(وصل في فصل منه)
اختلف العلماء في أهل مكة هل عليهم رمل إذا حجوا أو لا فقال قوم كل طواف قبل عرفة مما يوصل بسعي فإنه يرمل فيه و قال قوم باستحباب ذلك و كان بعضهم لا يرى عليهم رملا إذا طافوا بالبيت و هو مذهب ابن عمر على ما رواه مالك عنه إذا كانت العلة ما ذكرناها آنفا في الرمل تعين الرمل على أهل مكة و غيرهم و لا سيما و الأمر في نفسه أن الإنسان تحت حكم كل نفس و كل نفس قادم و كل قادم فهو طائف و كل طواف قدوم فيه رمل هكذا هي السنة فيه لمن أراد أن يتبعها و من جهل قدوم نفسه و أن الإنسان في كل حال مخلوق فهو قادم على الوجود من العدم لم ير عليه طوافا فإنه من أهل هذه الصفة كما هم أهل مكة من مكة
(وصل في فصل استلام الأركان)
فقال قوم و هم الأكثرون باستلام الركنين فقط و قال جابر كنا نرى إذا طفنا أن نستلم الأركان كلها و قال قوم من أهل السلف باستحباب استلام الركنين في كل وتر من الأشواط و هو الأول و الثالث و الخامس و السابع و أجمعوا على إن تقبيل الحجر الأسود خاصة من سنن الطواف و اختلفوا في تقبيل الركن اليماني الثاني أما الاستلام و هو لمس الركن باليد على نية البيعة فلا يكون إلا في ركن الحجر في الحجر خاصة لكون الحق جعله يمينا له فلمسه بطريق البيعة و من لم ير اللمس للبيعة و رآه للبركة استلم جميع الأركان فإن لمسها و القرب منها كله بركة و ما يختص ركن الحجر إلا بالبيعة و المصافحة و تقع المشاركة في البركة له مع سائر الأركان ففيه كونه ركنا و زيادة فمن راعى كونه ركنا أشرك في الاستلام معه الركن اليماني و الركن الثالث هو في الحجر غير معين إذ لا صورة له في البيت و الركن الشامي و العراقي ليسا بركنين للبيت الأول الموضوع فلما لم يكونا بالوضع الأول الإلهي لم يكونا ركنين فخالف حكمهما حكم الركنين و من رأى أن الأفعال كلها من الله رأى أن الذي عين الركنين و الركن الثالث في الحجر بالوضع الأول هو الذي عين الأربعة الأركانبالوضع الثاني إذ لا واضع إلا الله فاستلم الأركان كلها من كونها أركانا موضوعة بوضع إلهي وفق الله من شاء من المخلوقين لإظهارها على أيديهم و لكن لا دخول لهم من كونهم أركانا في التقبيل و المصافحة فينبغي للطائف إذا قيل الحجر و سجد عليه بجبهته كما جاءت السنة و صافحه بلمسه إياه بيده أن يستلم ركنه حتى يكون قد استلم الأركان كلها فإن لم يفعل فما استلم إلا أن يرى أن الحجر الأسود من جملة أحجار الركن فيكون عين مصافحته استلامه
(وصل في فصل الركوع بعد الطواف)
أجمع العلماء على أنه من سنن الطواف ركعتان بعد انقضاء الطواف و جمهورهم على أنه يأتي بهما بعد انقضاء كل أسبوع إن طاف أكثر من أسبوع و أجاز بعضهم أن لا يفرق بين الأسابيع و لا يفصل بينهما بركوع ثم يركع لكل أسبوع ركعتين و الذي أقول به إن الأولى أن يصلي عند انقضاء كل أسبوع فإن جمع أسابيع فلا ينصرف إلا عن وتر فإن النبي صلى الله عليه و سلم ما انصرف من الطواف إلا عن وتر فإنه انصرف عن سبعة أشواط أو عن طواف واحد فإن زاد فينصرف عن ثلاثة أسابيع و هي أحد و عشرون شوطا و لا ينصرف عن أسبوعين فإنه شفع و بالأشواط أربعة عشر شوطا و هي شفع فجاء بخلاف السنة في طوافه من كل وجه فاعلم إن الطواف قد روى أنه صلاة أبيح فيها الكلام و إن لم يكن فيه ركوع و لا سجود كما سميت صلاة الجنائز صلاة شرعا و ما فيها ركوع و لا سجود و أقل ما ينطلق عليه اسم صلاة ركعة و هي الوتر و إذا انضاف إلى الطواف ركعتان كانت وترا مثل المغرب التي توتر صلاة النهار فأشبه الطواف مع الركعتين صلاة المغرب و هي فرض فأوتر الحق شفعية العبد و لا يقال في الرابع من الأربعة إنه قد شفع وترية العبد فإن العبد ما له وترية في عينه فإنه مركب و كل مركب فقير فيحتاج إلى وتر يستند إليه لا ينفرد بشفعية في نفسه فلا يكون أبدا إلا وترا ثلاثة أو خمسة أو سبعة إلى ما لا يتناهى من الأفراد فإن كان رابعا أو سادسا فهو رابع ثلاثة لا رابع أربعة و سادس خمسة لا سادس ستة فهو واحد الأصل مضاف إلى وتر فما نسبته إلا لعينه إذ هو عين كل وتر لأنه بظهوره أبقى اسم الوترية على من أضيف إليه فقيل رابع ثلاثة لا رابع أربعة و رابع الثلاثة لا يكون إلا واحدا فسواء ورد على وتر أو على شفع الحكم فيه واحد فإنك تقول فيه خامس أربعة كما تقول رابع ثلاثة فما زالت الأحدية تصحبه في كل حال فهو مثل قوله كان الله و لا شيء معه و هو الواحد و هو الآن على ما عليه كان فأقام الآن مقام الأعداد و الأعداد منها أشفاع و منها أوتار فإذا أضفت الحق إليها لم تجعله واحدا منها فتقول ثالث اثنين و رابع ثلاثة إلى ما لا يتناهى فتميز بذاته فالذي ثبت له من الحكم و لا عالم ثبت له و العالم كائن فتلك الأحدية المطلقة له في حال وجود العالم و في حال عدمه فالطائف إن انفرد بالطواف كان وترا و إن أضاف إليه الركعتين كان وترا من حيث إنه صلاة يقوم مقام الركعة الواحدة و من تم طوافه أشبه الصلاة الرباعية لوجود الثمان السجدات التي يتضمنها الأسبوع من السجود على الحجر عند تقبيله بالحس و هي ثمان تقبيلات في كل أسبوع عند الشروع فيه و في كل شوط عند انقضائه فمن أقام الطواف بهذا الاعتبار على الطريقين جوزي جزاء صلاة الفريضة الرباعية و الثلاثية الجامعة للفرض و الوتر الذي هو سنة أو واجب فالأولى أن لا يؤخر الركعتين عن أسبوعهما و ليصلهما عند انقضاء الأسبوع فإن قرأ في الطواف كان كمن قرأ في الصلاة و من لم يقرأ فيه كان كمن يرى أن الصلاة تجزئ بلا قراءة و اعلم أن هاتين الركعتين عقيب الطواف إنما ولدها فيك الطواف فإن الطواف قام لك مقام الأفلاك التي هي السموات السبع لأنه شكل مستدير فلكي و كذلك الفلك فلما أنشأت سبعة أدوار في الطواف أنشأت سبعة أفلاك أوحى الله في كل سماء أمرها من حيث لا يشعر بذلك إلا عارف بالله فإذاأطلعك الله على ما أودع في هذه الأشواط الفلكية كنت طائفا ثم إنه جعل حركات السموات التي هي الأفلاك مؤثرة في الأركان الأربعة لا يجاد ما يتولد منها فأنت الأركان الأربعة لأنك مركب من أربعة أخلاط و مجموعهما هو عين ذاتك الحسية التي هي الجسم فأنشأت فيك حركات هذه الأطواف السبعة الصلاة و هي المولدة من أركانك عنها و كانت ركعتان لأن النشأة المولدة مركبة من اثنين جسم و نفس ناطقة و هو الحيوان الناطق فالركعة الواحدة لحيوانيتك و الثانية للنفس الناطقة و لهذا جعل الله الصلاة نصفين نصفا له و نصفا للعبد و جعل الله لكل حركة دورية من هذا الأسبوع في الصلاة أثرا ليعرف أنها متولدة عنه فظهر في الصلاة سبعة آثار جسمانية و سبعة آثار روحانية عن حركة كل شوط من أسبوع الطواف أثر فإنه شكل باق و فلك معنوي لا يراه إلا من يرى خلق الموجودات من الأعمال أعيانا فالآثار الموجودة السبعة الجسمانية في نشأة الصلاة القيام الأول و الركوع و القيام الثاني و هو الرفع من الركوع و السجود و الجلوس بين السجدتين و السجود الثاني و الجلوس للتشهد و الأذكار التي في هذه الحركات الجسمانية سبعة هي أرواحها فقامت نشأة الصلاة كاملة و لما كان في النشأة الإنسانية أمر اختصه الله و فضله على سائر النشأة الإنسانية و جعله إماما فيها و هو القلب كذلك جعل في نشأة الصلاة أمرا هو أرفع ما في الصلاة و هو الحركة التي يقول فيها سمع الله لمن حمده فإن المصلي فيها نائب عن الله كالقلب نائب عن الله في تدبير الجسد و هو أشرف هيئات الصلاة فإنه قيام عن خضوع عظمت فيه ربك في حضرة برزخية و هي أكمل النشآت لأنها بين سجود و قيام جامعة للطرفين و الحقيقتين فلها حكم القائم و حكم الساجد فجمعت بين الحكمين و أثرها في القراءة في الصلاة أيضا سباعي عن أثر كل شوط في الطواف و هي قراءة السبع المثاني أعني فاتحة الكتاب و سلطانها إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فإنها برزخية بين الله و بين عبده فهي جامعة و السلطان جامع و ما قبلها لله مخلص و ما بعدها للعبد مخلص و أعلى المقامات إثبات إله و مألوه و رب و مربوب فهو كمال الحضرة الإلهية فما تمدح إلا بنا و لا شرفنا إلا به فنحن به و له و هي سبع آيات لا غير و هي القراءة الكافية في الصلاة و كما أن العبد هو الذي أنشأ في ذاته الأشواط السبعة المستديرة الشكل الفلكية و في ذاته أثرت إيجاد الصلاة و في ذاته ظهرت الصلاة بكمالها فلم يخرج عن ذاته شيء من ذلك كله كذلك الأمر في ظهور الحق في الأعيان اكتسب من استعداد كل عين ظهر فيها ما حكم على الظاهر فيها و العين واحدة فقيل فيه طائف أعطاه هذا الاسم هذه الصورة التي أنشأها و هو الطواف و قيل فيه مصل أعطاه هذا الحكم صورة الصلاة التي أنشأها في ذاته عن طوافه فهو هو و ما ثم غيره
و قد ذكرنا في أول هذا الكتاب ما بقي في الحجر من البيت و لما ذا أبقاه الله فيه و بينا الحكمة الإلهية في ذلك من رفع التحجير و التجلي الإلهي في الباب المفتوح لمن أراد الدخول إليه و ذلك هو بيت الله الصحيح و ما بقي منه بأيدي الحجبة بني شيبة وقع في باطنه التحجير لأنه في ملك محدث و هو الموجود المقيد فلا بد أن يفعل ما تعطيه ذاته و الحديث النبوي في ذلك مشهور و الخلفاء و الأمراء غفلوا عن مقتضى معنى قوله تعالى حين مسك رسول الله صلى الله عليه و سلم مفتاح البيت الذي أخذه من بنى شيبة فأنزل الله تعالى إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها فتخيل الناس أن الأمانة هي سدانة البيت و لم تكن الأمانة إلا مفتاح البيت الذي هو ملك لبني شيبة فرد إليهم مفتاحهم و أبقى صلى الله عليه و سلم عليهم ولاية السدانة و لو شاء جعل في تلك المرتبة غيرهم و للإمام أن يفعل ذلك إذا رأى في فعله المصلحة لكن الخلفاء لم يريدوا أن يؤخروا عن هذه الرتبة من قرره رسول الله صلى الله عليه و سلم فيها فهم مثل سائر ولاة المناصب إن أقاموا فيه الحق فلهم و إن جاروا فعليهم و للإمام النظر فبقي بيت الله عند العلماء بالله لا حكم لبني شيبة و لا لغيرهم فيه و هو ما بقي منه في الحجر فمن دخله دخل البيت و من صلى فيه صلى في البيت كذا قال صلى الله عليه و سلم لعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها و لا يحتاج العارفون لمنة بنى شيبة فإن الله قد كفاهم بما أخرج لهم منه في الحجر فجناب الله أوسع أن يكون عليه سدنة من خلقه و لا سيما من نفوس جبلت على الشح و حب الرئاسة و التقدم و لقد وفق الله الحجاج رحمه الله لرد البيت على ما كان عليه في زمان رسول الله صلى الله عليه و سلم و الخلفاء الراشدين فإن عبد الله بن الزبير غيره و أدخله في البيت فأبى الله إلا ما هو الأمر عليه و جهلوا حكمة الله فيه يقول علي بن الجهم
و أبواب الملوك محجبات و باب الله مبذول الفناء
(وصل في فصل وقت جواز الطواف)
