفخر به من كونه سيدكم و أنتم عبيد له على ما كان عليه آباؤكم و ذكر الله أكبر و أي عبادة كان فيها العبد و فيها ذكر الله فإن ذكر الله أكبر ما فيها من أفعال تلك العبادة و أقوالها قال تعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ الله أَكْبَرُ يعني الذي فيها أكبر من جميع أفعالها فإنك إذا ذكرت الله فيها كان جليسك في تلك العبادات فإنه أخبر أنه جليس من ذكره و إذا كان جليسك فلا يخلو إما أن تكون ذا بصر إلهي فتشهده أو تكون غير ذي بصر إلهي فتشهده من طريق الايمان أنه يراك فتكون في هذه الحال مثل الأعمى يعلم أنه جليس زيد و إن كان لا يراه فهو كأنه يراه فالرائي له يشهده محركا له في جميع أفعاله و الذي لا يراه يحس بأن ثم محركا له في أفعاله بحس الايمان لا بحس الشهود البصري و هو قوله كأنك تراه فإنه بالذكر يعلم أنه جليسه أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ الله يَرى‏ و جليس الحق لا يمكن أن يكون إلا في خلوة معه ضرورة لا يتمكن أن يثبت مع هذا العبد إذا جالسة الحق جليس آخر جملة واحدة في خاطره لأنها مجالسة غيب قيل لبعضهم اذكرني في خلوتك بالله قال له إذا ذكرتك فلست في خلوة مع الله‏ فكما أنه لا يكلم الله خلقه إلا من وراء حجاب و الحجاب عين الكلام كذلك لا تكلمه أنت و لا تذكر عنده نفسك و لا غيرك إلا من وراء حجاب لا بد من ذلك فإن المشاهدة للبهت و الخرس فلا بد للذاكر و إن كان الحق جليسه أن يكون أعمى و لا بد و عماه ذكره فالحق جليس غيب عند كل ذاكر فمن غلب عليه مشاهدة الخيال في حق ربه من قوله كأنك تراه و هو استحضار في خيال فمثل ذلك بجمع بين المشاهدة و الكلام فإن الجليس في تلك الحال مثلك لا من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ و هذا كان حال الشهاب ابن أخي النجيب رحمه الله على ما نقل إلى الثقة عندي من قوله إن الإنسان يجمع بين المشاهدة و الكلام أين هذا الذوق من ذوق المحقق أبي العباس السياري من الرجال المذكورين في رسالة القشيري حين قال ما التذ عاقل بمشاهدة قط لأن مشاهدة الحق فناء و ليس فيها لذة أين هذا الذوق من ذوق الشهاب فافهم فإنه موضع غلط لأكابر المحققين من أهل الله فكيف بمن هو دونهم‏ و قد أخبرنا عمن رأيناه من أهل الله المنتمين إلى الله أنه يقول بذلك أعني مثل قول الشهاب فإن كان صاحب علم تام فيقوله على حد ما رسمناه و إن كان دون ذلك فإنما يقوله كما يقوله من لا علم له بالحقائق و لو قالها بحضوري كنت أفاوضه فيها حتى أعرف بأي لسان يقول ذلك فكنت أنسبه إلى ما قال على التعيين فاعلم أنه إن كان قال ذلك على مجرى التحقيق علمنا أنه فوق ما يقول و منهم من هو تحت ما يقول و الذين هم تحت ما يقولون طائفتان طائفة في غاية العلم بالله مما في وسع البشر أن يعلموه من الله و الطائفة الأخرى في غاية البعد و الحجاب عن الله و هم الذين يَعْلَمُونَ ظاهِراً من الْحَياةِ الدُّنْيا و هم الذين لا يرون شيئا فوق علم الرسوم فهم يشبهون الطبقة العالية في كونهم تحت ما يقولون‏ كما أنهم شاركوهم في اسم العلم و انفصلوا عنهم بمن أغنى بالمعلوم أي بمن تعلق علمهم و هذا كله مدرك أهل أيام التشريق فإن أكلوا فيها فمن حيث إنها أيام أكل و شرب و ذكر و إن صاموا فيها فمن حيث إنها أيام ذكر الله فشغلهم الذكر عن الأكل و الشرب فامتناعهم عن الأكل امتناع حال لا امتناع عبادة

(وصل في فصل صيام يوم الفطر و الأضحى)

هذان اليومان محرم صومهما بحديث أبي هريرة و حديث أبي سعيد أما حديث أبي سعيد الثابت فإنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لا يصح صيام يومين يوم الفطر من رمضان و يوم النحر و به يحتج من يرى صيام أيام التشريق لأن دليل الخطاب يقتضي أن ما عدا هذين اليومين يصح الصيام فيها و إلا كان تخصيصهما عبثا و أما حديث أبي هريرة الثابت أيضا في مسلم فهو أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى عن صيام يومين يوم الأضحى و يوم الفطر و يوم الفطر هو يوم يفطر الناس و الأضحى يوم يضحون هكذا فسره رسول الله صلى الله عليه و سلم على ما ذكره الترمذي عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و قال فيه حديث حسن صحيح‏ و سبب منع الصوم له في هذين اليومين لأن بالفطر و الأضحى صح له التمييز بينه و بين ربه فعلم ما له و ما لديه فحرم عليه التلبس بالصوم في هذين اليومين اللذين هما دليلان على العلم بالفارق و التمييز فلم يتمكن مع ذلك التلبس بالصوم فإن الصوم لله إذ كان صفة صمدانية منزهة من كانت صفته عن الطعام و الشراب فلو تلبس بالصوم مع مشاهدة وجه هذا الدليل لم يكن صادقا في إخباره عن نفسه أنه في هذا المقام فكان فطره في هذين اليومين عبادة و تكليفا مشروعا ليجمع بين الحالتين فأعطاه الكشف العبادة من ذلك لما ذكرناه و أعطاه التكليف الشرعي الأجر في ذلك إذ عمل بحكمه لما نهاه صلى الله عليه و سلم عن صيامهما و لهذا قلنا في رؤية هلال الفطر إنه مستقبل عبادة كما علله بعض العلماء في هلال الصوم و غاب عن تحريم الصوم في هلال الفطر فأوجب في رؤيته شاهدين‏

(وصل في فصل من دعي إلى طعام و هو صائم)

فمن قائل يجيب الداعي و لا بد بالاتفاق و اختلفوا هل يفطر أو يبقى على صومه فمن قائل إنه يعرف صاحب الدعوة أنه صائم و يدعو له و به قال أبو هريرة و من قائل إنه لا يأكل و يصلي الصلاة المشروعة غير المكتوبة و يدعو للداعي و به يقول أنس و من قائل هو مخير بين الفطر و تمام الصوم و لكن إن أفطر قضاه و به يقول طلحة بن يحيى و غيره و من قائل إن شاء أفطر و لا قضاء عليه و به يقول شريك و مجاهد و من قائل يفطر إن شاء ما لم ينتصف النهار و به يقول جعفر ابن الزبير و من قائل بالتخيير في القضاء إذا أفطر و به تقول أم هاني و سماك بن حرب‏ اعلم وفقك الله توفيق العارفين أن الذي يشرع في الصوم ابتداء من نفسه من غير أن يعين الحق عليه ذلك اليوم الذي يصبح فيه صائما فإنه عقد عقدة مع الله على طريق القربة إليه تعالى من هذه العبادة الخاصة التي تلبس بها و شرع فيها و الله يقول له وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ فإن كان في مقام السلوك فلا يعود نفسه نقض العهد مع الله تعالى فإن الله يقول وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ و لا سيما فيما أوجبته على نفسك و عقدت عليه مع ربك و هو قوله لا إلا أن تطوع‏ و إن كان من أهل العلم بالله الأكابر الذين حكموا أنفسهم و صحت لهم الخلافة على نفوسهم فهم لا يرون متكلما و لا آمرا و لا داعيا في الوجود إلا الله على ألسنة العباد كما قال صلى الله عليه و سلم إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده فهم في جميع نطق العالم كله حالا و مقالا بهذه الصفة فإن صحة مقام الشهود تحكم عليهم بذلك فإنهم لا ينكرون ما يعرفون و كما يقول المحجوب فلان تكلم يقول صاحب هذا المقام الحق تكلم على لسان هذا العبد بكذا و كذا أي شي‏ء كان‏ ثم إن المتكلم لا يخلو إما أن يكون في هذا المقام أيضا فيرى أنه ينطق بالحق لا بنفسه أو لا يكون في هذا المقام فللمدعو أن ينظر في حال الداعي فإن دعاه بربه أجاب دعوته و قال إني صائم و لم يأكل و دعا لأهل البيت و صلى عندهم و إن شاء أكل إن عرف أن أكله مما يسر به الداعي فهو مخير لكماله و تحققه بالصفة فإن الكامل له التخيير في المشيئة أبدا فإن شاء و إن شاء ما لم يعزم فإن عزيمته مثل قوله ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ و مثل قوله و لا بد له من لقائي و أمثال ذلك و إن دعاه هذا الداعي بنفسه فإنه لا يدعو إلا مثله‏فإنه ما يدعو إلا من يصح منه الأكل و الشرب و لو لا ما هذا شهوده ما دعاه فليس لهذا السامع أن يأكل و ليتم صومه و لا بد فإن حق الله أحق بالقضاء و قد تعين عليه حق الله بما أدخل نفسه من هذا التلبس بالصوم‏ فإن قالت له نفسه الآكلة ما دعاك إنما كانت الدعوة لي لا لك فإجابتي لدعوته هو عين أكلي فإنه يقول لها إنما كان لك ذلك لو لم تدخل نفسك ابتداء مع الحق في هذه العبادة من غير إن يلزمك بها فلما تلبست بها تعين عليك إتمامها فإن ذلك من حقك الذي أوجبته على نفسك و حقك عليك أولى من حق غيرك عليك و قد عرفك الحق بذلك على لسان نبيك‏ فقال إن أفضل الصدقات ما تصدقت به على نفسك‏ و قال في القاتل نفسه حرمت عليه الجنة و قال في القاتل غيره إذا مات و لم يقتص منه إن شاء غفر له و إن شاء عاقبه‏ فإن أفطرت فرطت في حق نفسك و أديت حق غيرك و في حق نفسك حق الله فتمنعها من الفطر و تشغلها بالصلاة عوضا من ذلك يريد أنه يكون مناجيا لله تعالى الذي هو أشرف داع و أكمله و قد دعاه إلى الصلاة في هذه الحال فإنه قال له على لسان نبيه صلى الله عليه و سلم و إن كان صائما فليصل فأمره بالصلاة في هذه الحال‏

