قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الثاني و السبعون في الحج و أسراره) (بخش ۱)

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
الحج فرض إلهي على الناسمن عهد والدنا المنعوت بالناسي‏
فرض علينا و لكن لا نقوم بهو واجب الفرض أن نلقي على الرأس‏
فإن حرمت بإحرام تجردكمعن كل حال بإعسار و إفلاس‏
دعتك حالته في كل منزلةمن المنازل بالعاري و بالكاسي‏
فيه الإجابة للرحمن من كثببنعت عبد لدني و الياس‏
فيه العبادات من صوم و من صلةو من صلاة و حكم الجود و البأس‏
و في الطواف معان ليس يشبههاإلا تردد رب الجن و الناس‏
إني قتيل خلاخيل كلفت بهاعند الطواف و أقراط و وسواس‏
و في المحصب شرع الفرد ناسبهرمى الجمار لخناس بوسواس‏
الله خصصه في بطن عرنتهيوم الوقوف بإذلال و إبلاس‏
و كن مع الفرق في جمع بمزدلففما عليك بذاك الفرق من بأس‏
من حج لله لا بالله كان كمنسعى لظلمته بضوء نبراس‏
في يوم غيم شديد الحر فاعتبروافيما تفوه به للخلق أنفاسي‏
و كن إذا أنت دبرت الأمور بهما بين عقل إلهي و إحساس‏
و احذر شهودا ساف ثم نائلةإذا سعيت كأسقف و شماس‏
و في مني فانحر القربان في صفةتدعى بها عند ذاك النحر بالقاسي‏
وترية الذات لا شفع يزلزلهامصونة بين حفاظ و حراس‏
عطرية النشر معسول مقبلهامحفوفة ببهار الروض و الآس‏
مكلومة بالذي نالته من صفتيو ما يكون لذاك الكلم من آسي‏

اعلم أيدك الله أن الحج في اللسان تكرار القصد إلى المقصود و العمرة الزيارة و لما نسب الله تعالى البيت إليه بالإضافة في قوله لخليله إبراهيم عليه السلام أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ و أخبرنا أنه أول بيت وضعه للناس معبدا فقال إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ من دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ جعله نظيرا و مثالا لعرشه و جعل الطائفين به من البشر كالملائكة الحافين من حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ أي بالثناء على ربهم تبارك و تعالى و ثناؤنا على الله في طوافنا أعظم من ثناء الملائكة عليه سبحانه بما لا يتقارب و لكن ما كل طائف يتنبه إلى هذا الثناء الذي نريده‏ و ذلك أن العلماء بالله إذا قالوا سبحان الله أو الحمد لله أو لا إله إلا الله إنما يقولونها بجمعيتهم للحضرتين و الصورتين فيذكرونه بكل جزء ذاكر الله في العالم و بذكر أسمائه إياه ثم إنهم ما يقصدون من هذه الكلمات إلا ما نزل منها في القرآن لا الذكر الذي يذكرونه فهم فيهذا الثناء نواب عن الحق يثنون عليه بكلامه الذي أنزله عليهم و هم أهل الله بنص رسول الله صلى الله عليه و سلم فإنهم أهل القرآن و أهل القرآن هم أهل الله و خاصته فهم نائبون عنه في الثناء عليه فلم يشب ثناءهم استنباط نفسي و لا اختيار كوني و لا أحدثوا ثناء من عندهم فما سمع من ثنائهم إلا كلامه الذي أثنى به على نفسه فهو ثناء إلهي قدوس طاهر نزيه عن الشوب الكوني قال تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله فأضاف الكلام إليه لا إلى نبيه صلى الله عليه و سلم‏ و لما جعل الله تعالى قلب عبده بيتا كريما و حرما عظيما و ذكر أنه وسعه حين لم يسعه سماء و لا أرض علمنا قطعا إن قلب المؤمن أشرف من هذا البيت و جعل الخواطر التي تمر عليه كالطائفين و لما كان في الطائفين من يعرف حرمة البيت فيعامله في الطواف به بما يستحقه من التعظيم و الإجلال و من الطائفين من لا يعرف ذلك فيطوفون به بقلوب غافلة لاهية و ألسنة بغير ذكر الله ناطقة بل ربما يطوفون بفضول من القول و زور و كذلك الخواطر التي تمر على قلب المؤمن منها مذموم و منها محمود و كما كتب الله طواف كل طائف للطائف به على أي حالة كان و عفا عنه فيما كان منه كذلك الخواطر المذمومة عفا الله عنها ما لم يظهر حكمها على ظاهر الجوارح إلى الحس و كما إن في البيت يمين الله للمبايعة الإلهية ففي قلب العبد الحق سبحانه من غير تشبيه و لا تكييف كما يليق بجلاله سبحانه حيث وسعه و أين مرتبة اليمين منه على الانفراد منه سبحانه ففيه اليمين المسمى كلتا يديه فهو أعظم علما و أكثر إحاطة فإنه محل لجميع الصفات و ارتفاعه بالمكانة عند الله لما أودع الله فيه من المعرفة به‏ ثم إن الله تعالى جعل لبيته أربعة أركان لسر إلهي و هي في الحقيقة ثلاثة أركان لأنه شكل مكعب الركن الواحد الذي يلي الحجر كالحجر في الصورة مكعب الشكل و لا جل ذلك سمي كعبة تشبيها بالكعب فإذا اعتبرت الثلاثة الأركان جعلتها في القلب محل الخاطر الإلهي و الركن الآخر ركن الخاطر الملكي و الركن الثالث ركن الخاطر النفسي فالإلهي ركن الحجر و الملكي الركن اليمني و النفسي المكعب الذي في الحجر لا غير و ليس للخاطر الشيطاني فيه محل و على هذا الشكل قلوب الأنبياء مثلثة الشكل على شكل الكعبة و لما أراد الله ما أراد من إظهار الركن الرابع جعله للخاطر الشيطاني و هو الركن العراقي فيبقى الركن الشامي للخاطر النفسي و إنما جعلنا الخاطر الشيطاني للركن العراقي لأن الشارع شرع أن يقال عنده أعوذ بالله من الشقاق و النفاق و سوء الأخلاق و بالذكر المشروع في كل ركن تعرف مراتب الأركان و على هذا الشكل المربع قلوب المؤمنين و ما عدا الرسل و الأنبياء المعصومين ليميز الله رسله و أنبياءه من سائر المؤمنين بالعصمة التي أعطاهم و ألبسهم إياها فليس لنبي إلا ثلاثة خواطر إلهي و ملكي و نفسي و قد يكون ذلك لبعض الأولياء الذين لهم جزء وافر من النبوة كسليمان الدنبلي لقيته و هو ممن له هذا الحال فأخبرني عن نفسه أن له بضعا و خمسين سنة ما خطر له خاطر قبيح و لأكثر الأولياء هذه الخواطر و زادوا بالخاطر الشيطاني العراقي فمنهم من ظهر عليه حكمه في الظاهر و هم عامة الخلق و منهم من يخطر له و لا يؤثر في ظاهره و هم المحفوظون من أوليائه‏ و لما اعتبر الله الشكل الأول الذي للبيت جعل له الحجر على صورته و سماه حجرا لما حجر عليه أن ينال تلك المرتبة أحد من غير الأنبياء و المرسلين حكمة منه سبحانه فللأولياء الحفظ الإلهي و لهم العصمة أخبرني بعض الأولياء من أهل الله و هو عبد الله بن الأستاذ الموروري أن الشيخ عبد الرزاق أو غيره الشك مني بل غيره بلا شك فإني تذكرته رأى إبليس فقال له كيف حالك مع الشيخ أبي مدين عبد صالح إمام في التوحيد و التوكل كان ببجاية فقال إبليس ما شبهت نفسي فيما نلقي إليه في قلبه إلا كشخص بال في البحر المحيط فقيل له لم تبول فيه قال حتى أنجسه فلا تقع به الطهارة فهل رأيتم أجهل من هذا الشخص كذلك أنا و قلب أبي مدين كلما ألقيت فيه أمرا قلب عينه فأخبر أنه يلقي في قلوب الأولياء و هو الذي ذكرناه و ليس له على الأنبياء سبيل‏ و ارتفاع البيت سبعة و عشرون ذراعا و ذراع التحجير الأعلى فهو ثمانية و عشرون ذراعا كل ذراع مقدار لأمر ما إلهي يعرفه أهل الكشف فهي هذه المقادير نظير منازل القلب التي تقطعها كواكب الايمان السيارة لإظهار حوادث تجري في النفس المضاهي لمنازل القمر و الكواكب السيارة لإظهار الحوادث في العالم العنصري سواء حرفا حرفا و معنى معنى‏ و اعلم‏ أن الله تعالى قد أودع في الكعبة كنزا أراد رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يخرجه فينفقه ثم بدا له في ذلك‏لمصلحة رآها ثم أراد عمر بعده أن يخرجه فامتنع اقتداء برسول الله صلى الله عليه و سلم فهو فيه إلى الآن‏ و أما أنا فسيق لي منه لوح من ذهب جي‏ء به إلي و أنا بتونس سنة ثمان و تسعين و خمسمائة فيه شق غلظه أصبع عرضه شبر و طوله شبر أو أزيد مكتوب فيه بقلم لا أعرفه و ذلك لسبب طرأ بيني و بين الله فسألت الله أن يرده إلى موضعه أدبا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم و لو أخرجته إلى الناس لثارت فتنة عمياء فتركته أيضا لهذه المصلحة فإنه صلى الله عليه و سلم ما تركه سدى و إنما تركه ليخرجه القائم بأمر الله في آخر الزمان الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما و قد ورد خبر رويناه فيما ذكرناه من إخراجه على يد هذا الخليفة و ما أذكر الآن عمن رويته و لا الجزء الذي رأيته فيه‏ كذلك جعل الله في قلب العارف كنز العلم بالله فشهد لله بما شهد به الحق لنفسه من أنه لا إله إلا الله و نفى هذه المرتبة عن كل ما سواه فقال شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ فجعلها كنزا في قلوب العلماء بالله و لما كانت كنزا لذلك لا تدخل الميزان يوم القيامة و ما يظهر لها عين إلا إن كان في الكثيب الأبيض يوم الزور و يظهر جسمها و هو النطق بها عناية لصاحب السجلات لا غير فذلك الواحد يوضع له في ميزانه التلفظ بها إذ لم يكن له خير غيرها فما يزن ظاهرها شي‏ء فأين أنت من روحها و معناها فهي كنز مدخر أبدا دنيا و آخرة و كل ما ظهر في الأكوان و الأعيان من الخير فهو من أحكامها و حقها ثم إن الله جعل هذا البيت الذي هو محل ذكر اسم الله على أربعة أركان كذلك جعل الله القلب على أربع طبائع تحمله و عليها قامت نشأته كقيام البيت اليوم على أربعة أركان كقيام العرش على أربعة حملة اليوم كذا ورد في الخبر أنهم اليوم أربعة و غدا يكونون ثمانية فإن الآخرة فيها حكم الدنيا و الآخرة فلذلك تكون غدا ثمانية فيظهر في الآخرة حكم سلطان الأربعة الأخر و كذلك يكون القلب في الآخرة تحمله ثمانية الأربعة التي ذكرناها و الأربعة الغيبية و هي العلم و القدرة و الإرادة و الكلام ليس غير ذلك فإن قلت فهي موجودة اليوم فلما ذا جعلتها في الآخرة قلنا و كذلك الثمانية من الحملة موجودون اليوم في أعيانهم لكن لا حكم لهم في الحمل الخاص إلا غدا كذلك هذه الصفات التي ذكرناها لا حكم ينفذ لهم في الدنيا دائما و إنما حكمهم في الآخرة للسعداء و حكم الأربعة الذين هم طبائع هذا البيت ظاهرة الحكم في الأجسام فإن قلت فما معنى قولك حكمهم قلت فإن العلم لا يشاهد العالم معلومه إلا في الآخرة و القدرة لا ينفذ حكمها إلا في الآخرة فلا يعجز السعيد عن تكوين شي‏ء و إرادته غير قاصرة فما يهم بشي‏ء يريد حضوره إلا حضر و كلامه نافذ فما يقول لشي‏ء كن إلا و يكون فالعلم له عين في الآخرة و ليس هذا حكم هذه الصفات في النشأة الدنيا مطلقة فاعلم ذلك فالإنسان في الآخرة نافذ الاقتدار فالله بيته قلب عبده المؤمن و البيت بيت اسمه تعالى و العرش مستوي الرحمن ف أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ ف لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَ لا تُخافِتْ بِها فإنه يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَ ما يَخْفى‏ كما أنه يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى‏ و أصفى و هو قوله وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا فإنه أخفى من السر أي أظهر فإن الوسط الحائل بين الطرفين المعين للطرفين و المميز لهما هو أخفى منهما كالخط الفاصل بين الظل و الشمس و البرزخ بين البحرين الأجاج و الفرات و الفاصل بين السواد و البياض في الجسم نعلم أن ثم فاصلا و لكن لا تدركه العين و يشهد له العقل و إن كان لا يعقل ما هو أي لا يعقل ماهيته فبين القلب و العرش في المنزلة ما بين الاسم الله و الاسم الرحمن و إن كان أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ و لكن ما أنكر أحد الله و أنكر الرحمن فقالوا وَ ما الرَّحْمنُ فكان مشهد الألوهة أعم لإقرار الجميع بها فإنها تتضمن البلاء و العافية و هما موجودان في الكون فما أنكر هما أحد و مشهد الرحمانية لا يعرفه إلا المرحومون بالإيمان و ما أنكره إلا المحرومون من حيث لا يشعرون أنهم محرومون لأن الرحمانية لا تتضمن سوى العافية و الخير المحض فالله معروف بالحال و الرحمن منكور بالحال فقيل لهم أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ فعرفه أهل البلاء تقليد التعريف الله من وراء حجاب البلاء فافهم فقد نبهتك لأمور إن سلكت عليها جلت لك في العلم الإلهي ما لا يقدر قدره إلا الله فإن العارف بقدر ما ذكرناه من العلم بالله الذوقي اليوم عزيز و لما كان الحج لهذا البيت تكرار القصد في زمان مخصوص كذلك القلب تقصده الأسماء الإلهية في حال مخصوص إذ كل اسم له حال خاص يطلبه فمهما ظهر ذلك الحال من العبد طلب الاسم الذي يخصه فيقصده ذلك الاسم فلهذا تحج الأسماء الإلهية بيت القلب و قد تحج إليه من‏حيث إن القلب وسع الحق و الأسماء تطلب مسماها فلا بد لها أن تقصد مسماها فتقصد البيت الذي ذكر أنه وسعه السعة التي يعلمها سبحانه و إنما تقصده لكونها كانت متوجهة نحو الأحوال التي تطلبها من الأكوان فإذا أنفذت حكمها في ذلك الكون المعين رجعت قاصدة تطلب مسماها فتطلب قلب المؤمن و تقصده فلما تكرر ذلك القصد منها سمي ذلك القصد المكرر حجا كما يتكرر القصد من الناس و الجن و الملائكة للكعبة في كل سنة للحج الواجب و النفل و في غير زمان الحج و حاله يسمى زيارة لا حجا و هو العمرة و العمرة الزيارة و تسمى حجا أصغر لما فيها من الإحرام و الطواف و السعي و أخذ الشعر أو منه و الإحلال و لم تعم جميع المناسك فسميت حجا أصغر بالنظر إلى الحج الأكبر الذي يعم استيفاء جميع المناسك و لهذا يجزئ القارن بينهما طواف واحد و سعى واحد لمسمى الحج لها و هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم في قرانه في حجة وداعه التي‏

قال فيها خذوا عني مناسككم‏ و هكذا الحكم في الآخرة في الزور العام هو بمنزلة الحج في الدنيا و حج العمرة هو بمنزلة الزور الذي يخص كل إنسان فعلى قدر اعتماره تكون زيارته لربه و الزور الأعم في زمان خاص للزمان الخاص الذي للحج و الزور الأخص الذي هو العمرة لا يختص بزمان دون زمان فحكمها أنفذ في الزمان من الحج الأكبر و حكم الحج الأكبر أنفذ في استيفاء المناسك من الحج الأصغر ليكون كل واحد منهما فاضلا مفضولا لينفرد الحق بالكمال الذي لا يقبل المفاضلة و ما سوى الله ليس كذلك حتى الأسماء الإلهية و هم الأعلون يقبلون المفاضلة و قد بينا ذلك في غير موضع و كذلك المقامات و الأحوال و الموجودات كلها فالزيارة الخاصة التي هي العمرة مطلقة الزمان على قدر مخصوص‏ و سأذكر إن شاء الله ما يختص بهذا الباب من الأفعال الظاهرة المشروعة في العموم و الخصوص على ألسنة علماء الرسوم بالظواهر و النصوص و ما يختص أيضا بها من الاعتبارات في أحوال الباطن بلسان التقريب و الاختصار و الإشارة و الإيماء كما عملنا فما تقدم من العبادات وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ و فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ و لكن الله فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ

(وصل في فصل وجوب الحج)

لا خلاف في وجوبه بين علماء الإسلام قال تعالى وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ من اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا فوجب على كل مستطيع من الناس صغير و كبير ذكر و أنثى حر و عبد مسلم و غير مسلم‏ و لا يقع بالفعل إلا بشروط له معينة فإن الايمان و الإسلام واجب على كل إنسان و الأحكام كلها الواجبة واجبة على كل إنسان و لكن يتوقف قبول فعلها أو فعلهما من الإنسان على وجود الإسلام منه فلا يقبل تلبسه بشي‏ء منها إلا بشرط وجود الإسلام عنده فإن لم يؤمن أخذ بالواجبين جميعا يوم القيامة وجوب الشرط المصحح لقبول هذه العبادات و وجوب المشروط التي هي هذه العبادات‏ و قرئ بكسر الحاء و هو الاسم و بفتحها و هو المصدر فمن فتح وجب عليه أن يقصد البيت ليفعل ما أمره الله به أن يفعله عند الوصول إليه في المناسك التي عين الله له أن يفعلها و من قرأ بالكسر و أراد الاسم فمعناه أن يراعي قصد البيت فيقصد ما يقصده البيت و بينهما بون بعيد فإن العبد بفتح الحاء يقصد البيت و بكسرها يقصد قصد البيت فيقوم في الكسر مقام البيت و يقوم في الفتح مقام خادم البيت فيكون حال العبد في حجه بحسب ما يقيمه فيه الحق من الشهود و الله المرشد و الهادي لا رب غيره‏ و لما كان قصد البيت قصدا حاليا لأنه يطلب بصورته الساكن فلله على الناس أن يجعلوا قلوبهم كالبيت تطلب بحالها أن يكون الحق ساكنها كما قال اطلبوني في قلوب العارفين بي فهذا معنى الكسر فيه و هو الاستعداد بالصفة التي ذكر الله إن القلب يصلح له تعالى بها و من فتح فوجب عليه أن يطلب قلبه ليرى فيه آثار ربه فيعمل بحسب ما يرى فيه من الآثار الإلهية و هذا حال غير ذلك فبالكسر يقصد الله و بالفتح يقصد القلب لما ذكرناه‏

(وصل في فصل شروط صحة الحج)

لا خلاف إن من شرط صحته الإسلام إذ لا يصح ممن ليس بمسلم الإسلام الانقياد إلى ما دعاك الحق إليه ظاهرا و باطنا على الصفة التي دعاك أن تكون عليها عند الإجابة فإن جئت بغير تلك الصفة التي قال لك تجي‏ء بها فما أجبت دعاء الاسم الإلهي الذي دعاك و لا أنقدت إليه‏ و هنا علم دقيق و هل الدعوة كانت من الله على المجموع و هو عينك و عين الصفةأو المقصود من هذا الدعاء عين الصفة و أنت بحكم التبع لكون هذا الوصف الخاص لا يقوم بنفسه فما تكون أنت المطلوب و لا بد لك من اسم يكون لك من تلك الصفة يناديك به أو تكون أنت المدعو من حيث عينك و الصفة تبع ما هي المقصود في الدعاء لأنها لم يذكر لها عين في هذا الدعاء الخاص فمن راعى من العارفين العين لا عين الصفة لكونه تعالى قال وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ و ما قال على المسلمين و لا ذكر صفة زائدة على أعيانهم فأوجبها على الأعيان وجوبا إلهيا فإذا أتى بهذا الدعاء صاحب الاسم الذي هو الناس قيل فيه إنه قد أجاب إجابة ذاتية فيكون جزاء إجابته تجلى من دعاه ذاتا بذات و من اعتبر أنه ما دعاه من حيث ما هو ذات و إنما دعاه من حيث ما هو متكلم فما أجاب هذا المدعو إلا عين الصفة لا عين الذات قيل له و كذلك المجيب المدعو ما أجاب منه إلا عين صفته فإن ذات المدعو من صفات من دعاه و هذه الصفة يعبر عنها بذات المدعو لأن المدعو مجموع صفات ذاتية له بمجموعها يكون إنسانا و هو كونه حيوانا ناطقا و ليس عين هذا المجموع سوى عين ذاته و لهذا وقع الدعاء من الداعي بالاسم الجامع و هو الله‏ فإن قيل لا يصح أن يكون حقيقة هذا الاسم الجامع و إنما يأتي و الداعي به اسم خاص يخصصه حال المدعو و يعين الاسم الخاص به كالجائع يقول يا الله أطعمني فالله الذي دعا يعم المعطي و المانع فتتعذر الإجابة إذا قصد الداعي ما يدل عليه هذا الاسم و ما قصد الداعي إلا المطعم المعطي الرزاق ما قصد المانع فإن أطعمه الله فما أجابه إلا المطعم كذلك قوله وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ليس المقصود بهذا الاسم عين ما يدل عليه فإن من مدلولاته أسماء إلهية تمنع من إجابة المكلف و أسماء تعطي إجابة المكلف فما دعاه من هذا الاسم إلا الاسم الذي يطلب إجابة المكلف المدعو و لهذا يعصي من لم يجب الدعاء بقرائن الأحوال و لو كان من حيث الاسم الله ما عصى و لا أطاع و تقابلت الأمور فلهذا لا يتصور أن يدعو أحد الله من حيث حقيقة هذا الاسم و لا يدعو هذا الاسم الله أحدا من حيث حقيقته و إنما يدعو و يدعى منه من حيث اسم خاص يتضمنه يعرف بالحال‏ فاعلم إن الذات من الجانبين لا يصح أن تكون مطلوبة لأنها موجودة و إنما متعلق الطلب المعدوم ليوجد فما يدعى إلا المعدوم لأن الدعاء طلب و الطلب عين الإرادة و الإرادة لا تتعلق إلا بالمعدوم قلنا و كذلك وقع فإنه ما ظهر من هذا المدعو إلا الإجابة و كانت معدومة مع كون ذات المدعو لما يدعى إليه موجودة فظهرت الإجابة من المدعو بعد أن لم تكن لأن الإجابة لا تكون إلا بعد دعاء داع و هذا المدعو المعدوم الثابت لا يصح وجوده من ذات المدعو و إنما يصح في ذات المدعو إذا كان المدعو من العالم فيفتقر إلى أن يقول له الداعي كن فحينئذ يكون المدعو إجابة لأمره في ذات هذا المتوجه عليه الخطاب فما إجابته ذات المدعو فيما يظهر و إنما وقعت الإجابة من الصفة التي ظهرت فيه فيخيل إن الذات التي ظهرت فيها ذات هذا المدعو هو المخاطب بالتكوين و ليس كذلك‏ و هكذا هو الوجود الإلهي و الكوني في نفس الأمر و إن كان الظاهر يعطي غير هذا فما في الكون إلا مسلم لغة لأنه ما ثم إلا منقاد للأمر الإلهي لأنه ما ثم من قيل له كن فأبى بل يكون من غير تثبط و لا يصح إلا ذلك فإذا وقع الحج ممن وقع من الناس ما وقع إلا من مسلم‏ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لحكيم بن حزام أسلمت على ما أسلفت من خير و لم يكن مشروعا من جانب الله له ذلك في حال الجاهلية و قبل بعثة الرسول فاعتبره له الله سبحانه لحكم الانقياد الأصلي الذي تعطيه حقيقة الممكن و هو الإسلام العام فمن اعتبر المجموع وجد و من اعتبر عين الصفة وجد و من اعتبر الذات وجد و لكل واحد شرب معلوم من علم خاص فإنه يدخل فيه هذا الإسلام الخاص المعروف في العرف الحاكم في الظاهر و الباطن معا فإن حكم في الظاهر لا في الباطن كالمنافق الذي أسلم للتقية حتى يعصم ظاهره في الدنيا فهذا ما فعل ما فعل من الأمور الخيرية التي دعي إليها لخيريتها فما له أجر و الذي فعلها و هو مشرك لخيريتها نفعته بالخير المنوي فلا بد أن ينقاد الباطن و الظاهر و بالمجموع تحصل الفائدة مكملة لأن الداعي دعاه بالاسم الجامع و المدعو هي من الاسم الجامع لصفة جامعة و هو الحج و الحج لا يكون إلا بتكرار القصد فهو جمع في المعنى فما في الكون إلا مسلم فوجب الحج على كل مسلم فلهذا لم يتصور فيه خلاف بين علماء الرسوم و علماء الحقائق و عالم الحقائق أتم من عالم الرسم في هذه المسألة و أمثالها فإن حج الطفل الرضيع صح حجه و لا تلفظ له بالإسلام و لا يعرف نية الحج و لو مات عندنا قبل البلوغ كتب الله له تلك‏الحجة عن فريضته و لنا في ذلك خبر نبوي في الصبي قبل البلوغ‏ و العبد فللصبي الرضيع الإسلام العام الذي يثبته المحقق و قد اعتبره الشرع‏ رفعت امرأة صبيا لها صغيرا فقالت يا رسول الله أ لهذا حج قال لها نعم و لك أجر فنسب الحج لمن لا قصد له فيه فلو لم يكن لذلك الرضيع قصد بوجه ما عرفه الشارع صاحب الكشف ما صح أن ينسب الحج إليه و كان ذلك كذبا كانت امرأة ترضع صغيرا لها فمر رجل ذو شارة حسنة و خول و حشمة فقالت المرأة اللهم اجعل ابني مثل هذا فترك الرضيع الثدي و نظر إليه و قال اللهم لا تجعلني مثله و مرت عليها امرأة و هي تضرب و الناس يقولون فيها زنت و سرقت فقالت المرأة اللهم لا تجعل ابني مثل هذه فترك الصغير الثدي و نظر إليها و قال اللهم اجعلني مثلها قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في ذلك الرجل كان جبارا متكبرا و قال في المرأة كانت بريئة مما نسب إليها و اتفق لي مع بنت كانت لي نرضع يكون عمرها دون السنة فقلت لها يا بنية فأصغت إلى ما تقول في رجل جامع امرأته فلم ينزل ما يجب عليه فقالت يجب عليه الغسل فغشي على جدتها من نطقها هذا شهدته بنفسي و كذلك زكاة الفطر على الرضيع و الجنين‏