فمن قائل بإجازة الطواف بعد صلاة الصبح و العصر و به أقول و سبب ذلك أني رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم في النوم و قد استقبل الكعبة و هو يقول يا مالكي أو قال يا ساكني الشك مني هذا البيت لا تمنعوا أحدا طاف به و صلى في أي وقت شاء من ليل أو نهار فإن الله يخلق له من صلاته ملكا يستغفر له إلى يوم القيامة فمن ذلك الوقت قلت بإجازة الطواف في هذين الوقتين و كنت قبل هذه الرؤيا عندي في ذلك وقفة فإن حديث النسائي الذي يشبهه حديثنا رأيتهم قد توقفوا في الأخذ به فلما رأيت هذه المبشرة ارتفع عني الإشكال و ثبت به عندي حديث النسائي و حديث أبي ذر الغفاري و الحمد لله و من قائل بالمنع وقت الطلوع و وقت الغروب خاصة و من قائل بالكراهة بعد العصر و الصبح و منعه عند الطلوع و الغروب و من قائل بإباحته في الأوقات كلها و هو قولنا إلا أني أكره الدخول في الصلاة حال الطلوع و حال الغروب إلا أن يكون قد أحرم بها قبل حال الطلوع و الغروب (تحرير ذلك) لا يخلو المصلي أن يكون قبلته موضع طلوع الشمس أو غروبها بحيث أن يستقبلها فهنالك أكره له ذلك و أما إذ لم يكن في قبلته فلا بأس و أما عند الكعبة فالحكم له يدور من حيث شاء لا يستقبل الشمس طالعة و لا غاربة و قد فارق الكفار الذين يسجدون لها في الصورة الظاهرة في استقبالها و هو مفارق لهم في الباطن بلا شك و لا ريب سياق الحديثين حديث النسائي قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يا بنى عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت و صلى في أي وقت شاء من ليل أو نهار و ما خص حال طلوع و لا حال غروب لأن العبد بشهود البيت متمكن أن لا يقصد استقبال مغرب و لا مشرق و ليس كذلك في الآفاق و ما أحسن تحريه صلى الله عليه و سلم في المصلي إلى السترة أن لا يصمد إليها صمدا و ليمل بها يمينا أو شمالا قليلا حديث أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس و لا بعد الصبح حتى تطلع الشمس إلا بمكة إلا بمكة إلا بمكة و هذه الأحاديث تعضد رؤيانا و اعلم أن الله متجل على الدوام لا تقيد تجليه الأوقات و الحجب إنما نرفع عن أبصارنا قال تعالى فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ و قال وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لكِنْ لا تُبْصِرُونَ يعني المحتضر قال إبراهيم الخليل لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ و هو يحب الله بلا شك فالله ليس بآفل فتجليه دائم و تدليه لازم و الذي بين ذا و ذا إنك اليوم نائم فلا مانع لمن كان الحق مشهده و لهذا لم يمنع في تلك الحالة من ذكر الله و الجلوس بين يديه لانتظار الصلاة و الدعاء فيه و إنما منع السجود خاصة لكون الكفار يسجدون لها في ذلك الوقت و هنا تنبيه على سر معقول و هو أنه من المحال أن يكون أثر الكفر أقوى من أثر الايمان عندنا و عندهم حتى يمنع من ظهوره و حكمه كما يظهر في هذا الأمر من كون سجود الكفار للشمس و هو كفر منع المؤمن من السجود لله و المانع إبداله القوة و اعلم أن الأمر في ذلك خفي أخفاه الله إلا عن العارفين فإن الله بهذا المنع أبقى على الكفار بعض حق إلهي بذلك القدر وقع المنع و ظهرت القوة في الحكم بمنع المؤمن من السجود في ذلك الوقت لسجود الكفار للشمس و ذلك أن الله يقول وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ و كذلك فعلوا فإنهم ما عبدوا الشمس إلا لتخيلهم أنها إله فما سجدوا إلا لله لا لعين الشمس بل لعين حكمهم فيها إنها الله و لقد أضافني واحد من علمائهم فأخذت معه في عبادتهم الشمس و سجودهم لها فقال لي ما ثم إلا الله و هذه الشمس أقرب نسبة إلى الله لما جعل الله فيها من النور و المنافع فنحن نعظمها لما عظمها الله بما جعل لها ثم نرجع و نقول فلما علم الحق أنهم ما عبدوا سواه و إن أخطئوا في النسبة و المؤمن لا يعبد إلا الله فأشبه الكافر في إيمانه بالله فكان الأمر مثل الشرع الإلهي ينسخ بعضه بعضا فماأثر الكفر هنا في الايمان و لا كان أقوى منه بل لما كان الأمر كما ذكرنا فيما كان في الكافر من اعتقاده الإله كان ذا حق و من نسبة الألوهة للشمس كان كافرا فراعى الحق المعنى الذي قصدوه فمن هنالك ثبت لهم التخصيص بالسجود دون المؤمنين و النسخ لسجود المؤمنين في ذلك الوقت لله فهو أثر إيمان في إيمان لا أثر كفر في إيمان
(وصل في فصل الطواف بغير طهارة)
فمن قائل لا يجوز طواف بغير طهارة لا عمدا و لا سهوا و من قائل يجزئ و يستحب له الإعادة و عليه دم لأنهم أجمعوا على أن الطهارة من سنة الطواف و من قائل إذا طاف على غير وضوء أجزأه طوافه إن كان لا يعلم و لا يجزئه إن كان يعلم و بعضهم يشترط طهارة الثوب للطائف كاشتراطه للمصلي و الذي أقول به إنه يجوز الطواف بغير وضوء للرجل و المرأة إلا أن تكون حائضا فإنها لا تطوف و إن طافت لا يجزئها و هي عاصية لورود النص في ذلك و ما ورد شرع بالطهارة للطواف إلا ما ورد في الحائض خاصة و ما كل عبادة تشترط فيها هذه الطهارة الظاهرة اعلم أنه ما في الوجود حال ليس فيه لله وجه يحفظ عليه وجوده من كل قائم بنفسه بذلك الوجه الإلهي طهارته فما في الوجود بحكم الحقيقة إلا طاهر فإن الاسم القدوس يصحب الموجودات و به يثبت قوله وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَ تَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ من تفريقكم بين الله و بين عباده و لا ينبغي أن يحال بين العبد و بين سيده و لا يدخل بين العبد و السيد إلا بخير لقيت بعض السياح على ساحل البحر بين مرسى لقيط و المنارة فقال لي إني لقيت بهذا الموضع شخصا من الأبدال مصادفة و هو ماش على موج البحر فسلمت عليه فرد علي السلام و كان في البلاد ظلم عظيم و جور فقلت له يا هذا أ ما ترى إلى ما في البلاد من الجور فنظر إلي مغضبا و قال لي ما لك و عباد الله لا تقل إلا خيرا و لهذا شرع الله الشفاعة و قبل العذر و لا شك أن النجاسة أمر عرضي عينه حكم شرعي و الطهارة أمر ذاتي فإن ظهر حكم العرض في وقت ما كمانع الحيض من الطواف فمرجع الأمر إلى ما تقتضيه الذات من الطهارة أ يكذب المؤمن قال لا إنباء صحيح فإن الكاذب لا يكون صادقا فيما هو فيه كاذب فافهم و الحيض كذب النفس بالاتفاق و الطواف حالة إيمان فالحائض لا تطوف كما نقول في إمامة الفاسق إنها لا تجوز إمامته في حال فسقه بلا خلاف فإنه من كان فاسقا في حال فسقه ثم توضأ شرعا و أحرم بالصلاة إماما فهو في طاعة لله و لا يجوز لنا أن نطلق عليه في تلك الحال فاسقا فما صلينا خلف إمام فاسق و كذا فعل عبد الله بن عمر الذي يحتجون به في الصلاة خلف الفاسق و أخطئوا فإن الحجاج ليس بفاسق في حال أدائه ما أوجب الله عليه من طاعته في الصلاة و هذه مسألة أغفلها الفقهاء و يخبطون فيها و ما حصلوا على طائل و قد بينا أنه ما تخلص قط من مؤمن معصية لا تشوبها طاعة أصلا و الطاعة قد تخلص فلا تشوبها معصية فما من معصية إلا و الايمان يصحبها من المؤمن أنها معصية يحرم عليه فعلها و الايمان بكونها معصية طاعة لله فالحجاج أو غيره في حال فسقه مؤمن مطيع بإيمانه فضعفت معصيته أن تقاوم طاعته و في حال صلاته أو طاعته في فعل ما من أفعاله فليس بفاسق بل هو مطيع فرجح من طمس الله على قلبه الفسق على الايمان و الطاعة مع ضعف الفسوق عن الطاعة بما شابها من الايمان بكون ذلك الفعل فسوقا فقالوا لا تجوز إمامة الفاسق بغير المعنى الذي ذكرناه فلو قاله الرسول صلى الله عليه و سلم أو الله تعالى لكان الوجه فيه ما قلناه فغاية درجة الفاسق في حال فسقه المسلم أن يكون ممن خلط عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً و في حال طاعته فليس بفاسق و أعجب ما في هذه المسألة أنا مأمورون بحسن الظن بالناس منهيون عن سوء الظن بعبادي و قد رأينا من علمنا أنه فسق قد توضأ و صلى فلما ذا نطق عليه اسم الفسوق في حال عبادته و أين حسن الظن من سوء الظن به و المستقبل فلا علم لنا به فيه و الماضي لا ندري ما فعل الله فيه و الحكم لوقت الطاعة التي هو عليها متلبس بها فحسن الظن أولى بالعبد إذا كان و لا بد من الفضول و لقد أخبرني من أثق به في دينه عن رجل فقيه إمام متكلم مسرف على نفسه قال لي دخلت عليه في مجلس يدار فيه الخمر و هو يشرب مع الجماعة ففرغ النبيذ فقيل له نفذ إلى فلان يجيء إلينا بنبيذ فقال لا أفعل فإني ما أصررت على معصية قط و إن لي بين الكأسين توبة و لا أنتظره فإذا حصل في يدي أنظر هل يوفقني ربي فاتركه أو يخذلني فاشربه فهكذا هم العلماء رحمه الله مات هذا العالم و في قلبه حسرة من كونه لم يلقني و اجتمعت به و ما عرفني و سألني عني و كانبالأشواق إلى رحمه الله و ذلك بمرسية سنة خمس و تسعين و خمسمائة و لقد أشهدني الحق في سرى في واقعة و قال لي بلغ عبادي ما عاينته من كرمي بالمؤمن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف و السيئة بمثلها و السيئة لا يقاوم فعلها الايمان بها أنها سيئة فما لعبادي يقنطون من رحمتي وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا
(وصل في فصل أعداد الطواف و هي ثلاثة القدوم و الإفاضة و الوداع)
طواف القدوم يقابل طواف الوداع فهو كالاسم الأول و الآخر إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ الله كَمَثَلِ آدَمَ و انتهت دورة الملك و طواف الإفاضة بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يخرج طواف القدوم لؤلؤ المعارف في المناسك و طواف الوداع الْمَرْجانُ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فلطواف الزيارة وجه إلى طواف القدوم فقد يجزئ عنه و وجه إلى طواف الوداع فقد يجزئ عنه و قد قال العلماء بالقولين جميعا و سيأتي ذكرها في هذا الفصل إن شاء الله و قد تقدم الاعتبار في الطواف و ما ينشأ منه فطواف القادم كالعقل إذا أقبل على الله بالاستفادة و طواف الوداع إذا أراد الخروج إلى النفس بالإفادة كالرسول صلى الله عليه و سلم يقبل على الروح الأمين عند ما يلقي إليه من الوحي الإلهي ثم الرسول يلقي إلى الخلق عند مفارقة الروح لتبليغ الرسالة فالرسول بين طواف قدوم و وداع و ما بينهما طواف زيارة و كانت ثلاثة أطواف لما قررناه إن ظهور العلوم لا يكون إلا عن ثلاث مراتب فكرية كانت أو وهبية و قد بينا لك أن البرزخ أبدا هو أقوى في الحكم لجمعه بين الطرفين فيتصور بأي صورة شاء و يقوم في حكم أي طرف أراد و يجزئ عنهما فله الاقتدار التام و يظهر سر ما قلنا في حكم ظاهر الشرع فيه فمن ذلك أنهم أجمعوا على أن الواجب من هذه الأطواف الثلاثة الذي بفوته يفوت الحج هو طواف الإفاضة فإن المعرف إذا قدم مكة بعد الرمي و طواف الإفاضة أجزأه عن طواف القدوم و صح حجه و إن المودع إذا طاف في زعمه طواف الوداع و لم يكن طاف طواف الإفاضة كان ذلك الطواف طواف إفاضة أجزأ عن طواف الوداع لأنه طواف بالبيت معمول به في وقت طواف الوجوب الذي هو الإفاضة فقبله الله طواف إفاضة و أجزأ عن طواف الوداع كما ذكرنا فيمن صام في رمضان متطوعا أن وجوب رمضان يرده واجبا لحكم الوقت و لم تؤثر فيه النية و جمهور العلماء على أنه لا يجزئ طواف القدوم على مكة عن طواف الإفاضة كأنهم رأوا أن الواجب إنما هو طواف واحد قال بعضهم أجمعوا على إن طواف القدوم و الوداع من سنة الحاج إلا لخائف فوات الحج فإنه يجزئ عنه طواف الإفاضة و استحب بعض العلماء لمن جعل طواف الإفاضة يجزئ عن طواف القدوم أن يرمل فيه و أما المكي فما عليه سوى طواف واحد و أما المتمتع فإن لم يكن قارنا فعليه طوافان و إن كان قارنا فطواف واحد هذا عندي و قال قوم على القارن طوافان انتهى الجزء السابع و الستون
( (بسم الله الرحمن الرحيم))
(وصل في فصل حكم السعي)
فمن قائل إنه واجب إن لم يسع كان عليه الحج و من قائل إنه سنة فإن رجع إلى بلده و لم يسع فعليه دم و من قائل إنه تطوع و لا شيء على تاركه لما كان الكمال غير محجور على النساء و إن كانت المرأة أنقص درجة من الرجل فتلك درجة الإيجاد لأنها وجدت عنه و ذلك لا يقدح في الكمال فإن الرجل الذي هو آدم نسبته إلى ما خلق منه و هو التراب نسبة حواء إليه و لم تمنع هذه النسبة الترابية لآدم عن الكمال الذي شهد له به و قد شهد رسول الله صلى الله عليه و سلم بالكمال لمريم و آسية فلما اعتبر الله هذا في المرأة جعل لها أصلا في التشريع من حيث لم تقصد فطافت بين الصفا و المروة هاجر أم إسماعيل عليه السلام و هرولت في بطن الوادي سبع مرات تنظر إلى من يقبل من أجل الماء لعطش قام بابنها إسماعيل فخافت عليه من الهلاك و الحديث مشهور فجعلها الله أعني جعل فعل هاجر من السعي بين الصفا و المروة و قرره شرعا من مناسك الحج فمن رآه واجبا عظم فيه الحرمة و لم ير أنه يصح الحج بتركه كذلك الخواطر النفسية إذا أثرت الشفقة و السعي في حق الغير أثر القبول في الجناب الإلهي فقال يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ الذي خرجت منه إلى تدبير هذاالبدن بالنفخ الإلهي لأن الرجوع لا يكون إلا لحال خرج منه و إلا فما هو رجوع فإنه ما قال لها أقبلي و إنما قال لها ارجعي و لا يكون الأمر إلا كذلك فرجعوها كمالها لما قال الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ من يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ الله فوجب السعي لنداء الحق بالواسطة فكيف و قد نادى الحق عباده في كتابه المنزل علينا فقال وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ فوجب السعي غير أن الشريعة التي شرع الله في السعي إلى الجمعة أن يكون بالسكينة و الوقار كالسعي في الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة بالسكينة فإن النبي صلى الله عليه و سلم كان يقول للناس لما رآهم أسرعوا في الإفاضة من عرفات التي هي موقف حصول المعرفة بالله فلما أفاضوا عن أمره إلى المزدلفة و هو مقام القربة و الاجتماع بالمعروف فيها و هو تجل خاص منه لقلوب عباده و لهذا سميت جمعا و مزدلفة من الزلفى و هو القرب فقال لهم رسول الله السكينة السكينة كما قال في السعي إلى الجمعة لا تأتوها و أنتم تسعون أي مسرعون في السعي و ائتوها و عليكم السكينة في سعيكم و الوقار فاجتمعت الجمعة و جمع في هذه الحقيقة الجمعية به تعالى في المقامين و قوله و الوقار سعى في سكون و تهد مشي المثقل لأنه من الوقر و هو الثقل فإن المعرفة بالله تعطي ذلك فإنه من عرفه شاهده و من شاهده لم يغب فإذا دعاه من مقام إلى مقام فهو لا يسرع إلا من أجله و هو مشاهد له فإنه به يسعى فيمشي على ترسل مشي المثقل فهذا معنى الوقار فإنه لا يكون السكون في الأشياء إلا عن هيبة و تعظيم لا عن إعياء و تعب فإن السعي بالله لا تعب فيه و لا نصب