(وصل في فصل صيام الدهر)

لا يصح إلا للدهر لا لغير الدهر فإن صيام الدهر في حق الإنسان إنما هو أن يصوم السنة بكمالها و لا يصح له ذلك من أجل يوم الفطر و الأضحى فإن الفطر فيهما واجب بالاتفاق فلهذا ما يصح فإن الدهر اسم الله و الصوم له فما كان لله فما هو لك و إنما يكون لك ما لم يحجره عليك فإذا حجره و هو بالأصالة ليس لك فقد أخبرك أنه لا يحصل فإن فعلته عملت في غير معمل و طمعت في غير مطمع‏

(وصل في فصل صيام داود و مريم و عيسى عليهم السلام)

أفضل الصيام و أعدله صوم يوم في حقك و صوم يوم في حق ربك و بينهما فطر يوم فهو أعظم مجاهدة على النفس و أعدل في الحكم و يحصل له في مثل هذا الصوم حال الصلاة كحالة الضوء من نور الشمس فإن الصلاة نور و الصبر ضياء و هو الصوم و الصلاة عبادة مقسومة بين رب و عبد و كذلك صوم داود عليه السلام صوم يوم و فطر يوم فتجمع ما بين ما هو لك و ما هو لربك‏ و لما رأى بعضهم أن حق الله أحق لم ير التساوي بين ما هو الله و ما هو للعبد فصام يومين و أفطر يوما و هذا كان صوم مريم عليها السلام فإنها رأت أن للرجال عليها درجة فقالت عسى اجعل هذا اليوم الثاني في الصوم في مقابلة تلك الدرجة و كذلك كان فإن النبي صلى الله عليه و سلم شهد لها بالكمال كما شهد به للرجال و لما رأت أن شهادة المرأتين تعدل شهادة الرجل الواحد فقالت صوم اليومين مني بمنزلة اليوم الواحد من الرجل فنالت مقام الرجال بذلك فساوت داود في الفضيلة في الصوم فهكذا من غلبت عليه نفسه فقد غلبت عليه ألوهيته فينبغي إن يعاملها بمثل ما عاملت به مريم نفسها في هذه الصورة حتى تلحق بعقلها و هذه إشارة حسنة لمن فهمها فإنه إذا كان الكمال لها لحوقها بالرجال فالأكمل لها لحوقها بربها كعيسى بن مريم ولدها فإنه كان يصوم الدهر و لا يفطر و يقوم الليل فلا ينام و كان ظاهرا في العالم باسم الدهر في نهاره و باسم القيوم الذي لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ في ليله فادعى فيه الألوهية فقيل إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ و ما قيل ذلك في نبي قبله فإنه غاية ما قيل في العزير إنه ابن الله ما قيل هو الله فانظر ما أثرت هذه الصفة من خلف حجاب الغيب في قلوب المحجوبين من أهل الكشف حتى قالوا إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ فنسبهم إلى الكفر في ذلك إقامة عذر لهم فإنهم ما أشركوا بل قالوا هو الله و المشرك من يجعل مع الله إلها آخر فهذا كافر لا مشرك فقال تعالى لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ فوصفهم بالستر و اتخذوا ناسوت عيسى مجلى و نبه عيسى على هذا المقام فيما أخبر الله تعالى تثبيتا لهم فيما قالوا فقال المسيح يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا الله رَبِّي وَ رَبَّكُمْ فقالوا كذلك نفعل فعبدوا الله فيه ثم قال لهم إِنَّهُ من يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيْهِ الْجَنَّةَ أي حرم الله عليه كنفه الذي يستره و الله قد وصفهم بالستر حيث وصفهم بالكفر فهي آية يعطي ظاهرها نفس ما يعطي ما هو عليه الأمر في ذلك و التأويل فيها يلحق بالذم فإن تفطنت لما ذكرناه وقعت في بحر عظيم لا ينجو من غرق فيه أبدا فإنه بحر الأبد فما أحكم كلام الله لمن نظر فيه و استبصر و كان من الله فيه على بصيرة

(وصل في فصل صوم المرأة التطوع و زوجها حاضر)

ذكر مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تصوم المرأة و بعلها شاهد إلا بإذنه‏ الحديث الاتفاق على وجوب صوم رمضان و لهذا زاد أبو داود في هذا الحديث غير رمضان‏ فاعلم إن المرأة هي النفس المؤمنة و بعلها المتحكم فيها إنما هو إيمانها بالشرع لا الشرع ثم الشارع يشرع لإيمانها به ما شاء أن يشرع فلا تدخل في فعل و لا تشرع في عمل إلا بإذنه أي بحكمه و قليل من عباد الله من يفعل هذا فتلحظ حكم الشرع في جميع أفعاله عند الشروع في الفعل فلو أنهم فعلوا ذلك كان خيرا لهم و لهذا يفوتهم خير كثير و علم كبير

(وصل في فصل صوم المسافر)

ثبت في الصحيحين مسلم و البخاري عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ليس من البر أن تصوموا في السفر لفظة من في هذا الحديث من رواية البخاري فإن حديث مسلم ليس البر بغير من سمي السفر سفرا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال لما فيه من المشقة و الجهد لأهل الثروة و اليسار فكيف حال الضعفاء فمن أسفر له عمله عن عامله صار عن صومه بمعزل و تركه للعامل فلا يدعيه مع أنه صائم و هذا هو الصوم الذي لا يشوبه رياء عنده فإنه ليس من البر أو ليس البر أن يدعي الإنسان فيما يعلم أنه ليس له أنه له و لو كان بربه متحققا و هذه إشارة فقف عندها فقد طال الكلام في هذا الباب‏

(وصل في فصل في عدد أيام الوجوب في الصوم)

عدد أيام الوجوب في الصوم مائتا يوم و ستة و عشرون يوما و النذر لا ينضبط فنحصره و غايته سنة ينقص منها ستة أيام أو ثلاثة أيام من أجل من يحرم صوم أيام التشريق أو يومين و هو موضع الاتفاق يوم الأضحى و يوم الفطر و أقل النذر في الصوم يوم واحد فإن نظرت إلى أقله قلت سبعة و عشرون يوما و مائتان و ما عدا هذا العدد فليس بواجب منها لمن جامع في رمضان و الظهار و قتل الخطاء ستون ستون ستون و منها رمضان ثلاثون و منها للفداء في الحج ثلاثة و لليمين ثلاثة و للتمتع عشرة و للنذر واحد على الأقل و منها ما هو واجب مخير و موسع و معين بالزمان مضيق‏ فاعلم أنه لو لم يكن بين الصوم و بين هذه الأفعال التي أوجبته أو الأفعال التي يكون عوضا عنها مناسبة ما صح أن يقوم مقامها و ذلك من كل صوم يكون كفارة و هو قولنا الواجب المخير فمنه ما يحل به ما كان حرم عليه و منه ما يسقط به حق الله عليه و منه ما يسقط به حق الله و حق الغير عليه و قيل لي لما عرفت بهذه الأيام و وجوبها قد وكلناك إلى نفسك في استخراج هذه المناسبات و ما أنت وحدك بل كل من عرف بها حتى علمها حجر عليه إن يعلم بها إذا علمها بأي طريق فهذا منعني من إيضاح هذه المناسبات فالوقوف عند الأوامر الإلهية و الإشارات الربانية على أهل هذه الطريق واجب‏

(وصل في فصل السواك للصائم)