(وصل في فصل حج الطفل)

فمن قائل بجوازه و من مانع و المجوز له صاحب الحق في هذه المسألة شرعا و حقيقة فإن الشرع أثبت له الحج و ليس العجب إلا أن الحج يثبت بالنيابة فهو بالمباشرة في حق الطفل أثبت على كل حال و سيأتي ذكر النيابة في هذا العمل فيما بعد إن شاء الله‏ و أين الإسلام في حق الصبي الصغير الرضيع فهل هو عند أهل الظاهر إلا بحكم التبع و أما عندنا فهو بالأصالة و التبع معا فهو ثابت في الصغير بطريقين و في الكبير بطريق واحد و هو الأصالة لا التبع فالإيمان أثبت في حق الرضيع فإنه ولد على فطرة الايمان و هو إقراره بالربوبية لله تعالى على خلقه حين الأخذ من الظهر الذرية و الإشهاد قال تعالى وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ من بَنِي آدَمَ من ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ فلو لم يعقلوا ما خوطبوا و لا أجابوا يقول ذو النون المصري كأنه الآن في أذني و ما نقل إلينا أنه طرأ أمرا خرج الذرية عن هذا الإقرار و صحته ثم إنه لما ولد ولد على تلك الفطرة الأولى فهو مؤمن بالأصالة ثم حكم له بإيمان أبيه في أمور ظاهرة فقال وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ يعني إيمان الفطرة أَلْحَقْنا بِهِمْ (ذُرِّيَّتَهُمْ) ذرياتهم فورثوهم و صلى عليهم إن ماتوا و أقيمت فيهم أحكام الإسلام كلها مع كونهم على حال لا يعقلون جملة واحدة ثم قال وَ ما أَلَتْناهُمْ من عَمَلِهِمْ من شَيْ‏ءٍ يعني أولئك الصغار ما أنقصناهم شيئا من أعمالهم و أضاف العمل إليهم يعني قولهم بَلى‏ فبقي لهم على غاية التمام ما نقصهم منه شيئا لأنهم لم يطرأ عليهم حال يخرجهم في فعل ما من أفعالهم عن ذلك الإقرار الأول كما طرأ للكبير العاقل فنقص من عمله ذلك بقدر ما طرأ عليه فأنقصه الله على قدر ما نقص‏ فالرضيع أتم إيمانا من الكبير بلا شك فحجه أتم من حج الكبير فإنه حج بالفطرة و باشر الأفعال بنفسه مع كونه مفعولا به فيها كما هو الأمر عليه في نفسه فإن الأفعال كلها لله فمن كل وجه صح له الحج حقيقة و شرعا و الطفل مباشر بلا شك و غير عاقل العقل المعتبر في الكبير بلا شك و غير متلفظ بالإسلام و لا معتقد له و لا عالم به بلا شك و نريد الاعتقاد و العلم المعروف عند أهل الرسوم في العرف كل ذلك غير موجود في الصبي الرضيع و قد باشر العمل و هو معمول به و أضاف الحج إليه الشارع و الصبي مستطيع في هذه الحالة بالاستعداد الذي هو عليه أن يكون معمولا به أعمال الحج كلها فهو محل للعمل لأنه وقف به في عرفة فوقف كما يقف الراكب بدابته و ينسب الوقوف إليه و يطوف على راحلته و يسعى بين الصفا و المروة و الراحلة هي التي تسعى و تطوف و تقف و ينسب ذلك كله إليه بحكم المباشرة و أنه باشر أفعال الحج بنفسه فكذلك الصغير الرضيع يطاف به و يسعى فهو مباشر أفعال الحج و يوقف به مستطيع بالوجه الذي ذكرناه من الاستعداد لقبول ما يفعل به كما استعد الكبير الراكب لقبول ما تفعل به راحلته من سكون و حركة و ينسب العمل إليه لا إلى الراحلة جريا على حكم الأصل الإلهي حيث تنسب الأفعال إلى العباد و الأفعال أعني خلقها الله تعالى على الحقيقة و هم محال ظهورها

(وصل في فصل الاستطاعة)

فمن قائل الزاد و الراحلة و من قائل من استطاع المشي فلا تشترط الراحلة و كذلك الزاد ليس من شرطه إذا كان يمكنه‏ الاكتساب في القافلة و لو بالسؤال هذا في المباشرة فالراحلة عين هذا الجسم لأنه مركب الروح الذي هو اللطيفة الإنسانية المنفوخة فيه فيما يصدر منه بوساطة هذا الجسم من أعمال صلاة و صدقة و حج و إماطة و تلفظ بذكر كل ذلك أعمال موصلة إلى الله عز و جل و السعادة الأبدية و الجسم هو المباشر لها و الروح بوساطته فلا بد من الراحلة أن تشترط في هذا العمل الخاص بهذه الصورة و أما الزاد فمن اعتبر فيه الزيادة و هو السبب الذي بوجوده يكون التغذي الذي تكون عنه القوة التي بها تحصل هذه الأفعال فبأي شي‏ء حصلت تلك القوة سواء بذاتها أو عند هذا الزائد المسمى زادا لأن الله زاده في الحجاب و لهذا تعلقت به النفس في تحصيل القوة و سكنت عند وجوده و اطمأنت و انحجبت عن الله به و هي مسرورة بوجود هذا الحجاب لما حصل لها من السكون به إذ كانت الحركة متعبة ظاهرا و باطنا و إذا فقد الزاد تشوش باطنه و اضطرب طبعا و نفسا و تقلق عند فقد هذا السبب المسمى زاد أو زال عنه ذلك السكون و الطمأنينة فكل ما يؤديه إلى السكون فهو زاد و هو حجاب أثبته الحق بالفعل و قرره الشرع بالحكم فيقوي أساسه‏ فلهذا كان أثر الأسباب أقوى من التجرد عنها لأن التجرد عنها خلاف الحكمة و الاعتماد عليها خلاف العلم فينبغي للإنسان أن يكون مثبتا لها فاعلا بها غير متعمد عليها و ذلك هو القوي من الرجال و لكن لا يكون له مقام هذه القوة من الاعتماد أن تؤثر فيه الأسباب إلا بعد حصول الابتلاء بالتجريد عن الأسباب المعتادة و طرحها من ظاهره و الاشتغال بها فإذا حصلت له هذه القوة الأولى حينئذ ينتقل إلى القوة الأخرى التي لا يؤثر فيها عمل الأسباب و أما قبل ذلك فغير مسلم للعبد القول به و هذا هو علم الذوق و حاله و العالم الذي يجد الاضطراب و عدم السكون فليس ذلك العلم هو المطلوب و المتكلم عليه فإنه غير معتبر بل إذا أمعنت النظر في تحقيقه وجدته ليس بعلم و لا اعتقاد فلهذا إلا أثر له و لا حكم في هذه القوة المطلوبة التي حصلت عن علم الذوق و الحال و هذا هو مرض النفس و أما وجود الإحساس بالآلام الحسية من جوع و تعب فذلك لا يقدح فإنه أمر يقتضيه الطبع ليس للنفس فيه تعمل و ليس بألم نفسي‏

(وصل في الاستطاعة بالنيابة مع العجز عن المباشرة)

فمن قائل بلزوم النيابة و منهم من قال لا يلزم مع العجز عن المباشرة و قد ثبت شرعا عندنا الأمر بالحج عمن لا يستطيع لوليه أو بالإجارة عليه من ماله إن كان ذا مال و سيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله‏ فاعلم إن النيابة صحيحة فإن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده‏ فناب منابه في ذلك القول و قال فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله فناب الرسول الله صلى الله عليه و سلم مناب الحق لو باشر الكلام منه بلا واسطة و قال في النيابة يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الْأَرْضِ و قال في العموم وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ و الاستخلاف نيابة فإن المال لله و التصرف لك فيه على حد من استخلفك فيه فهذا كله نيابة العبد عن الله في الأمور و أما نيابة الحق عن العبد فقوله تعالى لبني إسرائيل أَلَّا تَتَّخِذُوا من دُونِي وَكِيلًا و قال آمرا لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا و قال صلى الله عليه و سلم يخاطب ربه اللهم أنت الصاحب في السفر و الخليفة في الأهل‏ و الوكالة نيابة عن الموكل فيما وكله فيه إن يقوم مقامه فأثبت لك الشي‏ء و سالك أن تستنيبه فيه بحكم الوكالة فمن كل وجه النيابة مشروعة و هل تصح من جهة الحقيقة أم لا فمنا من يقول إنها تصح من جهة الحقيقة فإن الأموال ما خلقت إلا لنا إذ لا حاجة لله إليها فهي لنا حقيقة ثم وكلنا الحق تعالى أن يتصرف لنا فيها لعلمنا أنه أعلم بالمصلحة فتصرف على وجه الحكمة التي تقتضي أن تعود على الموكل منه منفعة فأتلف ماله هذا الوكيل الحق تعالى بغرق أو حرق أو خسف أو ما شاء تجارة له ليكسبه بذلك في الدار الآخرة أكثر مما قيل إنه في ظاهر الأمر إتلاف و ما هو إتلاف بل هي تجارة بيع بنسيئة يسمى مثل هذا تجارة رزء لكن ربحها عظيم و هذا علم يعرفه الوكيل لا الموكل و هو يحفظ عليه ما له لمصلحة أخرى يقتضيها علمه فيها و منا من وكل الله فاستخلفه الوكيل في التصرف على حد ما يرسمه الوكيل لعلم الوكيل بالمصلحة فصار الموكل وكيلا عن وكيله و هو الذي لا يتعدى الأمر المشروع في تصرفه فهو و إن كان المال له فالتصرف فيه بحكم وكيله و هذا نظر غريب و منا من قال لا تصح من جهة الحقيقة فإن الله ما خلق الأشياء و الأموال من الأشياء إلا له تعالى لتسبيحه و وقعت المنفعة لنا بحكم التبعية و لهذا قال وَ إِنْ من شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ فإذاخلق الأشياء من أجله لا من أجلنا فما لنا شي‏ء نوكله فيه لكن نحن وكلاؤه في الأشياء فحد لنا حدودا فنتصرف فيها على ما حد لنا فإن زدنا على ما رسم لنا أو نقصنا عاقبنا فلو كانت الأموال لنا لكان تصرفنا فيها مطلقا و ما وقع الأمر هكذا بل حجر علينا التصرف فيها فما هي وكالة مفوضة بل مقيدة بوجوه مخصوصة من رب المال الذي هو الحق الموكل و على كل وجه فالنيابة حاصلة إما منه تعالى و إما منا و قد ثبتت في أي طرف كان انتهى الجزء الثاني و الستون‏

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(وصل في فصل صفة النائب في الحج)

اختلف علماء الرسوم سواء كان المحجوج عنه حيا أو ميتا هل من شرطه أن يكون قد حج عن نفسه أم لا فمن قائل ليس من شرطه أن يكون قد حج عن نفسه و إن كان قد حج عن نفسه فهو أفضل و من قائل إن من شرطه أن يكون قد قضى فريضته و به أقول‏ اعلم أنه من رأى أن الإيثار يصح في هذا الطريق قال لا يشترط فيه إن يكون قد حج عن نفسه و ألحق ذلك بالفتوة حيث نفع غيره و سعى في حقه قبل سعيه في حق نفسه فله ذلك و لا سيما إن رأى أن مثل هذا الفعل هو في حق نفسه لما لها في الإيثار من الأجر فما آثر إلا نفسه و من رأى أن حق نفسه أوجب عليه من حق غيره و عامل نفسه معاملة الأجنبي و إنها الجار الأحق فهو بمنزلة من قال لا يحج عن غيره حتى يكون قد حج عن نفسه و هو الأولى في الاتباع و هو المرجوع إليه لأنه الحقيقة و ذلك أنه إن سعى أولا في حق نفسه فهو الأولى بلا خلاف و إن سعى في حق غيره فإن سعيه فيه إنما هو في حق نفسه فإنه الذي يجني ثمرة ذلك بالثناء عليه و الثواب فيه فلنفسه سعى في الحالتين و لكن يسمى بسعيه في حق غيره مؤثر التركة فيما يظهر حق نفسه لحق غيره الواجب على ذلك الغير لا عليه فإنه في هذا أدى ما لا يجب عليه و جزاء الواجب أعلى من جزاء غير الواجب لاستيفاء عين العبودية في الواجب و في الآخر رفعة و امتنان حالي على المتفتي عليه‏ فهو قائم في حق الغير بصفة إلهية لأن لها الامتنان و هو في قيام حق نفسه من طريق الوجوب تقيمه صفة عبودية محضة و هو المطلوب الصحيح من العبد الذي يضيف الفعل المذموم و المكروه في الطبع و العادة و العرف إلى نفسه إيثارا منه لجناب ربه حتى لا ينسب إليه ما جرى عليه لسان ذم كالذنب و لسان كراهة الطبع كالمرض و سائر العيوب غيرة على ذلك الجناب الإلهي و فداء له بنفسه و كذلك لو وقى عرض أخيه بعرضه كالمؤمن مع المؤمن و وقى ضررا كبيرا من نبي و رسول بنفسه كان أعلى ممن لم يفعل ذلك و آثر نفسه و هذا يرجع إلى قدر من آثرته على نفسك فمن راعى الإيثار و الفتوة عمم و من راعى من آثرته قسم الأمر إلى ما ذكرناه فهو بحسب ما يقام فيه و يخطر له هذا كله ما لم يقع فيه إجارة فإن وقعت النيابة بإجارة فلها حكم آخر

(وصل في الرجل يؤاجر نفسه في الحج)

فكرهه قوم مع الجواز و منعه قوم‏ العمل يقتضي الأجرة لذاته و هي العوض في مقابلة ما أعطى من نفسه و ما بقي إلا ممن تؤخذ فمنا من قال لا يأخذه من الله تعالى لأنه المستخدم لنا في ذلك العمل فالأجرة عليه ما من نبي و لا رسول إلا قد قال إذ قيل له قل فأمر فقال ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ من أَجْرٍ يعني في التبليغ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الله فما خرجوا عن الأجرة و التبليغ عن الله من أفضل القرب إلى الله و إن الله استخدمه في التبليغ مع كونه عبدا فتعينت عليه الأجرة سبحانه بتعيينه عوضا مما أعطاه من نفسه فيما استخدمه فيه و ترك مباحة الذي هو له و تخييره و من رأى أن العوض إنما يستحقه من وقعت له المنفعة في ذلك التبليغ طلب الأجرة من المتعلم لأن المنفعة هو حصلها فالعوض يطلب منه فموضع الإجماع ثبوت الإجارة لأن المانع لا يمنعها و إنما يمنعها الخلق من جانب الحق غيرة إن يعبد لأمر لا لعينه لما في ذلك من عدم تعظيم الجناب الإلهي و هذا موجود كثير مثل النهي أن يفرد يوم الجمعة بصيام لعينه و كذلك قيام ليلتها و كذلك من يستحسن فعل عبادة بموضع يستحسنه و ليس هذا من شأن القوم فإنهم قد أدركوا حرمان ذلك ذوقا و خسرانه‏ مر رجل من القوم مع جماعة ممن سخر لهم الهواء و هم يسيرون فيه فالتفت واحد منهم في طريقه فنظر إلى الأرض و إذا هم قد جازوا بقعة خضراء فيها عين خرارة فاستحسن ذلك طبعا فخطر له لو ركع فيها ركعتين فسقط من بين الجماعة و ما رجع بعد ذلك إلى تلك الحالة لأنه ما طلب العبادة لما يستحقه الحق و إنما كان الباعث لذلك الطلب الطبع في ذلك المكان لحسنه طبعا فعوقب فمن رأى هذا قال لا أجرة إلا من الله إذ العمل بذاته يطلب الأجرة و لا بد

(وصل في فصل حج العبد)

فمن قائل بوجوبه عليه و من قائل لا يجب عليه حتى يعتق و بالأول أقول و إن منعه سيده مع القدرة على تركه لذلك كان السيد عندنا من الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله‏ كان أحمد بن حنبل في حال سجنه أيام المحنة إذا سمع النداء للجمعة توضأ و خرج إلى باب السجن فإذا منعه السجان و رده قام له العذر بالمانع من أداء ما وجب عليه و هكذا العبد فإنه من جملة الناس المذكورين في الآية اعلم أن من استرقه الكون فلا يخلو إما أن استرقه بحكم مشروع كالسعي في حق الغير و السعي في شكر من أنعم عليه من المخلوقين نعمة استرقه بها فهذا عبد لا يجب عليه الحق فإنه في أداء واجب حق مشروع يطلبه به ذلك الزمان و هو عند الله عبد لغير الله عن أمر الله لأداء حق الله و إن كان استرقه غرض نفسي و هوى كياني ليس للحق المشروع فيه رائحة وجب عليه إجابة الحق فيما دعاه الله من الحج إليه في ذلك الفعل فإذا نظر إلى وجه الحق في ذلك الغرض كان ذلك عتقه فوجب الحج عليه و إن غاب عنه ذلك لغفلة لم يجب عليه و كان عاصيا لمعرفته بأن الله خاطبه بالحج مطلقا و إن كان مشهده في ذلك الوقت أنه مظهر و المخاطب بالحج الظاهر فيه و ليس عينه لم يوجب الحج عليه و هذا هو العبد المخلص لله و هذه عبودة لا عتق فيها أ لا ترى أن الشارع قد قال في الصبي يحج و العبد يحج قبل إن يعتق ثم يموت قبل العتق و يموت الصبي قبل البلوغ إن ذلك الحج يكتب له عن فريضته و ذلك لأنه خرج بالموت عن رق الغير فعتق بالموت و حينئذ كتب له ذلك الحج بأداء واجب و إن كان فعله في غير زمان الوجوب على من يقول بذلك‏

(وصل في فصل هذه العبادة هل هي على الفور أو على التراخي و التوسعة)

فمن قائل على الفور و من قائل على التراخي و بالفور أقول عند الاستطاعة الأسماء الإلهية على قسمين في الحكم في العالم من الأسماء من يتمادى حكمه ما شاء الله و يطول فإذا نسبته من أوله إلى آخره قلت بالتوسع و التراخي كالواجب الموسع بالزمان فكل واجب توقعه في الزمان الموسع فهو زمانه سواء أوقعته في أول الزمان أو في آخره أو فيما بينهما فإن الكل زمانه و أديت واجبا فاستصحاب حكم الاسم الإلهي على المحكوم عليه موسع كالعلم في استصحابه للمعلومات و كالمشيئة و هكذا المكلف إن شاء فعل في أول و إن شاء فعل في آخر و لا يقال هنا و إن شاء لم يفعل لأن حقيقة فعل أثر و حقيقة لم يفعل استصحاب الأصل فلا أثر فلم يكن للمشيئة هنا حكم عياني و من الأسماء من لا يتمادى حكمه كالموجد فهو بمنزلة من هو على الفور فإذا وقع لم يبق له حكم فيه فإنه تعالى إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ على الفور من غير تراخ فإن الموجد ناظر إلى تعلق الإرادة بالكون فإذا رأى حكمها قد تعلق بالتعيين أوجد على الفور مثل الاستطاعة إذا حصلت تعين الحج‏

(وصل في فصل وجوب الحج على المرأة و هل من شرط وجوبه أن يسافر معها زوج أو ذو محرم أم لا)

فقيل ليس من شرط الوجوب ذلك و قيل من شرطه وجود المحرم و مطاوعته‏ النفس تريد الحج إلى الله و هو النظر في معرفة الله من طريق الشهود فهل يدخل المريد إلى ذلك بنفسه أو لا يدخل إلى ذلك إلا بمرشد و المرشد أحد شخصين إما عقل وافر و هو بمنزلة الزوج للمرأة و إما علم بالشرع و هو ذو المحرم فالجواب لا يخلو هذا الطالب أن يكون مرادا مجذوبا أو لا يكون فإن كان مجذوبا فالعناية الإلهية تصحبه فلا يحتاج إلى مرشد من جنسه و هو نادر و إن لم يكن مجذوبا فإنه لا بد من الدخول على يد موقف إما عقل أو شرع فإن كان طالبا المعرفة الأولى فلا بد من العقل بالوجوب الشرعي و إن طلب المعرفة الثانية فلا بد من الشرع يأخذ بيده في ذلك فبالمعرفة الأولى يثبت الشرع عنده و بالمعرفة الثانية يثبت الحق عنده و يزيل عنه من أحكام المعرفة الأولى العقلية نصفها و يثبت له نصفها فالعقل مع الشرع في هذه المسألة كملك ولى في ملكه نائبا و أيده و قواه و احتجب الملك عن رعاياه و تحكم النائب و استفحل فلما قوى‏و استحكم و انصبت إليه قلوب الرعايا و أحبته و ملكها بإحسانه تقوى على الملك و عزله و خلعه على غير علم من الرعايا فقال له الملك إذ خلعتني فلا تظهر للرعية أنك خلعتني فتنسب إلى قلة المروءة حيث وليتك على علم منهم فجازيتني بالإساءة فربما يتطرق إليك الذم فلا تفعل و إني قد عهدت إلى الرعية عند ما وليتك و استنبتك أن يسمعوا لك و يطيعوا و جعلت لك النظر فيهم بما تراه و قلت لهم إن جميع ما يراه هذا النائب فاعملوا به سواء خالف نظري و رأيى أو وافقه فإني قد علمت أنه ما يأمركم إلا بما فيه صلاحكم فقد مشيت لك مرادك في الملك فإنك تحتاج إلي في أوقات فإنهم لو لا أني آمرهم من حيث لا تشعر ما أطاعوك و ردوا أمرك فليس لك مصلحة في إظهار خلعي و عزلي فإنهم إن صح عندهم عزلي لم يقبلوا منك و عزلوك و لم يسمعوا لك و لا أطاعوا فهذا مثل العقل الذي أعطى المعرفة الأولى و هو الملك و الشرع مثله مثل النائب و ما خاطب الشارع إلا ليسمع و لا يسمع منه إلا ذو عقل فبالعقل الذي ولاة به يسمع المكلف خطابه لأنه إذا زال العقل سقط التكليف و لم يبق للشرع عليه سلطان و لا حجة فأولو الألباب و النهي هم المخاطبون و هذا هو عين إمداد الملك للرعايا الذي أوصاه بحفظه عليهم فافهم فهذه المعرفة الثانية بالله الذي أعطاها النائب في العامة و الملك الذي هو العقل لا يعرفها و لكن أمر بقبولها حتى لا ينسب إلى التقصير و لا يتحدث عنه أنه عزل و لذلك تأول من العقلاء من تأول ما جاءت به الشريعة مما يخالف نظر العقل و سلمه آخرون فلم يقولوا فيه بشي‏ء فإنهم قالوا قد تقرر عندنا من الملك لما ولاة أن نسمع له و نطيع على كل حال فلا نسفه رأى العقل في توليته الشرع و استنابته و هكذا وقعت صورة الحال لمن نظر و استبصر فهذا اعتبار المرأة في السفر إلى الحج و ما فيه من الخلاف الذي تقدم في وجوب ذي المحرم أو سقوطه‏

(وصل في فصل وجوب العمرة)

فمن قائل بوجوبها و من قائل إنها سنة و من قائل إنها تطوع العمرة الزيارة للحق بعد معرفته بالأمور المشروعة فإذا أراد أن يناجيه فلا يتمكن له ذلك إلا بأن يزوره في بيته و هو كل موضع تصح فيه الصلاة فيميل إليه بالصلاة فيناجيه لأن الزيارة الميل و منه الزور و زار فلان القوم إذا مال إليهم و كذلك إذا أراد أن يزوره بخلعته تلبس بالصوم و تجمل به ليدخل به عليه و إذا أراد أن يزوره بعبوديته تلبس بالحج فالزيارة لا بد منها و العمرة واجبة في أداء الفرائض سنة في الرغائب تطوع في النوافل غير المنطوق بها في الشرع فأي جانب حكم عليك مما ذكرناه حكمت على العمرة به من وجوب أو سنة أو تطوع فافهم‏