(وصل في فصل صفة السعي)
قال جمهور علماء الشريعة إن من سنة السعي بين الصفا و المروة أن يدعو إذا رقى في الصفا مستقبل البيت ثم ينحدر فإذا وصل إلى الميل الأخضر و هو بطن الوادي رمل إلى أن يصل إلى الميل الثاني الأخضر و ذلك كان حد الصعود إلى المروة و حد سعة الوادي و إنما اليوم قد ارتدم بما جاءت به السيول و لهذا جعل من جعل الميلين علامة لبطن الوادي ليكون حد الرمل المشروع في السعي ثم يسعى من غير إسراع إذا جاز الميل الثاني على صورة ما انحدر من الصفا فإذا وصل إلى المروة فعل في المروة مثل ما فعل في الصفا ثم رجع يطلب الصفا من المروة فيكون حاله مثل الحال الأول في الرمل و الهدو حتى يكمل سبع مرات و إنما يبدأ بالصفا لأن الله تهمم بها في الذكر فبدأ بها و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ابدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا و اقترأ الآية ثم دعا بعدها و ختم بالمروة لما كان الأول نظير الآخر و كان حكمهما على السواء ختم بها لأن بها تكمل السبعة لأن الشيء المقابل هو من مقابله على خط السواء كما قال صلى الله عليه و سلم لا تستقبلوا القبلة و لا تستدبروها لأن استقبال الشيء و استدباره على خط واحد و كذلك لما سكت إبليس في إتيانه العبد للاغواء عن الفوقية سكت عن التحت لأنه على خط استواء مع الفوق لأنه لعنه الله رأى نزول الأنوار على العبد من فوقه فخاف من الاحتراق فلم يتعرض في إتيانه إلى الفوق و رأى التحت على خط استواء من الفوق و إن ذلك النور يتصل بالتحت للاستواء لم يأت من التحت و العلة واحدة و قال عطاء إن جهل فبدأ بالمروة أجزأ عنه و قال بعضهم إن بدأ بالمروة الغي ذلك الشوط و قد ذكرنا في حديث جابر المتقدم ما يدعو به إذا رقى على الصفا و المروة من فعله صلى الله عليه و سلم كان على الصفا إساف و على المروة نائلة فلا يغفلها الساعي بين الصفا و المروة فعند ما يرقى في الصفا يعتبر اسمه من الأسف و هو حزنه على ما فاته من تضييع حقوق الله تعالى عليه و لهذا يستقبل البيت بالدعاء و الذكر ليذكره ذلك فيظهر عليه الحزن فإذا وصل إلى المروة و هو موضع نائلة يأخذه من النيل و هو العطية فيحصل نائلة الأسف أي أجره و يفعل ذلك في السبعة الأشواط لأن الله امتن عليه بسبع صفات ليتصرف بها و يصرفها في أداء حقوق الله لا يضيع منها شيئا فيأسف على ذلك فيجعل الله له أجره في اعتبار نائلة بالمروة إلى أن يفرغ ثم إنه يرمل بين الميلين و هو بطن الوادي و بطون الأودية مساكن الشياطين و لهذا تكره الصلاة فيها و قد ورد عن النبي صلى الله عليه و سلم لما نام في بطن الوادي عن وقت صلاة الصبح قال ارتفعوا فإنه واد به شيطان فإن فيه إصابتهم الفتنة فيرمل في بطن الوادي ليخلص معجلا من الصفة الشيطانية و التخلص من صحبته فيها إذ كانت مقرة كما يفعل في بطن محسر بمنى يسرع في الخروج منه لأنه واد من أودية النار التي خلق الشيطان منها و كذلك الإسراع في بطن عرنة و هو وادي عرفة و هو موضع وقوف إبليس يوم عرفة بما وصفه اللهفيه في ذلك اليوم من الذلة و الصغار و البكاء لما يرى من رحمة الله و عفوه و حط خطايا الحاج من عباده ثم إن السعي في هذا الموضع جمع الثلاثة الأحوال و هو الانحدار و الترقي و الاستواء و ما ثم رابع فحاز درجة الكمال في هذه العبادة أعطى ذلك الموضع و هو في كل حال منها سالك فانحداره إلى الله و صعوده إلى الله و استواءه مع الله و هو في كل ذلك بالله لأنه عن أمر الله في الله فالساعي بين الصفا و المروة من الله إلى الله مع الله بالله في الله عن أمر الله فهو في كل حال مع الله لله و الصفا و المروة صفة جمادية مناسبة للحجارة التي ظهر بترتيبها شكل البيت المخصوص فإنها بذلك الشكل أعطت اسم البيت و لو لا ذلك لم يوجد اسم البيت و قد بينا لك أن الجمادات هي أعرف بالله و أعبد لله من سائر المولدات و إنها خلقت في المعرفة لا عقل لها و لا شهوة و لا تصرف إلا إن صرفت فهي مصرفة بغيرها لا بنفسها و لا مصرف إلا الله فهي مصرفة بتصريف الله و النبات و إن خلق في المعرفة مثلها فإنه نزل عن درجتها بالنمو و طلب الرفعة عليها بنفسه حين كان من أهل التغذي و هو يعطي النمو و طلب الارتفاع و الجماد ليس كذلك ليس له العلو في الحركة الطبيعية لكن إذا رقى به إلى العلو و ترك مع طبعه طلب السفل و هو حقيقة العبودية و العلو نعت إلهي فإنه هو العلي فالحجر يهرب من مزاحمة الربوبية في العلو فيهبط من خشية الله و بهذا أخبر الله عنه فقال وَ إِنَّ مِنْها لما ذكر الحجارة لَما يَهْبِطُ من خَشْيَةِ الله فجعل هبوط الطبيعي من خشية فهو منشا من الخشية لله و الشهود له ذاتي و إِنَّما يَخْشَى الله من عِبادِهِ الْعُلَماءُ به فمن خشي فقد علم من يخشى و هذا هو مذهب سهل بن عبد الله التستري فلا أعلى في الإنسان من الصفة الجمادية ثم بعدها النباتية ثم بعدها الحيوانية و هي أعظم تصريف في الجهات من النبات ثم الإنسان الذي ادعى الألوهة فعلى قدر ما ارتفع عن درجة الجماد حصل له من تلك الرفعة صورة إلهية خرج بها عن أصله فالحجارة عبيد محققون ما خرجوا عن أصولهم في نشأتهم ثم إن الله جعل هذه الأحجار محلا لإظهار المياه التي هي أصل حياة كل حي في العالم الطبيعي و هي معادن الحياة و بالعلم يحيى الإنسان الميت بالجهل فجمعت الأحجار بالخشية و تفجر الأنهار منها بين العلم و الحياة قال تعالى وَ إِنَّ من الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ مع اتصافها بالقساوة و ذلك لقوتها في مقام العبودية فلا تتزلزل عن ذاتها لأنها لا تحب مفارقة موطنها لما لها فيه من العلم و الحياة اللتين هما من أشرف الصفات فنال الساعي من الصفا إلى المروة و هما الحجارة ما تعطيه حقيقة الحجارة من الخشية و الحياة و العلم بالله و الثبات في مقامهم ذلك فمن سعى و وجد مثل هذه الصفات في نفسه حال سعيه فقد سعى و حصل نتيجة سعيه فانصرف من مسعاه حي القلب بالله ذا خشية من الله عالما بقدره و بما له و لله و إن لم يكن كذلك فما سعى بين الصفا و المروة
(وصل في فصل شروطه)
اتفق العلماء أن من شرطه الطهارة من الحيض فأما الطهارة من الحدث فكلهم قالوا ليس من شرطه الطهارة من الحدث إلا الحسن فاعلم أنه لما قررنا في فصل السعي ما قررنا و في اعتباره الحجارة من حكم الصفا و المروة لذلك اتفقوا أنه لا يشترط الطهارة من الحدث في هذا النسك لأنه عبد محض فيها و لم تصح له هذه العبودة إلا بحدثه فلو لا حدثه ما صحت عبوديته فإذا تطهر من حدثه خرج عن حقيقته و ادعى المشاركة في الربوبية بقدر ما خرج فإن كان طهرا عاما كالغسل كان أبعد له من حقيقته و إن كان طهرا خاصا كالوضوء فهو أقرب و الأخذ بالمناسب أتم في الحقائق و أما من يرى الطهارة في هذا النسك فإنه يقول لا بد لكل موجود حي من نسبة فعل إليه على أي وجه كان و لا أكثر محدث بقي على أصله أتم من الحجارة و مع هذا فإن الله وصفها بالخشية و هو فعل نسب إليها أي قيل إنها تخشى فينبغي أن تتطهر من هذه النسبة لا من الخشية لتكون الخشية من الله فيها و كذلك التشقق نسب إليها لخروج المياه فلا بد من التطهير من هذه النسب و لهذا نزع الحسن إلى اشتراط الطهارة في هذا الشك و هو حسن مثل اسمه أي هو مذهب حسن فإن النبي صلى الله عليه و سلم كره أن يذكر الله إلا على طهر أو قال طهارة و لا بد فيه من ذكر الله فالقول بالطهارة أولى و الحسن عندنا من أئمة طريق الله جل جلاله و من أهل الأسرار و الإشارات
(وصل في فصل ترتيبه)
اتفق العلماء أن السعي ما يكون إلا بعد الطواف بالبيت و أنه من سعى قبل الطواف يرجع فيطوف و إن خرج عن مكة فإن جهل ذلك حتى أصاب النساء في العمرة أو في الحج كان عليه حج قابل و الهدى أو عمرة أخرى و قال بعضهم لا شيء عليه و قال بعضهم إن خرج عن مكة فليس عليه أن يعود و عليه دم و به أقول اعلم أن الله لما دعانا ما دعانا إلا أن نقصد البيت فلا ينبغي أن نبدأ إذا وصلنا إليه بغير ما دعانا إليه و لا نفعل شيئا حتى نطوف به فإذا قصدناه بالصفة التي أمرنا بها حينئذ تصرفنا بعد ذلك على حد ما رسم لنا في سائر المناسك إن كنا عبيد اضطرار و وفينا بمقامنا من العبودية و هكذا فعل المشرع صلى الله عليه و سلم الذي قال لنا خذوا عني مناسككم و قال الله لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ و قال إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله و قال من رغب عن سنتي فليس مني فأبان بفعله صلى الله عليه و سلم عن مراد الله منا في هذه العبادة هذا هو التحقيق فإن اتسع العبد إدلالا بالدال اليابسة و هو عندنا خروج عن الإذلال بالذال المعجمة من الذلة لما خلقه الله على الصورة و هي تقتضي العزة أراد أن يكون له في الفعل اختيار و بهذه الإرادة كلف ليصح ظهوره بالصورة إذا اختار لأنه علم أنه لا بد لها من الحكم في موطن ما فقدم السعي و قال و إن دعانا إلى بيته فلا بد من الوصول إليه و الطواف به فإنه ما حجر علينا أن لا نمر بغير البيت في طريقنا فلو حجر وقفنا عند تحجيره فدل سكوته على ذلك أنه خيرنا إذ لا بد من الطواف بالبيت لأنه أمرنا بذلك فقال وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ فجعلنا الحكم في تقديم السعي لمكان خلقنا على الصورة ليكون لها حكم الاختيار و الاختبار و وفاء بمقامها و مراعاة له فإنه يقول عن نفسه وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ و نحن على الصورة فلا بد من هذه الحقيقة أن يكون لها أثر و مع هذا فالأولى أن نصرف اختيار الصورة منه في غير هذا الموطن لما تقدم من بيان الشارع الذي هو العبد المحقق محمد صلى الله عليه و سلم فلم يقدم السعي على الطواف و لا المروة على الصفا في السعي و قال الله لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا الله وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ ... وَ من يَتَوَلَّ فَإِنَّ الله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ فلم يذم أدبا معنا لنتعلم بل نزه نفسه بالغنى عما دعاهم إليه و أنهم إن أجابوا لذلك فإن الخير الذي فيه عليهم يرجع و الله غني عنه و بهذا وجد رخصة من قدم السعي ثم أتبعه بالحميد أي هو أهل الثناء بالمحامد في الأولى و الآخرة فله الحمد على كل حال سواء تحركت يا هذا بالصورة فاخترت لما تعطيه قوة الصورة أو تحركت عبدا مضطرا فإن الحمد لله في كل ذلك يقول الله بالحال لو لا صورتي ما اخترت و لم تكن مختارا فصورتي هي التي كانت لها الخيرة لا لك إقامة عذر للعبد و هذا من كرم الله فلا حرج فلهذا لم يعلق به الذم و لا تعرض لذكره في عدم الاقتداء و التأسي برسوله صلى الله عليه و سلم فإنه ما حجر كما قلنا و هذا تنبيه من الله غريب في الموقع حيث لم يذم و لا حمد بل جعله مسكوتا عنه
(وصل في فصل ما يفعله الحاج في يوم التروية إذا كان طريقة على منى)