ثبت في الحسان عن عامر بن ربيعة أنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم ما لا أحصي تسوك و هو صائم‏ فمن قائل به مطلقا في سائر اليوم و به أقول و من قائل بكراهيته له من بعد الظهر فمن راعى حكم الخلوف كرهه و هو ناقص النظر في ذلك فإنه‏ ثبت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أن السواك مطهرة للفم و مرضاة للرب‏ فهو طاهر مطهر يرضي الرب و ينظف الأسنان من القلح و الصفرة التي تطلع عليها فإن البزار روى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال لأصحابه ما لكم تدخلون علي قلحا استاكوا فذكر ما هو حظ البصر و ما تعرض للشم و الخلوف لا يزيله السواك فإنه تغير في المعدة يظهره التنفس فصاحب هذا النظر و الذي يقول استنوق الجمل سواء و إذا كان الخلوف من الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك فيوم القيامة تتغير رائحته برائحة المسك فما هو هناك خلوف و ما ورد عن النبي صلى الله عليه و سلم في حق الصائم نهى عن التسوك في حال صومه أصلا و لا كراهة بل هو أمر مندوب إليه مرغب فيه مطلقا من غير تقييد بزمان و لا حال و هو أقرب إلى الوجوب منه إلى الندب مما أكد فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم و كان هذا الخبر جبر القلب الصائم لما ظهرت من فيه رائحة يتأذى منها جليسه إذا كان غير مؤمن و أما المتحلي بالإيمان حاشاه‏من التأذي فإنه من الايمان أن يعرف منزل الخلوف للصائم عند الله فهو يستحسن للغرض النفسي ما يستقبحه السليم النظر فكيف حال المؤمن إذا أحس بما يرضي الرب يلهج به فرحا و عندنا بالذوق علامة إيمانه أن يدرك ذلك الخلوف مثل رائحة المسك هنا فإذا ورد مثل هذا الخبر في تشريف هذه الرائحة على أمثالها من الروائح باعتناء الله بها انجبر قلب الصائم و رغب في الزيادة من الصوم و علم إن الملائكة و رجال الله لا يتأذون في مجالسته من خلوف فمه فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم ورد ذلك في روائح الثوم و أمثاله لا في خلوف فم الصائم فإن تسوك الصائم كان أعلى منزلة ممن لم يتسوك في أي وقت كان فإنه في زيادة عمل يرضي الله و هو التسوك‏ و اعلم أن الخلوف ليس للإنسان و إنما هو أمر تقتضيه الطبيعة للتعفين الذي يكون فيما يبقى في المعدة من فضول الطعام و لم يحجبه بطعام جديد طيب الرائحة فيخرج النفس من القلب فيمر على المعدة فيخرج بما يمر عليه من طيب و خبيث حسا كما يجده الملك معنى إذا كذب العبد الكذبة تباعد منه الملك ثلاثين ميلا من نتن ما جاء به يجد ذلك النتن من الكاذب بالإدراك الشمي أهل الروائح فإن كان حاكما و هو من أهل هذا المقام و له هذه الحال و شهد عنده بالزور في حكومة تعين عليه أن لا يمضي الحكم للمشهود له و إن حكم له فإنه آثم عند الله و هذه مسألة عظيمة الفائدة لأهل الأذواق فإن الحاكم و إن لم يحكم بعلمه فلا يجوز له أن يخالف علمه أصلا و ذلك في الأموال و أما في الأبشار فما يجب عليه إمضاء الحكم على المحكوم عليه لأمر آخر لا أحتاج إلى بيانه و لما كان الصوم سبب الخلوف و الصوم لله وجب على المؤمن أن يحتمل ما يجده من خلوف فم الصائم و راعى الله تعالى الواجد لذلك بأن أمر الصائم بتعجيل الفطر و تأخير السحور لإزالة الرائحة من أجل جلسائه و جعل له فرحة بالطبع بفطره‏ (اعتبار آخر في المقابلة) أمر بتعجيل الفطر و تأخير السحور لتكون المناجاة في هاتين الصلاتين بريح طيبة إذ كان زمن الصوم قد انقضى فخلوفه بعد انقضاء زمن الصوم ما هو خلوف الصائم فإن خلوف الصائم إنما هو في حال صومه ثم إن الله يقول في هذا الخبر الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن طيب خلوف فم الصائم عند الله إنما ذلك في يوم القيامة إذا اتفق للصائم أن لا يزيله فإن أزاله بسواك أو بما لا يفطر الصائم كان أطهر و أطيب و انتقل من طيب إلى طيب و أرضى الله فإن الخلوف لا أثر له في الصوم و قد ورد أن الله أحق من تجمل له‏ و من التجمل استعمال ما يطيب الروائح و يزيل ما فيها من الخبث‏ فإن الله جميل يحب الجمال‏ و كل شي‏ء فجماله بما يناسبه و ما يقتضيه مما يتنعم به المدرك من طريق ذلك الإدراك عينه من سمع و بصر و شم و ذوق و لمس بمسموع و مبصر و مشموم و مطعوم و ملموس ثم إنه قد ورد صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بغير سواك فمن باب الإشارة صلاتك بربك أفضل من صلاتك بنفسك فأشار إلى السوي و السبعون إشارة في اعتبار الغالب في عمر الإنسان فإن المسبعات كثيرا ما يعتبرها الشرع في البسائط و المركبات و أما طريقة تفسير هذا الحديث فكونه جمع بين طهارتين الوضوء و السواك و المقصود بالوضوء هنا المضمضة و هي من فرائض الوضوء عندنا بالسنة و الفم هو محل المناجاة فإن الصلاة محادثة مع الله نهارا و مسامرة ليلا و اختصاص سرا أي مساررة و تبليغ جهر القائم و القاعد و الراقد على جنب و إذا كنت من عالم الإشارة و صليت بسواك فلا تصل به إلا من اسمه السبوح القدوس فإن القدوس يعطي التسوك‏ و إنما فرقنا في التعبير بين الإشارة و التحقيق لئلا يتخيل من لا معرفة له بما آخذ أهل الله أنهم يرمون بالظواهر فينسبونهم إلى الباطنية و حاشاهم من ذلك بل هم القائلون بالطرفين كان شيخنا أبو مدين يذم الطرفين على الانفراد و يقول إن الجامع بين الطرفين هو الكامل في السنة و المعرفة و الاشتراك وقع في تلفظه بسواك و الكاف في السواك أصلية من نفس الكلمة و هي في الاستثناء مضافة ما هي أصلية و من جعلها من باب التحقيق نظر إلى كون إضافة المخاطب أمرا واحد فجعلها أصلية في الإضافة كالكلمة الواحدة و اعتبر التركيب فيها اعتبار تركيب الحروف في الكلمة فلا يصح وجود إضافة مثل هذا الخطاب إلا بكاف الإضافة كما لا يصح اسم السواك بغير كاف فانظر ما أدق نظر أهل الله هذا لو كان ذلك عن فكر لقد كانوا يفضلون به غيرهم فكيف بمن لا ينطق عن الهوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى‏ إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ و العلم رزق الأرواح ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ‏

(وصل في فصل من فطر صائما)

لما ورد الخبر الذي خرجه الترمذي عن زيد بن خالد الجهني قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من فطر صائما كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شي‏ء و قال فيه حديث صحيح فالصائم له أجر في فطره كما كان له في صومه فلمن فطره أجر فطره لا أجر صومه فافهم و علمنا من هذا الخبر أن الفطر من تمام الصوم و أنه من أعان شخصا على عمل كان مشاركا له فيما يؤدي إليه ذلك العمل من الخير لا مشاركة توجب نقصا بل هو على التمام لكل واحد من الشريكين كما جاء في الحديث من سن سنة حسنة الحديث فجعل الفطر من تمام الصوم و أنه جزء منه‏ و من تلبس بجزء من الشي‏ء المتناسب الأجزاء حصل له خير ذلك الشي‏ء و إن لم يحصل و لا اتصف بذلك الأمر كله كما اتصف به صاحبه كمن اتصف بجزء من أجزاء النبوة فله أجر من ثبتت له النبوة و فضلها من غير إن يتلبس بها كلها فليس بنبي و لهذا ورد أنه يأتي يوم القيامة ناس ليسوا بأنبياء يغبطهم الأنبياء إذ كانت الأنبياء نالت هذه الفضيلة بما في النبوة من الأثقال و المشاق و هؤلاء بجزء منها قد اتصفوا أو أكثر من جزء و تلبسوا به و ربما كان هذا الجزء منها و مما لا مشقة فيه و نالوا فضل من تلبس بها كلها كالفقير مع صاحب المال فيما يتمناه من فعل الخير إذا رأى صاحب المال أو العلم يفعل في ذلك ما لا يتمكن للفقير فعله فهما في الأجر سواء و ما اشتركا إلا في النية و زاد عليه صاحب النية بسقوط الحساب و المسألة فيم أنفق و مم اكتسب‏ فهؤلاء هم الذين يغبطهم النبيون في ذلك المقام و لكن في القيامة في الموقف لا في الجنة و هو قوله تعالى لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ فإن الرسل تخاف على أممها لا على أنفسها و المؤمنون خائفون على أنفسهم لما ارتكبوه من المخالفات و هؤلاء ما لهم أتباع يخافون عليهم و لا ارتكبوا مخالفة توجب لهم الخوف ف لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ و كذلك الأنبياء يعطى لكل نبي أجر الأمة التي بعث إليهم سواء آمنوا به أو كفروا فإن نية كل نبي يود لو أنهم آمنوا فتساوي الكل في أجر التمني و يتميز كل واحد عن صاحبه في الموقف بالأتباع فالنبي يأتي و معه السواد الأعظم و أقل و أقل حتى يأتي نبي و معه الرجلان و الرجل و يأتي النبي و ليس معه أحد و الكل في أجر التبليغ سواء و في الأمنية فمن فطر صائما فقد اتصف بصفة إلهية و هي اسمه الفاطر فإن الله فطر الصائم مع غروب الشمس سواء أكل أو لم يأكل أو شرب أو لم يشرب فهو مفطر شرعا و أخرجه غروب الشمس من التبس بالصوم و هذا فطره بما أطعمه فلما حصل في هذه الدرجة كان متخلقا بما هو لله كما كان الصائم متلبسا في صومه بما هو لله من التنزيه عن الطعام و الشراب و الصاحبة و كل وصف مفسد للصوم‏

(وصل في فصل صوم الضيف)

لما خرج الترمذي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال من نزل على قوم فلا يصومن تطوعا إلا بإذنهم‏ علمنا إن الصوفية أضياف الله فإنهم سافروا من حظوظ أنفسهم و جميع الأكوان إيثارا للجناب الإلهي فنزلوا به فلا يعملون عملا إلا بإذن من نزلوا عليه و هو الله فلا يتصرفون و لا يسكنون و لا يتحركون إلا عن أمر إلهي و من ليست له هذه الصفة فهو في الطريق يمشي يقطع مناهل نفسه حتى يصل إلى ربه فحينئذ يصح أن يكون ضيفا و إذا أقام عنده و لا يرجع كان أهلا لأن أهل القرآن و هو الجمع به تعالى هم أهل الله و خاصته‏ (حكاية) كان شيخنا أبو مدين بالمغرب قد ترك الحرفة و جلس مع الله على ما يفتح الله له و كان على طريقة عجيبة مع الله في ذلك الجلوس فإنه ما كان يرد شيئا يؤتى إليه به مثل الإمام عبد القادر الجيلي سواء غير أن عبد القادر كان أنهض في الظاهر لما يعطيه الشرف فقيل له يا أبا مدين لم لا تحترف أو لم لا تقول بالحرفة فقال أقول بها فقيل له فلم لا تحترف فقال الضيف عندكم إذا نزل بقوم و عزم على الإقامة كم توقيت زمان وجوب ضيافته عليهم قالوا ثلاثة أيام قال و بعد الثلاثة الأيام قالوا يحترف و لا يقعد عندهم حتى يحرجهم قال الشيخ الله أكبر أنصفونا نحن أضياف ربنا تبارك و تعالى نزلنا عليه في حضرته على وجه الإقامة عنده إلى الأبد فتعينت الضيافة فإنه تعالى ما دل على كريم خلق لعبده إلا كان هو أولى بالاتصاف به قالوا نعم قال و أيام ربنا كما قال كل يوم كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ فضيافته بحسب أيامه فإذا أقمنا عنده ثلاثة آلاف سنة و انقضت و لا نحترف‏يتوجه اعتراضكم علينا و نحن نموت و تنقضي الدنيا و يبقى لنا فضلة عنده تعالى من ضيافتنا فاستحسن ذلك منه المعترض فانظر في هذا النفس إن كنت منهم‏