(وصل في فصل في المواقيت المكانية للإحرام)

و هي أربعة بالاتفاق و خمسة باختلاف ذو الحليفة و الجحفة و قرن و يلملم و ذات عرق و هو المختلف فيه أعني ذات عرق هل وقته رسول الله صلى الله عليه و سلم أو عمر بن الخطاب و قيل العقيق و جعلوه أحوط من ذات عرق فكان سادسا بخلاف فأشبه عدد المواقيت أعداد الصلوات‏ فمن جعلها أربعة اعتبر أن المغرب وتر صلاة النهار فكأنه جي‏ء بها لغيرها لا لنفسها كما في صلوات الفرض و من اعتبر الفرضية في الجميع قال خمسة و من اعتبر قوله عليه السلام إن الله زادكم صلاة إلى صلاتكم قال بوجوب الوتر لأن كل فرض واجب فاجتمع الوتر مع الخمس الصلوات المفروضة بالقطع في الوجوب لا في الفرضية فارتفع عن درجة التطوع و مما يقوي وجوبه تشبيهه بصلاة المغرب فقال في الوتر إنه لصلاة الليل فيقوي لشبهة بالفرض في المغرب حيث جعل وتر الصلاة النهار و ضعف المغرب عن باقي الصلوات المفروضة لكون الوتر الذي ليس بفرض بالاتفاق شبه به فعين ما يقوى به الوتر هو الذي أضعف المغرب‏ و الصلاة نور و الحج عبودية فارتبطا فإن الله قسم الصلاة بينه و بين العبد و المواقيت مكانية و مواقيت الفرائض الجماعة في المساجد

(وصل في فصل حكم هذه المواقيت)

فمن مر عليها و هو يريد الحج و العمرة و تعداها و لم يحرم منها فإن عليه دما و قال قوم لا دم عليه و الذين قالوا بالدم فيهم من قال إن رجع إلى الميقات و أحرم سقط عنه الدم و منهم من قال لا يسقط و إن رجع و قال قوم إن لم يرجع إلى الميقات فسدحجه إذا تعين الدم فلا يسقط عمن تعين عليه‏ لما تعين ذبح ولد إبراهيم الخليل على إبراهيم لم يسقط عنه الدم أصلا ففداه الله بِذِبْحٍ عَظِيمٍ و هو الكبش حيث جعل بدل إفساد بنية نبي مكرم فحصل الدم لأنه وجب و بعد أن وجب فلا يرتفع فصارت صورة ولد إبراهيم صورة كبش كسوق الجنة يدخل في أي صورة شاء فذبحت صورة الكبش و ليس ولد إبراهيم صورة الإنسان و هذا سبب العقيقة التي كل إنسان مرهون بعقيقته‏ (حكاية شهدناها) قيل لبعض شيوخنا عن بنت من بنات الملوك ممن كان الناس ينتفعون بها و كان لها اعتقاد في هذا الشيخ فوجهت إليه ليدخل عليها فدخل عليها و الملك الذي هو زوجها عندها فقام إليه السلطان إجلالا ثم نظر إليها الشيخ و هي في النزع فقال الشيخ أدركوها قبل أن تقضي قال له الملك بما ذا قال بديتها اشتروها فجي‏ء إليه بديتها كاملة فتوقف النزع و الكرب الذي كانت فيه و فتحت عينيها و سلمت على الشيخ فقال لها الشيخ لا بأس عليك و لكن ثم دقيقة بعد أن حل الموت لا يمكن أن يرجع خائبا فلا بد له من أثر و نحن قد أخذناك من يده و هو يطالبنا بحقه فلا ينصرف إلا بروح مقبوضة و أنت إذا عشت انتفع بك الناس و أنت عظيمة القدر فلا نفديك إلا بعظيم ما عندي من هذا الموت و لي بنت هي أحب البنات إلى أنا أفديك بها ثم رد وجهه إلى ملك الموت و قال له لا بد من روح ترجع بها إلى ربك هذه بنتي تعلم محبتي فيها خذ روحها بدلا من هذه الروح فإني قد اشتريتها من الحق و باعني إياها و ابنتي جعلك و حق لمجيئك ثم قام و خرج إلى ابنته و قال لابنته و ما بها بأس يا بنية هبيني نفسك فإنك لا تقومين للناس مقام زينب بنت أمير المؤمنين في المنفعة فقالت يا أبت أنا بحكمك قد وهبتك نفسي فقال للموت خذها فماتت من وقتها فهذه عين مسألة الخليل و ولده صلى الله عليهما فهذه الموازنات الإلهية لا يعرفها إلا أهلها و عندنا إن الجعل لا بد منه و لا نلتزم أخذ روح و لا بد فإنا قد رأينا مثل هذا من نفوسنا فاشتريناه و ما أعطينا فيه روحا و إنما فعل ذلك الشيخ لحال طرأ عليه في نفسه أوجب عليه ما فعله من إعطاء ابنته لأن مشهده في ذلك الوقت كانت قصة إبراهيم عليه السلام فحكم عليه حال إبراهيم عليه السلام فإن فهمت ما قلناه سعدت قال الله تعالى إِنَّ الله اشْتَرى‏ من الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا يعني الجنة فلو لم يشتر أموالهم حتى حال بينهم و بينها لكان لهم ما يصلون به إلى المنعة ببقاء الحياة لبقاء الفداء الحاصل بالمال فلما أفلسهم أعدمهم فكان مشهد الشيخ من هذه الآية فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ و كان مشهدنا نحن في هذه المسألة عين الشراء لا غير و هو الحي فمن كان عنده حي و لا بد فأعطينا العوض الذي اشترينا به حياته فبقي حيا و ما ظهر للموت أثر في ذلك المشهد فهذه آثار الأحوال على قدر الشهود و هي علوم الأذواق فهي عزيزة المنال فما كل عارف يعرفها و هي موازين لا تخطي فإنها بالوضع الإلهي نزلت ليوم القيامة بخلاف نزولها في الدنيا فإنها نزلت تعريفا و عند أهل الشهود في الدنيا كالأنبياء و في يوم القيامة نزلت حقيقة بيد حق فلذلك ما جار نبي في حكم و فرضت له العصمة في أحكامه و كذلك الولي محفوظ في ميزانه و إن كانت العامة تنسبه إلى الجور فليس جورا في نفس الأمر و إنما هو جور بالنظر إلى موازينهم حيث لم يوافقها و كل حق فإنه ثم ميزان عموم كميزان الإجماع و ميزان خصوص مثل هذا الميزان و ميزان المجتهد في الحكم و لكن بقي أي ميزان أفضل في الخصوص هل هو ميزان المجتهد أو ميزان صاحب الكشف كما اختلفوا في إحرام الرجل من الميقات أو من منزله الخارج عن الميقات فمن قائل إن الإحرام من منزله الخارج عن الميقات أفضل و من قائل إن الإحرام من الميقات أفضل و لكن على من يجيز الإحرام قبل الميقات فمن راعى الاتباع فضل الميقات و من راعى المسارعة إلى التلبس بالعبادات مخافة الفوت فضل الإحرام من المنزل الذي خارج الميقات لكن المجمع عليه الميقات و هو تقييد و الأفضل التقييد في الدين فإن المباح الذي هو المطلق لا أجر فيه و لا وزر و العبادات تكليف و التكليف تقييد و جزاء تقييد الواجب أوجبه من أوجبه أعلى من الجزاء في الغير المقيد لأنه قد ورد أن الله يقول ما تقرب أحد بأحب إلي من تقربه بما افترضت عليه فجعله حب إليه من غير ذلك و هنا أسرار إلهية لا تتجلى إلا لأهل الفهم عن الله أهل الستر و الكتم جعلنا الله منهم و أرجو أن أكون‏

(وصل في فصل حكم من مر على ميقات و أمامه ميقات آخر و هو يريد الحج أو العمرة)

اختلف الناس فيمن يريد الحج أو العمرة فيمر على ميقات و أمامه ميقات آخر فلم يحرم في الأول و تعدى إلى الآخر كالمار بذي الحليفة فلم يحرم و تعدى إلى الجحفة فإنها في طريقه فقال قوم عليه دم و قال قوم ليس عليه شي‏ء فمن راعى المسارعة إلى التلبس بالعبادة أعني بهذه العبادة الخاصة و رأى أن المسارعة إلى الخيرات سنة مؤكدة قال إن عليه دما في تعديها و من رأى أن الأصل في الدين رفع الحرج و قول الله تعالى يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ فارادة موافقة الحق فيما أراده أولى و كل عبادة فأخر و قال لا دم عليه‏ فالعارف إذا كان مشهده الاسم الأول المقيد بالآخر الأول المطلق الذي لا يتقيد بالآخر رأى أن التلبس بالعبادة في الآخر الذي لا يجوز تعديه و لا فسحة فيه أولى فإنه فيه صاحب فرض من كل وجه لا يسعه تركه و من رأى أن التلبس بهذه العبادة بحكم الاسم الأول أولى لكونه لا علم له بإتمامها فلا يدري هل يموت قبل أن يتلقاه الاسم الآخر فإن لم يحرم فارق موطن التكليف و هو لم يتلبس بعبادة الله اقتضاها له الموطن فحرم تجليها الإلهي فهو بحسب ما أشهده الحق و ما خرج في هذا كله عن حكم اسم إلهي من الأسماء على شهود منه فإن قيل كيف يتعداه غير متلبس بهذه العبادة و الميقات يقضى عليه بسلطانه و هو الاسم الأول قلنا لا حكم للأسماء في الأشياء إلا باستعدادات الأشياء للقبول و قبولها بحسب الحال التي تكون عليها في نفسها من ذاتها فإن الأسباب الخارجة الموجبة لأمر ما تضعف عن مقاومة الأسباب الداخلة التي في المكلف فربما يكون حال هذا المتعدي حال الختم فيطلبه بالتأخير فيعرف ذلك الاسم الأول فيضعف موطن ميقاته عن التأثير فيه لأنه ليس عين مشهده فيتعدى إلى الميقات الثاني لأن له الاسم الآخر و لا شك أن الآخر في الطريق يتضمن حكمه ما تقدمه مضافا إلى خصوصيته بخلاف الأول فالأول يدرج في الثاني و ليس الثاني مدرجا في الأول‏ و من أصول القوم أن العارف لو جلس مع الله كذا و كذا سنة و فاتته لحظة من الله في وقته كان الذي فإنه في تلك اللحظة أكثر مما ناله قبل ذلك و سببه أن كل لحظة إلهية متاخرة تتضمن ما تقدمها من اللحظات و فيها خصوصيتها التي بها تميزت و بتلك الخصوصية صحت لها الكثرة على ما تقدمها فلهذا لم ير بالتعدي بأسا محمد صلى الله عليه و سلم آخر المرسلين فحصل جميع مقامات الرسل و زاد بخصوصيته بلا شك لأنه آخر النبيين و في هذا إشارة لمن فهم فإن قيل إذا تلبس بالعبادة أولا و مر على الآخر و هو متلبس فقد حصل له ما في الآخر بمروره متلبسا بها قلنا هكذا هو إلا أنه لم يحصل له في الثاني الحكم الخاص بالثاني الذي هو الإنشاء منه و هو أوليته فيفوته أولية الإنشاء منه لهذه العبادة بالاسم الآخر فلهذا تعدى إليه قال السائل كذلك أيضا يفوته أولية الأول في الإنشاء قلنا إن كل أولية مضافة تحكم عليها حقيقة الأولية التي لا تضاف و هي المعتبرة فما فاته ما يتحسر عليه إذ حقيقتها موجودة في أولية الآخر و الآخر لا وجود له في الأول‏ و من نظر في الأسماء بهذه العين علم كيف يقبل تصريفها فيه و يعين لها من ذاته ما يليق بها على شهود منه و بينة و علم صحيح و بهذا يتميز لأنه في نفس الأمر كذا هو ما يتلقاه منه إلا ما يليق به و لكن لا علم لكل أحد بذلك و بهذا تتفاوت الناس و يرفع الله درجات بعضهم على بعض و يعلم أيضا كيف يصرفها في غيره إذا مكنته من نفسها أو مكنه منها حاله لأنه ليس في الحقيقة أن يقوم بك العلم و لا تكون عالما فهذا هو التمكن الحالي الذي تقتضيه ذاته و لا يصح غيره لأن المعاني توجب أحكامها لمن قامت به و لو لا ذلك ما صح وجود العالم عن الحق أ لا ترى أن المحال لما لم يكن في استعداده قبول ما يقبله الممكن من الوجود لم يكن له وجود و لا يصح كالشريك لله تعالى في ألوهيته و لما كان الممكن في استعداده الذاتي قبول الإيجاد وجد فلا تغب عن حقائق الأمور فإنها تتداخل في حكم الناظر فيها لا في نفسها و من غاب عن الحقائق هوى في مهاوي الجهالات و يفوته درجة العلم الذي أمر الله نبيه بطلب الزيادة منه فلا شي‏ء أشرف من العلم و لم يأمر بطلب زيادة في غيره من الصفات لأنه الصفة العامة التي لها الإحاطة بكل صفة و موصوف‏

(وصل في فصل الآفاقي يمر على الميقات يريد مكة و لا يريد الحج و لا العمرة)

اختلف العلماء فيمن ليس من أهل مكة يريد مكة و لا يريد حجا و لا عمرة و مر على ميقات من المواقيت هل يلزمه الإحرام أم لا إذا لم يكن ممن يكثر التردد إلى مكة فقال قوم يلزمه الإحرام و قال قوم لا يلزمه الإحرام و به أقول‏ رجال الله على نوعين رجال يرون أنهم مسيرون و رجال يرون أنهم يسيرون فمن رأى أنه مسير لزمه الإحرام‏على كل حال فإنه مسير على كل حال و من رأى أنه يسير لا غير فهو بحكم ما بعثه على السير فإن كان بعثه باعث يقتضي الإحرام أحرم فإنه كمن أراد الحج أو العمرة أو هما معا و إن كان باعثه غير ذلك فهو بحسب باعثه كما قاله صلى الله عليه و سلم لمن أراد الحج و العمرة و قال صلى الله عليه و سلم في الصحيح أيضا إنما الأعمال بالنيات و إنما لكل امرئ ما نوى‏ فليس له أن يحرم و هو لم ينو حجا و لا عمرة و ما عندنا شرع يوجب عليه أن ينوي الحج أو العمرة و لا بد ثم فسر رسول الله صلى الله عليه و سلم لنا ما أراد و ما حجر و لا ذم‏ فقال فمن كانت هجرته إلى الله و رسوله فهجرته إلى الله و رسوله و من كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه‏

(وصل في فصل ميقات الزمان)

يقول الله تعالى الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فمن قائل هي شوال و ذو القعدة و ذو الحجة و به أقول و من قائل شوال و ذو القعدة و تسع من ذي الحجة و من قائل في أي وقت شاء من السنة و كذلك العمرة في أي وقت شاء من السنة و كرهها بعضهم في يوم عرفة و يوم النحر و أيام التشريق و اختلفوا في تكرارها في السنة الواحدة فمنهم من استحب عمرة في كل سنة و كره ما زاد على ذلك و منهم من قال لا كراهة في ذلك و به أقول‏ اعلم أن الميقات الزماني إنما عينه الاسم الإلهي الدهر و اعلم أن الزمان منه ما هو فوق الطبيعة و هو مذهب المتكلمين و منه ما هو تحت الطبيعة فله الحكم العام فالذي له من الحكم تحت الطبيعة فحكم جسماني يتميز بحركات الأفلاك و الزمان في نفسه معقول و الطريق إلى معقوليته الوهم فهو امتداد متوهم تقطعه حركات الأفلاك كالخلاء امتداد متوهم لا في جسم فحاصله على هذا القول أنه عدم لا وجود و أما الزمان الذي فوق الطبيعة فتميزه الأحوال و تعينه في أمر وجودي يلقيه إلى العقل الاسم الدهر و تصحبه لفظة متى في لسان العرب فمتى يصحب الزمان الطبيعي و غير الطبيعي و قد وقع في الأمور و النسب الإلهية و الزمانية نسبة الزمان و المكان و هما ظرفان ففي المكان‏ قول رسول الله صلى الله عليه و سلم للسوداء أين الله‏ و قوله تعالى هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ الله في ظُلَلٍ من الْغَمامِ فذكر اعتقادهم و ما جرح و ما صوب و لا أنكر و لا عرف و مثل هذا في الشرع كثير و في الزمان قوله سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ و لِلَّهِ الْأَمْرُ من قَبْلُ وَ من بَعْدُو قد ورد في الصحيح لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر تنزيها لهذه اللفظة أي أنها من الألفاظ المشتركة كالعين و المشتري فالدهر الزماني مظهر للاسم الدهر و الاسم بالفعل هو الظاهر فيه و الفعل في الكون للظاهر لا للمظهر و حكم المظهر إنما هو في الظاهر حيث سماه بنفسه و لهذا تأوله من تأوله فقال معناه إنه الفاعل في الدهر و هذا خطأ بين لأنه لم يفرق بين الفعل من حيث نسبته إلى الفاعل و نسبته إلى المفعول فالحق فاعل و المفعول واقع في الدهر و الفعل حال بين الفاعل و المفعول و لم يفرق هذا المتأول بين الفاعل و المفعول فهلا سلم علم ذلك لقائله و هو الله تعالى و لا تأوله تأول من لا يعرف ما يستحقه جلال الله من التعظيم‏

(وصل في فصل الإحرام)

و هو أول التلبس بهذه العبادة (حكاية الشبلي في ذلك) قال صاحب الشبلي و هو صاحب الحكاية عن نفسه قال لي الشبلي عقدت الحج قال فقلت نعم فقال لي فسخت بعقدك كل عقد عقدته منذ خلقت مما يضاد ذلك العقد فقلت لا فقال لي ما عقدت ثم قال لي نزعت ثيابك قلت نعم فقال لي تجردت من كل شي‏ء فقلت لا فقال لي ما نزعت ثم قال لي تطهرت قلت نعم فقال لي زال عنك كل علة بطهرك قلت لا قال ما تطهرت ثم قال لي لبيت قلت نعم فقال لي وجدت جواب التلبية بتلبيتك مثله قلت لا فقال ما لبيت ثم قال لي دخلت الحرم قلت نعم قال اعتقدت في دخولك الحرم ترك كل محرم قلت لا قال ما دخلت ثم قال لي أشرفت على مكة قلت نعم قال أشرف عليك حال من الحق لإشرافك على مكة قلت لا قال ما أشرفت على مكة ثم قال لي دخلت المسجد قلت نعم قال دخلت في قربه من حيث علمت قلت لا قال ما دخلت المسجد ثم قال لي رأيت الكعبة فقلت نعم فقال رأيت ما قصدت له فقلت لا قال ما رأيت الكعبة ثم قال لي رملت ثلاثا و مشيت أربعا فقلت نعم فقال هربت من الدنيا هربا علمت أنك قد فاصلتها و انقطعت عنها و وجدت بمشيك الأربعة أمنا مما هربت منه فازددت لله شكرا لذاك فقلت لا قال ما رملت ثم قال لي صافحت الحجر و قبلته قلت نعم فزعق زعقة و قال‏ ويحك إنه قد قيل إن من صافح الحجر فقد صافح الحق سبحانه و تعالى و من صافح الحق سبحانه و تعالى فهو في محل إلا من أظهر عليك أثر إلا من قلت لا قال ما صافحت ثم قال لي وقفت الوقفة بين يدي الله تعالى خلف المقام و صليت ركعتين قلت نعم قال وقفت على مكانتك من ربك فأريت قصدك قلت لا قال فما صليت ثم قال لي خرجت إلى الصفا فوقفت بها قلت نعم قال أيش عملت قلت كبرت سبعا و ذكرت الحج و سألت الله القبول فقال لي كبرت بتكبير الملائكة و وجدت حقيقة تكبيرك في ذلك المكان قلت لا قال ما كبرت ثم قال لي نزلت من الصفا قلت نعم قال زالت كل علة عنك حتى صفيت قلت لا فقال ما صعدت و لا نزلت ثم قال لي هرولت قلت نعم قال ففررت إليه و برئت من فرارك و وصلت إلى وجودك قلت لا قال ما هرولت ثم قال لي وصلت إلى المروة قلت نعم قال رأيت السكينة على المروة فأخذتها أو نزلت عليك قلت لا قال ما وصلت إلى المروة ثم قال لي خرجت إلى منى قلت نعم قال تمنيت على الله غير الحال التي عصيته فيها قلت لا قال ما خرجت إلى منى ثم قال لي دخلت مسجد الخيف قلت نعم قال خفت الله في دخولك و خروجك و وجدت من الخوف ما لا تجده إلا فيه قلت لا قال ما دخلت مسجد الخيف ثم قال لي مضيت إلى عرفات قلت نعم قال وقفت بها قلت نعم قال عرفت الحال التي خلقت من أجلها و الحال التي تريدها و الحال التي تصير إليها و عرفت المعرف لك هذه الأحوال و رأيت المكان الذي إليه الإشارات فإنه هو الذي نفس الأنفاس في كل حال قلت لا قال ما وقفت بعرفات ثم قال لي نفرت إلى المزدلفة قلت نعم قال رأيت المشعر الحرام قلت نعم قال ذكرت الله ذكرا أنساك ذكر ما سواه فاشتغلت به قلت لا قال ما وقفت بالمزدلفة ثم قال لي دخلت منى قلت نعم قال ذبحت قلت نعم قال نفسك قلت لا قال ما ذبحت ثم قال لي رميت قلت نعم قال رميت جهلك عنك بزيادة علم ظهر عليك قلت لا قال ما رميت ثم قال لي حلقت قلت نعم قال نقصت آمالك عنك قلت لا قال ما حلقت ثم قال لي زرت قلت نعم قال كوشفت بشي‏ء من الحقائق أو رأيت زيادات الكرامات عليك للزيارة

فإن النبي صلى الله عليه و سلم قال الحجاج و العمار زوار الله و حق على المزور أن يكرم زواره‏ قلت لا قال ما زرت ثم قال لي أ حللت قلت نعم قال عزمت على أكل الحلال قلت لا قال ما أحللت ثم قال لي ودعت قلت نعم قال خرجت من نفسك و روحك بالكلية قلت لا قال ما ودعت و عليك العود و انظر كيف تحج بعد هذا فقد عرفتك و إذا حججت فاجتهد أن تكون كما وصفت لك‏ فاعلم أيدك الله أني ما سقت هذه الحكاية إلا تنبيها و تذكرة و أعلاما أن طريق أهل الله على هذا مضى حالهم فيه و الشبلي هكذا كان إدراكه في حجه فإنه ما سأل إلا عن ذوقه هل أدركه غيره أم لا و غيره قد يدرك هذا و قد يدرك ما هو أعلى منه و أدون منه فما منهم إلا من له مقام معلوم فما اخترعت في اعتباراتي في هذه العبادات طريقة لم أسبق إليها إلا أن الأذواق تتفاوت بحسب ما تكون عناية الله بالعبد في ذلك‏ ثم نرجع و نقول على نحو ما تقدم في الفصول و لنبتدئ أولا فيما يمنع المحرم أن يلبسه و هو القميص و العمامة و البرنس و الخلف إلا أن لا يجد النعل و السراويل إلا أن لا يجد الإزار و لا ثوبا مسه زعفران و لا ورس و فيما ذكرناه متفق عليه و مختلف فيه و في التفصيل تفسير إن شاء الله و حال الرجل في هذا يخالف حال المرأة فإن المرأة تلبس المخيط و الخفاف و الخمر و ما للمرأة إحرام إلا في وجهها و كفيها و سبب هذا كله في هذه العبادة أنهم و قد الله دعاهم الحق إلى بيته و ما دعاهم إليه سبحانه بمفارقة الأهل و الوطن و العيش الترف و حلاهم بحلية الشعث و الغبرة إلا ابتلاء ليريهم من وقف مع عبوديته ممن لم يقف و لهذا أفعال الحج أكثرها تعبدات لا تعلل و لا يعرف لها معنى من طريق النظر لكن تنال ربما من طريق الكشف و الإخبار الإلهي الوارد على قلوب الواردين العارفين من الوجه الخاص الذي لكل موجود من ربه فزينة الحاج تخالف زينة جميع العبادات فإنهم وفد الله الحاج منهم و المعتمر و أعني من انفرد بالحج و من انفرد بالعمرة فهما وفدان فالقارن بينهما له خصوص وصف لأنه جامع لمرتبة الوفدين لأن وفود الله ثلاثة على ما

ذكره النسائي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم وفد الله ثلاثة الغازي و الحج و المعتمر انتهى الجزء الثاني و الستون‏

( (بسم الله الرحمن الرحيم))