يوم التروية هو يوم الخروج إلى منى في اليوم الثامن من ذي الحجة و المبيت فيه و يصلي به الظهر و العصر و المغرب و العشاء و الفجر من اليوم التاسع الذي هو يوم عرفة تأسيا برسول الله صلى الله عليه و سلم و أجمع العلماء على أن ذلك ليس بشرط في صحة الحج فإذا أصبح يوم عرفة غدا إلى عرفة و وقف بها لما وصل الحاج إلى البيت و نال من العلم بالله ما نال و نال في المبايعة و المصافحة ليمين الله تعالى ما يجده أهل الله في ذلك و حصل من المعارف الإلهية و طوافه بالبيت و سعيه و صلاته بمنى أراد الله أن يميز له ما بين العلم الذي حصل له في الموضع المحرم و بين المعرفة الإلهية التي يعطيه الله في الحل و هو عرفة فإن معرفة الحل تعطي رفع التحجير عن العبد و هو في حال إحرامه محجور عليه لأنه محرم بالحج فيجمع في عرفة بين معرفته بالله من حيث ما هو محرم و بين معرفة الله من حيث ما هو في الحل لأن معرفة الله في الحرم و هو محرم معرفة مناسبة النظير فإنه بالإحرام محجور عليه و بالحرم محجور عليه و هذا خلاف حكم عرفة فإنه محرم في حل فهو في عرفة أبعد مناسبة و أشد مشقة لأنه تقابل ضد و تمييز فإنه لم يحرم الحل بإحرام الحاج و لم يحل الحاج من إحرام بإحلال الموضع فلم يؤثر أحدهما في الآخر فتميز العبد بالحجر لبقائه على إحرامه ليس فيه من الحق المختار شيء و تميز الحق بالحل أنه غير محجور عليه فهو يفعل ما يريد لما يتوهمه الوهم بدليل العقل أن الحق يحكم على الفعل منه علمه به فما يبدل و هذا نقيضالاختيار فأشبه المحجور عليه فيحصل له في عرفة في الحل معرفة إزالة هذا لتحجير الذي أثبته الوهم بدليل العقل فإنه في هذا الموطن من العلم بالله ساوى الوهم العقل فحجر على الله و جعلاه تحت حكم علمه في الشيء في مذهب من يرى أن العلم صفة زائدة على ذاته قائمة به تحكم على ذاته بحسب ما تعلقت به فمن قال إن علمه ذاته لا يلزمه هذا و هذه معرفة بالله بديعة عجيبة لا يعرف قدرها إلا من عرفها فلما أراد الحاج حصول هذه المعرفة مر في طريقه بمنى و هو موضع الحج الأكبر و أراد أن يذوق طعمه قبل الوقوف بعرفة إذ كان مرجعه إليه يوم النحر و هو يوم الحج الأكبر فإنه في ذلك الزمان الأول يجتمع فيه من وقف بعرفة و من وقف بالمزدلفة فكان معظم الحاج بمنى فصلى بها و بات ليذوق ذلك في حكم النهار و حكم الليل فيحصل بين الأمر النهاري و التجلي الليلي و ما يحصل في أوقات الصلوات من الأمر الخاص في هذا الموطن حتى يرى إذا رجع إليها بعد الوقوف هل يتساوى الذوق في ذلك أو يتغير عليه الحال لتأثير عرفة و المزدلفة فيه فكان مبيته و قعوده بمنى حالة اختيار و تمحيص ليكون من ذلك على علم في المال بخلاف المعرف فإنه لا يحصل له ذلك فلا يعرف هل يتغير حكم منى بعد عرفة عن حكمه قبل عرفة أم لا فهذا كان سبب ذلك
(وصل في فصل الوقوف بعرفة)
أما الوقوف بعرفة فإنهم أجمعوا على أنه ركن من أركان الحج و أن من فاته فعليه الحج من قابل و الهدى في قول أكثرهم و نحن لا نقول بالهدي لمن فاته فإنه ليس بمتمتع لأنه ما حج مع عمرته في سنة واحدة و السنة في يوم عرفة أن يدخلها قبل الزوال فإذا زالت الشمس خطب الإمام الناس ثم جمع بين الظهر و العصر في أول وقت الظهر ثم وقف حتى تغيب الشمس هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم و إمامة الحج هي للسلطان الأعظم لا خلاف بينهم في ذلك و أنه يصلي وراءه برا كان أو فاجرا و قد قدمنا إنه بر في وقت صلاته فما صليت إلا خلف بر و لا كان أمامك إلا برا فلا فائدة للفجور و الفسق الذي يذكره علماء الرسوم في هذه المسألة و قد قدمنا الكلام فيها و أن من السنة علينا في ذلك اليوم أن نأتي إلى المسجد مع الإمام للصلاة و يعتبر في ذلك المشي بالله مع الله إلى الله في بيت المعرفة لأنه مسجد في عرفة و هو مسجد عبودية و لا يصح أن يكون المسجد إلا موطن عبودية لأن السجود هو التطأطؤ و هو نزول من أعلى إلى أسفل و به سمي الساجد ساجدا لنزوله من قيامه فيعطيه مسجد عرفة المعرفة بنفسه ليكون له ذلك سلما إلى معرفة ربه فإنه من عرف نفسه عرف ربه الذي سجد له و المعرفة تطلب في التعدي أمرا واحدا فهو تعلقه أي تعلق علم العبد و معرفته بأحدية الله خاصة فلو لم يقل عرفة و قال ما يدل على العلم كما دل عرفة على العلم لم نجعل تعلقه بالأحدية و كنا نجعله بأمر آخر فعلمنا إن الإنسان يطلب في معرفة نفسه شفعيتها من حيث أحديتها التي تمتاز بها معرفة أحدية الحق إذ لا يعرف الواحد إلا من هو واحد فبأحديتك في شفيعتك عرفت أحديته تعالى فجاء في المعرفة باسم عرفة لأجل القصد بمعرفة أحدية الخالق لأنه لا أحدية له في غير الذات من المناسبات إلا أحدية الخالق بمعنى الموجد و لذلك تمدح بها و جعلها فرقانا بين من ادعى الألوهية أو ادعيت فيه فقال أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ فلو وقعت المشاركة في الخلق لما صح أن يتخذها تمدحا و لا دليلا مع الاشتراك في الدلالة هذا لا يصح فيعلم قطعا إن الخالق صفة أحدية لله لا تصح لأحد غير الله فلهذا كانت معرفة الله في عرفة معرفة أحدية إذا لمعرفة هذا نعتها في اللسان الذي خوطبنا به من الله فإذا عرفت هذا فقد عرفت
(وصل في فصل الأذان)
اعلم أن العلماء اختلفوا في وقت أذان المؤذن بعرفة الظهر و العصر فقال بعضهم يخطب الإمام حتى يمضي صدر من خطبته أو معظمها ثم يؤذن المؤذن و هو يخطب و قال قوم يؤذن إذا أخذ في الخطبة الثانية و قال قوم إذا صعد الإمام المنبر أمر المؤذن بالأذان فاذن كالجمعة فإذا فرغ المؤذن قام الإمام يخطب و على هذا القول رأيت العمل اليوم و هو مذهب أبي حنيفة و الأول مذهب مالك و الثاني قيل إنه مذهب الشافعي و قد حكي عن مالك أنه قال كما قال أبو حنيفة حكاه ابن نافع عن مالك و الحديث أن النبي صلى الله عليه و سلم خطب الناس ثم أذن بلال ثم أقام و جمع بين الظهر و العصر و لم ينتقل بينهما حقيقة الأذان الإعلام لا الذكر و قد يكون أعلاما بذكر لذكر أيضا فكله ذكرإلا الحيعلتين فإنه نداء بأمر إلى عبادة معينة فمن راعى الجمع في عين الفرق جعل لهما أذانا واحدا و إقامتين و من راعى الفرق بين الظهر و العصر جعل في الجمع حكم التفرقة فقال بأذانين و إقامتين و لهذا وقع الخلاف فقال قوم بأذانين و إقامتين و قال قوم بأذان واحد و إقامتين فمن راعى الصلاة جعله بعد الخطبة و من راعى سماع الخطبة جعله قبل الخطبة و من راعى كونه ذكر الله بصورة الأذان كالذي أمر أن يقول مثل ما يقول المؤذن على أنه ذاكر الله لا مؤذن فإن القائل مثل المؤذن لا يقال فيه إنه مؤذن إنما هو ذاكر بصفة الأذان فهذا يقول بالأذان في نفس الخطبة و يكتفي بقرينة حال قصد الناس عرفة في ذلك اليوم ليس لهم شغل إلا الاهتمام بالأفعال التي تلزمهم في ذلك اليوم فمنها استماع الخطبة و الصلاة فأغنى عن الأذان الذي هو الإعلام إلا أن يقصد أعلاما بدخول وقت الصلاة لمن يجهل ذلك فيكون أذانا بذكر فإن الذكر في طريق الله لا يختص بالقول فقط بل تصرف العبد إذا رزق التوفيق في جميع حركاته لا يتحرك إلا في طاعة الله تعالى من واجب أو مندوب إليه و يسمى ذلك ذكر الله أي لذكره في ذلك الفعل أنه لله بطريق القربة سمي ذكرا قالت عائشة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم إنه كان يذكر الله على كل أحيانه فعمت جميع أحواله في يقظة و نوم و حركة و سكون تريد أنه ما تصرف و لا كان في حال من الأحوال إلا في أمر مقرب إلى الله لأنه جليس الذاكرين له فجميع الطاعات كلها من فعل و ترك إذا فعلت أو تركت لإجل الله فذلك من ذكر الله أي الله ذكر فيها و من أجله فعلت أو تركت على حكم ما شرع فيها و هذا هو ذكر الموفقين من العلماء بالله و أجمع العلماء على إن الإمام لو لم يخطب يوم عرفة قبل الصلاة إن صلاته جائزة بخلاف الجمعة فهذا فرق بين الجمعة و بين الصلاة في عرفة هذا هو ما فعل النبي صلى الله عليه و سلم و إنما خطب قبل الصلاة كما أجمعوا على إن القراءة في هذه الصلاة سر لا جهر بخلاف الجمعة فالخطيب في هذا اليوم مذكر الحق في قلب العبد و واعظه و جوارحه كالجماعة الحاضرين سماع تلك الخطبة فهو يحرضهم على طاعة الله و يعرفهم أن الله ما دعاهم إلى هذا الموطن للوقوف بين يديه إلا تذكرة لقيام الناس يوم القيامة لرب العالمين و يعرفهم أن الله يأتيهم في هذا اليوم بخلاف إتيانه يوم القيامة فإن ذلك الإتيان إنما هو للفصل و القضاء و تميز الفرق بعضها من بعض بسيماهم و اليوم إتيانه للواقفين في هذا الموطن إتيان بمغفرة و رحمة و فضل و إنعام ينال ذلك الفضل الإلهي في هذا اليوم من هو أهله يعني المحرمين بالحج و من ليس من أهله ممن شاركهم في الوقوف و الحضور في ذلك اليوم و ليس بحاج فحكمهم كالجليس مع القوم الذين لا يشقى جليسهم قال تعالى للملائكة في أهل مجالس الذكر فيمن جاء لحاجة له لا للذكر إنهم القوم لا يشقى جليسهم فعمتهم مغفرة الله و رضوانه و ضاعف الله للمحرمين من حيث إنهم أهل ذلك الموقف ما تستحقه الأهلية هذا كله و أمثاله يشعر العبد به نفسه كما ينبغي للخطيب أن بذكر الناس بمثل هذا الفضل الإلهي لتكون عبادتهم في ذلك اليوم شكر الله تعالى و ينسون ما هم فيه من الشعث و التعب في جنب ما حصل لهم من الله ثم يقومون للصلاة بعد الفراغ من الخطبة فيصلون في ذلك الموطن صلاة من هو بعرفة في حال كونهم شعثا غبرا عرايا من المخيط حاسرين عن رءوسهم واقفين على أقدامهم بين يدي رب عظيم فيصلون في ذلك اليوم جمعا صلاة العارفين كما قلنا
و لما كانت حالته في هذا اليوم خاصة به بينه و بين ربه في صلاته تعين عليه أن تكون قراءته سرا و هو الذكر النفسي إشعارا لتحققه بالحق في ذلك الموطن فإنه إذا ذكره في نفسه و القرآن ذكر ذكره الحق في نفسه من حيث لا يشعر العبد بأن الله ذكره فإن الله إذا ذكره في نفسه فذكره في حضرة أزلية لا حدوث فيها فكان للعبد بهذا الذكر قدم في الأزل حيث أحضره الحق في نفسه بالذكر فإنه إذا ذكره في ملأ فقد ذكره في حضرة حدوث و الحدوث صفة العبد فما زاد منزلة بذلك إلا كونه ذكرا خاصا و موطن عرفة عظيم فكانت القراءة فيه في الصلاة نفسية لتحصل هذه المنزلة في ذلك اليوم
(وصل في فصل)
فإن كان الإمام مكيا فاختلفوا هل يقصر أم لا هنا و بمنى و بالمزدلفة فمن قائل بالقصر و لا بد في هذه الأماكن كان مكيا أو لم يكن و كان من أهل الموضع أو لم يكن و من قائل لا يقصر إلا إن كان مسافرا فمن راعى السفر أراد أن يناجي الحق تعالى في هذه الصلاة في مقام الوحدانية فيجعل للحق الركعة التي يناجيه منها من حيث أحديته و يجعل لنفسه الركعة الثانية التي يناجيه فيها من حيث أحدية العبد التي بها عرف أحدية الحق في يوم عرفة لتعدي هذا الفعل إلى أمر واحد و من راعى الإتمام جعل للحق ركعتين الواحدة من حيث ذاته تعالى و الثانية من حيث ما هو معلوم لنا بنسبة خاصة تقضي بأن يوصف بأنه معلوم لنا إذ قد كان غير موصوف بأنه معلوم إذ لم يكن لنا وجود في أعياننا فلم يكن ثم من يطلب منه أن يعرفه و يجعل الركعتين الأخريين الواحدة منها لذات العبد من حيث عينه و الركعة الثانية من حيث إمكانه الذي يعطيه الافتقار إلى مرجحه في انتسابه إليه و هذه معرفة لدليل و المشاهدة فإنها دليل أيضا فإن المشاهدة طريق موصلة إلى العلم بالمشهود و الفكر طريق موصل إلى العلم بالله أيضا من حيث استقلال العقل به و إن لم يشهد فهذا سر الإتمام في الصلاة و القصر لما يعطيه مكان عرفة من المعرفة بالله في الصلاة بهذا المكان
(وصل في فصل الجمعة بعرفة)
اختلف العلماء في وجوب الجمعة و متى تجب فقيل لا تجب الجمعة بعرفة و قال آخرون ممن قال بهذا القول إنه اشترط في وجوب الجمعة أن يكون هنالك من أهل عرفة أربعون رجلا و من قائل إذا كان أمير الحاج ممن لا يفارق الصلاة بمنى و لا بعرفة صلى بهم فيهما الجمعة إذا صادفها و قال قوم إذا كان و إلى مكة يجمع بهم و الذي أقول به إنه يجمع بهم سواء كان مسافرا أو مقيما و كثيرين أو قليلين مما ينطلق عليهم في اللسان اسم جماعة واقعة وقعت لنا في ليلة كتابتي هذا الوجه و هي مناسبة لهذا الباب كنت أرى فيما يراه النائم شخصا من الملائكة قد ناولني قطعة من أرض متراصة الأجزاء ما لها غبار في عرض شبر و طول شبر و عمق لا نهاية له فعند ما تحصل في يدي أجدها قوله تعالى وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إلى قوله وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ فكنت أتعجب ما كنت أقدر إن أنكر أنها عين هذه الآيات و لا أنكر أنها قطعة أرض و قيل لي هكذا أنزل القرآن أو أنزلت على محمد صلى الله عليه و سلم فكنت أرى رسول الله صلى الله عليه و سلم و يقول لي هكذا أنزلت علي فخذها ذوقا و هكذا هو الأمر فهل تقدر على إنكار ما تجده من ذلك قلت لا فكنت أحار في الأمر حتى قلت لغلبة الحال علي في ذلك