(وصل في فصل استيعاب الأيام السبعة بالصيام)

لما ورد في الخبر الذي خرجه الترمذي عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصوم من الشهر السبت و الأحد و الإثنين و من الشهر الآخر الثلاثاء و الأربعاء و الخميس‏ علمنا أنه صلى الله عليه و سلم أراد أن يتلبس بعبادة الصوم في كل يوم من أيام الجمعة إما امتنانا منه على ذلك اليوم فإن الأيام تفتخر بعضها على بعض بما يوقع العبد المعتبر فيها من الأعمال المقربة إلى الله من حيث إنها ظرف له فيريد العبد الصالح أن يجعل لكل يوم من أيام الجمعة و أيام الشهر و أيام السنة جميع ما يقدر عليه من أفعال البر حتى يحمده كل يوم و يتجمل به عند الله و يشهد له فإذا لم يقدر في اليوم الواحد أن يجمع جميع الخيرات فيفعل فيه ما يقدر عليه فإذا عاد عليه من الجمعة الأخرى عمل فيه ما فاته فيه في الجمعة الأولى حتى يستوفي فيه جميع الخيرات التي يقدر عليها و هكذا في أيام الشهر و أيام السنة و اعلم أن الشهور تتفاضل أيامها بحسب ما ينسب إليه كما تتفاضل ساعات النهار و الليل بحسب ما ينسب إليه فيأخذ الليل من النهار من ساعته و يأخذ النهار من الليل و التوقيت من حيث حركة اليوم الذي يعم الليل و النهار كذلك أيام الشهور تتعين بقطع الدراري في منازل الفلك الأقصى لا في الكواكب الثابتة التي تسمى في العرف منازل و للقمر أيام معلومة في قطع الفلك و للكاتب أيام أخر و للزهرة كذلك و للشمس كذلك و للأحمر كذلك و للمشتري كذلك و للمقاتل كذلك فينبغي للعبد أن يراعي هذا كله في أعماله فإنه ما له من العمر بحيث أن يفي بذلك فإن أكبر هذه الشهور لا يكون أكبر من نحو ثلاثين سنة لا غير و أما شهور الكواكب الثابتة في قطعها في فلك البروج فلا يحتاج إليه لأن الأعمار تقصر عن ذلك لكن لها حكم في أهل جهنم كما أنه لحركات الدراري حكم على من هو في الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ من النَّارِ و هم المنافقون خاصة و الباطنية ما لهم في الدرك الأسفل منزل و إن منزلهم الأعلى من جهنم و الكفار لهم في كل موضع من جهنم منزل و أما أهل الجنان فالدائر عليهم فلك البروج و لا يقطع في شي‏ء فلا تنتهي حركته بالرصد لأن الرصد لا يأخذه و هو متماثل الأجزاء فلهذا كانت السعادة لا نهاية لها فظهر بها الخلود الدائم في النعيم المقيم إلى ما لا يتناهى و النار ما حكمها حكم أهل النعيم فإن الدائر عليهم فلك المنازل و الدراري و هذه الأفلاك تقطع في فلك متناهى المساحة فلهذا يرجى لهم أن لا يتسرمد عليهم العذاب مع كون النار دار ألم و العذاب حكم زائد على كونها دارا فإنا نعلم أن خزنتها في نعيم دائم ما هم فيها بمعذبين مع كونهم ما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ لأنهم لها خلقوا و هي دائمة و الساكن فيها دائم لكونه مخلوقا لها فتحقق ما ختمنا به هذا الصوم من سبق الرحمة و غلبتها صفة الغضب و الله أجل و أعلى أن لا يكون له في كل منزل تجل و هو تعالى الخير المحض الذي لا شر فيه و الوجود الذي لا عدم يقابله و الوجود رحمة مطلقة في الكون و العذاب شي‏ء يعرض لأمور تطرأ و تعرض فهو عرض لعارض و العوارض لا تتصف بالدوام و لو اتصفت ما كانت عوارض و ما هو عارض قد لا يعرض فلهذا يضعف القول بتسرمد العذاب فإن الرحمة شملت آدم بجملته و كان حاملا لكل بنية بالقوة فعمت الرحمة الجميع إذ لا تحجير و لا كان يستحق أن يسمى آدم مرحوما و فيه من لا يقبل الرحمة و الحق يقول فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى‏ أي رجع عليه بالرحمة و بين له أنه رجع عليه بها فعمته و لله الحمد و الله عند حسن ظن عبده به‏

(وصل في فصل قيام رمضان)

ليس لاسم إلهي حكم في شهر رمضان إلا الاسم الإلهي رمضان و فاطر السموات و الأرض في كل عبد سواء كان ممن يجب عليه صوم رمضان أم لا يجب عليه إلا عدة من أيام آخر و ذلك في كل فعل عبادة يقام فيها العبد فمن جملة أفعال البر فيه قيام ليلة لمناجاة رمضان تبارك و تعالى تارة على الكشف إذا كان مواصلا و تارة من خلف حجاب الاسم الفاطر فإن الأسماء الإلهية يحجب بعضها بعضا و إن كان لكل واحد من الحاجب و المحجوب سلطنة الوقت فإن بعضها أولى بالحجابة من بعض و ذلك سار في جميع أحوال الخلق‏ ذكر أبو أحمد ابن عدي الجرجاني من حديث عمرو بن أبي عمرو عن‏المطلب عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا دخل رمضان شد مئزره فلم يأو إلى فراشه حتى ينسلخ رمضان‏ و خرج أيضا مسلم عنها أنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا دخل العشر تعني العشر الآخر من رمضان أحيا الليل و أيقظ أهله و جد و شد المئزر و قيام الليل عبارة عن الصلاة فيه هذا هو المعروف من قيام الليل في العرف الشرعي و الناس في مناجاة الحق فيه على قسمين فمنهم من يناجيه بالاسم الممسك و هو أيضا من حجاب الاسم رمضان و منهم من يناجيه بالاسم الفاطر و هو أيضا من حجابه و الناس على اختلاف في أحوالهم‏

لو لا مزاحمة الرحمن أعماليما زاحمته على التكوين إخواني‏
يقول كن و حصول الكون ليس لناو ما له في وجود الكون من ثاني‏
يقول صم فإذا صمنا يقول لناهذا الصيام لنا فأين أعياني‏
إن قلت لي لم أخاطبكم بما هو ليفلي شهود على التكليف آذاني‏
أسمعتني ثم بعد السمع تسلبنيفالصوم لي و لكم في الشرع قسمان‏
إن كنت تسلبني عنه فشأنكموفي الصوم ما هو في التحقيق من شأني‏

و الاسم الفاطر على هذا في ليل شهر رمضان أقوى حكما فينا من الممسك فمن كان حاله في إمساكه يطعمه ربه و يسقيه في مبيته في حال كونه ليس بأكل و لا شارب في ظاهره فهو مفطر و إن كان صائما و قد ذقت هذا و من هنا علمت إن‏ قوله صلى الله عليه و سلم لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي و يسقيني‏ إنه نفى أن تشبهه تلك الجماعة التي خاطبهم فلم يكن لهم هذه الحالة إذ لو أراد الأمة كلها ما ذقته و قد وجدته ذوقا و الحمد لله و إن لم يكن ممن يطعمه ربه و يسقيه في حال وصال صومه فهو متطفل على من هذه صفته و هو كلابس ثوبي زور و لذلك يكره له الوصال إذا لم تكن له هذه الصفة حالا يشهدها ذوقا في نفسه و يظهر أثرها عليه في يقظته و الله يحب الصدق في موطنه كما يحب الكذب في موطنه و هذا ليس بموطن حب الكذب فإن الله يكرهه في هذا الموطن انتهى الجزء الستون‏

(بسم الله الرحمن الرحيم)