و اعلم أيضا أن المرأة إنما خالفت الرجل في أكثر الأحكام في الحج لأنها جزء منه و إن اجتمعا في الإنسانية و لكن تميزا بأمر عارض عرض لهما و هو الذكورية للرجل و الأنوثة للمرأة و خلقت منفعلة عنه ليحن إليها حنين من ظهرت سيادته بها فهو يحبها محبة من أعطاه درجة السيادة و هي تحن إليه و تحبه حنين الجزء إلى الكل و هو حنين الوطن لأنه وطنها مع ما يضاف إلى ذلك من كون كل واحد موضعا لشهوته و التذاذه و قد تبلغ المرأة في الكمال درجة الرجال و قد ينزل الرجل في النقص إلى ما هو أقل من درجة النقص الذي للمرأة و قد يجتمعان في أحكام من العبادات و يفترقان‏ غير أن الغالب فضل عقل الرجل على عقل المرأة لأنه عقل عن الله قبل عقل المرأة لأنه تقدمها في الوجود و الأمر الإلهي لا يتكرر فالمشهد الذي حصل للمتقدم لا سبيل أن يحصل للمتأخر لما قلنا من أنه تعالى لا يتجلى في صورة مرتين و لا لشخصين في صورة واحدة للتوسع الإلهي و هذه هي الدرجة التي يزيد بها الرجل على المرأة و أين الكل من الجزء و إن لحقه في الكمال و لكنه كمال خاص كما لحق بعض أعضاء الإنسان إذا قطع في الدية تلف الإنسان في كمالها و بعض الأعضاء على النصف من ذلك و أقل فما كل جزء يلحق بالكل في كل الدرجات‏ فحرم المخيط على الرجل في الإحرام و لم يحرم على المرأة فإن الرجل و إن كان خلق من مركب فهو من البسائط أقرب فهو أقرب الأقربين و المرأة خلقت من مركب محقق فإنها خلقت من الرجل فبعدت من البسائط أكثر من بعد الرجل و المخيط تركيب فقيل لها ابقي على أصلك و قيل للرجل ارتفع عن تركيبك فأمر بالتجرد عن المخيط ليقرب من بسيطه الذي لا مخيط فيه و إن كان مركبا فإنه ثوب منسوج و لكنه أقرب إلى الهباء منه من القميص و السراويل و كل مخيط و الهباء بسيط فما قرب منه عومل بمعاملته و ما بعد عنه تميز في الحكم عن القريب‏ ثم إن الرجل و هو آدم خلق على صورته و خلقت حواء على صورة آدم و خلق البنون من امتزاج الأبوين لا من واحد منهما بل من المجموع حسا و وهما فكان استعداد الأبناء أقوى من استعداد الأبوين لأن الابن جمع استعداد الاثنين فكمال الابن الكامل أعظم من كمال الأب و لهذا اختص محمد صلى الله عليه و سلم بالكمال الأتم لكونه ابنا و كل ابن في النشأة له هذا الكمال غير أنهم في الكمال يتفاضلون لأجل الحركات العلوية و الطوالع النورانية و الاقترانات السعادية فما كل ابن له هذا الكمال الثاني الزائد على نشأته فهذه دقيقة أخرى يعطيها الوجه الخاص الإلهي في التجلي للسبب الذي يكون عنه هذا الابن يعين ذلك الوجه اسم إلهي يكون في الكمال الإحاطي أكمل من غيره من الأسماء كالعالم فإنه أتم في الإحاطة من سائر الأسماء بما لا يتقارب‏ فمن كان ذا أب و أم و اسم إلهي إحاطي خاص رفيع الدرجات كان أكمل ممن كان ذا أب و أم و اسم إلهي دونه في الإحاطة و الدرجة و من كان عن أم و أب متوهم مثالي أشبه جده لأمه إذ لا أب له مثل عيسى عليه السلام فصفته صفة جده آدم في صدوره عن الأمر بذا ورد التعريف الإلهي فقال إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ الله كَمَثَلِ آدَمَ أي الاسم الإلهي الذي وجد عنه آدم وجد عنه عيسى خَلَقَهُ من تُرابٍ الضمير يعود على آدم فعيسى أخ لحواء و هو ابن بنتها و من كان عن أب دون أم قصر عن درجة أبيه كحواء خلقت من القصيري فقصرت و عوجها استقامتها فانحناؤها حنوها على أبنائها و على ما له من الخزائن مثل انحناء الأضلاع على ما في الجوف من الأحشاء و الأمعاء المختزنة فيه لصلاح صاحبه فاعوجاجها عين استقامتها التي أريدت له و لهذا اعوجاج القوس عين استقامته فإن رمت أن تقيمه على الاستقامة الخطية المعلومة كسرته فلم تبلغ أنت بالاستقامة التي تطلبها منه غرضك الذي تؤمله و هذا لجهلك بالاستقامة اللائقة به‏ فما في العالم إلا مستقيم عند العلماء بالله الواقفين على أسرار الله في خلقه فإنه قد بين لنا ذلك في قوله تعالى أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ و هو عين كمال ذلك الشي‏ء فما نقصه شي‏ء و سبب ذلك كوننا مخلوقين على من له الكمال المطلق فأشبهنا في التقييد بإطلاقه فإن الإطلاق تقييد بلا شك إذ به يميز عن المقيد فما يصدر عن الكامل شي‏ء إلا و ذلك على كماله اللائق به فما في العالم ناقص أصلا و لو لا الأعراض التي تولد الأمراض لتنزه الإنسان في صورة العالم كما يتنزه العالم و يتفرج فيه فإنه بستان الحق و الأسماء ملاكه بالاشتراك فكل اسم له فيه حصة فهذا الذي تعطيه الحقائق فالكمال للأشياء وصف ذاتي و النقص أمر عرضي و له كمال في ذاته‏فافهم فما هلك امرؤ عرف قدره فقد بان لك شأن المرأة من شأن الرجل و أنهما و إن افترقا من وجه فهما يجتمعان من وجه‏

(وصل في فصل اختلاف العلماء في المحرم إذا لم يجد غير السراويل هل له لباسها)

فمن قائل لا يجوز له لباسها فإن لبسها افتدى و من قائل يلبسها إذا لم يجد إزارا اعلم أن الإزار و الرداء لما لم يكونا مخيطين لم يكونا مركبين و لهذا وصف الحق نفسه بهما لعدم التركيب إذ كان كل مركب في حكم الانفصال و هذا سبب وجوب قول القائل بأن صفات المعاني الإلهية ليست بأعيان زائدة على الذات مخافة التركيب و نزع مثبتوها زائدة إلى أن يقولوا فيها لا هي هو و لا هي غيره لما في التركيب من النقص إذ لو فرض انفصال المتصل لصح و لم يكن محالا من وجه انفصاله و إنما يستحيل ذلك إذا استحال لاتصافه بالقدم الذي هو نفي الأولية و القديم لا شك أنه يستحيل أن ينعدم بالبرهان العقلي فإذا فرضنا عدم صفات المعاني التي بوجودها يكون كمال الموصوف ظهر نقص الموصوف و إن كان فرض محال لاستحالة عدم القديم و الله يقول لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا الله لَفَسَدَتا و هذا بطريق فرض المحال و الحق كامل الذات فاجعل بالك‏ يقول تعالى الكبرياء ردائي و العظمة إزاري‏ فهذا إحرام إلهي فإنه ذكر ثوبين ليسا بمخيطين فالحق سبحانه المحرم من الرجال بما وصف به نفسه و لم يفعل ذلك بالمرأة و لا أيضا حجر ذلك عليها فإنها قد تكمل في ذلك كما يكمل الرجال فلو لبسته المرأة لكان أولى بها عندنا فالمحرم قد تلبس بصفة هي للحق معنوية و في الخلق حسية هي في الحق كبرياء و عظمة و في الخلق رداء و إزار كما تلبس الصائم بصفة هي للحق و لهذا جعل في قواعد الإسلام مجاورا له و إن كان في الحقيقة وجود العظمة و الكبرياء إنما محلهما ظاهر العبد لا قلبه فقد تكون العظمة و الكبرياء حال الإنسان لا صفته و لو اتصف بها هلك جهلا و إذا كانتا حالا له في موطنهما نجا و سعد و شكر له ذلك فأول درجة هذه العبادة إن ألحق المتلبس بها من عباده بربه في التنزيه عن الاتصاف بالتركيب فتلبس بالكمال في أول قدم فيها و لهذا لا نجوز نحن للمحرم أن يلبس شيئا من المخيط و لا يغطي رأسه إلا لضرورة من أذى يلحقه لا يندفع ذلك الأذى إلا بلباس ما حجر عليه و إما إن فعله لغير أذى فما تلبس بالعبادة و لا حج و لا يفدي إلا من لبس ذلك من أذى و الأذى في الجناب الإلهي أن ينسب إلى التركيب لما فيه من النقص قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله فوصف نفسه بأنه يؤذي و جعل له هذا الأذى الاسم الصبور فلا أحد أصبر على أذى من الله‏ لقدرته على الأخذ عليه فلا يؤاخذ و يمهل‏ فالعبد إذا لم يقمه الله في مقام شهود العظمة التي هي الإزار و أقيم في مقام الإدلال فانبسط على الحق و هذا موجود في الطريق و قد وردت به الأخبار النبوية في عجوز موسى و غيره لبس السراويل ستر للعورة التي هي محل السر الإلهي و ستر للاذى لأنهما محل خروج الأذى أيضا فتأكد سترهما بما يناسبهما و هو السراويل و السراويل أشد في السترة للعورة من الإزار و القميص و غيره لأن الميل عن الاستقامة عيب فينبغي ستر العيب و لهذا سميت عورة لميلها فإن لها درجة السر في الإيجاد الإلهي و أنزلها الحق منزلة القلم الإلهي كما أنزل المرأة منزلة اللوح لرقم هذا القلم فلما مالت عن هذه المرتبة العظمى و المكانة الزلفى إلى أن تكون محلا لوجود الروائح الكريهة الخارجة منهما من أذى الغائط و البول و جعلت نفسها طريقا لما تخرجه القوة الدافعة من البدن سميت عورة و سترت لأنها ميل إلى عيب فالتحقت بعالم الغيب و انحجبت عن عالم الشهادة فبالسراويل لا تشهد و لا تشهد فالسراويل أستر في حقها و لكن رجح الحق الإزار لأنه خلق العبد للتشبه به لكونه خلقه على صورته‏

(وصل في فصل لباس المحرم الخفين)

فمن قائل و هو الأكثر إن المحرم يلبس الخفين إذا لم يجد النعلين و ليقطعهما أسفل من الكعبين و من قائل يلبسهما و لا يقطعهما و علل عطاء قطعهما بأنه فساد و الله لا يحب الفساد و مطلق حديث ابن عباس إن الخفين لمن لم يجد النعلين عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و لم يذكر قطعهما و به قال أحمد و عطاء القدم صفة إلهية وصف الحق بها نفسه و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ فمن راعى التنزيه و أدركته الغيرة على الحق في نزوله لما هو من وصف العبد المخلوق قال بلباس الخف غيرالمقطوع لأنه أعظم في الستر و من راعى ظهور ما أظهره الحق لكون الحق أعرف بنفسه من عبده به و نزه نفسه في مقام آخر لم يرد أن يتحكم على الحق بعقله و قال الرجوع إليه أولى من الغيرة عليه فإن الحقيقة تعطي أن يغار له لا عليه شرعا و ما شرع لباس الخفين إلا لمن لا يجد النعلين و النعل واق غير ساتر فقال بقطع الخفين و هو أولى‏

(وصل في فصل من لبسهما مقطوعتين مع وجود النعلين)

فمن قائل عليه الفدية و من قائل لا فدية عليه‏ لما اجتمع الخف مع النعل في الوقاية من أذى العالم الأسفل و زاد الخف الوقاية من أذى العالم الأعلى من حيث ما هما عالم لمشترك الدلالة و الدلالة تقبل الشبه و هو الأذى الذي يتعلق بها و لهذا معرفة الله بطريق الخبر أعلى من المعرفة بالله من طريق النظر فإن طريق الخبر في معرفة الله إنما جاء بما ليست عليه ذاته تعالى في علم الناظر فالمعرفة بالأدلة العقلية سلبية و بالأدلة الخبرية ثبوتية و سلبية في ثبوتية و سلبية في ثبوت فلما كان أكشف لم يرجح جانب الستر فجعل النعل في الإحرام هو الأصل فإنه ما جاء اتخاذ النعل إلا للزينة و الوقاية من الأذى الأرضي فإذا عدم عدل إلى الخف‏ فإذا زال اسم الخف بالقطع و لم يلحق بدرجة النعل لستره ظاهر الرجل فهو لا خف و لا نعل فهو مسكوت عنه كمن يمشي حافيا فإنه لا خلاف في صحة إحرامه و هو مسكوت عنه و كل ما سكت عنه الشرع فهو عافية و قد جاء الأمر بالقطع فالتحق بالمنطوق عليه بكذا و هو حكم زائد صحيح يعطي ما لا يعطي الإطلاق فتعين الأخذ به فإنه ما قطعهما إلا ليلحقهما بدرجة النعل غير أن فيه سترا على الرجل ففارق النعل و لم يستر الساق ففارق الخف فهو لا خف و لا نعل و هو قريب من الخف و قريب من النعل و جعلناه وقاية في الأعلى لوجود المسح على أعلى الخف فلو لا اعتبار أذى في ذلك بوجه ما ما مسح أعلى الخف في الوضوء لأن إحداث الطهارة مؤذن بعلة وجودية يريد إزالتها بإحداث تلك الطهارة و الطهارة التي هي غير حادثة ما لها هذا الحكم فإنه طاهر الأصل لا عن تطهير فالإنسان في هذه المسألة إذا كان عارفا بحسب ما يقام فيه و ما يكون مشهده فإن أعطاه شهوده أن يلبس مع وجود النعلين حذرا من أثر العلو في ظاهر قدمه عصم بلباسه قدمه من ذلك الأثر و إن كان عنده قوة إلهية يدفع بها ذلك الأثر قبل أن ينزل به لبس النعلين و لم يجز له لباس المقطوعين إذ كان الأصل في استعمال ذلك عدم النعلين فرجح الكشف و الإعلان على الستر و الأسرار في معرفة الله في الملإ الأعلى و هو علم التنزيه المشروع و المعقول‏ فإن التنزيه له درجات في العقل ما دونه تنزيه بتشبيه و أعلاه عند العقل تنزيه بغير تشبيه و لا سبيل لمخلوق إليه إلا برد العلم فيه إلى الله تعالى و التنزيه بغير التشبيه وردت به الشريعة أيضا و ما وجد في العقل فغاية النظر العقلي في تنزيه الحق مثلا عن الاستواء أنه انتقل عن شرح الاستواء الجسماني عن العرش المكاني بالتنزيه عنه إلى التشبيه بالاستواء السلطاني الحادث و هو الاستيلاء على المكان الإحاطي الأعظم أو على الملك فما زال في تنزيهه من التشبيه فانتقل من التشبيه بمحدث ما إلى التشبيه بمحدث آخر فوقه في الرتبة فما بلغ العقل في التنزيه مبلغ الشرع فيه في قوله ليس كمثله شي‏ء أ لا تراهم استشهدوا في التنزيه العقلي في الاستواء بقول الشاعر

قد استوى بشر على العراق من غير سيف و دم مهراق‏

و أين استواء بشر على العراق من استواء الحق على العرش لقد خسر المبطلون أين هذا الروح من قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ فاستواء بشر من جملة الأشياء لقد صدق أبو سعيد الخراز و أمثاله حيث قالوا لا يعرف الله إلا الله‏

لا يعرف الشوق إلا من يكابده و لا الصبابة إلا من يعانيها

(وصل في فصل اختلاف الناس في لباس المحرم المعصفر بعد اتفاقهم على أنه لا يلبس المصبوغ بالورس و لا الزعفران)

فقال بعضهم لا بأس بلباس المعصفر فإنه ليس بطيب و قال قوم هو طيب ففيه الفدية إن لبسه‏ الطيب للمحرم عندنا و أعني التطيب لا وجود الطيب عنده الذي يطيب به قبل عقد الإحرام و استصحبه غير جائز إلا إذا أراد الإحلال و قبل أن يحل فمن السنة أن يتطيب و لا أقول في الأول و الثاني إن تطيبه عليه السلام كان لحرمه و لحله فإنه لم يرد ذلك عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و إنما ورد من قول عائشة فتطرق إليه الاحتمال بين أن يكون عن أمر فهمته من رسول الله صلى الله عليه و سلم في ذلك فيما اقتضاه نظرها و فهمها أو عن نص صريح منه لها في ذلك و رأيناه قد نهى عن الطيب زمان مدةإقامته على الإحرام إلا إذا أراد الحل‏ فالعصفر و إن كان ليس طيبا حكمه حكم الطيب فإن لبس الرداء المعصفر قبل الإحرام عند الإحرام و لم يرد نص باجتنابه فله أن يبقى عليه أو يلبسه عند الإحلال و قبل الإحلال و لا يلبسه ابتداء في زمان بقاء الإحرام هذا هو الأظهر في هذه المسألة عندنا إلا أن يرد نص جلي في المعصفر في النهي عنه ابتداء و انتهاء و ما بينهما فنقف عنده‏ الصفرة من الشي‏ء المعصفر و هو الخالي و الخلي و به سمي صفر من الشهور في أول وضع هذا الاسم لخلو الأرض فيه عن النبات في ذلك الوقت الموافق لوضع هذا الاسم و لهذا جاز مع بعده لوجود الربيع الذي أزال كون الأرض خالية منه في الهلال الأول المسمى صفرا فإن خلى العبد عن نفسه في هذه العبادة فهو الذي جاز له لباس المعصفر و إن خلى عن ربه فيها لم يجز له لباس المعصفر و لهذا وجد الخلاف فيه‏

(وصل في فصل اختلافهم في جواز الطيب للمحرم عند الإحرام و قبل أن يحرم لما يبقى عليه من أثره بعد الإحرام)

فكرهه قوم و أجازه قوم و بإجازته أقول بل هي السنة عندي بلا شك إما قبل الإحرام فجائز و إما إذا أحرم هل يغسل ذلك الطيب من أجل بقاء الرائحة أم لا هذا هو محل الخلاف الصحيح بين العلماء رائحة الطيب يلتذ بها صاحب الطبع السليم و لا تستخبثها نفسه و هو الثناء على العبد بالنعوت الإلهية التي هي التخلق بالأسماء الحسنى لا بمطلق الأسماء و هو في هذه العبادة الأغلب عليه مقام العبودية لما فيها من التحجير و من الأفعال التي يجهل حكمتها النظر العقلي فكأنها مجرد عبادة فلا تقوم إلا بأوصاف العبودة فمن رأى هذا منع من التخلق بالأسماء في هذه الحالة و في ابتداء الدخول فيها لأنه لا يدخل فيها باسم إلهي فلا يتطيب عند الإحرام خوفا من الرائحة الباقية مع الإحرام و هو بمنزلة حكم الخلق الإلهي في المتخلق إذا تخلق به‏ و من رأى أنه يجوز له ذلك كان مشهده إنه ما ثم خلق إلا و قد اتصف به الله تعالى من أوصاف العباد من الفرح و الضحك و التعجب و غير ذلك بالتصريح كما بيناه و بغير التصريح مثل قوله وَ أَقْرِضُوا الله و مثل قوله الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ و قوله وَ مَكَرَ الله و أمثال هذا فمن كان هذا مشهده قال لا يخلو الإنسان العبد عن نعت إلهي يكون عليه فأجاز له ذلك و إنما لم يحدث تطيبا في زمان بقاء الإحرام إلى أن يريد التحلل فإنه في زمان بقاء الإحرام تحت قهر اسم العبودة فليس له أن يحدث ثناء إلهيا فيزيل عنه حكم ما يعطيه الاسم الحاكم لتلك العبادة فإنها لا تتصور عبادة إلا بحكم هذا الاسم فإذا زال لم يكن ثم من يقيمها إلا النائب الذي هو الفدية لا غير و أما حكم الطيب للإحرام و الإحلال فهو لسلطان الاسم الأول فإن الأول من كل شي‏ء قوي لا يغلب و صادق لا يكذب فلم يكن لغيره من الأسماء هذه القوة فلم يقاومه منازع فحقيقته الأولية فلا يكون وسطا فحكم في أولية الإحرام و في آخرية الإحرام و هو الذي فهمته عائشة من ذلك‏ فقالت طيبت رسول الله صلى الله عليه و سلم لحله و لحرمه‏ قبل وجود الإحرام منه و التحليل و لم تقل طيبته لآخر إحرامه حين أراد أن ينقضي و يعقبه الإحلال و إنما راعت الإحلال في آخر أفعال الحج و هو طواف الإفاضة و كذلك راعت الإحرام المستقبل ما غسل عنه طيبا

(وصل في فصل مجامعة النساء)

أجمع المسلمون على أن الوطء يحرم على المحرم مطلقا و به أقول غير أنه إذا وقع فعندنا فيه نظر في زمان وقوعه فإن وقع منه بعد الوقوف بعرفة أي بعد انقضاء زمان جواز الوقوف بعرفة من ليل أو نهار فالحج فاسد و ليس بباطل لأنه مأمور بإتمام المناسك مع الفساد و يحج بعد ذلك و إن جامع قبل الوقوف بعرفة و بعد الإحرام فالحكم فيه عند العلماء كحكمه بعد الوقوف يفسد و لا بد من غير خلاف أعرفه و لا أعرف لهم دليلا على ذلك و نحن و إن قلنا بقولهم و اتبعناهم في ذلك فإن النظر يقتضي أن وقع قبل الوقوف أن يرفض ما مضى و يجدد الإحرام و يهدي و إن كان بعد الوقوف فلا لأنه لم يبق زمان للوقوف و هنا بقي زمان للإحرام لكن ما قال به أحد فجرينا على ما أجمع عليه العلماء مع أني لا أقدر على صرف هذا الحكم عن خاطري و لا أعمل عليه و لا أفتى به و لا أجد دليلا و قد رفضت العمرة عائشة حين حاضت بعد التلبس بها و أحرمت بالحج فقد رفضت إحراما و في أمر عائشة و شأنها عندي نظر هل أردفت على عمرتها أو هل رفضتها بالكلية فإن أراد بالرفض ترك الإحرام بالعمرة و أن وجود الحيض أثر في صحتها مع بقاء زمان الإحرام فالجماع‏مثله في الحكم و إن لم يرد بالرفض الخروج عن العمرة و إنما أراد إدخال الحج عليها فرفض أحدية العمرة لا اقترانها بالحج فهي على إحرامها في العمرة و الحج مردف عليها و الجماع في الحج في الطريق لا شك أن الإنسان لما كان مصرفا تحت حكم الأسماء الإلهية و محلا لظهور آثار سلطانها فيه و لكن يكون حكمها فيه بحسب ما يمكنها حال الإنسان أو زمانه أو مكانه و الأحوال و الأزمان تولى الأسماء الإلهية عليها و إن كان كل حال هي عليه أو دخول الإنسان في ظرفية زمان خاص أو ظرفية مكان ما هو إلا عن حكم اسم إلهي بذلك فقد يتوجه على الإنسان أحكام أسماء إلهية كثيرة في آن واحد و يقبل ذلك كله بحاله لأنه قد يكون في أحوال مختلفة يطلب كل حال حكم اسم خاص فلا يتوجه عليه إلا ذلك الاسم الذي يطلبه ذلك الحال الخاص و مع هذا كله فلا بد أن يكون الحاكم الأكبر اسما ما له المضاء فيه و الرجوع إليه مع هذه المشاركة ثم إني أبين لك مثالا فيما ذكرناه و ذلك إنا نرى الإنسان يجتنب ما حرم الله على عينه أن ينظر إليه على انتهاكه حرمة ما حرم على أذنه من الإصغاء إلى الغيبة في حال انتهاكه حرمة ما حرم عليه من جهة لسانه من كذب أو نميمة مع إعطاء صدقة فرض من زكاة أو ندب متطوع بها من جهة ما أمرت به يده المنفقة و ذلك كله في زمان واحد من شخص واحد الذي هو المخاطب من الإنسان المصرف جميع جوارحه القابل للأوامر الأسمائية في باطنه التي تحكم عليه و تمضى تصريف الجوارح بأمره لها فيما يراها تتصرف فيه و هو واحد في نفسه ذو آلات متعددة فلو لا تعدد هذه الآلات ما صح أن يحكم عليه إلا اسم واحد فوجود الكثرة التي سببها الآلات أوجبت له مع أحديته في نفسه قبول اختلاف أحكام الأسماء الإلهية عليه فيكون الإنسان منصورا من وجه مخذولا في حين كونه منصورا و لكن من وجه آخر و العين واحدة المصرفة المكلفة و هي النفس الناطقة و يكون عزيزا بالمعز في حال كونه ذليلا بالمذل لشخص ذي عزة له عنده مكانة فلقيه فأعزه فاعتز و في تلك الحال عينها سلط عليه الاسم المذل شخصا آخر لا يعرفه فأذله فذل من جهة هذا و عز من جهة هذا في الزمان الواحد و حكمهما في آن واحد و القابل لهذين الحكمين واحد العين فلهذا الذي مهدناه أمر المحرم إذا جامع أهله أن يمضي في مقام نسكه إلى أن يفرغ مع فساده و لا يعتد به و عليه القضاء من قابل على صورة مخصوصة شرعها له الشارع لأن صاحب الوقت الذي هو المحرم عليه أفعالا مخصوصة أوجبتها هذه العبادة التي تلبس بها هو الحاكم الأكبر و اتفق أن هذا المحرم التفت بالاسم الخاذل إلى امرأته فجامعها في حال إحرامه فلما لم يكن الوقت له شرعا و كان لغيره لم يقو قوته فأفسد منه ما أفسد و بقي الحكم لصاحب الوقت فأمره أن يمضي في نسكه مع فساده و عاقبه بتلك الالتفاتة إلى الخاذل حيث أعانه عليه بنظره إلى امرأته و استحسانه لإيقاع ما حكم عليه به حاكم الوقت أن يعيد من قابل فلو بطل و أزال حكمه عنه في ذلك الوقت و وقع الجماع بعد الإحرام و قبل الوقوف رفض ما كان و استقبل الحج كما هو و لم يكن عليه إلا دم لا غير لما أبطل فلما لم يزل حكمه منه بذلك الفعل أمر بإتمام نسكه الذي نواه في عقده و هو مأجور فيما فعل من تلك العبادة مأزور فيما أفسد منها في إتيانه ما حرم عليه إتيانه كما قال تعالى فَلا رَفَثَ و هو النكاح وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ في الْحَجِ‏ خرج أبو داود في المراسيل قال ثنا أبو توبة حدثنا معاوية يعني ابن سلام أخبرني يزيد بن نعيم أو زيد بن نعيم شك أبو توبة أن رجلا من جذام جامع امرأته و هما محرمان فسأل الرجل رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال لهما اقضيا نسككما و أهديا هديا ثم ارجعا حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فتفرقا و لا يرى منكما واحد صاحبه و عليكما حجة أخرى فتقبلان حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فتفرقا و لا يرى أحد منكما صاحبه فأحرما و أتما نسككما و أهديا فهذا ترجمان الحق الذي هو الرسول قوى الاسم الإلهي الذي هو حاكم الوقت و صاحب الزمان فيما يريده من إتمام هذه العبادة مع ما طرأ فيها من الإخلال و ذلك أن الاسم الحاكم لا يسمع المحكوم عليه خطابه إياه لأن الله أخذ بسمعه عنه فقال لمن فتق الله سمعه لسماع كلامه و هو المعبر عنه بالرسول بلغ لهذا المكلف عني أن يمضي في فعله حتى يتم و ذكر له ما قال و بينه لهذا الشخص لأن الرسول ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ و المؤمن كثير بأخيه فقام الرسول مقام الحاجب المنفذ أوامر الملك صاحب الحكم هكذا هو في الحكم العام‏ و أما في العالم الأخص فهو حكم نفس طبيعية على عقل إلهي رجع إليها من حيث علمه بأن لها وجها خاصا إلى خالقها فغاب عن التثبت‏في ذلك فيما أوصل إليه ترجمان الحق الذي هو الرسول فوافق النفس ما حكم به عليها الطبع فيما أمرت به و لو لا ذلك الوجه الخاص ما انخدع العقل و اتصف باللؤم الذي هو صفة الطبع بحكم الأصالة و في مثل هذا قلنا