فقلت هذا كشف مطابق للجمعة التي جاء بها جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم في صورة مرآة مجلوة و فيها نكتة و قال له يا رسول الله هذه الجمعة و هذه النكتة الساعة التي فيها و الحديث مشهور فانظر ما أعجب الأمور الإلهية و تجليها في القوالب الحسية و هذا دليل على ارتباط الأمر بيننا و بين الحق
انتهى إمداد الواقعة الجامعة فلنرجع و نقول وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ الحج نداء إلهي وَ أَذِّنْ في النَّاسِ بِالْحَجِّ و الجمعة نداء إلهي إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ من يَوْمِ الْجُمُعَةِ فوقعت المناسبة فالجماعة موجودة فوجبت إقامتها بعرفة و لا سبيل إلى تركها و لا سيما و الحقائق تعضد ذلك فما وجد كون من الأكوان إلا عن جمع معقول و لا ظهر كون في عين إلا مجموعا من حقائق تظهر ذلك و لم يصح وجود حادث شرعا و لا عقلا و كل ما سوى الله حادث إلا عن ذات ذات إرادةو علم و قدرة و حياة عقلا و ذات إرادة و قول أمري شرعا ثم الوجه الآخر من الجمعية أن الحادث عن اقتدار إلهي و قبول إمكاني لا بد منهما من شرطها وجود حياة شرعا تقول للشيء كن فثبتت الجمعية شرعا في إيجاد الأكوان و ثبتت عقلا كما قررنا فالوحدة في الإيجاد و الوجود و الموجود لا يعقل و لا ينقل إلا في لا إله إلا هو فهذه أحدية المرتبة و هي أحدية الكثرة فافهم فإذا أطلقت الأحدية فلا تطلق عقلا و نقلا إلا بإزاء أحدية المجموع مجموع نسب أو صفات أو ما شئت على قدر ما أعطاه دليلك و لكل نسبة أو صفة أحدية تمتاز بها عن غيرها في نفس الأمر فمن أراد أن يميزها عند السامع أو المتعلم فما يقدر على ذلك إلا بمجموع حقائق كل حقيقة معلومة عند السامع و ما في العلوم أعجب من هذا العلم حيث تعقل الأحدية في كل موجود و لا يصح وجود موجود حادث إلا بمجموع مجموعا و هذه حيرة عظيمة
حيرة الأمر حيرة و هي في الغير غيرة
و لذلك ما طلب الحق تعالى في الايمان منا إلا توحيد إلا له خاصة و هو أن تعلم أنه ما ثم إلا إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ثم قال الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ فلم يكن ثم جمع يقتضي هذا الحكم و هو أن يكون إلها إلا هذا المسمى بهذه الأسماء الحسنى المختلفة المعاني التي افتقر إليها الممكن في وجود عينه و إذا كان الأمر على ما قررناه فلا واجب أوجب من إقامة الجمعة بعرفة إذا جاء وقتها و شرطها فلا أدري في العالم أجهل ممن قال لا يصدر عن الواحد إلا واحد مع قول صاحب هذا القول بالعلية و معقولية كون الشيء علة لشيء خلاف معقولية شيئيته و النسب من جملة وجوه الجمع فما أبعد صاحب هذا القول من الحقائق و من معرفة من له الأسماء الحسنى أ لا ترى أهل الشرائع و هم أهل الحق يقولون بنسبة الألوهة لهذا الموجد للممكن المألوه و معقول الألوهة ما هو معقول الذات فالأحدية معقولة لا تتمكن العبارة عنها إلا بمجموع مع كون العقل يعقلها و هي أحدية المجموع و آحاده أ لا ترى أن التجلي الإلهي لا يصح في الأحدية أصلا و ما ثم غير الأحدية و ما يتعقل أثر عن واحد لا جمعية له فيا ليت شعري كيف جهلت العقول ما هو أظهر من الشمس فيقول ما صدر عن الواحد إلا واحد و يقول إن الحق واحد من جميع الوجوه و هو يعلم أن النسب من بعض الوجوه و إن الصفات في مذهب الآخر من بعض الوجوه فأين الواحد من جميع الوجوه فلا أعلم من الله بالله حيث لم يفرض الوحدة إلا أحدية المجموع و هي أحدية الألوهة له تعالى فقال هُوَ الله الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ هُوَ الله الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ الله عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ الله الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى و هي تسعة و تسعون اسما مائة إلا واحدا و كل اسم واحد مدلوله ليس مدلول عين الاسم الآخر و إن كان المسمى بالكل واحدا فما عرف الله إلا الله
فمن طلب الواحد في عينه لم يحصل الأعلى الحيرة فإنه لا يقدر على الانفكاك من الجمع و الكثرة في الطالب و المطلوب و كيف يقدر على نفي الكثرة و هو يحكم على نفسه بأنه طالب و على مطلوبه بأنه مطلوب و يوم عرفة يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ و ما عجله الحق في الدنيا لعباده إلا لانقضاء أجله المحدود كما قال سبحانه و تعالى في الآخرة إنه يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَ ما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ و يوم عرفة يوم مغفرة عامة شاملة فإذا اتفق أن يكون يوم جمعة ففضل على فضل و مغفرة إلى مغفرة و عيد إلى عيد فالأولى و الأحق بالإمام أن يقيم فيه الجمعة فإنها أفضل صلاة مشروعة هي في موضع الأولى فلها الأولية التي لا ثاني لها فينبغي أن يقيمها من ثبتت له المغفرة الإلهية شرعا فطهر طهارة ظاهرة و باطنة فهو المقدس عن كل ذنب يحجب عن الله ثم إنه موطن الغبرة و الشعث و الخشوع و الابتهال و الدعاء و التضرع فوجبت الجمعة فيه إن حضر يومها فيكون يوما عيد عيد عرفة و عيد الجمعة فإن لم يقمها الإمام لم يحظ إلا بعيدواحد و لا يكون ذلك يوم جمعة أصلا بل يسلب عنه ذلك الحكم لعدم صلاة الجمعة فيه و قد زال عنه اسمه الأول و هو العروبة فلا جمعة و لا عروبة فإن اعتبرت الرتبة الباطنة فقد يرجع عليه اسمه الأول و هو العروبة لا غير فتفطن لما ذكرته لك من زوال اسم الجمعة عنه لأنه ما سمي به إلا لاجتماع الناس فيه على إمام واحد كما اجتمعنا في وجودنا على إله واحد و الله الهادي انتهى الجزء الثامن و الستون
( (بسم الله الرحمن الرحيم))
(وصل في فصل توقيت الوقوف بعرفة في يومه و ليلته)
لم تختلف العلماء أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ما وقف إلا بعد الزوال و بعد ما صلى الظهر و العصر ارتفع عن مصلاه و وقف داعيا إلى غروب الشمس فلما غربت دفع إلى المزدلفة و أجمعوا على إن من وقف بعرفة قبل الزوال أنه لا يعتد به إن فارق عرفة و أنه إن لم يرجع و يقف بعد الزوال أو يقف من ليلته تلك قبل طلوع الفجر فقد فاته الحج اعلم أن العرب و الزمان العربي في اصطلاحهم و ما تواطئوا عليه يتقدم ليله على نهاره جريا على الأصل فإن موجد الزمان و هو الله تعالى يقول وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فجعل الليل أصلا و سلخ منه النهار كما تسلخ الشاة من جلدها فكان الظهور لليل و النهار مبطون فيه كجلد الشاة ظاهر كالستر عليها حتى تسلخ منه فسلخ الشهادة من الغيب و وجودنا من العدم فظهر علم العرب على العجم فإن العجم الذين حسابهم بالشمس يقدمون النهار على الليل و لهم وجه بهذه الآية و هو قوله فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ و إذا حرف يدل على زمان الحال أو الاستقبال و لا يكون الموصوف بأنه مظلم إلا بوجود الليل في هذه الآية فكان النهار غطاء عليه ثم سلخ منه أي أزيل فإذا هم مظلمون أي ظهر الليل الذي حكمه الظلمة فإذا الناس مظلمون الممكن و إن كان موجودا فهو في حكم المعدوم و أصدق بيت قالته العرب قول لبيد ألا كل شيء ما خلا الله باطل و الباطل عدم فظهر هذا الحكم الأعجمي في الشرع العربي في يوم عرفة فإن العرب و الشرع أخروا ليلة عرفة عن يومها كما فعلت الأعاجم أصحاب حساب الشمس فجعل الشرع العربي ليلة عرفة الليلة المتقبلة من يوم عرفة التي يكون صبيحتها يوم النحر و هو اليوم العاشر و سائر الزمان عندهم الليلة لليوم الذي يكون صبيحتها و عند الأعاجم ليلة الجمعة مثلا الذي يكون يوم السبت صبيحتها فاجتمع العرب و العجم في تأخير هذه الليلة عن يومها أعطى ذلك مقام المزدلفة المسمى جمعا فإنه جمع فيه العرب و العجم على حكم واحد فجعلوا ليلة عرفة ليوم عرفة المتقدم لكون الشارع شرع أنه من أدرك الوقوف بعرفة ليلة جمع قبل الفجر فقد أدرك الحج و الحج عرفة و كل يوم كامل بليلته من غروب إلى غروب عند العرب و من شروق إلى شروق عند العجم إلا يوم عرفة فإنه ثلاثة أرباع اليوم المعلوم إلا ساعة و خمسة أسداس ساعة فإنه من زوال الشمس إلى طلوع الفجر خاصة فقد نقص من زمان يوم عرفة عن اليوم المعلوم من طلوع الفجر إلى الزوال و سبب ذلك أنه لما اعتبر في عرفة إنه مقام المعرفة بالله التي أوجبها علينا فكان ينبغي أن لا نسمي عارفين بالله حتى نعلم ذاته و ما يجب لها من كونها إلها فإذا عرفناه على هذا الحد فقد عرفناه فصارت المعرفة مقسمة نصفين النصف الواحد معرفة الذات و النصف الآخر معرفة كونه إلها فلما بحثنا بالأدلة العقلية و أصغينا إلى الأدلة الشرعية أثبتنا وجود الذات و جهلنا حقيقتها و أثبتنا الألوهة لها و هو نصف المعرفة بكمالها و الربع وجودها أعني وجود الذات المنسوبة إليها الألوهة و الربع الرابع معرفة حقيقتها فلم نصل إلى معرفة حقيقتها و لا يمكن الوصول إلى ذلك و الزائد على الربع الذي جهلناه أيضا هو جهلنا بنسبة ما نسبناه إليها من الأحكام فإنا و إن كنا نعرف النسبة من كونها نسبة فقد نجهل النسبة الخاصة لجهلنا بالمنسوب إليه فحصلت المعرفة من زوال الشمس إلى طلوع الفجر و من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس جهلنا بالنسبة و من طلوع الشمس إلى الزوال و هو ربع اليوم جهلنا بالذات فما أعطى عرفة من المعرفة بالله إلا ما أعطاه زمانه فاعلم فنقص العلم بها عن درجة العلم بكل معلوم فمن لم نعلمه بحقيقته فما علمناه فعلمنا بوجود الذات من أجل الاستناد لا بالذات و علمنا نسبة الألوهة لها لا كيفية النسبة و هو نصف المعرفة و هذا النصف يتضمنربعين الربع الواحد العلم بصفات التنزيه و السلوب و الربع الآخر المعرفة بصفات الأفعال و النسب فالحاصل بأيدينا ثلاثة أرباع المعرفة إلا و الربع الواحد لا نعرفه أبدا و الذي ينظر من المعرفة المناسب لما زاد على الربع من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس هو بمنزلة ما جهلنا من نسبة وصف ما وصف الحق به نفسه من صفة التشبيه فلا ندري كيف ننسب إليه مع إيماننا به و إثباتنا له هذا الحكم مع جهلنا لكن على ما يعلمه الله من ذلك فهذا في مقابلة الزائد على ربع اليوم فلهذا نقص يوم عرفة عن سائر الأيام الزمانية فتحقق صحة يوم عرفة إنه من الزوال إلى طلوع الفجر من ليلة عرفة
(وصل في فصل من دفع قبل الإمام من عرفة)