فإذا ناجى الله العبد في هذا الزمان الخاص بالحال الإلهي الخاص فينبغي أن يحضر معه الحضور التام الذي لا يلتفت معه إلى غيره بجمعيته فيناجيه في كل حركة منه و سكون حسا من حيث إنه هو الباطن و معنى من حيث أنه هو الظاهر إذ كان الحس ظاهرا و المعنى باطنا فلا يقوم المعنى إلا بين يدي الظاهر فإنه لو قام بين يدي الباطن و المعنى باطن الحرف الذي هو المحسوس و الحس كان قيام الشي‏ء بين يدي نفسه و الشي‏ء لا يقوم بين يدي نفسه لأنه قام للاستفادة و الشي‏ء لا يستفيد من نفسه نفسه‏ أ لا ترى نزول الحق للتعليم و التعريف لنا و هو العليم بكل شي‏ء بما كان و يكون و مع هذا أنبأ عن حقيقة لا نرد تعليما لنا بما هو الأمر عليه و أن الحكم للأحوال فأنزل نفسه منزلة المستفيد و جعل المفيد له من خطابه فقال وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ الصَّابِرِينَ مع أنه هو العالم بما يكون منهم و لكن الحال يمنع من إقامة الحجة له سبحانه علينا و قال فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فلم يبق بالابتلاء لأحد حجة على الله فحسم بذلك الابتلاء احتمال قولهم لو حكم بعلمه فيهم أن يقولوا لو بلوتنا وجدتنا واقفين عند حدودك و هذا يسمى علم الخبرة و هو الاسم الخبير في قوله تعالى عَلِيماً خَبِيراً فهذه رائحة إلهية في الاستفادة للشي‏ء من غيره لا من نفسه فنحن أولى بهذه الصفة فلذلك جعلنا ظاهر العبد يناجي الاسم الباطن و باطن العبد يناجي الاسم الظاهر و يقوم بين يديه قيام مستفيد فيهبه ما شاء أن يهبه فإذا رأيت المستفيد قد استفاد في قيامه خرق العوائد المدركة بالحس المسماة كرامات الأولياء في العموم و آيات الأنبياء الرسل عليهم السلام فذلك أعطية الاسم الظاهر و إذا رأيته قد استفاد علوما و حكما تحار العقول فيها أو تردها أو تقبلها من حيث ما يدركها بالقوة المفكرة فذلك كله أعطية الاسم الباطن فاجعل بالك لما نبهتك عليه و نصحتك لتعلم من تناجي و لا تخلط فيخلط عليك فإن الله يقول وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ و قال وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ الله ثم نفى المكر عنهم فقال فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاًيعني المكر المضاف إلى عباده و المكر المضاف إليه سبحانه‏ و الله سبحانه قد أمرني على لسان نبيه صلى الله عليه و سلم بالنصيحة لله و لرسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم خطابا عاما ثم خاطبني على الخصوص من غير واسطة غير مرة بمكة و بدمشق فقال لي أنصح عبادي في مبشرة أريتها فتعين على الأمر أكثر مما تعين على غيري فالله يجعل ذلك لي من الله عناية و تشريفا لا ابتلاء و تمحيصا فمن قام بين يدي الله تعالى بهذه المعرفة فهو القائم و إن كان نائما فإنه ما نام إلا به و من لم يقم بين يديه بهذه المعرفة فهو نائم و إن كان قائما فكن رقيبا عليه في قلبك فإنه الذي وسعه كما هو رقيب عليك فإنك لا تعلم مواقع آثاره فيك و في غيرك إلا بالمراقبة و اعلم أن القائمين في شهر رمضان في قيامهم على خاطرين منهم القائم لرمضان و منهم القائم لليلة القدر التي هي خير من ألف شهر و الناس فيها على خلاف و القائم فيه لرمضان لا يتغير عليه الحال بزيادة و لا نقصان و القائم لليلة القدر يتغير عليه الحال بحسب مذهبه فيها و اختلف الناس في ليلة القدر أعني في زمانها فمنهم من قال هي في السنة كلها تدور و به أقول فإني رأيتها في شعبان و في شهر ربيع و في شهر رمضان و أكثر ما رأيتها في شهر رمضان و في العشر الآخر منه و رأيتها مرة في العشر الوسط من رمضان في غير ليلة وتر و في الوتر منها فإنا على يقين من أنها تدور في السنة في وتر و شفع من الشهر الذي ترى فيه‏ فمن قام من أجل ليلة القدر فقد قام لنفسه و إن كان قيامه لترغيب الحق في التماسها و من قام لأجل الاسم الذي أقامه رمضان أو غيره فقيامه لله لا لنفسه و هو أتم و الكل شرع فمن الناس عبيد و منهم أجراء و لأجل الإجارة نزلت الكتب الإلهية بها بين الأجير و المستأجر فلو كانوا عبيدا ما كتب الحق كتابا لهم على نفسه فإن العبد لا يوقت على سيده إنما هو عامل في ملكه و متناول ما يحتاج إليه فأولئك لهم أجرهم و العبيد لهم نورهم و هو سيدهم فإنه نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ قال تعالى أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ يعني الأجزاء و هم الذين اشترى الحق منهم أنفسهم و نورهم و هم العبيد و الإماء جعلنا الله و إياكم من أعلاهم مقاما و أحبهم إليه أنه الولي المحسان‏ و اعلم أن ليلة القدر إذا صادفها الإنسان هي خير له فيما ينعم الله به عليه من ألف شهر إن لو لم تكن إلا واحدة في ألف شهر فكيف و هي في كل اثني عشر شهرا في كل سنة هذا معنى غريب لم يطرق أسماعكم إلا في هذا النص ثم يتضمن معنى آخر و هو أنها خَيْرٌ من أَلْفِ شَهْرٍ من غير تحديد و إن كان الزائد على ألف شهر غير محدود فلا يدري حيث ينتهي فما جعلها الله أنها تقاوم ألف شهر بل جعلها خيرا من ذلك أي أفضل من ذلك من غير توقيت فإذا نالها العبد كان كمن عاش في عبادة ربه مخلصا أكثر من ألف شهر من غير توقيت كمن يتعدى العمر الطبيعي يقع في العمر المجهول و إن كان لا بد له من الموت و لكن لا يدري هل بعد تعدية العمر الطبيعي بنفس واحد و بآلاف من السنين فهكذا ليلة القدر إذا لم تكن محصورة كما قدمنا و اعلم أن الشهر هنا بالاعتبار الحقيقي هو العبد الكامل إذا مشى القمر الذي جعله الله نورا فأعطاه اسما من أسمائه ليكون هو تعالى المراد لا جرم القمر فالقمر من حيث جرمه مظهر من مظاهر الحق في اسمه النور فيمشي في منازل عبده المحصورة في ثمانية و عشرين فإذا انتهى سمي شهرا على الحقيقة لأنه قد استوفى السير و استأنف سيرا آخر هكذا من طريق المعنى دائما أبدا فإن فعل الحق في الكائنات لا يتناهى فله الدوام بإبقاء الله تعالى كما إن العبد يمشي في منازل الأسماء الإلهية و هي تسعة و تسعون التاسع و التسعون منها الوسيلة و ليست إلا لمحمد صلى الله عليه و سلم و الثمانية و التسعون لنا كالثمانية و العشرين من المنازل للقمر و يسميه بعض الناس الإنسان المفرد و العشرين خمس المائة لأنها في الأصل مائة اسم لكن الواحد أخفاه للوترية فإن الله وتر يحب الوتر فالذي أخفاه وتر و الذي أظهره وتر أيضا و إنما قلنا منبهين على منازل القمر ثمانيا و عشرين منزلة لأنها قامت من ضرب أربعة في سبعة و نشأة الإنسان قامت من أربعة أخلاط مضروبة في سبع صفات من حياة و علم و إرادة و قدرة و كلام و سمع و بصر فكان من ضرب المجموع بعضه في بعضه الإنسان و لم يكن له ظهور إلا بالله من اسمه النور لأن النور له إظهار الأشياء و هو الظاهر بنفسه فحكمه في الأشياء حكم ذاتي كذلك الشهر ما ظهر إلا بسير القمر من حيث كونه نورا في المنازل قال تعالى وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ فإذا انتهى فيها سيره فهو الشهر المحقق و ما عداه مما سمي شهرا فهو بحسب ما يصطلح عليه فلا منافرة و لله تعالى في كل منزلة من العبد ينزلها اسم النور حكم خاص قد ذكرناه في هذاالكتاب في نعت السالك الداخل و السالك الخارج أيضا و الفاصل بين السلوكين ليلة الإبدار و هي ليلة النصف من ثمانية و عشرين ليلة الرابع عشر من الشهر المحقق و ليلة السرار منه و النور فيه كامل أبدا فإن له وجهين و التجلي له لازم لا ينفك عنه فأما في الوجه الواحد و إما في الوجهين بزيادة و نقص في كل وجه فله الكمال من ذاته لا بد منه و له الزيادة و النقص من كونه له وجهان فكلما زاد من وجه نقص من وجه آخر و هو هو لحكمة قدرها العزيز العليم‏

و في كفتي ميزاننا لك عبرةو أنت لسان فيه إن كنت تعقل‏
إذا رجحت إحداهما طاش أختهاو أنت لما فيها تميل و تسفل‏

و جعل سبحانه إضافة الليل إلى القدر دون النهار لأن الليل شبيه بالغيب و التقدير لا يكون إلا غيبا لأنه في نفس الإنسان و النهار يعطي الظهور فلو كان بالنهار لظهر الحكم في غير محله و مناسبه فإن الفعل في الظاهر لا يظهر إلا على صورة ما هو في النفس فخرج من غيب إلى شهادة بالنسبة إلى الله و من عدم إلى وجود بالنسبة إلى الخلق فهي ليلة يفرق فيها كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ فينزل الأمر إليها عينا واحدة ثم يفرق فيها بحسب ما يعطيه من التفاصيل كما تقول في الكلام إنه واحد من كونه كلاما ثم يفرق في المتكلم به بحسب أحوال الذي يتكلم به إلى خبر و استخبار و تقرير و تهديد و أمر و نهي و غير ذلك من أقسام الكلام مع وحدانيته فهي ليلة مقادير الأشياء و المقادير ما تطلب سوانا فلهذا أمرنا بطلب ليلة القدر و هو قوله صلى الله عليه و سلم التمسوها لنستقبلها كما يستقبل القادم إذا جاء من سفره و المسافر إذا جاء من سفره فلا بد له إذا كان له موجود من هدية لأهله الذين يستقبلونه فإذا استقبلوه و اجتمعوا به دفع إليهم ما كان قد استعده به لهم فتلك المقادير فيهم و بذلك فليفرحوا فمنهم من تكون هديته لقاء ربه و منهم من تكون هديته التوفيق الإلهي و الاعتصام و كل على حسب ما أراد المقدر أن يهبه و يعطيه لا تحجير عليه في ذلك‏ و علامتها محو الأنوار بنورها و جعلها دائرة منتقلة في الشهور و في أيام الأسبوع حتى يأخذ كل شهر من الشهور قسطه منها و كذلك كل يوم من أيام الأسبوع كما جعل رمضان يدور في الشهور الشمسية حتى يأخذ كل شهر من الشهور الشمسية فضيلة رمضان فيعم فضل رمضان فصول السنة كلها فلو كان صومنا المفروض بالشهور الشمسية لما عم هذا التعميم و كذلك الحج سواء و كذلك الزكاة فإن حولها ليس بمعين إنما ابتداؤه من وقت حصول المال عند المكلف فما من يوم في السنة إلا و هو رأس حول لصاحب مال فلا تنفك السنة إلا و أيامها كلها محل للزكاة و هي الطهارة و البركة فالناس كلهم في بركة زكاة كل يوم يعم كل من زكى فيه و من لم يزك‏ و إنما محى نور الشمس من جرم الشمس في صبيحة ليلتها أعلاما بأن الليل زمان إتيانها و النهار زمان ظهور أحكامها فلهذا تستقبل ليلا تعظيما لها فمن فاته إدراكها ليلا فليرقب الشمس فإذا رأى العلامة دعا بما كان يدعو به في الليلة لو عرفها فإن محو نور الشمس لنورها كنور الكواكب مع ظهور الشمس لا يبقى لها نور في العين و بهذا يتقوى مذهب من يجعل الفجر حمرة الشفق لقوله تعالى هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ أي إلى مطلع الفجر فذلك القدر هو الذي يتميز به حد الليل من النهار الفجر الطالع ما هو ذلك الفجر في ليلة القدر من نور الشمس و إنما هو نور ليلة القدر ظهر في حجم الشمس كما إن نور القمر إنما هو نور الشمس ظهر في جرم القمر فلو كان نور القمر من ذاته لكان له شعاع كما هو للشمس و لما كان مستعارا من الشمس لم يكن له شعاع كذلك الشمس لها من نور ذاتها شعاع فإذا محت ليلة القدر شعاع الشمس بقيت الشمس كالقمر لها ضوء في الموجودات بغير شعاع مع وجود الضوء فذلك الضوء نور ليلة القدر حتى تعلو قيد رمح أو أقل من ذلك فحينئذ يرجع إليها نورها فترى الشمس تطلع في صبيحتها صبيحة ليلة القدر كأنها طاس ليس لها شعاع من وجود الضوء مثل طلوع القمر لا شعاع له و إنما ذكرت لك ذلك لتعلم بأي نور تستنير في صبيحة ليلة القدر فتعلم إن الحكم في الأنوار كلها لمن نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و أنزل الأنوار ما يفتقر إلى مادة و هو المصباح فإذا أنزل الحق نوره في التشبيه إلى مصباح و هو نور مفتقر إلى مادة تمده و هي الدهن فما هو أعلى منه من الأنوار أقرب إلى التشبيه و أعلى في التنزيه و إنما أعلمنا الحق بذلك و جاء بكاف الصفة في‏قوله كَمِشْكاةٍ إلى آخر الآية أعلاما أنه نور كل نور بل هو كل نور و شرع لنا طلب هذه الصفة