يعز علينا أن تكون عقولنابحكم نفوس إن ذا لعظيم‏
إذا غلب الطبع اللئيم نجارهعلى عقل شخص إنه للئيم‏

فالعقول و إن كانت عالية الأوج فإن الحضيض يقابل أوجه و هو موطن الطبع النفسي فهو ينظر إليها من أوجه فيراها في مقابلته على خط مستقيم لا اعوجاج فيه و ذلك الخط هو الذي يكون عليه العروج من الحضيض إلى الأوج إذا زكت النفس و عليه يكون نزول العقل إلى الحضيض من الأوج إذا خذل العقل و إنما خذله استقامة الخط فإنه على الاستقامة فطر ثم إنه رأى النفس زكت بعروجها عليه فهذا الذي خدع العقل من النفس فإنه لا حظ للعقل في الطبع و ساعده على النزول‏ قول الترجمان رسول الله صلى الله عليه و سلم لو دليتم بحبل لهبط على الله‏ و العقل مجبول على طلب الزيادة من العلم بالله فأراد في نزوله إلى الطبع على ذلك الخط من وجه ليرى هل نسبة الحق إلى الحضيض نسبته إلى الأوج أم لا فيريد علما بالذوق بأنه على ذلك الحد أو ما هو عليه بل له نسبة أخرى فتحصل له الفائدة على كل حال فلهذا القصد أيضا أمر بإتمام نسكه و لم يبطل عمله و لا سيما و قد سمع أن أربعة أملاك التقوا ملك كان يأتي من المغرب و آخر مقبل من المشرق و آخر نازل من الفوق و آخر صاعد من التحت فسأل كل واحد صاحبه من أين جئت فكل قال من عند الله فلا بد للعقل مع شوقه لطلب الزيادة من العلم أن يتحرك ليحصل هذا العلم بالله ذوقا حاليا لا تقليد فيه و لا يتمكن له ذلك و هو في أوجه إلا إن قنع بالتقليد فنزل على ذلك الخط لطلب هذه المعارف و في نزوله لا بد أن يرى موضع اجتماع الخطوط فيشاهد علوما كثيرة فهي زلة أوجبت علما فشفع ذلك العلم في صاحب هذه الزلة فجبر له نقصه فلو لا زلة هذا المجامع في الحج ما عرفنا حكم الشرع فيه لو وقع هذا بعد موت المترجم صلى الله عليه و سلم فمن رحمة الله حصل تقرير هذا العلم لنكون على بصيرة من ربنا في عباداتنا

(وصل في فصل غسل المحرم بعد إحرامه)

اتفقوا على أنه يجوز له غسل رأسه من الجنابة و اختلفوا في كراهية غسله من غير الجنابة فقالوا لا بأس بغسله و به أقول و كره ذلك بعضهم‏ لما كان الرأس محل القوي الإنسانية كلها و مجمع القوي الروحانية اعتبر فيه الحكم دون غيره من الأعضاء لجمعيته و له من الأسماء الإلهية الله لأنه الاسم المنعوت الجامع فحفظه متعين على المكلف لأنه لو اختل من قواه قوة أدى ذلك الاختلال إما إلى فساد يمكن إصلاحه أو إلى فساد لا يمكن إصلاحه و إما إلى فساد يكون فيه تلفه فيزول عن إنسانيته و يرجع من جملة الحيوانات فيسقط عنه التكليف فتنقطع المناسبة بينه و بين الله و أعني مناسبة التقريب خاصة لا مناسبة الافتقار لأن مناسبة الافتقار لا تزول عن الممكن أبدا لا في حال عدمه و لا في حال وجوده‏ فإذا اغترب الإنسان عن موطن عبوديته فهي جنابته فيقال له ارجع إلى وطنك فلا قدم لك في الربوبية أصلا من ذاتك فإذا أراد الحق أن يمنحك منها ما شاء نزل إليك ما أنت تصعد إليه لأنه يعلمك و يعلم محلك و أينك و أنت لا تعرفه فأين تطلبه فما خرجت عن عبوديتك إلا لجهلك أ لا تراه سبحانه لما أراد أن يهبك من الربانية ما شاء نزل إليك بأمر سماه شرعا بوساطة رسول ملكي فملكك أمورا و جعل لك الحكم فيها على حد ما رسم لك فمن كونك حاكما فيها هو القدر الذي أعطاك من الربوبية و على قدر ما حد لك و منعك من تجاوزه هو ما أبقى عليك من العبودية

فأنت ملك و أنت عبدو أنت في أنت مستعار
و لا وجود في غير عين فلا احتكام و لا افتقار
قد حار مثلي من حرت فيهفلا اضطرار و لا اختيار
و لا فناء و لا بقاءو لا فرار و لا قرار

فوجب الغسل من الجنابة بالاتفاق لأنك عبد بالاتفاق و لست ربا بالاتفاق و أما في غير الجنابة

فحكمة الغسل لحفظ القويو حفظها من أوجب الحكم‏
لا سيما و كونها واجبالأنها دلت على العلم‏
بعينها و كل علم لهالذاتها كالكيف و الكم‏
فضلها الله على خلقهبما لها من جودة الفهم‏

فمن راعى حفظ هذي القوي مما ينالها من الضرر لسد المسام و انعكاس الأبخرة المؤذية لها المؤثرة فيها قال بالغسل و من غلب الحرمة لصغر الزمان في ذلك و ندور الضرر ضعف عنده الموجب فكره ذلك أ لا تراهم كيف أنفقوا في الجنابة لقوة الموجب و إن كان الغسل بالماء يزيده شعثا في تلبيد الرأس و الله تعالى قد أمرنا بإلقاء التفث عنا لما ذكرناه من حفظ القوي و ما في معناها لأن الطهارة و النظافة مقصودة للشارع لأنه القدوس و ما له اسم يقابله فيكون له حكم‏ و لما جهل علماء الرسوم حكمة هذه العبادة من حيث إنهم ليس لهم كشف إلهي من جانب الحق جعلوا أكثر أفعالها تعبدا و نعم ما فعلوه فإن هذا مذهبنا في جميع العبادات كلها مع عقلنا بعلل بعضها من جهة الشرع بحكم التعريف أو بحكم الاستنباط عند أصحاب القياس و مع هذا كله فلا نخرجها عن أنها تعبد من الله إذ كانت العلل غير مؤثرة في إيجاد الحكم مع وجود العلة و كونها مقصودة و هذا أقوى في تنزيه الجناب الإلهي إذا فهمت‏

(وصل في فصل غسل المحرم رأسه بالخطمي)

أما غسل المحرم رأسه بالخطمي فإنهم اتفقوا على منعه فإن غسل به قال بعضهم فيه الفداء و قال بعضهم إن غسل فلا شي‏ء عليه و به أقول من غير منع منه و لا من غيره‏ إذ كل سبب موجب للنظافة ظاهرا و باطنا ينبغي استعماله في كل حال‏ فإن الله جميل يحب الجمال‏ و ما ورد كتاب و لا سنة و لا إجماع على منع المحرم من غسل رأسه بشي‏ء و لما أمر الله تعالى الإنسان أن يدخل في الإحرام فيصير حراما بعد ما كان حلالا وصفه بصفة العزة أن يصل إليه شي‏ء من الأشياء التي كانت تصل إليه قبل أن يتصف بهذه المنعة إذ الأشياء تطلب الإنسان لأنها خلقت من أجله فهي تطلبه بالتسخير الذي خلقها الله عليه و الإنسان مخلوق على الصورة و من حقيقة الصورة التي خلق عليها العزة أن تدرك أو تنال بأكثر الوجوه مثل قوله تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ يعني في الدنيا وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ مع ثبوت الرؤية في الآخرة فهذه عزة إضافية لأنه حجر ثم أباح فجعل لمن حصل الصورة بخلقه عزة و تحجيرا في عبادات من صوم و حج و صلاة أن يصل إليه بعض ما خلق من أجله فاعتز و امتنع عن بعض الأشياء و لم يمتنع عن أن يناله بعضها كما لم يمنع من خلق على صورته أن تناله التقوى منا و التقوى في المتقين من خلقه فقوى الشبهة في الشبه ليلحق الأدلة بالشبه إذ الكل منه و إليه بل الكل عينه‏ فما حرمت عليه الأشياء على الحقيقة و إنما هو الحرام على الأشياء لأنه ما خلق إلا لربه و الأشياء خلقت له فهي تطلبه كما أنه يطلب ربه فامتناع في وقت كامتناع و وصول في وقت كوصول إن فهمت فقد بينت لك مرتبتك قال تعالى في حق الإنسان وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما في السَّماواتِ وَ ما في الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ و قال هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما في الْأَرْضِ جَمِيعاً و قال وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ و في التوراة المنزلة على موسى عليه السلام يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك و خلقتك من أجلي فلا تهتك ما خلقت من أجلي فيما خلقت من أجلك‏ فأبان سبحانه لك عن مرتبتك لتعرف موطن ذلتك من موطن عزتك و أنت ما اعتززت و لا صرت حراما على الأشياء منك بل هو جعلك حراما على الأشياء إن تنالك فأمرك أن تحرم فدخلت في الإحرام فصرت حراما و ما جعل ذلك لك عن أمره سبحانه إلا ليكون ذلك قربة إليه و مزيد مكانة عنده تعالى و حتى لا تنسى عبوديتك التي خلقت عليها بكونه تعالى جعلك مأمورا في هذه المنعة دواء لك نافعا يمنع من علة تطرأ عليك لعظيم مكانتك فلا بد أن يؤثر فيك خلقك على صورته عزة في نفسك فشرعها لك في طاعته بأمر أمرك فيه أن تكون حراما لا احتجار عليك بل احتجارا لك‏ أ لا ترى من خذله الله كيف اعتز على أمثاله بقوله أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏ هل جعله في ذلك إلا علمه بمرتبته لا علمه بنفسه فالإنسان عبد عينا و رتبة كما هو سيد عينا لا رتبة و لهذا إذا ادعى الرتبة قصم و حرم و إذا ادعى العين عصم و رحم و الإنسان واحد في الحقيقة غير أنه ما بين معتنى به و غير معتنى به فهذا اعتبار هذا الفصل وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى الجزء الرابع و الستون‏

( (بسم الله الرحمن الرحيم))

(وصل في فصل دخول المحرم الحمام)

فمن الناس من كرهه و من الناس من قال لا بأس به و به أقول‏ ليس في أحوال الدنيا من يدل على الآخرة بل على الله تعالى و على قدر الإنسان مثل الحمام يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما دخل الحمام بالشام نعم البيت بيت الحمام ينعم البدن و يزيل الدرن و يذكر الآخرة و من هذه آثاره في العبد لا يكره له استعماله فإنه نعم الصاحب و به سمي لأن الحمام من الحميم و الحميم الصاحب الشفيق قال تعالى فَما لَنا من شافِعِينَ وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ أي شفيق و سمي حميما لحرارته و استعمل فيه الماء لما فيه من الرطوبة فالحمام حار رطب طبع الحياة و بها ينعم البدن و بالماء يزول الدرن و بتجريد الداخل فيه عن لباسه و بقائه عريانا لا شي‏ء في يديه من جميع ما يملكه يذكر الآخرة و الموت و قيام الناس من قبورهم عراة حفاة لا يملكون شيئا فدخول الحمام أدل على الآخرة من الموت فإن الميت لا ينقلب إلى قبره حتى يكسى و داخل الحمام لا يدخل إليه حتى يعري و التجريد أدل ثم إنه من دعاء النبي صلى الله عليه و سلم اللهم نقني من الخطايا و الذنوب كما ينقى الثوب من الدرن و تنقية البدن من الدرن و الوسخ من أخص صفات الحمام و لأجله عمل و اعتبار الحمام بأحوال الآخرة مجاله رحب عظيم الفائدة ما يعقله إلا العلماء بالله‏

(وصل في فصل تحريم صيد البر على المحرم)

اتفقوا على ذلك و هو اتفاق أهل الله أيضا في اعتباره و معناه قال بعضهم الزاهد صيد الحق من الدنيا و العارف صيد الحق من الجنة فمال الزاهد إلى قوله وَ ما عِنْدَ الله خَيْرٌ وَ أَبْقى‏ و مال العارف إلى قوله وَ الله خَيْرٌ وَ أَبْقى‏ فالخلق صيد للحق صادهم من نفوسهم برا أو بحرا و سأبين ذلك إن شاء الله‏ فاعلم إن الحق تعالى نصب حبالات صيد النفوس الشاردة عما خلقت له من عبادته ثم خدعهم بالحب الذي جعل لهم في تلك الحبالات أو الطعوم أو ذوات الأرواح المشبهة لهم في الحياة جعلها مقيدة في الحبالات من حيث لا يشعر الناظرون إليها فمن الصيد من أوقعه في الحبالة رؤية الجنس طمعا في اللحوق بهم ليرى ما هم فيه فصار في قبضة الصائد فقيده و هو كان المقصود لأنه مطلوب لعينه و من الصيد من أوقعه الطمع في تحصيل الحب المبذور في الحبالة ثم إن الصائد له تصافير يحكي بها أصوات الطير إذا سمعها الطائر نزل فوقع في الحبالة فهو بمنزلة من سمع نداء الحق فأجاب فهذا لم يصد بالإحسان و الآخر أحسن إليه بالحب المبذور في الحبالة فأبصره فقاده الإحسان فرمى بنفسه عليه فصاده فلو لا الإحسان ما جاء إليه فمجيئه معلول و البر هو المحسن و الإحسان و الحق غيور فما أراد من هذه الطائفة الخاصة الذين جعلهم الله حراما ليكونوا له أن يجعلهم عبيد إحسان فيكونون للإحسان لا له و لهذا دعاهم شعثا غبرا مجردين من المخيط ملبين لإجابته بالإهلال كما لجأ الطائر لصوت الصائد فحرم عليهم لمكانتهم صيد البر الذي هو الإحسان ما داموا حرما حلالا في المكان الحلال و الحرام و سكانا في الحرام و إن كانوا حلالا أو حراما فحيث ما كانت الحرمة امتنع صيد الإحسان فإن الله من صفاته الغيرة فلم يرد أن يدعو هذه الطائفة المنعوتين بالإحرام من باب النعم و الإحسان فيكونوا عبيد إحسان لا عبيد حقيقة فإنه استهضام بالجناب الإلهي‏ فقال من صحبك لغرض انقضت صحبته بانقضائه و صحبة العبد ربه ينبغي أن تكون ذاتية كما هي في نفس الأمر لأنه لا خروج للعبد عن قبضة سيده و إن أبق في زعمه فما خرج عن ملكه و هو جاهل بملك سيده لأنه حيث ما مشى في ملكه مشي فما خرج عن ملك سيده و لا ملكه فلله ملك السموات و الأرض فلهذا حرم على الحاج صيد البر و هو قوله صلى الله عليه و سلم حبوا الله لما يغذوكم به من نعمه‏ خطابا منه لعبيد الإحسان حيث جهلوا مقاديرهم و ما ينبغي لجلال الله من الانقياد بالطاعة إليه‏ و لم يحرم صيد البحر على المحرم ما دام محرما لأن صيد البحر صيد ماء و هو عنصر الحياة الذي خلق الله منه كل شي‏ء حي و المطلوب بإقامة هذه العبادة و غيرها إنما هو حياة القلوب كما قال أَ وَ من كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ في معرض الثناء بذلك فإذا كان المقصود حياة القلوب و الجوارح بهذه العبادة و بالعبادات كلها ظاهرها و باطنها فوقعت المناسبة بين ما طلب‏منه و بين الماء فلم يحرم صيده أن يتناوله و لهذا جاء بلفظ البحر لاتساعه فإنه يعم و كذلك هو الأمر في نفسه فإنه ما من شي‏ء من خلقه إلا و هو يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ و لا يسبح إلا حي فسرت الحياة في جميع الموجودات فاتسع حكمها فناسب البحر في الاتساع فلهذا أضافه إلى البحر و لم يقل إلى الماء لمراعاة السعة التي في البحر فصيد البحر حلال للحلال و للحرام‏

(وصل في فصل صيد البر إذا صاده الحلال هل يأكل منه المحرم أم لا)

فمن قائل يجوز له أكله على الإطلاق و من قائل هو محرم عليه على الإطلاق و من قائل إن لم يصد من أجله و لا من أجل قوم محرمين جاز أكله و إن صيد من أجل محرم فهو حرام على المحرم و أما مذهبنا في هذا فلم ينقدح لي فيه شي‏ء و لا نرجح عندي فيه دليل إلا أنه يغلب على ظني الخبر الصحيح الوارد أنه إذا لم يكن للمحرم فيه تعمل فله أكله و ترجح أحد احتمالي لفظة الصيد المحرم في الآية لأن الصيد المذكور قد يراد به الفعل و قد يراد به المصيد و لا أدري أي ذلك أراد الحق تعالى أو أراد الأمرين جميعا الفعل و المصيد فمن يرى أنه الفعل لا المصيد فيقول بجواز أكله على الإطلاق و لا معنى لقول من يقول إن صيد من أجله لأني ما خوطبت بنية غيري فإن أمرت أنا الحلال أو أشرت إليه أو نبهته أو أومأت إليه في ذلك أو أعنته بشي‏ء فلي فيه تعمل فيحرم على ذلك و أنا آثم فيه و هذا القول و إن كنت لم أره لغيري و لكن هو من محتملات القول الثالث و هو قوله إن لم يصد من أجله قد يريد بإشارته أو دلالته و قد يريد أن الحلال نوى أن يصيد ما يأكله المحرم‏ الحلال لا تحجير عليه في تصرفه فأشبه الحق في هذه الصفة فإن رفع التحجير تنزيه عن التقييد فهي صفة إلهية و ليس لأحد أن يمتنع بتقييده عن تصريف الحق له إذ كان تقييده من تصريفه فله قبول ما يصرفه فيه كما قبل تقييده لا فرق فهذه عبودية محضة خالصة حيث رآها في الحلال من كونه غير محجور عليه ما حجر على المحرم أعني رأى الصفة الإلهية التي ليس من شأنها أن تقبل الاحتجار بل هو الفعال لما يريد كما أنه تعالى أشبه المقيد المحرم في أمور أوجبها على نفسه لعباده في غير موضع كما قال أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ فأدخل نفسه معنا و هذا من أصعب معارض لآية قوله تعالى فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ فإنه ليس بمحل لفعله و وفاؤه بالعهد لمن وفى بعهده لا بد منه لصدقه في خبره فقد فعل ما يريد و ليس بمحل لتعلق إرادته لأنه موجود و لا ترجع إلى ذاته من فعله حال لم يكن عليها فهذا غاية الإشكال في العلم الإلهي و إن تساهل الناس في ذلك فإنما ذلك لجهلهم بمتعلق الإرادة و القول الثالث أقرب الأقوال إلى الصحة لأنه أقرب إلى الجمع بين الأحاديث الواردة في هذا الباب و هذا النظر الذي لنا في هذه المسألة ما هو قول رابع فإنا ما قطعنا بالحكم في ذلك لكن يغلب على ظني ترجيح القول الثالث على القولين و إن لم يكن بذاك الصريح‏

(وصل في فصل المحرم المضطر هل يأكل الميتة أو الصيد)

فمن قائل يأكل الميتة و الخنزير دون الصيد و من قائل يصيد و يأكل و عليه الجزاء و بالأول أقول فإن اضطر إلى الصيد صاد و عليه الجزاء لأنه متعمد فما خص الله مضطرا من غير مضطر كل مخلوق الاضطرار يصحبه دائما لأنه حقيقته و مع اضطراره فقد كلف فالذي ينبغي له أن يقف عند ما كلف فإن الاضطرار المطلق لا يرتفع عنه و إنما يرتفع عنه اضطرار خاص إلى كذا فجميع حركات الكون من جهة الحقيقة اضطرارية مجبور فيها و إن كان الاختيار في الكون موجودا نعرفه‏ و لكن ثم علم آخر علمنا به أن المختار مجبور في اختياره بل تعطي الحقائق أن لا مختار لأنا رأينا الاختيار في المختار اضطراريا أي لا بد أن يكون مختارا فالاضطرار أصل ثابت لا يندفع يصحب الاختيار و لا يحكم على الاضطرار الاختيار فالوجود كله في الجبر الذاتي لا أنه مجبور بإجبار من غير فإن المجبر للمجبور الذي لو لا جبره لكان مختارا مجبور في اختياره لهذا المجبور

فالخلق مجبور و لا سيماو الأصل مجبور فأين الخيار
فكل مخلوق على شكلهفي حالة الجبر و في الاضطرار
تميز المخلوق عن أصلهبما له من ذلة و افتقار
فكن مع الحق بأوصافهما بين جبر دائم و اختيار

وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏

(وصل في فصل نكاح المحرم)

فمن قائل لا ينكح و لا ينكح فإن نكح فالنكاح باطل و من قائل لا بأس أن ينكح و ينكح و الذي أقول به إنه مكروه غير محرم و الله أعلم‏ الإحرام عقد و النكاح عقد فاشتركا في النسبة فجاز الوطء للمحرم حرام و العقد سبب مبيح للوطء فحرم أو كره فإنه حمى و الراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه و إنما اجتنبت الشبه خوفا من الوقوع في المحظور النكاح و العقد لا يصح إلا بين اثنين لا يصح من واحد فحرم أو كره لأنا مطلوبون بمعرفة الوحدة و إثبات الواحد و الوحدانية وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الله‏ التجلي في الأحدية لا يصح لأن التجلي يطلب الاثنين و لا بد من التجلي فلا بد من الاثنين فعقد النكاح للمحرم جائز فالعارف على قدر ما يقام فيه من أحوال الشهود قيل للجنيد و قد سئل عن المعرفة و العارف فقال لون الماء لون إنائه فأثبت الاثنين فلا بد منك و منه و لا بد من التمييز فلا بد من الواحد فإن قلت ما في الوجود إلا واحد صدقت و إن قلت ما في الوجود إلا اثنان صدقت و إن قلت ما في الإيجاد إلا اثنان صدقت فإنه عن ذات واحدة و إن قلت ما في الإيجاد إلا واحد صدقت لأنه يستحيل تعلق قدرتين بمقدور و التوحيد غيب و الإثبات شهادة و هو سبحانه عالم الغيب و الشهادة فأثبت الاثنينية بالنسبة إلى العالم و بالنسبة إلى الله عالم بالشهادة لا غير إذ يستحيل أن يكون عنه شي‏ء غيبا خلافا لمن يجعل العلة في الرؤية الوجود

(وصل في فصل المحرمين و هم ثلاثة)