اختلف علماء الإسلام فيمن وقف بعرفة بعد الزوال ثم دفع منها قبل الإمام و بعد الغيبوبة فقيل أجزأه لأنه جمع بعرفة بين الليل و النهار فإن دفع قبل الغروب قيل عليه دم و قيل لا شيء عليه و حجة تام و الذي أقول به إنه لا شيء عليه و أن حجه تام الأركان غير تام المناسك لأنه ترك الأفضل لا شك أنه من ترك شيئا من اتباع الرسول صلى الله عليه و سلم مما لم ينفرض عليه فإنه ينقص من محبة الله إياه على قدر ما نقص من اتباع الرسول و أكذب نفسه في محبته لله لعدم إتمام الاتباع و عند أهل طريق الله لو اتبعه في جميع أموره و أخل بالاتباع في أمر واحد مما لم ينفرض عليه بل خالف سنة لاتباع في ذلك مما أبيح له الاتباع فيه أنه ما اتبعه قط و إنما اتبع هوى نفسه لا هو مع ارتفاع الأعذار الموجبة لعدم الاتباع هذا مقرر عندنا قال تعالى لمحمد صلى الله عليه و سلم قل يا محمد لأمتك إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي فجعل الاتباع دليلا و ما قال في شيء دون شيء يُحْبِبْكُمُ الله و الله يقول لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ و هو الاتباع و قال وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي في دعواكم محبتي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ و هو إني أحبكم إذا صدقتم في محبتي و جعل الدليل على صدقهم حصول محبة الله إياهم و حصول محبة الله إياهم دليل الاتباع و على قدر ما نقص ينقص و عند أهل الله هو أمر لا يقبل النقص و إن العذر لا ينقصه فإنه في حبس الله عن الاتباع في أمر ما فالحق ينوب عنه عندي حكاية قال أبو يزيد في هذا الباب كنت أظن في بري بأمي أني ما أقوم فيه لهوى نفسي بل لتعظيم الشريعة حيث أمرتني ببرها فكنت أجد في نفسي لذة عظيمة كنت أتخيل أن تلك اللذة من تعظيم الحق عندي لا من موافقة نفسي فقالت لي في ليلة باردة اسقني يا أبا يزيد ماء فثقل على التحرك لذلك فقلت و الله ما خفف على ما كانت تكلفني فعله إلا الموافقة كان في نفسي من حيث لا أشعر فأبطل عمله و ما سلم لها قال أبو يزيد فقمت بمجاهدة و جئت بالكوز إليها فوجدتها قد سارع إليها النوم و نامت فوقفت بالكوز على رأسها حتى استيقظت فناولتها الكوز و قد بقي في أذن الكوز قطعة من جلد أصبعي لشدة البرد انقرضت فتألمت الوالدة لذلك قال أبو يزيد فرجعت إلى نفسي و قلت لها حبط عملك في كونك كنت تدعين النشاط في عبادتك و الاتباع إن ذلك من محبتك الله فإنه ما كلفك و لا ندبك و أوجب عليك إلا ما هو محبوب له و كل ما يأمر به المحبوب عند المحب محبوب و مما أمرك الله به يا نفسي البر بوالدتك و الإحسان إليها و المحب يفرح و يبادر لما يحبه حبيبه و رأيتك قد تكاسلت و تثاقلت و صعب عليك أمر الوالدة حين طلبت الماء فقمت بكسل و كراهة فعلمت أنه كل ما نشطت فيه من أعمال البر و فعلته لا عن كسل و لا تثاقل بل عن فرح و التذاذ به إنما كان ذلك لهوى كان لك فيه لا لأجل الله إذ لو كان لله ما صعب عليك الإحسان لوالدتك و هو فعل يحبه الله منك و أمرك به و أنت تدعين حبه و أن حبه أورثك النشاط و اللذة في عبادته فلم يسلم لنفسه هذا القدر و كذلك غير أبي يزيد من أهل الله كان يحافظ على الصف الأول دائما منذ سبعين سنة و هو يزعم أنه يفعل ذلك رغبة فيما رغبة الله فيه موافقة لله فاتفق له عائق عن المشي إلى الصف الأول فخطر له خاطر إن الجماعة التي تصلي في الصف الأول إذا لم يروه يقولون أين فلان فبكى و قال لنفسه خدعتني منذ سبعين سنة أتخيل أني لله و أنا في هواك و ما ذا عليك إذا فقدوك فتاب و ما رؤي بعد ذلك يلزم في المسجد مكانا واحدا معينا و لا مسجدا معينا فهكذا حاسب القوم نفوسهم و من كانت حالته هذه ما يستوي مع من هو فاقد لهذه الصفة كذلك من وقف مع الإمام لأنها عبادة يشترط فيها الإمام إلى أن يدفع معه ما يستوي في الاتباع مثل من دفع قبله
(وصل في فصل من وقف بعرنة من عرفة فإنه منها)
اختلف العلماء فيمن وقف بعرنة بعرفة فإنه من عرفة فقيل حجه نام و عليه دم و قال بعضهم لا حج له عرنة من عرفة موقف إبليس فإن إبليس يحج في كل سنة و ذلك موقفه يبكي على ما فاته من طاعة ربه و هو مجبور في الإغواء و إن كان من اختياره إبرار القسمة بربه فإنه و إن سبق له الشقاء فله شبهة يستند إليها في امتثاله أمر سيده بعد أن حقت الكلمة كلمة العذاب عليه بقوله تعالى قال اذْهَبْ و اسْتَفْزِزْ و أَجْلِبْ و عِدْهُمْ فإنه يجد لذلك تنفيسا و مع هذا فإنه يحزن لما يرى من المغفرة التي حصلت لأهل عرفة الشاملة لهم و هو فيها أعني بعرفة فلا بد له عند نفسه من طرف منها يناله من عين المنة الإلهية و لو بعد حين هذا ظنه بربه و أما خروجه من جهنم فلا سبيل إليه لأنه و أتباعه من المشركين الذين هم أهل النار يملأ الله بهم جهنم و لا نقص فيها بعد ملئها فلا خروج و أمر الله الحاج أن يرتفع عن موقف إبليس فإنه موقف البعد فإبليس تحت حكم الاسم البعيد و أهل عرفة تحت حكم الاسم القريب فما برحوا من حكم الأسماء فحج من وقف بعرنة لكونه من عرفات تام إلا أنه ناقص الفضيلة كما بينا في الدفع قبل الإمام فعرنة موضع مكروه للوقوف به من أجل مشاركة الشيطان أ لا ترى النبي صلى الله عليه و سلم ارتفع في ذلك عن بطن الوادي الذي فاتته فيه صلاة الصبح فعلل و قال إنه و أدبه شيطان لأنه هو الذي هدأ بلالا حتى نام عن مراقبة الفجر و
قد ورد في الحديث أن الشيطان يعقد على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد
الحديث فما أراد صلى الله عليه و سلم بارتفاعه عن بطن عرنة إلا البعد من مجاورة الشيطان و لو صلى في ذلك الموضع أجزأه أعني الموضع الذي أصابته فيه الفتنة ففارق الموضع مفارقة تنزيه لا مفارقة تحريم و لما كان لإبليس طرف من المعرفة لذلك لم تطرده الملائكة عن عرنة بل وقف فيها غير إن الناس انعزلوا عنه في ناحية منها لانعزال إمامهم و عرفات كلها موقف و عرنة من عرفات فأمرنا بالارتفاع عن بطن عرنة لما ذكرناه و من حمل هذا الأمر على الوجوب أبطل الحج و لا تكون الإفاضة للحاج إلا من بطن عرنة فإن حد المزدلفة حرف الوادي الذي هو عرنة و قال تعالى فَإِذا أَفَضْتُمْ من عَرَفاتٍ و لم يخص مكانا من مكان بل الخروج عنها بالكلية إلى المزدلفة و قد علمنا إن الله يغفر لأهل الموقف من الحاج و غيرهم و رحمة الله وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فالتقييد ما هو من صفة من له الوجود المطلق فبرحمة الله يحيا و يرزق كل موجود سوى الله فالرحمة شاملة و هي في كل موطن تعطي بحسب ذلك الموطن فأثرها في النار بخلاف أثرها في الجنة و الله الموفق لا رب غيره
(وصل في فصل المزدلفة)
أجمع العلماء على أنه من بات بالمزدلفة و صلى فيها المغرب و العشاء و صلى الصبح يوم النحر و وقف بعد الصلاة إلى أن أسفر ثم دفع إلى من أن حجه تام و اختلفوا هل الوقوف بها بعد صلاة الصبح و المبيت بها من سنن الحج أو فروضه فقال جماعة هو من فروض الحج و من فاته فعليه الحج من قابل و الهدى و قال بعضهم من فاته الوقوف بها و المبيت فعليه دم و قال بعضهم إن لم يصل بها الصبح فعليه دم المزدلفة اسم قرب و العمل فيها قربة فمن فاته صفة القرب في محل القرب فما حج فإن الحج نشأة كاملة من هذه الأفعال كلها فهي له كالصفات النفسية للموصوف إذا زال واحد منها بطل كون ذلك الموصوف و هكذا كل عبادة تقوم من أشياء مختلفة بمجموعها تصح تلك العبادة و هي المعبر عنها بأركانها فتسمى في العبادة ركنا و تسمى في الذوات و الأعيان صفة نفسية غير إن النشآت و إن كانت لها صفات نفسية هي التي تحفظ على ذلك الشيء عينه لها أيضا لوازم و هي التي توجد في الحدود الرسمية و هي لا تنفك عن الموصوف بها فمن يرى أن الموصوف لا ينفك عنها كالضحك للإنسان أشبهت الصفة النفسية قال ببطلان الملزوم لعدم اللازم و من قال يصح حد الشيء الذاتي دون هذا اللازم قال لا يكون للشيء حكم البطلان مع ارتفاع اللازم في الذهن و إن لم يرتفع في الوجود و لما سماه الله المشعر الحرام لنشعر بالقبول من الله في هذه العبادة بالعناية و المغفرة و ضمان التبعات و وصفه بالحرمة لأنه في الحرم فيحرم فيه ما يحرم في الحرم كله فإنه من جملته فأمر بذكر الله فيه يعني بما ذكرناه فإن الشيء لا يذكر بأن يسمى و إنما يذكر بما يكون عليه من صفات المحمدة فإن الأسماء في أصل الوضع إنما هي أعلام للمسمى بها لا نعوت فلا يذكر بالاسم العلم إلا للتعريف لتعلم من هو المذكور بما ذكرته من المحامد أو غيرها
(وصل في فصل رمى الجمار)
أما جمرة العقبة فموضع الاتفاق فيها إن ترمي من بعد طلوع الشمس إلى قريب من الاستواء بسبع حصيات يوم النحر لا يرمي في ذلك اليوم غيرها و اختلفوا في رميها قبل طلوع الفجر فقيل لا يجوز و عليه الإعادة يعني إعادة الرمي و قيل يجوز و المستحب بعد طلوع الشمس و بالأول أقول و قال قوم إن رماها قبل غروب الشمس يوم النحر أجزأه و لا شيء عليه و قال بعضهم استحب لمن رماها قبل غروب الشمس يوم النحر أن يريق دما و اختلفوا فيمن لم يرم حتى غابت الشمس فرماها من الليل أو من الغد فقيل عليه دم و قيل لا شيء عليه إن رماها من الليل و إن أخرها إلى غد فعليه دم و قال قوم لا شيء عليه و إن أخرها إلى الغد و أما الرعاء فرخص لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال بعضهم معنى الرخصة للرعاء إنما ذلك إذا مضى يوم النحر و رموا جمرة العقبة ثم كان اليوم الثالث و هو أول أيام النفر رخص لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يرموا في ذلك اليوم له و لليوم الذي بعده فإن نفروا فقد فرغوا و إن أقاموا إلى الغد رموا مع الناس يوم النفر الآخر و نفروا و قال بعضهم معنى الرخصة عند العلماء هو جمع يومين في يوم واحد إلا أن مالكا إنما يجمع عنده ما وجب فيجمع في اليوم الثالث فيرمي عن الثاني و الثالث فإنه لا يعصي أحد عنده إلا بما وجب و رخص كثير من العلماء في جمع يومين في يوم واحد سواء تقدم ذلك اليوم الذي أضيف إليه غيره أو تأخر و اختلفوا فيمن قدم من هذه الأفعال ما أخره النبي صلى الله عليه و سلم بفعله أو من أخر ما قدمه النبي صلى الله عليه و سلم منها فقال بعضهم من حلق قبل أن يرمي جمرة العقبة فعليه الفدية و قال آخرون لا شيء عليه و سيرد في سرد الأخبار النبوية الواردة في الحج إن شاء الله بعد هذا ما تقف عليه و يقع التنبيه على كل خبر بحسب ما يتضمنه و قال بعضهم إن حلق قبل أن يرمي أو ينحر فعليه دم و إن كان قارنا فعليه دمان و قال بعضهم عليه ثلاثة دماء دمان للقران و دم للحلق قبل النحر و أجمعوا على أنه من نحر قبل أن يرمي فلا شيء عليه و إنه من قدم الإفاضة قبل الرمي و الحلق أنه يلزمه إعادة الطواف و قال بعضهم لا إعادة عليه و قال الأوزاعي إذا طاف الإفاضة قبل أن يرمي جمرة العقبة ثم واقع أهله فعليه دم و اتفقوا على إن جملة ما يرميه الحاج سبعون حصاة منها في يوم النحر سبعة و أن من رمى هذه الجمرة أعني جمرة العقبة من أسفلها أو من أعلاها أو من وسطها إن ذلك كله واسع و المختار منها فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو بطن الوادي و أجمعوا على أنه يعيد الرمي إذا لم تقع الحصاة في العقبة و أنه يرمي في كل يوم من أيام التشريق ثلاث جمار بإحدى و عشرين حصاة كل جمرة بسبع و أنه يجوز أن يرمى منها يومين و ينفر في الثالث و قدروها عندهم أن تكون مثل حصى الخذف و السنة في رمى الجمرات في أيام التشريق أن يرمي الأولى فيقف عندها و يدعو و كذلك الثانية و يطيل المقام ثم يرمي الثالثة و لا يقف عندها و التكبير عندهم عند كل رمى جمرة حسن و أن يكون رمى أيام التشريق بعد الزوال و اختلفوا إذا رماها قبل الزوال في أيام التشريق فقال جمهور العلماء عليه إعادة الرمي بعد الزوال و روى عن بعض علماء أهل البيت أنه قال رمى الجمار من طلوع الشمس إلى غروبها و أجمعوا على إن من لم يرم الجمار أيام التشريق حتى تغيب الشمس من آخرها أنه لا يرميها بعد و اختلفوا في الوجوب من ذلك بين الدم و الكفارة فقال بعضهم إن ترك رمى الجمار كلها أو بعضها أو واحدة منها فعليه دم و قال بعضهم إن تركها كلها كان عليه دم و إن ترك جمرة واحدة فصاعدا كان عليه لكل جمرة إطعام مسكين نصف صاع حنطة إلى أن يبلغ ذلك ما ترك الجميع إلا جمرة العقبة فمن تركها فعليه دم و قال بعضهم عليه في الحصاة مد من طعام و في الحصاتين مدان و في الثلاث دم و قال الثوري مثله إلا أنه قال في الرابعة دم و رخصت طائفة من التابعين في الحصاة الواحدة فقالت ليس فيها شيء و قال أهل الظاهر لا شيء في ذلك و سأورد الأخبار فيما ذكرناه إن شاء الله و جمهور العلماء على إن جمرة العقبة ليست من أركان الحج و أما التحلل من الحج فهو تحللان تحلل أكبر و هو طواف الإفاضة و تحلل أصغر و هو رمى جمرة العقبة (اعتبار هذا الفصل) الجمرات الجماعات و كل جمرة جماعة أية جماعة كانت و منه الاستجمار في الطهارة و لهذا استحب له أن يكون أكثر من واحد حتى يوجد فيه معنى الجماعةو لا معنى لمن يرى الاستجمار بالحجر الواحد إذ كان له ثلاثة حروف فإن العرب لا تقول في الحجر الواحد أنه جمرة و يستحب أن يكون وترا من ثلاث فصاعدا و أكثره سبع في العبادة لا في اللسان فإن الجمرة الواحدة سبع حصيات و كذلك الجمرة الزمانية التي تدل على خروج فصل شدة البرد كل جمرة في شباط سبعة أيام و هي