فكان صلى الله عليه و سلم يقول و اجعلني نورا

و كذلك كان صلى الله عليه و سلم‏

(وصل في فصل التماسها مخافة الفوت)

خرج الترمذي عن أبي ذر قال صمنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم يقم بنا حتى بقي سبع من الشهر فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل ثم لم يقم بنا السادسة و قام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل فقلنا له يا رسول الله لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه فقال إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ثم لم يصل بنا حتى بقي ثلاث من الشهر و صلى بنا في الثالثة و دعا أهله و نساءه و قام بنا حتى تخوفنا أن يفوت الفلاح قيل و ما الفلاح قال السحور و قال هذا حديث حسن صحيح انظر ما أعجب قول هذا الصاحب حيث سمي السحور فلاحا و الفلاح البقاء ينبه أن الإنسان إنما هو في الصوم بالعرض فإنه لا بقاء له فإن الصوم لله أ لا تراه يزول حكمه عن الصائمين بزوال الدنيا فهو في الآخرة يأكل و يشرب بما أسلف في أيام الصوم و هي الأيام الخالية يعني الماضية قال تعالى كُلُوا وَ اشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ في الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ أيام الصوم في الدنيا و الآخرة دار بقاء و أُكُلُها دائِمٌ وَ ظِلُّها و السحور أكلة غذاء فنبه إن الإنسان في بقائه آكل لا صائم فهو متغذ بالذات صائم بالعرض فالغذاء باق فسماه فلاحا أي بقاء و هو من السحر و السحر له وجهان كما ذكرنا وجد إلى الليل و وجه إلى النهار و هو الوقت الذي بين الفجرين كذلك الإنسان له البقاء الذي هو الفلاح و هو السحور في مقامه الذي هو فيه فله وجه إلى الواجب الوجود لنفسه و وجه إلى العدم لا ينفك عن ذلك في أي حالة كان من وجود أو عدم و لذلك سمي ممكنا و دخل في جملة الممكنات فهذه الصفة له باقية و إن ظهر بنعت إلهي في وقت فليس له فيه بقاء و إنما بقاؤه فيما قلناه و لهذا قال الصاحب لما اتصف في ليلته بالقيوم قال تخوفنا أن يفوتنا الفلاح و هو أن ينقضي زمان الليل و ما عرفنا نفوسنا إذ في معرفتنا بها معرفة ربنا لكنهم ما فاتهم الفلاح بحمد الله بل أشهدهم الله نفوسهم بالغذاء ليشهدوا أن القيومية له ذاتية و قيومية العبد إنما هي بإمداد ما يتغذى به و لهذا قال صلى الله عليه و سلم حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه‏ فجعل القيومية للغذاء و إن كان هو القائم بها فكأنه يقول و إن تلبسنا بالتماس هذه الليلة من الاسم الوتر تعالى فلم يغننا ذلك الالتماس عن حظوظ نفوسنا التي بها بقاؤنا و هو التغذي فإن التماسنا لها إنما هو لما ينالنا من خيرها في دار البقاء فما التمسناها بالعبادة إلا لحظ نفسي نبقى به في الدار الآخرة و السحور رب الوقت في الحال و هو سبب في بقاء الحياة الدنيا للعمل الصالح فتخوفنا أن يفوتنا حكمه إذ كان ذلك الحكم عين طلبنا بالالتماس و إن اختلف الدار ثم جعلها صلى الله عليه و سلم في الوتر من الليالي دون الشفع لأنه انفرد بها الليل دون النهار فإنه وتر من اليوم و اليوم شفع فإن اليوم عبارة عن ليل و نهار و لكن في تلك السنة لو ورد النص فإنها قد تكون في الأشفاع إلا في تلك السنة لما ورد في الخبر من التماسها في الأوتار من العشر الآخر و لمعنى آخر أيضا و هو أن الطلب إذا كان في ليالي وتر الشهر كان الوتر حافظا لهذا العبد لما تعطيه هذه الليلة من البركات و الخير و هو في وتر من الزمان المذكر له وترية الحق فيضيف ذلك الخير إلى الله لا إلى الليلة و إن كانت سببا في حصوله و لكن عين شهود الوتر يحفظه من نسبة الخير لغير الله مع ثبوت السبب عنده فلو كانت في ليلة شفع و هي سبب لم يكن لهذا العبد من يذكره تذكير حال في وقت التماسه إياها أو في شهوده إياها إذ اعثر عليها فكان محصلا للخير من يد غير أهله فيكون صاحب جهل و حجاب في أخذ ذلك الخير فما كان يقاوم ما حصل له فيها من الخير ما حصل له من الحرمان و الجهل لحجابه عن معطي الخير فلهذا أيضا جعلت في أوتار الليالي فافهم‏ و جعلت في العشر الآخر لأنها نور و النور شهادة و ظهور فهو بمنزلة النهار إذ سمي النهار لاتساع النور فيه و النهار متأخر عن الليل لأنه مسلوخ منه و العشر الآخر متأخر عن العشر الأوسط و الأول فكان ظهورها و التماسها في المناسب الأبعد و ما رأيت أحدا رآها في العشر الأول و لا نقل إلينا و إنما تقع في العشر الوسط و الآخر خرج مسلم عن أبي سعيد قال اعتكف رسول الله صلى الله عليه و سلم العشر الأوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر و كذلك التجلي الإلهي ما ورد قط في خبر صحيح نبوي و لا سقيم إن الله يتجلى في الثلث الأول من الليل و قد ورد أنه يتجلى في الثلث الأوسط و الآخر من الليل و ليلة القدر إنما هي حكم تجل‏ إلهي فكانت في الثلث الأوسط و الآخر من الشهر و لم تكن في الثلث الأول فإن الأول أنت و لا بد فالأولية لك في معرفتك ربك و أنت و هو لا تجتمعان كما إن الدليل و المدلول لا يجتمعان فمن عرف نفسه عرف ربه فقدمك فإنك الدليل فالأولية لك في المعرفة النظرية و الكشفية فإن معرفة الكشف لا تكون إلا بعد رياضة و مجاهدة فلا بد من تقدمك نظرا و كشفا كما إن علمه بك إنما هو من علمه به فلو لم يتصف بأنه عالم بنفسه ما علمك فتفطن في علم الله بك من أين هو فإنها مسألة دقيقة جدا ذكرناها في كتابنا الموسوم بعقلة المستوفز و في هذا الكتاب‏

(وصل في فصل في التماسها في الجماعة بالقيام في شهر رمضان)

خرج أبو داود عن مسلم بن خالد عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة قال خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم و إذ أناس في رمضان يصلون في ناحية المسجد فقال من هؤلاء فقيل هؤلاء ناس ليس معهم قرآن و أبي بن كعب يصلي بهم و هم يصلون بصلاته فقال النبي صلى الله عليه و سلم أصابوا و نعم ما صنعوا فالجمعية فيها أحق للمناسبة فإن قدرها أعظم من ألف شهر لياليه و أيامه فلها مقام هذا الجمع و أنزل الله فيها القرآن قرآنا أي مجموعا و أنزله بنون الجمع و العظمة فجمع في إنزاله فيها جميع الأسماء بقوله إِنَّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ و فيها تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ ما نزل فيها واحد وَ الرُّوحُ القائم فيهم مقام أبي في الجماعة التي يصلي بهم من كُلِّ أَمْرٍ و كل يقتضي جميع الأمور التي يريد الحق تنفيذها في خلقه و حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ نهاية غاية فإنها تتضمن حرف إلى التي للغاية و لا تكون نهاية إلا عن ابتداء فكان جمعا فهذه الليلة ليلة جمع فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أصابوا و نعم ما صنعوا يغبطهم لما ذكرناه‏ و الباعث لالتماسها أمور تقتضيها و هي البواعث على التماسها و هو عظم قدرها و عظم من أنزلها و حقارة من التمسها عند نفسه بالتماسها فإنه شاهد بالتماس لهذا الخير العظيم القدر على نفسه بافتقار عظيم يقابله لأن العبد كلما أراد أن يتحقق بعبودية حقر قدره إلى أن يلحق نفسه بالعدم الذي هو أصله و لا أحقر من العدم فلا أحقر من نفس المخلوق فسمي أيضا ليلة القدر لمعرفة أهل الحضور فيها بأقدارهم أعني بحقارتها مع أن الخير الذي ينالونه شر كالملتمسين في الإمكان و الافتقار و أفقر الموجودات من افتقر إلى مفتقر فلا أفقر من الإنسان فإنه لا أعرف بالله منه لجمعيته و عقله و معرفته بنفسه‏