إما قارن و إما مفرد بحج أو مفرد بعمرة و هو المتمتع‏ فهذا الفصل يستدعي إيراد حجة الوداع و بعد إيرادها تذكر ما يتعلق بأفعال هذه العبادة من الأحكام على أسلوب ما مضى فنقول‏ حدثنا غير واحد إجازة و سماعا عن ابن صاعد العراوي عن عبد الغافر الفارسي عن الجلودي عن إبراهيم بن سفيان المروزي عن مسلم بن الحجاج القشيري عن جعفر ابن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال إن رسول الله صلى الله عليه و سلم مكث تسع سنين لم يحج ثم أذن في الناس في العاشرة إن النبي صلى الله عليه و سلم حاج فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمسون أن يأتموا برسول الله صلى الله عليه و سلم و يعلموا مثل عمله فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم كيف تصنع قال اغتسلي و استثفري بثوب و أحرمي فصلى رسول الله صلى الله عليه و سلم في المسجد ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب و ماش و عن يمينه مثل ذلك و عن يساره مثل ذلك و من خلفه مثل ذلك و رسول الله صلى الله عليه و سلم بين أظهرنا و عليه ينزل القرآن و هو يعرف تأويله و ما عمل من شي‏ء عملنا به فأهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك و أهل الناس بهذا الذي يهلون فلم يرد رسول الله صلى الله عليه و سلم شيئا منه و لزم رسول الله صلى الله عليه و سلم تلبيته قال جابر لسنا ندري إلا الحج لسنا نعرف العمرة حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا و مشى أربعا ثم نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ وَ اتَّخِذُوا من مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى فجعل المقام بينه و بين البيت فكان أبي يقول و لا أعلم ذكره إلا عن النبي صلى الله عليه و سلم كان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد و قل يا أيها الكافرون ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ من شَعائِرِ الله أبدأ بما بدأ الله فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله و كبره و قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك و له الحمد و هو على كل شي‏ء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده و نصر عبده و هزم الأحزاب وحده ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي أسرع حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا حتى إذا كان آخر طواف على المروة قال لو إني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدى و لجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل و ليجعلها عمرة فقام سراقةابن مالك بن جعشم فقال يا رسول الله أ لعامنا هذا أم لأبد فشبك رسول الله صلى الله عليه و سلم أصابعه واحدة في الأخرى فقال دخلت العمرة في الحج مرتين لا بل لأبد أبد و قدم علي من اليمين ببدن النبي صلى الله عليه و سلم فوجد فاطمة ممن حل و لبست ثيابا صبيغا و اكتحلت فأنكر ذلك عليها فقالت إني أمرت بهذا قال فكان علي يقول بالعراق فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم محرشا على فاطمة للذي صنعت مستفتيا رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما ذكرت عنه فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها فقال صدقت صدقت ما ذا قلت حين فرضت الحج قال قلت اللهم إني أهل بما أهل به رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فإن معي الهدى فلا تحل قال فكان جماعة البدن الذي قدم به علي من اليمن و الذي أتى به النبي صلى الله عليه و سلم مائة قال فحل الناس كلهم و قصروا إلا النبي صلى الله عليه و سلم و من كان معه هدى فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج فركب رسول الله صلى الله عليه و سلم فصلى بها الظهر و العصر و المغرب و العشاء و الفجر ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس فأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة فسار رسول الله صلى الله عليه و سلم و لا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية فأجاز رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصوى فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس فقال إن دماءكم و أموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا كل شي‏ء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع و دماء الجاهلية موضوع و إن أول دم أضعه من دمائنا دم ابن ربيعة ابن الحارث كان مسترضعا في بنى سعد فقتلته هذيل و ربا الجاهلية موضوعة و أول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله و استحللتم فروجهن بكلمة الله و لكم عليهن إن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح و لهن عليكم رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ و قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله و أنتم أعني فما أنتم قائلون قالوا نشهد إنك قد بلغت و أديت و نصحت فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء ثم ينكبها إلى الناس اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات ثم أذن فأقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر و لم يصل بينهما شيئا ثم ركب رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصوى إلى الصخرات و جعل حبل المشاة بين يديه و استقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس و ذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص و أردف أسامة خلفه و دفع رسول الله صلى الله عليه و سلم و قد شنق للقصوى الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله و يقول بيده اليمنى أيها الناس السكينة السكينة كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب و العشاء بأذان واحد و إقامتين و لم يسبح بينهما شيئا ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان و إقامة ثم ركب القصوى حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله و كبره و هلله و وحده فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل إن تطلع الشمس و أردف الفضل بن عباس و كان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما فلما دفع رسول الله صلى الله عليه و سلم مرت ظعن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن فوضع رسول الله صلى الله عليه و سلم يده على وجه الفضل فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر فحول رسول الله صلى الله عليه و سلم يده من الشق الآخر على وجه الفضل فصرف وجهه من الشق الآخر حتى أتى بطن محسر فحرك ناقته قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرجك على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا و ستين بدنة ثم أعطى عليا فنحر ما غير و أشركه في هديه ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها و شربا من مرقها و ركب رسول الله صلى الله عليه و سلم فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر فأتى بنى عبد المطلب و هم يسقون على زمزم فقال أترعوا يا بنى عبد المطلب فلو لا إن يغلبنكم الناس على سقايتكم لترعت معكم فناولوه دلوا فشرب منه انتهى حديث جابر ثم‏ نرجع فنقول القارن من قرن بين صفات الربوبية و صفات العبودية في عمل من الأعمال كالصوم أو من قرن بين العبد و الحق في أمر بحكم الاشتراك فيه على التساوي بأن يكون‏لكل واحد من ذلك الأمر حظ مثل ما للآخر كانقسام الصلاة بين الله و بين عبده فهذا أيضا قران و أما الإفراد فمثل قوله لَيْسَ لَكَ من الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ و مثل قوله قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ و مثل قوله كُلٌّ من عِنْدِ الله و كقوله وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ و ما جاء من مثل هذا مما انفرد به عبد دون رب أو انفرد به رب دون عبد فمما انفرد به عبد دون رب قوله تعالى أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله و قوله تعالى لأبي يزيد يا أبا يزيد تقرب إلي بما ليس لي الذلة و الافتقار فهذا معنى القران و الإفراد في الحج و سيأتي حكم ذلك في التفصيل إن شاء الله تعالى‏

(وصل في فصل المتمتع)

و المتمتعون على نوعين إما قارن و إما مفرد بعمرة و اختلف علماء الإسلام في التمتع فمنهم من قال أن يهل الرجل بالعمرة في أشهر الحج من الميقات ممن مسكنه خارج الحرم فكمل أفعال العمرة كلها ثم يحل منها ثم ينشئ الحج في ذلك العام بعينه و في تلك الأشهر من غير أن ينصرف إلى بلده و قال بعضهم و هو الأحسن هو متمتع و إن عاد إلى بلده حج أو لم يحج فإن عليه هدي التمتع المنصوص عليه في قوله تعالى فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْيِ فكان يقول عمرة في أشهر الحج متعة و قال بعضهم و لو اعتمر في غير أشهر الحج ثم أقام حتى أتى الحج و حج من عامه إنه متمتع و ذهب ابن الزبير إلى أن المتمتع الذي ذكره الله هو المحصر بمرض أو عدو و ذلك إذا خرج الرجل حاجا فحبسه عدو أو أمر تعذر به حتى تذهب أيام الحج فيأتي البيت و يطوف و يسعى و يحل ثم يتمتع و عليه بحجة إلى العام المقبل ثم يحج و يهدي و على ما قال ابن الزبير لا يكون التمتع المشهور إجماعا و قال أيضا إن المكي إذا تمتع من بلد غير مكة كان عليه الهدى و اتفق العلماء على إن من لم يكن من حاضري المسجد الحرام فهو متمتع و الذي أقول به إن قوله تعالى ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إنه يريد بذلك أي بهذه الإشارة بإجازة الصوم في أيام التشريق من أجل رجوعه إلى بلده لا إن المكي ليس بمتمتع فإن العلماء اختلفوا في المكي هل يقع منه التمتع أم لا يقع فمن قائل إنه يقع منه التمتع و اتفقوا أنه ليس عليه دم و حجتهم الآية التي ذكرناها و هي محتملة و إن الدم يمكن أن يلزمه أو بدله و هو الصوم بعد انقضاء أيام التشريق فإنه من حاضري المسجد الحرام ثم ينبغي أن نذكر من أجل هذه الآية اختلافهم في حد حاضري المسجد الحرام فقال بعضهم حاضرو المسجد الحرام أهل مكة و ذي طوى و ما كان مثل ذلك من مكة و قال بعضهم هم أهل المواقيت فمن دونهم إلى مكة و قال بعضهم من كان بينه و بين مكة ليلة و قال بعضهم من كان ساكن الحرم و قال بعضهم هم أهل مكة فقط و الذي أقول به إنهم ساكنو الحرم مما رد الأعلام إلى البيت فإنه من لم يكن فيه فليس بحاضر بلا شك فلو قال تعالى في حاضر المسجد الحرام كنا نقول بما جاور الحرم لأن حاضر البلد ربضه الخارج عن سورة امتد في المساحة ما امتد و إنما علق سبحانه ما ذكره بحاضري المسجد الحرام و هم الساكنون فيه فمعنى التمتع تحلل المحرم بين النسكين العمرة و الحج و هذا عندي ما يكون إلا لمن لم يسق الهدى فإن ساق الهدى و أحرم قارنا فإنه متمتع من غير إحلال فإنه ليس له أن يحل حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ و بعد أن ذكرنا حكم التمتع فلنرجع إلى ما وضعنا عليه كتابنا هذا في هذه العبادات فنقول وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏ إن أشهر الحج حضرة إلهية انفردت بهذا الحكم فأي عبد اتصف بصفة سيادة من تخلق إلهي ثم عاد إلى صفة حق عبودية ثم رجع إلى صفة سيادته في حضرة واحدة فذلك هو المتمتع فإن دخل في صفة عبودية بصفة ربانية في حال اتصافه بذلك فهو القارن و هو متمتع و معنى التمتع أنه يلزمه حكم الهدى فإن كان له هدي و هو بهذه الحالة من الإفراد بالعمرة أو القران فذلك الهدى كافية و لا يلزمه هدي و لا يفسخ جملة واحدة و إن أفرد الحج و معه هدي فلا فسخ فإلى هنا بمعنى مع و لهذا يدخل القارن فيه لقوله فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ أي مع الحج فتعم المفرد و القارن بالدلالة فإن العمرة الزيارة فإذا قصدت على التكرار و أقل التكرار مرة ثانية كانت الزيارة حجا فدخلت العمرة في الحج أي يحرم بها في الوقت الذي يحرم بالحج و أكد ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم بأن جعل للقارن طوافا واحدا و سعيا واحدا و هذا مقام الاتحاد و هو التباس عبد بصفة رب و إن كان المقصود العبد فهو التباس رب بصفة عبد فإذا حل المتمتع لأداء حق نفسه ثم ينشأ الحج فقد يكون تمتعه بصفة ربانية إن كان‏ممن جعله الله نورا أو كان الحق سمعه و بصره فلا يتصرف فيما يتصرف فيه إلا بصفة ربانية و الصفات الإلهية على قسمين صفة إلهية تقتضي التنزيه كالكبير و العلي و صفة إلهية تقتضي التشبيه كالمتكبر و المتعالي و ما وصف الحق به نفسه مما يتصف به العبد فمن جعل ذلك نزولا من الحق إلينا جعل الأصل للعبد و من جعل ذلك للحق صفة إلهية لا تعقل نسبتها إليه لجهلنا به كان العبد في اتصافه بها يوصف بصفة ربانية في حال عبوديته فيكون جميع صفات العبد التي يقول فيها لا تقضي التنزيه هي صفات الحق تعالى لا غيرها غير أنها لما تلبس بها العبد انطلق عليها لسان استحقاق للعبد و الأمر على خلاف ذلك و هذا هو الذي يرتضيه المحققون من أهل طريقنا على أنه ما رأينا أحدا نص عليه و لا حققه و لا أبداه مثل ما فعلنا نحن و هو قريب إلى الأفهام إذا وقع الإنصاف و ذلك أن العبد ما استنبطه و لا وصف الحق به ابتداء من نفسه و إنما الحق وصف بذلك نفسه على ما بلغت رسله و ما كشفه لأوليائه و نحن ما كنا نعلم هذه الصفات إلا لنا لا له بحكم الدليل العقلي فلما جاءت الشرائع بذلك و قد كان هو و لم نكن نحن علمنا إن هذه الصفات هي له بحكم الأصل ثم سرى حكمها فينا منه فهي له حقيقة و هي لنا مستعارة إذ كان و لا نحن فالأمر فيها على ما مهدناه هين المأخذ قريب المتناول فلا يهولنك ذلك إذ كان الحق به متكلما و أنت السامع فإن قيل لك في ذلك شي‏ء فليكن جوابك للمعترض أن تقول له أنا ما قلته هو قال ذلك عن نفسه فهو أعلم بما نسبه إلى نفسه و نحن مؤمنون به على حد علمه فيه و هذه أسلم العقائد فمن كشف له الحق تعالى صورة تلك النسبة كان على علم من الله تعالى بها ذوقا و شربا و لو لا هذا الامتزاج ما صح أن يكون الإنسان و الحيوان من نطفة أمشاج فأظهر الكل بالكل و ضرب الكل في الكل فظهرنا به له و لنا فنحن به من وجه و ما هو بنا لأنه الظاهر و نحن على أصلنا و إن كنا أعطينا باستعدادنا في أعياننا أمورا لها سمي بما يظنه المحجوب أسماء لنا من عرش و كرسي و عقل و نفس و طبيعة و فلك و جسم و أرض و سماء و ماء و هواء و نار و جماد و نبات و حيوان و إنسان و جان كل ذلك لعين واحدة ليس إلا فسبحان الأعلى المخصوص بالأسماء الحسنى و الصفات العلى و قد علم من هو الأولى بصفة الآخرة و الأولى ف هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ و الإنسان ظلوم بما غصب من هذه الصفات من حيث جعلها لنفسه حقيقة جهول بمن هي له و بأنها غصب في يده فمن أراد أن يزول عنه وصف الظلم و الجهالة فليرد الأمانة إلى أهلها و الأمر المغصوب إلى صاحبه و الأمر في ذلك هين جدا و العامة تظن أن ذلك صعب و ليس كذلك‏

(وصل في فصل الفسخ)

و هو أن ينوي الحج و ليس معه هدي فيحول النية إلى العمرة فيعتمر و يحل ثم ينشئ الحج فمن قائل بجوازه و من قائل بوجوبه و من قائل بأن ذلك لا يجوز و بالوجوب أقول‏ العمرة حج أصغر فجاز تحويل النية إليها و كيف لا و قد تضمن فعلها الحج الأكبر فقام طواف الحج الأكبر و سعيه للقارن مقام ما للعمرة من الطواف و السعي و هما ركنان فاندرجت العمرة التي هي الحج الأصغر في الحج الأكبر و صارا عينا واحدة فجاز الفسخ لعدم الهدى فإن الهدية من القادم للذي قدم عليه معتادة فإذا لم يجي‏ء بها كلف أن لا يدخل على من قصده بالنية الأولى حتى يتمتع و يهدي و لا بد و لكن لا يقدم هديه حتى ينشئ نية أخرى بالقصد على حسب ما نواه فإذا أحرم بالحج أي نوى قصد الكبير سبحانه لا المتكبر الذي هو بمنزلة العمرة التي هي حج أصغر قدم الهدى الذي أوجبه التمتع أما نسيكة على ما تيسروا ما صوما لمن قصده بتلك الزيارة فهي الهدية له فإن الصوم له و هو الذي نزل عليه الحاج فلذلك كان الصوم هدية لأنه يستحقها بل هي أليق به من الهدى فإنه لا يناله من الهدى إلا التقوى خاصة من المهدي و الصوم كله هو له فهو أعظم في الهدية و إنما جعله الله لمن لم يجد هديا لأن الهدى ينال الحق منه التقوى و ينال العبد منه ما يكون له به التغذي و قوام نشأته فراعى سبحانه منفعة العبد مع ما للحق فيه من نصيب التقوى مع الوجود فإذا لم يجد رفق به سبحانه فأوجب عليه الصوم إذ كان الصوم له و لم يوجب عليه غير ذلك لأنه ليس له من عمل العباد إلا الصوم فأقامه مقام الهدية بل هو أسنى و قنع منه بثلاثة أيام في الحج رفقا به حتى يكون قد أتى إليه بشي‏ء فيفرح القادم بتلك التقدمة التي قدمها لربه في هذاالقدوم فهذا من وجه رفق الله بعبده و أخر السبعة إذا رجع إلى أهله فهناك يأخذها منه فإنه في رجوعه أيضا قادم عليه فإن الحق مع أهله أينما كانوا فإذا رجع إلى أهله وجد الحق معهم فصام هدية سبعة أيام فقبلها الحق منه في أهله أو حيثما ما كان فإن الله مع عباده أينما كانوا و من رأى أن العين واحدة و إن اختلفت النسب لم ير أنه فسخ مع وجود الفسخ مثل قوله وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ فنفى و أثبت كذلك هذا و ما فسخت إذ فسخت فمن كان شهوده في نفسه الحج خاصة لم يحل له الأصغر و الأكبر فلم يفسخ و بقي على نيته الأولى لقوله تعالى وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ فهو بحسب مشهده و الأول أتم و هو القائل بالفسخ و التعدي عن الفسخ فهو فاسخ لا فاسخ‏

(تفريع في التمتع)

اختلف علماء الإسلام فيمن أنشأ عمرة في غير أشهر الحج ثم حج من عامه ذلك فمن قائل عمرته في الشهر الذي حل فيه فهذا متمتع عنده بلا شك فإن حل في غير أشهر الحج عنده فليس بمتمتع و اشترط بعضهم أن يكون طوافه كله في أشهر الحج و قال بعضهم إن طاف ثلاثة أشواط في رمضان و أربعة في شوال كان متمتعا و قال بعضهم من أهل بعمرة في غير أشهر الحج فسواء طاف في أشهر الحج أو لم يطف لا شي‏ء عليه فإنه ليس بمتمتع‏ اعلم أنه لما كانت أسماء الحق منها ما يعطي الاشتراك و منها ما لا يعطي الاشتراك و الذي لا يعطي الاشتراك كالمعز و المذل و الذي يعطي الاشتراك كالعليم و الخبير فإذا كان العبد تحت حكم اسم ما من الأسماء الإلهية التي تعطي الاشتراك فهو بمنزلة من أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج و عملها في أشهر الحج فهل للاسم الأول فيه حكم إذا انتقل إلى الاسم الآخر فانظر إن كان أحدهما يتضمن الآخر في أمر ما كالخبير و العالم كان في عمله تحت حكم الآخر لأنه صاحب الوقت و أنت أخيذه بأكثر مما أخذ منك الوقت الأول و إن كان مشهدك أول الإنشاء و أنه المؤثر و لولاه لم يصح حكم هذا الآخر كالنية في الصلاة ثم لا يحضر في أثناء الصلاة فصحت الصلاة لحكم الأول و قوته فمن كان مشهده هذا نفى أن يكون هذا متمتعا فإنه بحكم الإنشاء لا بحكم الانتهاء فاعلم ذلك‏ و أما أكثر شروط التمتع الذي يكون به المتمتع متمتعا فهي عند بعضهم خمسة منها أن يجمع بين العمرة و الحج في سفر واحد الثاني أن يكون ذلك في عام واحد الثالث أن يفعل شيئا من العمرة في أشهر الحج الرابع أن ينشئ الحج بعد الفراغ من العمرة و إحلاله منها الخامس أن يكون وطنه غير مكة أما الجمع في سفر واحد و ذلك أن يدعوه اسمان فما زاد أو اسم يتضمن اسمين فما زاد كما قدمنا فيجيب في ذلك السفر الواحد إليهما بحسب ما دعوا إليه كالمغني إذا دعاه إليه فإنه يتضمن في المدعو حكم الاسم المعز فإنه إذا استغنى اعتز و العزة لا تكون إلا من الاسم المعز و ما اعتز هنا إلا بالاسم المغني لأنه أغناه فأورثته صفة الغني العزة فلو لا إن المغني يتضمن الاسم المعز ما ظهرت العزة في هذا الغني بما استغنى به‏ و أما العام الواحد فإنه كمال الزمان إذا العام فيه كمال الزمان لحصره الفصول فكمال الزمان هو بظهور الأبد الذي به كمل الدهر فإن الأزل نفي الأولية و الأبد نفي الآخرية فما بقي طرفان فليس إلا دهر واحد إذ كان نسبة الأزل للحق نسبة الزمان للخلق في العامة بنسبة الزمان الماضي فينا فلهذا إلا يعبر عن الفعل فيه إلا بالماضي فيقولون كان ذلك في الأزل و فعل ذلك في الأزل و قد بينا حقيقة مدلول هذه اللفظة في كتابنا هذا و في جزء لنا سميناه الأزل‏ و أما كونه أن يكون شي‏ء من العمرة في أشهر الحج فهو أن يكون قصد الإنسان إلى ربه من حيث ما يقتضيه حق الله عليه فيه و وفاء بحق العبودية فللعمل وجه في هذا و وجه في هذا و أما أن ينشئ الحج بعد الفراغ من العمرة و الإحلال منها فهو بمنزلة الإخلاص في العبادة و الخروج من حكم اسم إلهي مقابل لاسم إلهي لا يجتمعان كالضار و النافع و المعطي و المانع‏ و أما الوطن أن يكون غير مكة فذلك بين فإن العبد موطنه العبودية و لا يستطيع الخروج من موطنه إلا إذا دعاه الحق إليه فلو ضمه معه موطن لما دعاه إليه‏

(وصل في فصل في القران)

فهو عندنا أن يهل بالعمرة و الحج معا فإن أهل بالعمرة ثم بعد ذلك أهل بالحج فهذا مردف و هو قارن أيضا و لكن بحكم الاستدراك فمن جمع بين العمرة و الحج في إحرام واحد فهو قران سواء قرن بالإنشاء أو بعده بزمان ما لم يطف بالبيت‏و قيل ما لم يطف و يركع و يكره بعد الطواف و قبل الركوع فإن ركع لزمه و من قائل له ذلك بعد الركوع من الطواف و ما بقي عليه شي‏ء من عمل العمرة إلا إذا لم يبق عليه من أفعال العمرة إلا الحلاق فإنهم اتفقوا على أنه ليس بقارن و ذلك كله عند بعضهم إن ساق الهدى و به أقول فإن لم يسق معه هديا فاختلفوا في حجه و كذلك مفرد الحج سواء فمن قائل ببطلان الحج و يجب عليه الفسخ و لا بد و من قائل بجواز الفسخ لا بوجوبه و من قائل بمنعه و إنه يتم حجه الذي نواه سواء ساق الهدى أم لم يسق و القارن الذي يلزمه هدي التمتع هو عند الجمهور من غير حاضري المسجد الحرام إلا ابن الماجشون فإن القارن عنده من أهل مكة عليه الهدى و أما الإفراد فهو ما تعرى من هذه الصفات و هو الإهلال بالحج فقط و اختلف العلماء من الصحابة فيه إذا لم يكن له هدي و قد ذكرناه آنفا في هذا الفصل و أما الذين أجازوا الحج لمن لم يسق الهدى و في أصل الإهلال بالحج و إن ساق الهدى أي أفضل فمن قائل الإفراد أفضل و من قائل القران و من قائل التمتع اعلم أن المحرم لا يحرم كما إن الموجود لا يوجد و قد أحرم المردف قبل أن يردف ثم أردف على إحرام العمرة المتقدم و أجزأه بلا خلاف و الإحرام ركن في كل واحد من العملين و بالاتفاق جوازه فيترجح قول من يقول يطوف لهما طوافا واحدا و سعيا واحدا و حلاقا واحدا أو تقصيرا على من لا يقول بذلك‏ قد تقدم لك حكم تداخل الأسماء الإلهية في الحكم و قد تقدم لك انفراد حكم الاسم الإلهي الذي لا يداخله حكم غيره في حكمه فلتنظره هنالك فمن أفرد قال الأفعال كلها لله و العبد محل ظهورها و من قرن قال الأفعال لله بوجه و تنسب إلى من تظهر منه بوجه يسمى ذلك كسبا عند بعض النظار و خلقا عند آخرين و اتفق الكل على إن خلق القدرة المقارنة لظهور الفعل من العبد لله و إنها ليست من كسب العبد و لا من خلقه و اختلفوا هل لها أثر في المقدور أم لا فمنهم من قال لها أثر في المقدور و لا يكون مقدورها إلا عنها و ما صح التكليف و توجه على العبد إذ لو لم يكن قادرا على الفعل لما كلف و لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا وُسْعَها و هو ما يقدر على الإتيان به و قال في إن القدرة لله التي في العبد لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا ما آتاها و الذي أعطاها إنما هو القدرة التي خلق فيه فله الاقتدار بها على إيجاد ما طلب منه أن يأتي به من التكليف و منهم من قال ليس للقدرة الحادثة أثر خلق في المقدور الموجود من العبد و ليس للعبد في الفعل الصادر منه إلا الكسب و هو اختياره لذلك الفعل إذ لم يكن مضطرا و لا مجبورا فيه‏ و أما أهل الله الذين هم أهله فأعيان الأفعال الظاهرة من أعيان الخلق إنما هي نسب من الظاهر في أعيان هذه الممكنات و إن استعداد الممكنات أثرت في الظاهر في أعيان الممكنات ما ظهر من الأفعال و العطاء بطريق الاستعداد لا يقال فيه إنه فعل من أفعال المستعد لأنه لذاته اقتضاه كما أعطى قيام العلم لمن قام به حكم العالم و كون العالم عالما ليس فعلا البتة فالاقتضاءات الذاتية العلية ليست أفعالا منسوبة إلى من ظهرت عنه و إنما هي أحكام له فأفعال المكلفين فيما كلفوا به من الأفعال أو التروك مع علمنا بأن الظاهر الموجود هو الحق لا غيره بمنزلة ما ذكرناه من محاورة الأسماء الإلهية و مجاراتها في ميادين المناظرة و توجهاتها على المحل الموصوف بصفة ما بأحكام مختلفة و قهر بعضها بعضا كفاعل الفعل المسمى ذنبا و معصية يتوجه عليه الاسم العفو و الغفار و المنتقم و المعاقب فلا بد أن ينفذ فيه أحد أحكام هذه الأسماء إذ لا يصح أن ينفذ فيه الجميع في وقت واحد لأن المحل لا يقبله للتقابل الذي بين هذه الأحكام فقد ظهر قهر بعض الأسماء في الحكم لبعض و الحضرة الإلهية واحدة فإذا علمت هذا هان عليك إن تنسب الأفعال كلها لله كما تنسب الأسماء الحسنى كلها لله تعالى أو الرحمن مع أحدية العين و اختلاف الحكم فاعلم ذلك و خذه في جميع ما يسمى فعلا فتعرف عند ذلك من هو المكلف و المكلف و تنطق فيه بحسب مشهدك انتهى الجزء الخامس و الستون‏