ثلاث جمرات متصلة كل جمرة سبعة أيام فتنقضي الجمرات بمضي أحد و عشرين يوما من شباط مثل رمى الجمار إحدى و عشرين حصاة و هي ثلاث جمرات و كذلك الحضرة الإلهية تنطلق بإزاء ثلاثة معان الذات و الصفات و الأفعال و رمى الجمرات مثل الأدلة و البراهين على سلب كحضرة الذات أو إثبات كحضرة الصفات المعنوية أو نسب أو إضافة كحضرة الأفعال فدلائل الجمرة الأولى لمعرفة الذات و لهذا نقف عندها لغموضها إشارة إلى الثبات فيها و هي ما يتعلق بها من السلوب إذ لا يصح أن يعرف بطريق إثبات صفة معينة و لا يصح أن يكون لها صفات نفسية متعددة بل صفة نفسه عينه لا أمر آخر فلا بد أن تكون صفته النفسية الثبوتية واحدة و هي عينه لا غير فهو مجهول العين معلوم بالافتقار إليه و هذه هي معرفة أحديته تعالى فيأتي خاطر الشبهة بالإمكان إلى هذه الذات فيرميه بحصاة الافتقار إلى المرجح و هو واجب الوجود لنفسه و يأتي بصورة الدليل على ما يعطيه نظمه في موازين العقول فهذه حصاة واحدة من الجمرة الأولى فإذا رماه بها مكبرا أي يكبر عن هذه النسبة الإمكانية إليه فيأتيه في الثانية بأنه جوهر فيرميه بالحصاة الثانية و هو دليل الافتقار إلى التحيز أو إلى الوجود بالغير فيأتيه بالجسمية فيرميه بحصاة الافتقار إلى الأداة و التركيب و الأبعاد فيأتيه بالعرضية فيرميه بحصاة الافتقار إلى المحل و الحدوث بعد أن لم يكن فيأتيه بالعلية فيرميه بالحصاة الخامسة و هي دليل مساوقة المعلول له في الوجود و هو كان و لا شيء معه فيأتيه في الطبيعة فيرميه بالحصاة السادسة و هي دليل نسبة الكثرة إليه و افتقار كل واحد من آحاد الطبيعة إلى الأمر الآخر في الاجتماع به إلى إيجاد الأجسام الطبيعية فإن الطبيعة مجموع فاعلين و منفعلين حرارة و برودة و رطوبة و يبوسة و لا يصح اجتماعها لذاتها و لا افتراقها لذاتها و لا وجود لها إلا في عين الحار و البارد و الرطب و اليابس فيأتيه في العدم و هو أن يقول له إذا لم يكن هذا و لا هذا و يعدد ما تقدم فما ثم شيء فيرميه بالحصاة السابعة و هي دليل آثاره في الممكن و العدم لا أثر له و قد ثبت بدليل افتقار الممكن في وجوده إلى مرجح و وجود موجود واجب الوجود لنفسه و هو هذا الذي أثبتناه مرجحا و انقضت الجمرة الأولى ثم أتينا إلى الثانية و هي حضرة الصفات المعنوية و قال لك سلمنا إن ثم ذاتا مرجحة للممكن فمن قال إن هذه الذات عالمة بما ظهر عنها فرميناه بالحصاة الأولى إن كان هذا هو الخاطر الأول الذي خطر لهذا الحاج المعنوي و قد يخطر له الطعن في صفة أخرى أولا فيرميه بحسب ما يخطر له إلى تمام سبع صفات و هي الحياة و القدرة و الإرادة و العلم و السمع و البصر و الكلام و بعض أصحابنا لا يشترط هذه الثلاثة أعني السمع و البصر و الكلام في الأدلة العقلية و يتلقاها من السمع إذا ثبت و يجعل مكانها ثلاثة أخرى و هي علم ما يجب له و ما يجوز و ما يستحيل عليه مع الأربعة التي هي القدرة و الإرادة و العلم و الحياة فهذه سبعة علوم فورد الخاطر الشيطاني بشبهة لكل علم منها فيرميه هذا الحاج بحصاة كل دليل عقلي على الميزان الصحيح في نظم الأدلة بحسب ما يقتضيه و يطيل التثبت في ذلك و هو الوقوف عند الجمرة الوسطى و الدعاء عندها ثم يأتي الجمرة الثالثة و هي حضرة الأفعال و هي سبع أيضا فيقوم في خاطره أولا المولدات و أنها قامت بأنفسها فيرميه بحصاة افتقارها من الوجه الخاص إلى الحق عز و جل فإذا علم الخاطر الشيطاني أنه لا يرجع عن علمه بالافتقار أظهر له أن افتقاره إلى سبب آخر غير الحق و هو العناصر و قد رأينا من كان يعبدها بالموصل و إذا خطر له ذلك فأما أن يتمكن منه بأن ينفي أثر الحق تعالى عنه فيها فإن لم يقدر فقصاراه أن يثبتها شركا فيرميه بالحصاة الثانية فيريه في دلالتها إن العناصر مثل المولدات في الافتقار إلى غيرها و هو الله تعالى لأن العارف أبدا إنما ينظر في كل ممكن ممكن الوجه الخاص الذي من الله إليه ما ينظر إلى السبب الذي أوقف الله وجوده عليه أو ربطه به على جهة العلية أو الشرط هذا هو نظر أهل طريق الله من أصحابنا و ما رأيت أحدا من المتقدمين قبلنا و لا من أهل زماننا في علمي نبه على إثبات هذا الوجه الخاص في كل ممكن مع كونهم لا يجهلونه و لكن صدق الله في قوله وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ يعني الأسباب وَ لكِنْ لا تُبْصِرُونَ يعني نسبته إلينا لا إلى السبب فالحمد لله الذي فتح أبصارناإلى إدراك هذا الوجه في كل ممكن فإذا رماه بالحصاة الثانية كما ذكرناه أخطر له السبب الذي يتوقف وجود الأركان عليه و هو الفلك فقال إن موجد هذه الأركان الفلك و صدقت فيما قتله فيرميه بالحصاة الثالثة و هي افتقار الفلك و هو الشكل إلى الله من الوجه الخاص كما ذكرنا فيصدقه في الافتقار و يقول له أنت غالط إنما كان افتقار الشكل إلى الجسم الذي لولاه ما ظهر الشكل فيرميه بالحصاة الرابعة و هو افتقار الجسم إلى الله من الوجه الخاص فيصدقه و يقول له صحيح ما قلت من الافتقار القائم و لكن إلى جوهر الهباء الذي تسميه أهل النظر الهيولى الكل الذي لم تظهر صورة الجسم إلا فيه فيرميه بالحصاة الخامسة و هو دليل افتقار الهباء إلى الله كما ذكرنا قبله فيقول بل افتقارها إلى النفس الكلية المعبر عنها في الشرع باللوح المحفوظ فيرميه بالحصاة السادسة و هو دليل افتقار النفس الكلية إلى الله من الوجه الخاص أيضا فيصدقه في الافتقار و لكن يقول له بل افتقارها إلى العقل الأول و هو القلم الأعلى الذي عنه انبعثت هذه النفس فيرميه بالحصاة السابعة و هو دليل افتقار العقل الأول إلى الله و ليس وراء الله مرمى فما يجد ما يقول له بعد الله فلذلك ما يقف عند جمرة العقبة و هي آخر الجمرات لأنه كما قلنا و ليس وراء الله مرمى فهذا تحرير رمى جمرات العارفين بمنى موضع التمني و بلوغ الأمنية فإنها أيام أكل و شرب و تمتع و نعيم فهي جنة معجلة و فيه إلقاء التفث و الوسخ و إزالة الشعث من الحاج و من قوة التمني الذي سمي به منى إنه يبلغ بصاحبه الذي هو معدوم مما تمناه مبلغ من عنده ما تمناه هذا المتمني بالفعل على أتم الوجوه مثل رب المال يفعل به أنواع الخير و ينفقه في سبل البر ابتغاء فضل الله فيتمنى العديم أن لو كان له مثله ليفعل فعله فهما في الأجر سواء بل هو أتم فإنه يحصل له الأجر التام على أكمل وجوهه من غير سؤال فإن صاحب الفعل يسأل عنه من أين جمعه و هل أخلص في إخراجه و بعد هذا التعب و المشقة يحصل على أجره و المتمني يحصل على ذلك من غير سؤال و لا مشقة من بعد رمى الجمار يحلق رأسه أعني جمرة العقبة يوم النحر و إنما سميتها جمارا و إن كانت جمرة واحدة في ذلك اليوم فإن كل واحدة من الحصى بإضافتها إلى الأخرى تسمى جماعة فهي جمار بهذا النظر كما تقول إذا اجتمع جوهران كانا جسمين أي انطلق على كل واحد منهما باجتماعه مع الآخر جسم فهما جسمان بهذا النظر كما قال وَ من كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ و ما خلق من كل شيء إلا زوجا واحدا ذكرا و أنثى مثلا فسماه زوجين بهذا الاعتبار الذي ذكرناه لأن كل واحد بالنظر إلى نفسه دون أن ينضم إليه هذا الآخر لا يكون زوجا فإذا ضم إليه آخر انطلق على كل واحد منهما اسم الزوج فقيل فيها زوجان و لما اعتبر الله هذا بالذكر لذلك قلنا نحن ثم بعد رمى الجمار فسمينا جمرة العقبة جمارا إذ كانت عدة حصيات فما في كلامنا حشو لأنه لا تكرار في الوجود للاتساع الإلهي فإذا رمى جمرة العقبة حلق رأسه و هو أولى من تقصير الشعر فإن الشعور بالأمر ما هو عين حصول العلم به على التمام من التفصيل و إنما يشعر العبد أن ثم أمرا ما فإذا حصله زال الشعور و كان علما تاما بتفصيل ما شعر به كمن يشعر بالتفصيل في المجمل قبل حصول العلم بتعيين تفصيله فإلقاء الشعور هو إزالة الشعور بوجود العلم لأن الشعر ستر على الرأس ثم يتطيب ليوجد منه رائحة ما انتقل إليه من تحليل ما كان حجر عليه كما تطيب لإحرامه حين أحرم ليوجد منه ريح ما انتقل إليه و جعله طيبا لأنه انتقال في الحالتين لخير مشروع مقرب إلى الله تعالى فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا لِيَمِيزَ الله الْخَبِيثَ من الطَّيِّبِ فجعل الطيب في الحالين تنبيها على طيب الأفعال ثم نحر أو ذبح قربانه ينوي بذلك تسريح روح هذا الحيوان من سجن هذا الهيكل الطبيعي المظلم إلى العالم الأعلى عالم الانفساح و الخير فإن الحيوانات كلها عندنا ذات أرواح و عقول تعقل عن الله و لهذا قال فيها تعالى كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ فسرحنا أرواح هذه الحيوانات في هذا اليوم شكر الله كما خرجنا نحن فيه من حال التحجير و هو الإحرام الذي كنا عليه إلى الإحلال و التصرف في المباحات المقربة إلى الله بحكم الاختيار ثم أكلنا منها ليكون جزء منها عندنا لنشاهد ما هو عليه من الذكر المخصوص به ذوقا و لنجعله كالمساعد لنا فيما نرومه من الحركة في طاعة الله تعالى إذ لا بد من الغذاء فكان أخذ هذا النوع من الغذاء أولى ثم نزلنا إلى البيت زائرين ربنا تعالى ليرانا محلين كما يرانا محرمين على جهة الشكر له حيث سرح أعياننا و أباح لنا التصرف فيما كان حجره علينا فقبلنا يمينه على ذلك مبايعة و تحية ثم طفنا به سبعة أشواط و صلينا خلف مقام إبراهيم و قد تقدم الكلام في المراد بالطواف و الصلاة في طواف القدوم إلا أنه ما نبهنا على اتخاذ مقام إبراهيم مصلى لننال ما ناله من الخلة على قدر ما يعطيه حالنا فإن الله أمرنا أن نتخذه مصلى و نبهنا على ما تأولناه صفة الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم فقال لنا قولوا اللهم صل على محمد و على آل محمد و المؤمنون آله كما صليت على إبراهيم و ما اختص به إلا الخلة فلما دعونا بها لرسول الله صلى الله عليه و سلم أجاب الله دعاءنا فيه لنتخذ عنده يدا بذلك فصلى الله عنه علينا بذلك عشرا فقام تعالى عن نبيه صلى الله عليه و سلم بالمكافاة عناية منه به عليه السلام و تشريفا لنا حيث لم تكمل المكافاة في ذلك لملك و لا غيره فقال النبي صلى الله عليه و سلم عند ذلك لما حصلت الإجابة من الله فيما دعوناه فيه لنبيه صلى الله عليه و سلم لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا و لكن صاحبكم يعني نفسه خليل الله و لو صحت له هذه الخلة من قبل دعاء أمته له بذلك لكان غير مفيد صلاتنا عليه أي دعاءنا له بذلك فإن قيل قد حصلت الخلة بدعاء الصحابة أو لا فما فائدة دعائنا و نحن مأمورون في هذا الوقت بالصلاة عليه مع حصول الخلة فهكذا حكم الأول فربما نال الخلة قبل دعاء أصحابه و تكون نسبة دعائهم بها له كدعائنا اليوم قلنا حكم الخلة ما ظهر هنا و إنما يظهر ذلك في الآخرة و الحكم للمعنى لا يكون إلا بعد حصول المعنى فمتى قام المعنى بمحل وجب حكمه لذلك المحل ففي الآخرة تنال الخلة لظهور حكمها هناك و أما الذي يظهر هنا منها لوامع تبدو و تؤذن بأنه قد أهل لها و اعتنى به هذا هو الصحيح و الجواب الأول أن لكل نفس منا حظا من محمد صلى الله عليه و سلم و هو الصورة التي في باطنه أعني في باطن كل إنسان منه صلى الله عليه و سلم فهو في كل نفس بصورة ما يعتقد فيه كل شخص فيدعو له بالصلاة عليه المذكورة صلى الله عليه و سلم فتنال تلك الصورة المحمدية التي عنده تلك الحال المدعو بها بدعائه و الصلاة عليه فما حصلت له الخلة من هذا الوجه إلا بعد دعاء كل نفس و هكذا يجده أهل الله في كشفهم فاعلم ذلك (واقعة) اعلم وفقك الله بينا أنا أكتب هذا الكلام في مقام إبراهيم الخليل عليه السلام و مقامه عليه السلام قوله تعالى فيه وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى لأنه وفى بما رأى من ذبح ابنه أخذتني سنة فإذا قائل من الأرواح أرواح الملإ الأعلى يقول لي عن الله تعالى ادخل مقام إبراهيم و هو أنه كان أواها حليما ثم تلا على إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ فعلمت إن الله تعالى لا بد أن يعطيني من الاقتدار ما يكون معه الحلم إذ لا حليم عن غير قدرة على من يحلم عنه و علمت إن الله تعالى لا بد أن يبتليني بكلام في عرضي من أشخاص فأعاملهم مع