(وصل في فصل إلحاقها من قامها برسول الله صلى الله عليه و سلم في المغفرة)

قال الله تعالى يخاطب محمدا صلى الله عليه و سلم لِيَغْفِرَ لَكَ الله ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ و ذكر مسلم و النسائي من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال من قام ليلة القدر و في مسلم فيوافقها إيمانا و احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر يقول يستر عنه ذنبه حتى لا يخجل و إن كان ممن قيل له افعل ما شئت فقد غفرت لك كما ورد في الصحيح‏ فيكون قد ستر عنه خطاب التحريم و أبيح له شرعا فما تصرف إلا في مباح ف إِنَّ الله لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ فلو لا عظم قدرها ما ألحقها الله بصفة العلم الذي هو أشرف الصفات و لهذا أمر تعالى نبيه صلى الله عليه و سلم بطلب الزيادة منه و معنى قولي ألحقها الله لما ورد في الصحيح أن العبد إذا أذنب ذنبا فعلم إن له ربا يغفر الذنب و يأخذ بالذنب يقول الله له في الثالثة افعل ما شئت فقد غفرت لك‏ و ما ثم سبب موجب لإباحة ما حرم عليه فعله إلا العلم فلحق فضل ليلة القدر بمرتبة العلم فيما ذكرناه و قال صلى الله عليه و سلم من حرم خيرها فقد حرم ذكره النسائي‏ و أي خير أعظم من رفع التحجير فذلك جنة معجلة

(وصل في فصل الاعتكاف)

الاعتكاف الإقامة بمكان مخصوص و في الشرع على عمل مخصوص بحال مخصوص على نية القربة إلى الله جل جلاله و هو مندوب إليه شرعا واجب بالنذر و في الاعتبار الإقامة مع الله على ما ينبغي لله إيثار الجناب الله فإن أقام بالله فهو أتم من أن يقيم بنفسه‏ فأما العمل الذي يخصه فمن قائل إنه الصلاة و ذكر الله و قراءة القرآن لا غير ذلك من أعمال البر و القرب و من قائل جميع أعمال البر المختصة بالآخرة و الذي أذهب إليه أن له أن يفعل جميع أفعال البر التي لا تخرجه عن الإقامة بالموضع الذي أقام فيه فإن خرج فليس بمعتكف و لا يثبت فيه عندي الاشتراط و قد ثبت عن عائشة أن السنة للمعتكف أن لا يشهد جنازة و لا يعود مريضا فاعلم إن الإقامة مع الله إذا كانت بالله فله التصرف في جميع أعمال البر المختصة بمكانه‏الذي اعتكف فيه و الخارجة عنه التي يخرجه فعلها عن مكانه فإن الله يقول وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ و إذا كانت الإقامة بنفسك لله فقد عينت مكانا لها فلتلزمها به حتى يتجلى لك في غير ما ألزمتها به فافهم‏

(وصل في فصل المكان الذي يعتكف فيه)

فمن قائل لا يجوز الاعتكاف إلا في الثلاثة المساجد التي تشهد الرجال إليها و من قائل الاعتكاف عام في كل مسجد و من قائل لا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الجمعة و من قائل تعتكف المرأة في مسجد بيتها و من قائل يجوز الاعتكاف حيث شاء إلا أنه إن اعتكف في غير مسجد جاز له مباشرة النساء و إن اعتكف في مسجد فليس له مباشرة النساء و به أقول إلا أني أزيد أنه إن نوى الاعتكاف في أيام تقام فيها الجمعة فلا يعتكف إلا في مكان يمكن له مع الإقامة فيه أن يقيم الجمعة سواء كان في المسجد أو في مكان قريب من المسجد يجوز له إقامة الجمعة فيه‏ اعلم أن المساجد بيوت الله مضافة إليه فمن استلزم الإقامة فيها فلا ينبغي له أن يصرف وجهه لغير رب البيت فإنه سوء أدب فإنه لا فائدة للاختصاص بإضافتها إلى الله إلا أن لا يخالطها شي‏ء من حظوظ الطبع و من أقام مع الله في غير البيت الذي أضافه إلى نفسه جاز له مباشرة أهله إلا في حال صومه في اعتكافه إن كان صائما و مباشرة المرأة رجوع العقل من حال العقل عن الله إلى مشاهدة النفس سواء جعلها دليلا أو غير دليل فإن جعلها دليلا فالدليل و المدلول لا يجتمعان فلا تصح الإقامة مع الله و ملابسة النفس و أعلى الرجوع إلى النفس و ملابستها أن يلابسها دليل و أما إن لم يلابسها دليل فلم يبق إلا شهود الطبع فلا ينبغي للمعتكف أن يباشر النساء في مسجد كان أو في غير مسجد و من كان مشهده سريان الحق في جميع الموجودات و أنه الظاهر في مظاهر الأعيان و أن باقتداره و استعداداتها كان الوجود في الأعيان رأى أن ذلك نكاح و أجاز مباشرة المعتكف المرأة إذا لم يكن في مسجد فإن هذا المشهد لا يصح فيه إن يكون للمسجد عين موجودة فإنه لا يرى في الأعيان من هذه حالته إلا الله فلا مسجد أي لا موضع تواضع و لا تطأطؤ فافهم‏

(وصل في فصل قضاء الاعتكاف)

ذكر مسلم عن أبي بن كعب إن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان فسافر عاما فلم يعتكف فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين ليلة الإقامة مع الله على الدوام هو طريق أهل الله و لها الثناء العام و لذلك صاحبها الحمد لله على كل حال و هو ذكر الضراء و هو الذكر الأعم الأتم فإنه إذا حمده العبد على الضراء فكيف يكون مع السراء فإن السراء من جملة أحوال العبد و قد دخل تحت عموم قوله كل حال و هو الطرفان و ما بينهما و حمد السراء مقيد فإن النبي صلى الله عليه و سلم كان يقول في السراء الحمد لله المنعم المفضل‏ فيقيده و هذا هو حمد أيضا أعم من الأول و إن ظهر فيه التقييد و لكن لا يفطن له كل أحد فإن من نعم الله على عبده و إنعامه أن و فقه أن يقول عند الضراء الحمد لله على كل حال فهذا من اسمه المنعم المفضل عليه بهذا القول‏ فإذا اتفق أن ينقل الله من له صفة الإقامة معه على كل حال إلى من يرى الله بعد كل شي‏ء فتزيله هذه الحال عن الإقامة مع الله دائما فيكون بمنزلة المسافر الذي يناقض الاعتكاف فيجب عليه القضاء إذا رجع إلى حاله الأول و صورة قضائه الإقامة مع الله الثابت بالدليل الشرعي فإنها أيام أخر و هي العشر الوسط بين العشرين الآخر و الأول كذلك هي النعوت التي جاءت بها الشريعة من صفات التشبيه بين الحس و العقل و هي حضرة الخيال ففي هذه الحضرة يقضي الاعتكاف و في العشر الآخر المتصلة به يعتكف على عادته بصفات التنزيه عقلا و شرعا من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ

(وصل في فصل تعيين الوقت الذي يدخل فيه الذي يريد الاعتكاف إلى المكان الذي يقيم فيه)

خرج مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل في معتكفه‏ اعلم أن المعتكف و هو المقيم مع الله على جهة القربة دائما لا يصح له ذلك إلا بوجه خاص و هو أن يشهده في كل شي‏ء هذا هو الاعتكاف العام المطلق و ثم اعتكاف آخر مقيد يعتكف فيه العبد مع اسم ما إلهي يتجلى له ذلك الاسم بسلطانه فيدعوه إلى الإقامة معه‏ و اعتبار مكان الاعتكاف في المعاني هو المكانة و ما ثم اسم إلهي إلا و هوبين اسمين إلهيين فإن الأمر الإلهي دوري و لهذا لا يتناهى أمر الله في الأشياء فإن الدائرة لا أول لها و لا آخر إلا بحكم الفرض و لهذا خرج العالم مستديرا على صورة الأمر الذي هو عليه في نفسه حتى في الأشكال فأول شكل قبل الجسم الكل الشكل المستدير و هو الفلك و لما كانت الأشياء الكائنة من الله عند حركات هذه الأفلاك بما قدره العزيز العليم أعطت الحكمة أن تكون على صورته في الشكل أو ما يقاربها فما من حيوان و لا شجرة و لا ورقة و لا حجر و لا جسم إلا و فيه ميل إلى الاستدارة و لا بد منها لكنها تدق في أشياء و تظهر بينة في أشياء و اجعل بالك في كل ما خلق الله تعالى من جبل و شجر و جسم تر فيه انعطافا إلى الاستدارة و لذلك كان الشكل الكري أفضل الأشكال‏ و لما كان التجلي الأعظم العام يشبه طلوع الشمس و مع التجلي الشمس يكون الاعتكاف العام قيل للمعتكف بترجمان اسم ما إلهي ادخل في اعتكافك في وقت ظهور علامة التجلي الأعظم و هو طلوع الفجر و بعد صلاة الصبح ليقرب عليك الفتح و لا يقيدك هذا الاسم الإلهي الذي أقمت معه أو تريد الإقامة معه عن التجلي الأعظم الذي هو بمنزلة طلوع الشمس فتجمع في اعتكافك بين التقييد و الإطلاق فإنه لو دخل المعتكف أول الليل بعدت عليه المسافة الزمانية و طال المدى فربما نسي ما هو الأمر عليه فإن الإنسان مجبول على النسيان‏ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فنسي آدم فنسيت ذريته و جحد آدم فجحدت ذريته‏ و هذا الحديث بشرى من النبي صلى الله عليه و سلم للناس كافة فإن آدم رحمه الله فرحمت ذريته كانوا حيثما كانوا جعل لهم رحمة تخصهم بأي دار أنزلهم الله تعالى فإن الأمر إضافي و إن الأصول تحكم على الفروع‏ و هذا يدلك على إن هذه النفوس الإنسانية نتيجة عن هذه الأجسام العنصرية و متولدة عنها فإنها ما ظهرت إلا بعد تسوية هذه الأجسام و اعتدال أخلاطها فهي للنفوس المنفوخة فيها من الروح المضاف إليه تعالى كالأماكن التي تطرح الشمس شعاعاتها عليها فتختلف آثارها باختلاف القوابل أين ضوء نور الشمس في الأجسام الكثيفة منه في الأجسام الصقيلة فلهذا تفاضلت النفوس لتفاضل الأمزجة فترى نفسا سريعة القبول للفضائل و العلوم و نفسا أخرى في الضد منها و بينهما متوسطات فهكذا هو الأمر إن فهمت قال تعالى فَإِذا سَوَّيْتُهُ يعني جسم الإنسان وَ نَفَخْتُ فِيهِ من رُوحِي و لهذا قلنا إن النسيان في الإنسان أمر طبيعي يقتضيه المزاج كما إن التذكر أمر طبيعي أيضا في هذا المزاج الخاص و كذلك جميع القوي التي تنسب إلى الإنسان أ لا تراه يقل فعل هذه القوي في أشخاص و يكثر في أشخاص‏ فنبه الشارع بدخول المعتكف مكان اعتكافه بعد صلاة الفجر قبل طلوع الشمس‏