( (بسم الله الرحمن الرحيم))

(وصل في فصل الغسل للإحرام)

فمن قائل بوجوبه و من قائل إن الوضوء يجزئ عنه و من قائل إنه سنة مؤكدة آكد من غسل الجمعة اعلم أن الطهارة الباطنة في كل عبادة واجبة عند أهل الله إلا من يرى أن المكلف إنما هو الظاهر في مظهر ما من أعيان الممكنات فإنه‏ راه سنة لا وجوبا و من يرى من أهل الله أن الاستعداد الذي هو عليه عين المظهر كما أثر في الظاهر فيه إن يتميز عن ظهور آخر بأمر ما و باسم ما من حيوان أو إنسان أو مضطر أو بالغ أو عاقل أو مجنون فذلك الاستعداد عينه أوجب عليه الحكم بأمر ما كما أوجب له الاسم فقال له اغتسل لإحرامك أي تطهر بجمعك حتى تعم الطهارة ذاتك لكونك تريد أن تحرم عليك أفعالا مخصوصة لا يقتضي فعلها هذه العبادة الخاصة المسماة حجا أو عمرة فاستقبالها بصفة تقديس أولى لأنك تريد بها الدخول على الاسم القدوس فلا تدخل عليه إلا بصفته و هي الطهارة كما لم تدخل عليه إلا بأمره إذ المناسبة شرط في التواصل و الصحبة فوجب الغسل‏ و من رأى أنه إنما يحرم على المحرم أفعال مخصوصة لا جميع الأفعال قال فلا يجب عليه الغسل الذي هو عموم الطهارة فإنه لم يحرم عليه جميع أفعاله فيجزئ الوضوء فإنه غسل أعضاء مخصوصة من البدن كما أنه ما يحرم عليه إلا أفعال مخصوصة من أفعاله و إن اغتسل فهو أفضل و كذلك إن عمم الطهارة الباطنة فهو أولى و أفضل‏

(وصل في فصل النية للإحرام)

و هو أمر متفق عليه إلا من شذ القصد بالمنع عين بقائك على ما أنت عليه فهذا حكم منسوب إليك تؤجر عليه و ما عملت شيئا وجوديا و هو كالنهي في التكليف و له من الأسماء المانع و القصد أبدا لا يكون متعلقة إلا معدوما فيقصد في المعدوم أبدا أحد أمرين إما إيجاد عين و هو الكون و إما إيجاد حكم و هو النسبة و ما ثم ثالث يقصد فمثل إيجاد العين إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ و لا يريده إلا و هو معدوم أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فيظهر وجود عين المراد بعد ما كان معدوما و مثل إيجاد الحكم و هو النسبة قوله تعالى إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ فالإذهاب معدوم و هو الذي يشاء إن شاءه فإن شاء أعدمه بمنع شرطه الذي به بقاء حكم الوجود عليه فيصير عليه حكم اسم المعدوم و ما فعل الفاعل شيئا فتعلق القصد بالإعدام فاتصف الموجود بحكم العدم لا أنه كان العدم فإن العدم لا يكون مع وجود حكمه و هو النسبة و إذا تأملت فما ثم وجود إلا الله خاصة و كل موصوف بالوجود مما سوى الله فهو نسبة خاصة و الإرادة الإلهية إنما متعلقها إظهار التجلي في المظاهر أي في مظاهر ما و هو نسبة فإن الظاهر لم يزل موصوفا بالوجود و المظهر لم يزل موصوفا بالعدم فإذا ظهر أعطى المظهر حكما في الظاهر بحسب حقائقه النفسية فانطلق على الظاهر من تلك الحقائق التي هو عليها ذلك المظهر المعدوم حكم يسمى إنسانا أو فلكا أو ملكا و ما كان من أشخاص المخلوقات كما رجع من ذلك الظهور للظاهر اسم يطلق عليه يقال به خالق و صانع و ضار و نافع و قادر و ما يعطيه ذلك التجلي من الأسماء و أعيان الممكنات على حالها من العدم كما إن الحق لم يزل له حكم الوجود فحدث لعين الممكن اسم المظهر و للمتجلي فيه اسم الظاهر فلهذا قلنا فكل موجود سوى الله فهو نسبة لا عين فأعطى استعداد مظهر ما أن يكون الظاهر فيه مكلفا فيقال له افعل و لا تفعل و يكون مخاطبا بأنت و بكاف الخطاب‏ فالقصد للإحرام هو القصد للمنع أن يمنع به ما يمكن أن لا يمنع فحينئذ يصير المنع حكما و التكليفات كلها أحكام فالنية للإحرام أن يقصد بذلك المنع القربة إلى الله و القربة معدومة فيكون سبب وجود حكمها هذا المنع فحصل للعبد بعد أن لم يكن فيصير مظهرا عند ذلك و هو غاية القرب ظهور في مظهر لأن بذلك الظهور يظهر حكم المظهر في الظاهر فيه كما يظهر بطريق القرب حكم الداعي في المدعو بما يكون منه من الإجابة قال تعالى وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ إذ لا تكون إجابة إلا بعد الدعاء فأعطاه الداعي حكم الإجابة كما دعاه تعالى إلى الحج إلى بيته على صفة مخصوصة تسمى الإحرام فأجاب العبد رافعا صوته و هو الإهلال بالتلبية و هي قوله لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك‏

(وصل في فصل هل تجزئ النية عن التلبية)

اختلف علماء الرسوم رضي الله عنهم في ذلك فقال بعضهم التلبية في الحج كتكبيرة الإحرام في الصلاة و صاحب هذا القول يجزئ عنده كل لفظ يقوم مقام التلبية كما يجزئ عنده في الصلاة كل لفظ يقوم مقام التكبير و هو كل ما يدل على التعظيم و قال بعضهم لا بد من لفظ التلبية فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال خذوا عني مناسككم‏ و مما شرع‏لفظ التلبية و هو قوله لبيك كما شرع الله أكبر في تكبيرة الإحرام في الصلاة فأوجب بعضهم تلبية رسول الله صلى الله عليه و سلم و صورتها لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك و في رواية لبيك إله الحق و في رواية إله الخلق فهي واجبة بهذا اللفظ عند هؤلاء و عند جمهور العلماء مستحبة و به أقول و اللفظ بها أولى و اختلفوا في الزيادة على هذا اللفظ و في تبديله كما قلنا و كذلك اختلفوا في رفع الصوت بالتلبية و هو الإهلال فأوجبه بعضهم و به أقول و لكنه عندي إذا وقع منه مرة واحدة أجزأه و ما زاد على الواحدة فهو مستحب و أولى و قال بعضهم رفع الصوت بالتلبية مستحب إلا في مساجد الجماعات ما عدا المسجد الحرام و مسجد منى عند بعضهم و اختلفوا في التلبية هل هي ركن أم لا فقال بعضهم هي ركن من أركان الحج و به أقول فإن الله يقول فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي و هو قد دعانا إلى بيته فلا بد أن أقول لبيك ثم نأخذ في الفعل لما دعاني الله أن نأتيه به من الصفات و قال بعضهم ليست ركنا اعلم أن القصد إلى الله تعالى بهذه العبادة الخاصة الجامعة بين الإحرام و التصرف في أكثر المباحات هو قصد خاص لاسم خاص و هو الداعي إلى البيت بهذا القصد لا إليه لكن من أجله بصفة عبودية مشوبة بصفة سيادة تظهر حكم السيادة في هذه العبادة في النحر لأنه إتلاف صورة و في الرمي بالجمار فإنه وصف فعل إلهي في قوله وَ أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً روى أن إبليس تعرض لإبراهيم الخليل في أماكن هذه الجمرات مرارا فحصبه بعدد ما شرع و في زمانها و كذلك في إلقاء التفث فإنه وصف إلهي من قوله سَنَفْرُغُ لَكُمْ و فرغ ربك و الوفاء بما نذر فيه كذلك لقوله أُوفِ بِعَهْدِكُمْ‏ و الطواف بالبيت لكون هذا الفعل إحاطة بالبيت من قوله إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحِيطٌ و الذكر فيها من قوله فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ و ذكر الله لنا أكبر من ذكرنا له إلا أن ذكرناه به لا بنا فذكرنا به أكبر إحاطة فإن في ذكرنا نحن و هو و في ذكره هو بلا نحن قرئ على أبي يزيد إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ قال بطشي أشد يعني إذا بطش العبد به لا بنفسه و إنما قول أبي يزيد عندي فشرحه خلاف هذا فإن بطش العبد بطش معرى عن الرحمة ما عنده من الرحمة شي‏ء في حال بطشه و بطش الحق بكل وجه فيه رحمة بالمبطوش به من وجه يقصده الباطش الحق فهو الرحيم به في بطشه فبطش العبد أشد لأنه لا تقوم به رحمة بالمبطوش به و ما أشبه ذلك من الرمل و السعي و كل فعل له في الألوهية وصف‏ و إذا عرفت أن القصد إلى البيت من الله لا إليه فليكن قصدك إلى البيت بربك لا بنفسك فتكون ذا قصد إلهي فإنه تعالى قصد هذا البيت دون غيره من البيوت و طلب من عباده أن يقصدوه بوصف خاص و هو الإحرام و جميع أفعال الحاج و جعل أوله طوافا و آخره طوافا فختم بمثل ما به بدأ عند الوصول إلى البيت فما أمرك بالقصد إلى البيت لا إليه إلا لكونه جعله قصدا حسيا فيه قطع مسافة أقربها من بيتك الذي بمكة إلى البيت و هو معك أينما كنت فلا يصح أن تقصد بالمشي الحسي من هو معك فأعلمك أنه معك‏ ثم إنه ذلك على البيت الذي هو مثلك و من جنسك أعني أنه مخلوق فدلالته لك على البيت دلالته لك على نفسك في قوله من عرف نفسه عرف ربه فإذا قصدت البيت إنما قصدت نفسك فإذا وصلت إلى نفسك عرفت من أنت و إذا عرفت من أنت عرفت ربك فتعلم عند ذلك هل أنت هو أو لست هو فإنه هناك يحصل لك العلم الصحيح فإن الدليل قد يكون خلاف المدلول و قد يكون عين المدلول فلا شي‏ء أدل على الشي‏ء من نفسه ثم تبعد الدلالة بحسب بعد المناسبة فالإنسان أقرب دليل عليه من كونه مخلوقا على الصورة و لهذا ناداك من قريب لقرب المناسبة فقال فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ و قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ‏ و قد تقدم في أول الباب أسرار ظهرت في اعتبار البيت ثم جاء بلفظة البيت لما فيه من اشتقاق المبيت فكأنه إنما سمي بيتا للمبيت فيه فإنه الركن الأعظم في منافع البيت كقولهم الحج عرفة يريد معظمه فراعى حكم المبيت لأنه في المبيت يكون النوم فهو محتاج إلى من يحفظ رحله و نفسه لنومه فإنه في حال يقظته يتصف بحفظ رحله و نفسه فلما راعى فيه المبيت و المبيت لا يكون إلا بالليل لا بالنهار و لهذا راعى أحمد بن حنبل في غسل اليد في الوضوء قبل إدخالها في الإناء لمن قام من نوم الليل خاصة لقوله صلى الله عليه و سلم فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده فجاء بلفظ المبيت فجعل الحكم في نوم الليل‏ و لما كان الليل محل التجلي فيه فإن الحق ما جعل تجليه لعباده في الحكم الزماني إلا في الليل فإن فيه ينزل ربنا و فيه كان الإسراء برسول الله صلى الله عليه‏و سلم و فيه معارج الأرواح في النوم لرؤية الآيات و لما تحققت هذه الأمور كلها خص سبحانه هذا المكان بلفظ البيت فسماه بيتا فافهم ما أشرنا إليه فقال جل و تعالى وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ إشارة إلى النسيان و لم يقل على بنى آدم حِجُّ الْبَيْتِ يعني قصد هذا المكان من كونه بيتا ليتنبه باسمه على ما قصد به دون غيره من اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا أي من قدر على الوصول إليه و لذلك شرع وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ و أمثاله‏ فالإجابة لله بالتلبية لدعائه و رفع الصوت به من أجل البيت لبعده عن المدعو فإنه دعاه من البيت لأنه دعاه ليراه فيه لتجليه كما أسرى بعبده ليلا ليريه من آياته التي هي دلائل عليه و قد يكون ظهور الشي‏ء للطالب دليلا على نفسه فيكون من آياته أن يتجلى له فيراه فيكون له دليلا على نفسه و هذا مذهب ابن عباس فوجب رفع الصوت بالتلبية و هو الإهلال لأجل ما للبيت من الحظ في هذا الدعاء فإنه المقصود في اللفظ فهو الحجاب على الوجه المقصود فإن كنت محمدي المشهد فلا تزد على تلبية رسول الله صلى الله عليه و سلم شيئا فتراه بعينه فإنه لا يتجلى لك بتلبيته إلا ما تجلى له و قد تقرر أنه أعلم الخلق بالله و العلم بالله لا يحصل إلا من التجلي و قد تجلى لك في تلبيتك هذه فنظرته بعين محمد صلى الله عليه و سلم و هي أكمل الأعين لأنه أكمل العلماء بالله و الله مع العبد في شهوده على قدر علمه به فإن زدت على هذه التلبية فقد أشركت حيث أضفت إليها تلبية أخرى و أنت تعلم أن الجمع يعطي من الحكم ما لا يعطي الإفراد فلا تتخيل أنك لما جئت بتلبيته صلى الله عليه و سلم كاملة ثم زدت عليها ما شئت إن باستيفائك إياها يحصل لك ما حصل لمن لم يزد عليها هذا جهل من قائله بما هي عليه حقائق الأمور أ لا تراه صلى الله عليه و سلم لزم تلبيته تلك و ما زاد عليها و لا أنكر على أحد ما لبى به فلم يكن لزومه إياها باطلا فالزم الاتباع تكن عبدا و لا تبتدع في العبودية حكما فتكون بذلك الابتداع ربا فإنه البديع سبحانه‏ فالزم حقيقتك تحظ به و إن شاركته لم تحظ به فإنه لا يشارك فتقع في الجهل لأن الشركة لا تصح في الوجود لأن الوجود على صورة الحق و ما في الحق شريك بل هو الواحد الشركة ما لها مصدر تصدر عنه فتحقق هذا التنبيه في الشركة فإنه بعيد أن تسمعه من غيري و إن كان معلوما عنده فإنه يحكم عليه الجبن الذي فطر عليه فيفزع من كون الحق أثبت الشركة وصفا في المخلوق و ما شعر هذا الناظر بقوله أنا أعني الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بري‏ء و هو الذي أشرك فما قال إن الشركة صحيحة و لا إن الشريك موجود إذ لا يصح وجود معنى الشركة على الحقيقة لأن الشريكين حصة كل واحد منهما معينة عند الله و إن جهلها الشريكان فأنت الذي أشركت و ما في نفس الأمر شركة لأن الأمر من واحد

هذا هو الحق الذيإن قلته لا تغلب‏
و ما سوى هذا فلافهو مثال يضرب‏

مثل تقدير وجود المحال وجوده بحكم الفرض‏ و لما كان القصد إلى البيت و البيت في الصورة ذو أربعة أركان و في الوضع الأول ذو ثلاثة أركان كان القصد على صورة البيت في أكثر المذاهب فاركان الحج أربعة الإحرام و الوقوف و السعي و طواف الإفاضة هذا هو الذي عليه أكثر الناس و من راعى صورة البيت في الوضع الأول كان عنده على التثليث لم ير طواف الإفاضة فرضا فأقام البيت على شكل مثلث متساوى الساقين لا متساوى الأضلاع و لا يصح أن يكون متساوى الأضلاع إذ لو كان لم يكن ثم من يميز الساقين لأنه مثلهما و لا بد من تساوى الساقين و التمييز بينهما و هما اليدان و القبضتان و إنما سميتا ساقين للاعتماد الذي في حقيقة الساق و لما كان الاعتماد على القبضتين و إليهما يرجع حكم الأمر في الدارين الجنة و النار و ما ثم غيرهما كان اسم الساق أولى وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ فلا بد من التساوي حتى يصح الالتفاف عليه كله من كله و ما زاد على هؤلاء الأربعة و جعل ركنا فمن نظر آخر خارج عن شكل البيت و صورته فهو بمنزلة من يطلب أمرا فيرى ما يشبهه فيقول هو هو و إن كان هو اعتبار صحيح و لكن ما له هذا الظهور في الشبه لأن الصورة لا تشهد له أعني صورة البيت الذي هو المقصود بالحج لا غير

(وصل في فصل الإحرام أثر صلاة)

و هو مستحب عند العلماء فرضا كان أو نفلا غير أن بعضهم يستحب أن يتنفل له بركعتين فإنه أولى إذ كانت السنةمن النبي صلى الله عليه و سلم الصلاة في ذلك و السنة أحق بالاتباع فإنه لهذا سنت و قد قال خذوا عني مناسككم‏ في حجه صلى الله عليه و سلم‏ إنما شرع الإحرام أثر صلاة لأن الصلاة عبادة بين طرفي تحريم و تحليل فتحريمها التكبير و تحليلها التسليم فأشبهت الحج و العمرة فإنهما عبادتان بين طرفي تحريم و تحليل فوقعت المناسبة و لأن الصلاة أيضا أثبت الحق فيها نفسه و عبده على السواء فجعل لنفسه منها أمرا انفرد به و جعل لعبده منها حظا أفرده به و جعل منها برزخا أوقع فيه الاشتراك بينه و بين عبده فإنها عبادة مبنية على أقوال و أفعال و الحج كذلك ينبني على أقوال و أفعال فما فيه من التعظيم فهو لله و من الذلة و الافتقار و التفث فهو للعبد و ما فيه مما يظهر فيه اشتراك فهو برزخ فوقعت المناسبة أيضا فيه أكثر من غيره من العبادات فإن الصوم و إن كان بين طرفي تحريم و تحليل فما يشتمل على أقوال و لا على أفعال‏ ثم إن كان لك أهل في موضع إحرامك فينبغي لك إذا أردت الإحرام أن تطأ أهلك فإن ذلك من السنة ثم تغتسل و تصلي و تحرم فإن المناسبة بين الحج و الصلاة و النكاح كون كل واحد من هذه العبادات بين طرفي تحريم و تحليل و قد راعى الله ذلك أعني المناسبة من هذا الوجه في الصلاة و النكاح فقال حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى‏ الآيتين و جعل هذه الآية بين آيات نكاح و طلاق تتقدمها و تتأخر عنها و عدة وفاة و في ظاهر الأمر أن هذا ليس موضعها و ما في الظاهر وجه مناسب للجمع بينها و بين ما ذكرنا إلا كونهما بين طرفي تحريم و تحليل متقدم أو متأخر و لما أراد الله من العبد فيما نبهه به أن لا يفعل شيئا من الأفعال الصادرة منه في ظاهر الأمر إلا و هو يعلم أن الله هو الفاعل لذلك الفعل في‏ قوله كنت سمعه و بصره فبي يسمع و بي يبصر و بي يتحرك‏ و قال في الصلاة إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده‏ فنسب القول إليه لا إلى العبد و لم يقل بلسان عبده فلهذا شرع الإحرام عقيب صلاة لينتبه الإنسان بما ذكرناه أنه بربه في جميع حركاته و سكناته على اختلاف أحكامها فيكون في عبادة دائما بهذا الحضور و يكون فيها لا فيها

فالله أظهر نفسه بحقائقالأكوان في أعيانها فاعبده به‏
إن كنت تعبده فلست بعابدفانظر إلى قولي لعلك تنتبه‏

و تفطن فإن الله ما قال لنبيه صلى الله عليه و سلم وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمى‏ سدى بل قال ذلك لتعرف أنت و أمثالك صورة الأمر كيف هو فالإحرام للعبد نظير التنزيه للحق و هو قولك في حق الحق ليس كذا و ليس كذا لكونه قال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ و سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ و العزة الامتناع و التسبيح تنزيه و التنزيه بعد عما نسب إليه من الصاحبة و الولد و غيرهما و الإحرام منع و تنزيه و بعد عن الجماع و عن أشياء قد عين الشارع اجتنابها و هو عين التنزيه و التباعد عنها و منع صاحب هذه العبادة من الاتصاف بها

(وصل في فصل نسبة المكان إلى الحج من ميقات الإحرام)

أي من أي مكان أحرم عليه السلام فمنهم من قال من مسجد ذي الحليفة و منهم من قال حين استوت به راحلته و منهم من قال حين أشرف على البيداء و كل قال و أخبر عن الوقت الذي سمعه فيه يهل فمنهم من سمعه يهل عقيب الصلاة من المسجد ثم سمعه آخر يهل حين استوت به راحلته ثم سمعه آخر يهل حين أشرف على البيداء و قال علماء الرسوم في المكي إذا أحرم لا يهل حتى يأخذ في الرواح إلى منى و الأولى عندي أن يهل عقيب الصلاة إذا أحرم ثم إذا أخذ في الرواح ثم لا يزال يهل إلى الوقت المشروع الذي يقطع عنده التلبية لأن الدعاء كان لجميع أفعال الحج فالتلبية إجابة لذلك الدعاء فما بقي فعل من أفعال الحج أمامه لم يفعله فلا يقطع التلبية حتى يفرغ من أفعال الحج الذي دعاه إلى فعلها هذا يقتضي النظر إلا أن يرد نص من الشارع بتعيين وقت قطع التلبية فيقف عنده‏ لقوله صلى الله عليه و سلم خذوا عني مناسككم‏ و لما كان الدعاء عند أهل الله نداء على رأس البعد و بوح بعين العلة فإن الإجابة تؤذن في الحال بالبعد فكان النداء طلبا للقرب من حكم هذا البعد فالإجابة مقدمة بشرى من العبد للحق يبشره بالإجابة لما دعاه إليه من كونه يتجلى في صورة تعطي هذه النسب و إن كانت السعادة للعبد في تلك الإجابة و لكن ما خلق الله الجن و الإنس إلا ليعبدوه فدعاهم لما خلقهم له و لما كان في الإمكان الإجابة و عدم الإجابة لذلك كانت الإجابة بشرى للداعي أن دعاءه‏مسموع و أمره مطاع حين أبي غيره و امتنع ممن سمع الدعاء و ربما يدخل في هذا من يقول بالتراخي مع الاستطاعة و الأولى بكل وجه المبادرة عند الاستطاعة و ارتفاع الموانع فجعل قوله تعالى يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَ رِضْوانٍ في مقابلة هذه البشرى بالإجابة جزاء و قال لَهُمُ الْبُشْرى‏ في الْحَياةِ الدُّنْيا وَ في الْآخِرَةِ جزاء أيضا مؤكدا لبشراهم بإجابة داعي الحق بالعبادات فقالوا لبيك أي إجابة لك لما دعوتنا إليه و خلقتنا له فلم يرجع داعي الحق خائبا ثم حققوا الإجابة بما فعلوه مما كلفوه على حد ما كلفوه من نسبة الأعمال إليهم و فنائهم عن رؤيتها منهم برؤية مجريها على أيديهم و منشئها فيهم فهم عمال لأعمال كذا هو الأمر في الحقيقة اطلع العباد على ذلك أو لم طلعوا فشرف العالم بالاطلاع على من لم يطلع و فضل عليه يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَ الله بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ وَ الله يَهْدِي من يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏

(وصل في فصل المكي يحرم بالعمرة دون الحج)

فإن العلماء ألزموه بالخروج إلى الحل و لا أعرف لهم حجة على ذلك أصلا و اختلفوا إذا لم يخرج إلى الحل فقيل عليه دم و قيل لا يجزيه و وقفت على ما احتجوا به في ذلك فلم أره حجة فيما ذهبوا إليه و الذي أذهب إليه في هذه المسألة أن المكي يجوز له أن يحرم من بيته بالعمرة كما يحرم بالحج سواء و يفعل أفعال العمرة كلها من طواف و سعى و حلق أو تقصير و يحل و لا شي‏ء عليه جملة واحدة فإن النبي صلى الله عليه و سلم لما وقت المواقيت لمن أراد الحج و العمرة و لم يفرق بين حج و لا عمرة قال ميقات أهل مكة من مكة و ما يلزم من الأفعال في نسك العمرة فعل و ما يلزم من نسك الحج فعل و ما خصص رسول الله صلى الله عليه و سلم قط الجمع بين الحل و الحرم و إنما شرع ذلك للآفاقى لا للمكي فقال لعبد الرحمن بن أبي بكر اخرج بعائشة إلى التنعيم من أجل أن تحرم بالعمرة مكان عمرتها التي رفضتها حين حاضت و عائشة آفاقية و هذا هو دليل العلماء فيما ذهبوا إليه و هو دليل في غاية الضعف لا يحتج بمثل هذا على المكي‏ و الأوجه في تمشية الحكمة في المكي أن لا يخرج إلى الحل إذا أحرم بالعمرة فإنه في حرم الله تعالى فهو في عبودية مشاهدة قد منعه الموطن أن يكون غير عبد ثم أكد تلك العبودية بالإحرام فهو إحرام في حرم تأكيد للعبودية و إجلال للربوبية فإذا خرج إلى الحل نقص عن هذه الدرجة و المطلوب الزيادة في الفضل أ لا ترى الآفاقي لما خرج إلى الحل هناك أحرم فلم يكن المطلوب منه في خروجه أن يبقى على إحلاله ثم دخل في الحرم محرما فزاد فضلا على فضل فكان المطلوب الزيادة فالمكي في حرم الله أي موجود في عين القرب من الله بالمكان فلما ذا يخرج و القرب بيته و موطنه حاشا الشارع أن يرى هذا و كذلك ما قاله و لا رآه و لا أمر به‏ و الآفاقي لما كان همه متعلقا بوطنه الخارج عن الحرم كان خروجه إلى الحل من أجل الإحرام بالعمرة كالعقوبة له لما كانت الهمة به متعلقة فإنه في نية المفارقة لحرم الله و طلب موطنه الخارج عنه فخرج من الأفضل إلى ما هو دونه و أين جار الله ممن ليس بجار له و الله قد وصى بالجار حتى‏ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما زال جبريل عليه السلام يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه‏ يعني يلحقه بالقرابة أصحاب السهام في الورث و كذلك في الحج و اتفق من نسك الحج الوقوف بعرفة و عرفة في الحل و ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه ما شرع الوقوف بعرفة إلا لكونها في الحل و لا بد للمحرم أن يجمع بين الحل و الحرم ما تعرض الشارع إلى شي‏ء من ذلك و لو كان مقصوده لأبان عنه و ما ترك الناس في عماية بل بين صلى الله عليه و سلم في المواقيت ما ذكرناه فوصف المناسك و عينها و أحوالها و أماكنها و أزمانها فالله يلهمنا رشد أنفسنا و يجعلنا ممن اتبع و تأسى آمين بعزته وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏

(وصل في فصل متى بقطع الحاج التلبية)

فمن قائل إذا زاغت الشمس من يوم عرفة و هو عند الزوال و من قائل حتى يرمي جمرة العقبة كلها و من قائل حين يرمي أول حصاة من جمرة العقبة و قد تقدم قولنا في ذلك و هو أنه ما بقي عليه فعل من أفعال الحج فلا يقطع التلبية حتى يفرغ منه فإن الله يدعوه ما بقي عليه فعل من أفعال الحج فالإجابة لازمة و ما ثم نص من النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك فإنه غاية ما وصل إلينا أن الواحد ما سمعه يلبي بعد ما زاغت الشمس و الآخر ما سمعه يلبي حين رمى أول حصاة من جمرة العقبة و الآخر ما سمعه يلبي بعد آخر رميه حصاة من آخر جمرة العقبة فصدق كل واحد منهم في أنه ما سمع مثل قولهم‏ في الإهلال بالحج سواء عند الإحرام و الكل ثقات فيما ذكروه فإنه صلى الله عليه و سلم لم يشرع اتصال التلبية زمان الحج من غير فتور بحيث أن لا يتفرغ إلى كلام و لا إلى ذكر بل كان يلبي وقتا و يذكر وقتا و يستريح وقتا و يأكل وقتا و يخطب وقتا فسرد التلبية ما هو مشروع و إن أكثر منها فلا بد من قطع في أثناء أزمان الحج فهذا كله ليس بخلاف و كذلك المعتمر لا يقطع التلبية عندنا ما بقي عليه فعل من أفعال العمرة عندنا فإن الذين قالوا إن المحرم بالعمرة يخرج إلى الحل منهم من قال يقطع التلبية إذا انتهى إلى الحرم يعني المسجد و منهم من قال إذا افتتح الطواف‏ و اعلم أنه ما من فعل من أفعال الحج و العمرة يشرع فيه المحرم إلا و الحق يدعوه إلى فعل ما بقي من الأفعال لا بد من ذلك فكما يلزمه الإجابة ابتداء إلى الفعل يلزمه الإجابة إلى كل فعل حتى يفعله فإن المحرم قد دخل في الحج من حين أحرم و ما قطع التلبية و طاف بالبيت و ما قطع التلبية و سعى و ما قطع التلبية و خرج إلى عرفة و ما قطع التلبية و ما بعض الأفعال المفروضة بالمراعاة أولى من بعض و كذلك المسنونة ما بعضها أولى من بعض في المراعاة إذ لم يرد نص يوقف عنده من الشارع‏ ففي الفرائض إجابة الله و في السنن إجابة رسول الله صلى الله عليه و سلم فإن الله يقول يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ فإن الرسول داع بأمر الله فالله هو المجاب و عتب صلى الله عليه و سلم على ذلك المصلي الذي دعاه رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ لم يجبه حين دعاه و المدعو في الصلاة فقال يا رسول الله إني كنت في الصلاة فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم فما سمعت قول الله تعالى اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ و التلبية إجابة و أفعال الحج ما بين مفروض و مسنون و إذا أنصفت فقد بان لك الحق فألزمه إلا أن تقف على نص من قول الرسول صلى الله عليه و سلم في ذلك فالمرجع إليه‏ و أما العارفون فإنهم لا يقطعون التلبية لا في الدنيا و لا في الآخرة فإنهم لا يزالون يسمعون دعاء الحق في قلوبهم مع أنفاسهم فهم ينتقلون من حال إلى حال بحسب ما يدعوهم إليه الحق و هكذا المؤمنون الصادقون في الدنيا بما دعاهم الشرع إليه في جميع أفعالهم و إجابتهم هي العاصمة لهم من وقوعهم في محظور فهم ينتقلون أيضا من حال إلى حال لدعاء ربهم إياهم فهو داع أبدا و العارف غير محجوب السمع فهو مجيب أبدا جعلنا الله ممن شق سمعه دعاء ربه و شق بصره لمشاهدة تجليه فالتجلي دائم لا ينقطع فشهود الحق ما لا يرتفع فدوام لدوام و اهتمام لاهتمام و انتقال لمقام و هو أعلى من مقام انتقلت منه من وجه يرجع إليك و ما هو أعلى من وجه يرجع إلى الحق فإن الأمور إذا نسبتها إلى الحق لم تتفاضل في الشرف و إذا نسبتها إليك تفاضلت في حقك و المكمل عندنا من تكون الأمور بالنسبة إليه كما تكون بالنسبة إلى الله و هو الذي يرى وجه الحق في كل أمر و هذا الباب ما رأيت له ذائقا فيما نقل إلينا جملة واحدة و لا بد أن يكون له رجال لا بد من ذلك و لكنهم قليلون فإن المقام عظيم و الخطب جسيم و كنت أتخيل في بعض المقتدين بنا أنه حصله فجاءني منه يوما عتاب في أمر شهد عندي ذلك الخطاب أنه ما حصله‏

(وصل في فصل الطواف بالكعبة)

و صفته أن يجعل البيت عن يساره و يبتدئ فيقبل الحجر الأسود إن قدر عليه ثم يسجد عليه أو يشير إليه إن لم يتمكن له الوصول إليه و يتأخر عنه قليلا بحيث أن يدخله في الطواف بالمرور عليه ثم يمشي إلى أن ينتهي إليه يفعل ذلك سبع مرات يقبل الحجر في كل مرة و يمس الركن اليماني الذي قبل ركن الحجر بيده و لا يقبله فإن كان في طواف القدوم فيرمل ثلاثة أشواط و يمشي أربعة أشواط و لكن في أشواط رملة يمشي قليلا بين الركنين اليمانيين و يقول رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وَ في الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ إلى أن تفرغ سبعة أشواط كل ذلك بقلب حاضر مع الله‏ و يخيل أنه في تلك العبادة كالحافين من حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ فيلزم التسبيح في طوافه و التحميد و التهليل و قول لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم و لنا في ذلك‏

جسم يطوف و قلب ليس بالطائفذات تصد و ذات ما لها صارف‏
يدعى و إن كان هذا الحال حليتههذا الإمام الهمام الهمهم العارف‏
هيهات هيهات ما اسم الزور يعجبنيقلبي له من خفايا مكره خائف‏

و لقد نظرت يوما إلى الكعبة و هي تسألني الطواف بها و زمزم يسألني التضلع من مائه رغبة في الاتصال بالمؤمن سؤال نطق مسموع بالأذن فخفنا من الحجاب بهما لعظيم مكانتهما من الحق عما نحن عليه في أحوالنا من القرب الإلهي الذي يليق بذلك الموطن في معرفتنا فأنشدتهما مخاطبا و معرفا بما هو الأمر عليه مترجما عن المؤمن الكامل‏

يا كعبة الله و يا زمزمهكم تسألاني الوصل صه ثم مه‏
إن كان وصلي بكما واقعافرحمة لا رغبة فيكمه‏
ما كعبة الله سوى ذاتناذات ستارات التقى المعلمة
ما وسع الحق سماء و لاأرض و لا كلم من كلمه‏
و لاح للقلب فقال اصطبرفإنه قبلتنا المحكمة
منكم إلينا و إلى قلبكممنافيا بيتي ما أعظمه‏
فرض على كعبتنا حبكمو حبنا فرض عليكم و مه‏
ما عظم البيت على غيرهسواك يا عبدي بأن تلزمه‏
قد نور الكعبة تطوافكمبها و أبيات الورى مظلمه‏
ما أصبر البيت على شركهملولاكمو كان لهم مشأمه‏
لكنكم في تواصيتموابالصبر تحقيقا و بالمرحمة
ما أعشق القلب بذاتي و ماأشده حبا و ما أعلمه‏

و كانت بيني و بين الكعبة في زمان مجاورتي بها مراسلة و توسلات و معاتبة دائمة و قد ذكرت بعض ما كان بيني و بينها من المخاطبات في جزء سميناه تاج الرسائل و منهاج الوسائل يحتوي فيما أظن على سبع رسائل أو ثمان من أجل السبعة الأشواط لكل شوط رسالة مني إلى الصفة الإلهية التي تجلت لي في ذلك الشوط و لكن ما عملت تلك الرسائل و لا خاطبتها بها إلا لسبب حادث و ذلك أني كنت أفضل عليها نشأتي و اجعل مكانتها في مجلى الحقائق دون مكانتي و اذكرها من حيث ما هي نشأة جمادية في أول درجة من المولدات و أعرض عما خصها الله به من علو الدرجات و ذلك لارقى همتها و لا تحجب بطواف الرسل و الأكابر بذاتها و تقبيل حجرها فإني على بينة من ترقي العالم علوه و سفله مع الأنفاس لاستحالة ثبوت الأعيان على حالة واحدة فإن الأصل الذي يرجع إليه جميع الموجودات و هو الله وصف نفسه إنه كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ فمن المحال أن يبقى شي‏ء في العالم على حالة واحدة زمانين فتختلف الأحوال عليه لاختلاف التجليات بالشئون الإلهية و كان ذلك مني في حقها لغلبة حال غلب علي فلا شك أن الحق أراد أن ينبهني على ما أنا فيه من سكر الحال فأقامني من مضجعي في ليلة باردة مقمرة فيها رش مطر فتوضأت و خرجت إلى الطواف بانزعاج شديد و ليس في الطواف أحد سوى شخص واحد فيما أظن انتهى الجزء السادس و الستون‏

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(وصل) فيما جرى من الكعبة في حقي في تلك الليلة و ذلك أني لما نزلت قبلت الحجر و شرعت في الطواف فلما كنت في مقابلة الميزاب من وراء الحجر نظرت إلى الكعبة فرأيتها فيما تخيل لي قد شمرت أذيالها و استعدت مرتفعة عن قواعدها و في نفسها إذا وصلت بالطوال إلى الركن الشامي إن تدفعني بنفسها و ترمي بي عن الطواف بها و هي تتوعدني بكلام أسمعه بإذني فجزعت جزعا شديدا و أظهر الله لي منها حرجا و غيظا بحيث لم أقدر على إن أبرح من موضعي ذلك و تسترت بالحجر ليقع الضرب منها عليه جعلته كالمجن الحائل بيني و بينها و أسمعها و الله و هي تقول لي تقدم حتى ترى ما أصنع بك كم تضع من قدري و ترفع من قدر بنى آدم و تفضل العارفين علي و عزة من له العزة لا تركتك تطوف بي فرجعت مع نفسي و علمت إن الله يريد تأديبي فشكرت الله على ذلك و زال جزعي الذي كنت أجده و هي و الله فيمايخيل لي قد ارتفعت عن الأرض بقواعدها مشمرة الأذيال كما يتشمر الإنسان إذا أراد أن يثب من مكانه يجمع عليه ثيابه هكذا خيلت لي قد جمعت ستورها عليها لتثب علي و هي في صورة جارية لم أر صورة أحسن منها و لا يتخيل أحسن منها فارتجلت أبياتا في الحال أخاطبها بها و أستنزلها عن ذلك الحرج الذي عاينته منها فما زلت أثنى عليها في تلك الأبيات و هي تتسع و تنزل بقواعدها على مكانها و تظهر السرور بما أسمعها إلى أن عادت إلى حالها كما كانت و أمنتني و أشارت إلي بالطواف‏ فرميت بنفسي على المستجار و ما في مفصل إلا و هو يضطرب من قوة الحال إلى أن سرى عني و صالحتها و أودعتها شهادة التوحيد عند تقبيل الحجر فخرجت الشهادة عند تلفظي بها و أنا أنظر إليها بعيني في صورة سلك و انفتح في الحجر الأسود مثل الطاق حتى نظرت إلى قعر طول الحجر فرأيته نحو ذراع فسألت عنه بعد ذلك من رآه من المجاورين حين احترق البيت فعمل بالفضة و أصلح شأنه فقال لي رأيته كما ذكرت في طول الذراع و رأيت الشهادة قد صارت مثل الكبة و استقرت في قعر الحجر و انطبق الحجر عليها و انسد ذلك الطاق و أنا أنظر إليه فقالت لي هذه أمانة عندي أرفعها لك إلى يوم القيامة أشهد لك بها عند الله هذا قول الحجر لي و أنا أسمع فشكرت الله ثم شكرتها على ذلك و من ذلك الوقت وقع الصلح بيني و بينها و خاطبتها بتلك الرسائل السبعة فزادت بي فرحا و ابتهاجا حتى جاءتني منها بشرى على لسان رجل صالح من أهل الكشف ما عنده خبر بما كان بيني و بينها مما ذكرته فقال لي رأيت البارحة فيما يرى النائم هذه الكعبة و هي تقول لي يا عبد الواحد سبحان الله ما في هذا الحرم من يطوف بي إلا فلان و سمتك لي باسمك ما أدري أين مضى الناس ثم أقمت لي في النوم و أنت طائف بها وحدك لم أرى معك في الطواف أحدا قال الرائي فقالت لي انظر إليه هل ترى بي طائفا آخر لا و الله و لا أراه أنا فشكرت الله على هذه البشرى من مثل ذلك الرجل و تذكرت قول رسول الله صلى الله عليه و سلم في الرؤيا الصالحة يراها الرجل المسلم أو ترى له‏ و أما الأبيات التي استنزلت بها الكعبة فهي هذه‏

بالمستجار استجار قلبيلما أتاه سهم الأعادي‏
يا رحمة الله للعبادأودعك الله في الجماد
يا بيت ربي يا نور قلبييا قرة العين يا فؤادي‏
يا سر قلب الوجود حقايا حرمتي يا صفا ودادي‏
يا قبلة أقبلت إليهامن كل ربع و كل وادي‏
و من بقاء فمن سماءو من فناء فمن مهاد
يا كعبة الله يا حياتييا منهج السعد يا رشادي‏
أودعك الله كل أمنمن فزع الهول في المعاد
فيك المقام الكريم يزهوفيك السعادات للعباد
فيك اليمين التي كستهاخطيئتي جدة السواد
ملتزم فيك من يلازمهواه يسعد يوم التناد
ماتت نفوس شوقا إليهامن ألم الشوق و البعاد
من حزن ما نالها عليهمقد لبست حلة الحداد
لله نور على ذراهامن نوره للفؤاد بادي‏
و ما يراه سوى حزينقد كحل العين بالسهاد
يطوف سبعا في أثر سبعمن أول الليل للمنادي‏
بعبرة ما لها انقطاعرهين وجد حلف اجتهاد
سمعته قال مستغيثامن جانب الحجر آه فؤادي‏
قد انقضى ليلنا حثيثاو ما انقضى في الهوى مرادي‏

و لما نسب الله العرش إلى نفسه و جعله محل الاستواء الرحماني فقال الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏ جعل الملائكة حافين به من حول العرش بمنزلة الحرس حرس الملك و الملازمين بابه لتنفيذ أوامره و جعل الله الكعبة بيته و نصب الطائفين به على ذلك الأسلوب و تميز البيت على العرش و على الضراح و سائر البيوت الأربعة عشر بأمر ما نقل إلينا إنه في العرش و لا في غير هذا من البيوت و هو الحجر الأسود يمين الله في الأرض لنبايعه في كل شوط مبايعة رضوان و بشرى بقبول لما كان منا في كل شوط مما هو لنا أو علينا فما لنا فقبول و ما علينا فغفران فإني رأيت في واقعة و الناس به طائفون و شرر النار يتطاير من أفواههم فاولته كلام الطائفين في الطواف به بما لا ينبغي فإذا انتهينا إلى اليمين الذي هو الحجر استشعرنا من الله سبحانه بالقبول فبايعناه و قبلنا يمينه المضافة إليه قبلة قبول فرح و استبشار هكذا في كل شوط فإن كثر الازدحام عليه لتجليها في صورة محسوسة محصورة أشرنا إليه أعلاما بأنا نريد تقبيله و أعلاما بعجزنا عن الوصول إليه و لا نقف ننتظر النوبة حتى تصل إلينا فنقبله لأنه لو أراد ذلك منا ما شرع لنا الإشارة إليه إذا لم نقدر عليه فعلمنا أنه يريد منا اتصال المشي في السبعة الأشواط من غير أن يتخللها وقوف إلا قدر التقبيل في مرورنا إذا وجدنا السبيل إليه و نحن نعلم أن يمين الله مطلقة و نحن في قبضتها و ما بيننا و بينها حجاب و لكن لما ظهرت في مظهر عين محصورة يعبر عنها بالحجر قيدها استعداد هذه العين المسماة حجر النسبة ظهور اليمين بها فأثرت الضيق و الحصر مع أنها يمين الله لا شك و لكن على الوجه الذي يعلمه سبحانه من ذلك فصح النسب‏ و من هنا يعرف قولنا إنه ما في الوجود إلا الله و الأعيان الإمكانية على أصلها من العدم متميزة لله في أعيانها على حقائقها و أن الحق هو الظاهر فيها من غير ظرفية معقولة فيظهر بصورة تلك العين لو صح أن توجد لكانت بهذه الصورة في الحس فانظر ما أعجب أمر الوجود فعين المستفيد للوجود عين المفيد فإن كانت الاستفادة غير الوجود و هي الصورة فالمستفيد الظاهر و المفيد العين لأن الصورة التي ظهر بها الظاهر هي صورة عين المظهر حقيقة فكل حكم ينسب إلى الظاهر إنما هو منها و أفادها الظاهر بظهوره حكم التأثير فيه إذ لم يكن لها ذلك الحكم إذ كانت و لا تجل في صورتها و لا ظهور و إنما بينا لك ذلك لتعرف من هو الطائف و المطوف به و الحجر و المقبل فتكون بحسب ما علمت من ذلك فعلمك عين صورتك و فيها تحشر روحك يوم القيامة و بذلك يتميز في الزور الأعظم فلا يفوتنك علم ما نبهتك عليه و السلام‏

(وصل في فصل حكم الرمل في الطواف)

فقول بأنه سنة فأوجب فيه على من تركه الدم و قول بأنه فضيلة فلا يجب في تركه شي‏ء و أعني في طواف القدوم‏ الرمل إسراع في نفس الخير إلى الخير فهو خير في خير و ذلك لحكمة استعجال إدراك علم الأمر الإلهي فإن الله تعالى يقول وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ فإن البصر لا شي‏ء أسرع منه فإن زمان لمحته عين زمان تعلقه بالملموح و لو كان في البعد ما كان و أبعد الأشياء في الحس الكواكب الثابتة التي في فلك المنازل و عند ما تنظر إليها يتعلق اللمح بها فهذه سرعة الحس فما ظنك بالمعاني المجردة عن التقييد في سرعة نفوذها فإن للسرعة حكما في الأشياء لا يكون لغير السرعة و من هنا يعرف قول الحق للشي‏ء كن فيكون فحال كن الإلهية حال المكون المخلوق و لهذا أسرع ما يكون من الحروف في ذلك فاء التعقيب فلهذا جاء بها في جواب الأمر فإن أردت أن تعرف صورة نش‏ء العالم و ظهوره و سرعة نفوذ الأمر الإلهي فيه و ما أدركت الأبصار و البصائر منه فانظر إلى ما يحدث في الهواء من سرعة الحركة بجمرة النار في يد المحرك لها إذا أرادها فتحدث في عين الرائي دائرة أو خطا مستطيلا إن أخذ بالحركة طولا أو أي شكل شاء و لا تشك أنك أبصرت دائرة نار و لا تشك أن ما ثم دائرة و إنما أنشأ ذلك في نظرك سرعة الحركة و هو قوله وَ ما أَمْرُنا و هو قوله كن إِلَّا واحِدَةٌ كالجمرة كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ إدراك الدائرة و ما هي دائرة فذلك عين الصورة المخلوقة الظاهرة لإدراك العين فتحكم من حيث نظرك ببصرك و بصيرتك و فكرك إنه خلق و بعلمك و كشفك أنه حق مخلوق به ما ظهر لعينك مما ليس هو فهذا عدم في عين وجود فانظر ما ألطف هذا الإدراك مع كون الحس محلا لظهوره على تقييده و كثافته و قصوره فما ظنك بما هو الأمر عليه بالنسبة إلى جناب الحق فسبحان من يكلم نفسه بنفسه في أعيان خلقه كماقال فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله و إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده‏ فهو المتكلم و القائل لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏ حقق يا أخي نظرك في سرعة البرق إذا برق فإن برق البرق إذا برق كان سببا لانصباغ الهواء به و انصباغ الهواء به سبب لظهور أعيان المحسوسات به و ظهور أعيان المحسوسات به سبب في تعلق إدراك الأبصار بها و الزمان في ذلك واحد مع تعقلك تقدم كل سبب على مسببه فزمان إضاءة البرق عين زمان انصباغ الهواء به عين زمان ظهور المحسوسات به عين زمان إدراك الأبصار ما ظهر منها فسبحان من ضرب الأمثال و نصب الأشكال ليقول القائل ثم و ما ثم أو ما ثم فو عزة من له العزة و الجلال و الكبرياء ما ثم إلا الله الواجب الوجود الواحد بذاته الكثير بأسمائه و أحكامه القادر على المحال فكيف الإمكان و الممكن و هما من حكمه فو الله ما هو إلا الله فمنه و إليه يرجع الأمر كله و لهذا سن الرمل ثلاثا لا زائد و لا ناقص الواحد له و الثالث لما ظهر و الثاني بين الأول و الثالث السبب لظهور ما ظهر عنه لا بد من ذلك‏ فإذا حققت ما رأيت رأيت أن ثم ما رأيت فخرج إدراك العقل للأمور المعقولة على هذه الصورة مثلثة الشكل و هي المقدمات المركبة من الثلاثة لإنتاج المطلوب و كذلك في الحس حس و محسوس و تعلق لحس بمحسوس لا يدري هل الحس تعلق بالمحسوس أو المحسوس انطبع في الحس قصر العقل و الله و خنس الفكر و حار الوهم و طمس الفهم فالأمر عظيم و الخطب جسيم و الشرع نازل و العقل قابل و الأمر نافذ و الحوادث تحدث و القوي قائمة و الموازين موضوعة و الكلمات لا تنفد و الكائنات لا تبعد و ما ثم شي‏ء مع هذا المعلوم المتعدد و العين واحدة و الأمر واحد حارت الحيرة في نفسها إذ لم تجد من يحاربها فالحيرة التي يتخيل أن العالم موصوف بها ليس كما تخيلت بل ذلك حيرة الحيرة فما ثم إلا هو و الحيرة كلت و الله الألسنة عما علمته الأفئدة أن تعبر عن ذلك و كلت و الله الأفئدة عن عقل ما هو الأمر عليه فلا تدري هل هي الحائرة أم لا و الحيرة موجودة و لا يعرف لها محل تقوم به فلمن هي موجودة و فيمن ظهر حكمها و ما ثم إلا الله‏