(وصل في فصل إقامة المعتكف مع الله ما هي)

اعلم أن الإقامة مع الله إنما هو أمر معنوي لا أمر حسي فلا يقام مع الله إلا بالقلب كما لا يتوجه في الصلاة إلى الله إلا بالقلب و كما تتوجه بوجهك إلى المسماة قبلة و هي الكعبة كذلك يقام بالحس مع أفعال البر و قد يكون من أفعال البر ملاحظة النفس ليؤدي إليها حقها المشروع لها فإن لنفسك عليك حقا و قد يؤثر نفسه على غيرها بإيصال الخير إليها و هو الذي شرعه الله لنا و ما لنا طريق إلى الله إلا ما شرعه و لهذا يكلف الإنسان نفسه بعض مصالحها ليعود خير ذلك إليها كخروج المعتكف إلى حاجة الإنسان و إقباله على ما كان من نسائه و أهله ليصلح بعض شأنه في حال إقامته و اعتكافه‏ ذكر مسلم عن عائشة أنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا اعتكف يدني إلى رأسه فارجله و كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان‏ و قال النسائي عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يأتيني و هو معتكف في المسجد فيتكئ على باب حجرتي فاغسل رأسه و أنا في حجرتي و سائره في المسجد و في هذا دليل لمن يقول بالحكم للأغلب فإنه ما أخرجه كون رأسه في غير المسجد عن الاعتكاف لأن الأكثر منه في المسجد فراعى حكم الأكثر في الجرمية

(وصل في فصل ما يكون عليه المعتكف في نهاره)

ذكر أبو أحمد من حديث عبد الله بن بديل بن ورقاء المكي عن عمرو بن دينار عن ابن عمر عن عمر أنه نذر أن يعتكف في المسجد الحرام فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم اعتكف و صم‏ (اعتباره) أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم من أراد الإقامة مع الله أن يقيم معه بصفة هي لله و هي الصوم ليكون مع الله بالله لله فلا يرى منه شي‏ء إلا الله و هذه حالة أهل الله‏ قيل لرسول الله صلى الله عليه و سلم من أولياء الله قال الذين إذا رأوا ذكر الله‏ أي لتحققهم بالله يغيبون به عنهم و عن عيون الخلق فإذا رآهم الناس لم يروا غير الله فتذكرهم بالله رؤيتهم مثل الآيات المذكرات و هذا هو المقام الذي‏ سأله رسول الله صلى الله عليه و سلم في دعائه و اجعلني نورا فأجاب الله تعالى دعاءه فأخبرنا أنه بعثه إلى الناس بَشِيراً وَ نَذِيراً و داعِياً إِلَى الله بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً فجعله نورا كما سأل فإن‏ قوله لربه و اجعلني نورا فأكون بذاتي عين الاسم الإلهي النور و من كان الحق سمعه و بصره و لسانه و يده و رجله و لا ينطق عن الهوى فما هو هو و ما بقي لمن يراه ما يرى إلا الله عرف ذلك الرائي أو لم يعرفه هكذا يشاهدونه أهل العلم بالله‏ من المؤمنين الخلفاء يظهر في العالم و السوقة بصفات من استخلفها قالت بلقيس في عرشها كَأَنَّهُ هُوَ و ما كان إلا هو و لكن حجبها بعد المسافة و حكم العادة و جهلها بقدر سليمان عليه السلام عند ربه فهذا حجبها أن تقول هو هو فقالت كَأَنَّهُ هُوَ و أي مسافة أبعد من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ ممن مثله أشياء قال الكامل صلى الله عليه و سلم إنما أنا بشر مثلكم عن أمر الله قيل له قل فقال قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ و بهذا علمنا أنه عن أمر الله لأنه نقل الأمر لنا كما نقل المأمور و كان هذا القول دواء للمرض الذي قام بمن عبد عيسى عليه السلام من أمته فقالوا إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ و فاتهم علم كثير حيث قالوا ابن مريم و ما شعروا و لهذا قال الله تعالى في إقامة الحجة على من هذه صفته قُلْ سَمُّوهُمْ فما يسمونهم إلا بما يعرفون به من الأسماء حتى يعقل عنهم ما يريدون فإذا سموهم تبين في نفس الاسم أنه ليس الذي طلب منهم الرسول المبعوث إليهم أن يعبدوه‏ و إنما قلنا هو هو لما يعطيه الكشف الصحيح في الخصوص و الايمان الصريح في العموم كما ورد به الخبر النبوي الإلهي من أن الله إذا أحب عبده كان سمعه و بصره‏ و ذكر قواه و جوارحه و الإنسان ليس غير هذه الأمور المذكورة الذي جعل الحق هويته عينها فإن كنت مؤمنا عرفت بمن أنت و إن كنت صاحب شهود صحيح عرفت من شاهدت و أكثر من هذا البيان النبوي عن الله ما يكون في قوة الإنسان حتى يكون المؤمن صاحب حال عيان فيعرف عند ذلك من هو عين هذه الأكوان و الأعيان‏

(وصل في فصل زيارة المعتكف في معتكفه المقيم مع الله من حيث اسم ما تطلبه أسماء أخر إلهية في أعيان أكوان ليظهر سلطانها فيها منازعة للاسم الذي هو مقيم معه)

ذكر البخاري عن صفية زوج النبي صلى الله عليه و سلم أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم تزوره في معتكفه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان فتحدثت عنده ساعة ثم قامت تنقلب فقام النبي صلى الله عليه و سلم معها يقلبها حتى إذا بلغت باب أم سلمة الحديث‏ فهذا اسم إلهي حرك صفية لتزوره حتى يأخذ بوساطتها النبي صلى الله عليه و سلم من الإقامة مع الاسم الإلهي الذي أجاءها فأقام رسول الله صلى الله عليه و سلم مع هذا الاسم زمان حديثه معها ثم أخرجه من موضع جلوسه حين شيعها و هو نوع سفر لا بل هو سفر بر الرجل بأمر أنه تعظيما لحرمتها و قصدها فإن السفر انتقال و لم ينتقل إلا بحكم ذلك الاسم عليه من مكانه فإن المعتكف إذا انتقل إلى حاجة الإنسان من وضوء و ما لا بد منه فإن ذلك كله من حكم الاسم الذي أقام معه في مدة اعتكافه و ما من حركة يتحركها الإنسان في اعتكافه و غير اعتكافه إلا عن ورود اسم إلهي عليه هذا مفروغ منه عندنا في الحقائق الإلهية و أسماء الله لا تحصى كثرة و ما من شأن المعتكف تشييع الزائر فما تحرك لذلك إلا لحكم الاسم الإلهي الذي حرك الزائر إليه فالعين لا تعرف إلا أنها زائرة لقضاء غرضها من نظر أو حديث و العارف يشهد الأسماء الإلهية ما رأيت شيئا إلا رأيت الله قبله فالاسم الإلهي الذي حرك صفية من وراء حجاب صفية و معه كان يتأدب رسول الله صلى الله عليه و سلم و له قام و شيع و كان مطلب ذلك الاسم إظهار سلطانه فيه و قد ظهر و قد بينا ذلك في مجاراة الأسماء الإلهية في أول هذا الكتاب و في عنقاء مغرب‏

(وصل في فصل اعتكاف المستحاضة في المسجد)

كذب النفس لعلة مشروعة ليس بحيض و لذلك تصلي المستحاضة و لا تصلي الحائض‏ ورد عن عائشة على ما ذكره البخاري أنه اعتكف مع رسول الله صلى الله عليه و سلم امرأة مستحاضة من أزواجه‏ الحديث فمن وضع الأشياءفي مواضعها فقد أعطاها ما تستحقه عليه و هو حكيم وقته فإن الحكمة تعطي وضع كل شي‏ء في موضعه وَ الله عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏ و ما ثم شي‏ء مطلق أصلا لأنه لا يقتضيه الإمكان و لا تعطيه أيضا الحقائق فإن الإطلاق تقييد فما من أمر إلا و له موطن يقبله و موطن يدفعه و لا يقبله لا بد من ذلك كالأغذية الطبيعية للجسم الطبيعي ما من شي‏ء يتغذى به إلا و فيه مضرة و منفعة يعرف ذلك العالم بالطبيعة من حيث ما هي مدبرة للبدن و هو المسمى طبيبا و يعرفه الطبيعي مجملا و التفصيل للطبيب فما في العالم لسان حمد مطلق و لا لسان ذم مطلق و الأصل الأسماء الإلهية المتقابلة فإن الله سمي لنا نفسه بها من كونه متكلما كما نزه و شبه و وحد و شرك و نطق عباده بالصفتين ثم قال سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ هذا آخر الجزء الحادي و الستين‏