القدرة عليهم بالحلم عنهم و يكون أذى كثير فإنه جاء حليم ببنية المبالغة و هي فعيل ثم وصف بالأواه و هو الذي يكثر منه التأوه لما يشاهده من جلال الله و كونه ما في قوته مما ينبغي أن يعامل به ذلك الجلال الإلهي من التعظيم إذ لا طاقة للمحدث على ما يقابل به جلال الله من التكبير و التعظيم فهذا أيضا من قصدنا مقام إبراهيم لنتخذه مصلى أي موضع دعاء في صلاة أو أثر صلاة لنيل هذا المقام و الصفة التي هي نعت إبراهيم خليل الله و حاله و مقامه فنرجو إن يكون لنا نصيب من الخلة كما حصل من درجة الكمال و الختام و الرفعة السارية في الأشياء في هذه الأمة الحظ الوافر بالبشرى في ذلك و من مقام إبراهيم أيضا أنه كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَ لَمْ يَكُ من الْمُشْرِكِينَ شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَ هَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ مطلق الشرك المعفو عنه و المذموم فيما نسب إليه من قوله في الكوكب هذا رَبِّي و من مقام إبراهيم أيضا عليه السلام أنه أوتي الحجة على قومه بتوحيد الله و أنه شاكر لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ فهو مجتبى و هداه أي و فقه بما أبان له إلى صراط مستقيم و هو صراط الرب الذي ورد في قول هود إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ و من مقامه عليه السلام أيضا أنه كان حنيفا مائلا في جميع أحواله من الله إلى الله عن مشاهدة و عيان و من نفسه إلى الله عن أمر الله و إيثار لجناب الله بحسب المقام الذي يقام فيه و المشهد الذي يشهده و من كل ما ينبغي أن يمال عنه عن أمر الله و من مقامه عليه السلام أيضا أنه كان مسلما منقاد إلى الله عند كل دعاء يدعوه إليه من غير توقف و الأمة معلم الخير فنرجو ما نورده من هذا العلم للناس أن يكون حظي من تعليم الخير و أن نقوم و نختص بأمر واحد من جانب الله أي من العلم به مما لا نشارك فيه نقوم فيه مقام الأمة لانفرادي به و القانت المطيع لله فأرجو إن أكون ممن أطاع الله في السر و العلانية و لا تكون الطاعة إلا عند المراسم الإلهية و الأوامر الموقوفة على الخطاب فأرجو إن أكون ممن يأمره الله في سره فيمتثل مراسمه بلا واسطة و من مقامه عليه السلام أيضا الصلاح و الصلاحعندنا أشرف مقام يصل إليه العبد و يتصف به في الدنيا و الآخرة فإن الصلاح صفة امتن الله بها على من وصفه بها من خاصته و هي صفة يسأل نيلها كل نبي و رسول و عندنا من العلم بها ذوق عظيم ورثناه من الأنبياء عليهم السلام ما رأيته لغيرنا و الصلاح صفة ملكية روحانية فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول فيها إذا قال العبد في التشهد السلام علينا و على عباد الله الصالحين أصابت كل عبد صالح لله في السماء و الأرض و من مقام إبراهيم عليه السلام إن الله آتاه أجره في الدنيا و هو قول كل نبي إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الله أجر التبليغ فكان أجره أن نجاه الله من النار فجعلها عليه بَرْداً وَ سَلاماً فأرجو من الله أن يجعل كل مخالفة و معصية صدرت مني يكون حكمها في حكم النار في إبراهيم عليه السلام حين رمى فيها عناية من الله لا عن عمل وَ إِنَّهُ في الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ أي لذلك الأجر ما نقصه كونه في الدنيا قد حصله بما يناله منه في الآخرة شيئي و من مقام إبراهيم عليه السلام الوفاء فإنه الَّذِي وَفَّى فأرجو أن أكون من الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ الله وَ لا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ وَ (الَّذِينَ) يَصِلُونَ ما أَمَرَ الله به أَنْ يُوصَلَ وَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَ يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ و عليه أدل الناس أبدا و أربى عليه أصحابي فلا أترك أحدا عهد مع الله عهدا و هو يسمع مني ينقضه كان ما كان من قليل الخير و كثيره و لا أدعه يتركه لرخصة تظهر له تسقط عنه الإثم فيه و مع هذا فيوفي بعهد الله و لا بنقضه تماما للمقام الأعلى و كما لا فإن النفس إذا تعودت نقض العهد و استحلته لا يجيء منها شيء أبدا فهذا كله من مقام إبراهيم الذي أمرنا أن نتخذه مصلى فقال وَ اتَّخِذُوا من مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى أي موضع دعاء إذا صليتم فيه إن ندعو في نيل هذه المقامات التي حصلت لإبراهيم الخليل عليه السلام كما قررناه و في هذه الواقعة أيضا قيل لي قل لأصحابك استغنموا وجودي من قبل رحلتي فنظمت ذلك و ضمنته هذا اللفظ فقلت بعد ما استيقظت
و رأيت في هذه الواقعة أنواعا كثيرة من مبشرات إلهية بالتقريب الإلهي و ما يدل على العناية و الاعتناء فأرجو من الله أن يحقق ذلك في الشاهد فإن الأدب يعطي أن أقول في مثل هذا ما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن يكن من عند الله يمضه مع علمه بأنه من عند الله فما قلت مثل هذا قط في واقعة إلا و خرجت مثل فلق الصبح فإني في هذا القول متأس و مقتد برسول الله صلى الله عليه و سلم لما رأى في المنام أن جبريل عليه السلام أتاه بعائشة في سرقة حرير حمراء و قال له هذه زوجتك فلما قصها على أصحابه قال إن يكن من عند الله يمضه فجاء بالشرط لسلطان الاحتمال الذي يعطيه مقام النوم و حضرة الخيال فكان كما رأى و كما قيل له فزوجها بعد ذلك فاتخذت ذلك في كل مبشرة أراها و انتفعت بالاتباع فيه و ما قلت هذا كله إلا امتثالا لأمر الله في قوله وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ و أية نعمة أعظم من هذه النعم الإلهية الموافقة للكتاب و السنة ثم نرجع و نقول فإذا فرغ من طواف الإفاضة إن كان عليه سعى خرج يسعى على ما قررنا قبل في السعي عند الكلام عليه و إلا أتى زمزم فتضلع من مائها و هي بئر فهو علم خفي في صورة طبيعية عنصرية قد اندرج فيها تحيي بها النفوس يدل على العبودية المحضة فإن حكم الله تعالى في الطبيعة أعظم منه في السموات و الأرض لأنهما من عالم الطبيعة عندنا و عن الطبيعة ظهر كل جسم و جسد و جسماني في عالم الأجسام العلوي و السفلي (وصل) في فصل قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ و لم يقل للحاج فأنزل الحج في الآية منزلة الناس ما أنزله منزلة الديون و البيوع و إن كان المعنى يطلبه فعلمنا إن حكم الحج عند الله ليس حكم الأشياء التيتعتبر فيها الأهلة أعني مواقيت الأهلة و الحج فعل مضاف مخصوص معين يفعله الإنسان كسائر أفعاله في بيوعه و مدايناته فاعتنى بذكر هذه الأفعال المخصوصة لأنها أفعال مخصوصة لله عز و جل بالقصد ليس للعبد فيها منفعة دنيوية إلا القليل من الرياضة البدنية و لهذا تميز حكم الحج عن سائر العبادات في أغلب أحواله و أفعاله في التعليل فأكثره تعبد محض لا يعقل له معنى عند الفقهاء فكان بذاته عين الحكمة ما وضع لحكمة موجبة و فيه أجر لا يكون في غيره من العبادات و تجل إلهي لا يكون في غيره من الأعمال فكان الهلال في أول شهر الوقوف بمنزلة الواحد من العدد و تجلى الهلال في أول ليلة فيه تجلى الحق في العبد بالإيمان الذي هو أول مطلوب بالشرع من الإنسان المكلف و الايمان روح و جسمه صورة التلفظ بلا إله إلا الله و هي الشهادة بالتوحيد و كذلك نشهد أول ليلة الهلال ثم لا يزال يعظم التجلي في بسائط العدد إلى أن ينتهي إلى ليلة التاسع و هي آخر ليلة بسائط العدد التي هي آحاده فكمل تجليه في آحاد بسائط العدد فكان الوقوف بعرفة يوم التاسع فحصلت له معرفة الله تعالى بكمال البسائط و لهذا قابلها و دخل فيها بالتجريد عن المخيط و هو التركيب أ لا تراه يلبس في اليوم العاشر المخيط لأنه انتقل من الآحاد إلى أول العقد و هي العشرة و العقد لا يكون إلا بين اثنين بضم الواحد إلى الآخر بصورة العطف و الالتفاف و هو على قسمين أعني العقد و هو أنشوطة و غير أنشوطة فعقد الأنشوطة يسرع إليه الانحلال فيما عهد إليه و عاهد عليه الله و غير الأنشوطة لا يسرع إليه الانحلال و بقي بعد التسعة من أفعال الحج ثلاثة و هو فعل المزدلفة و منى و طواف الإفاضة و الفعل المختص بالمزدلفة إنما هو من أول الفجر إلى طلوع الشمس و ليس المبيت في المزدلفة خاصا بها لأنها ليلة عرفة و المزدلفة لا ليلة لها و لها المبيت لا الليلة كليلة سودة بنت زمعة الليلة لها و المبيت لعائشة فلسودة ليلة بلا مبيت و لعائشة مبيت ليلة سودة لا ليلتها و لهذا كانت تلك الليلة تضاف إلى سودة بالذكر كذلك بقي من مراتب العدد ثلاثة بعد التاسع و هي العشرة و المائة و الألف و ما بقي للعدد مرتبة سوى ما ذكرته كذلك ليس بعد طواف الإفاضة عمل للحاج في الحج يحرم عليه به شيء هو له حلال فإنه به أحل الحل كله و ليس بعده لغير المكي إلا طواف الوداع لأنه ودع مراتب العدد و بقي التركيب فيه إلى ما لا نهاية له فهذه اثنتا عشرة مرتبة قد حصلها العبد في التجليات الكمالية العددية و دخل في الليلة الثالث عشرة الهلال في الكمال و هي من الليالي البيض المرغب في صومها كأيام التشريق المرغب في فطرها التي يصومها المتمتع الآفاقي و انتهى نصف الشهر الذي يتضمن السلوك منه بالخروج إلينا و إياه سبحانه نقصد ثم نشرع في النصف الثاني من الشهر في السلوك إليه منا إلى أن ينتهي إلى ليلة السرار و هو الكمال الغيبي كما كان في النصف الكمال الشهادي فكمل غيبا و شهادة و دار الدور بإهلال ثان و حكم آخر دنيا و آخرة فإنه قال في وصف الجنة لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَ عَشِيًّا فجعلها محلا للزمان المعروف عند العرب مثل الدنيا فالحاج في الحج يجني ثمرة الزمان و ما يحوي عليه من المعارف الإلهية المختصة بشهر ذي حجة و يجني ثمرة العدد في المعارف الإلهية لأن العدد له حكم فيها أ لا تراه قد قال وَ اذْكُرُوا الله في أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ و
قال إن لله تسعة و تسعين اسما مائة إلا واحد فدخل تحت حكم العدد بأسماء مخصوصة و قال إن الله ثلاثمائة خلق فأدخل الأخلاق الإلهية تحت حكم العدد فله سلطان في الإلهيات ذكرا و اسما و خلقا فمن لم يقف عليه حرم خيرا كثيرا من المعرفة بالله و لذلك قدمنا في هذا الباب وجود الآحاد في الكثرة و الكثرة في الآحاد و هو العدد فهو المعطي الفائدة للعادين قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ كما قال فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ فألحقهم بالعلماء كذلك الحج هو المعطي ما يحوي عليه من المعارف الإلهية للحاج فلهذا أضيف الميقات للحج في الهلال و ما أضيف للحاج كما أضيف للناس و جعلها مواقيت لما ذكرناه فإن الفعل ينتهي فيه إلى نصف الشهر و هو تمام و كمال في نفس الأمر فإن النصف لا يؤذن بالنقص لكونه نصفا و لو كان نقصا لكان الذي حصل له متصفا في تحصيله بالنقص لأنه ما حصل له النصف الآخر بل لو حصل له النصف الآخر لكان نقصا حصوله قال تعالى قسمت الصلاة بيني و بين عبدي نصفين فنصفها لي و نصفها لعبدي فظهر كمال الحق في تحصيل النصف من الصلاة و لو اتصف بتحصيل النصف الثاني لكان نقصا فيما ينبغي لله من الكمال و ظهر كمال العبد في تحصيل النصف من الصلاة و لو اتصف بتحصيل النصف الآخر لكان نقصا في كمال عبوديته و فيما ينبغي له من الكمال فيها فكان يوصف بأوصاف الرب و ليس له ذلك أ لا ترى الشريك الموضوع لله تعالى من المشرك كيف لا يغفر الله هذه المظلمة فإنها من حقوق الغير لا من حق الله فإنه من كرم الله ما كان لله من حق على العبد و فرط فيه غفره الله له و ذلك لأن حقيقته التفريط و لا يعصمه من ذلك إلا الله فالعصمة فيما تقتضيه حقيقته ليست له إنما هي لله و بيد الله فمن لم يخرج عن حقيقته فلا مطالبة عليه و لهذا كانت لله الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ على خلقه فتعين إن الشرك من مظالم العباد فإن الشريك يأتي يوم القيامة من كوكب و نبات و حيوان و حجر و إنسان فيقول يا رب سل هذا الذي جعلني إلها و وصفني بما لا ينبغي لي خذ لي بمظلمتي منه فيأخذ الله له بمظلمته من المشرك فيخلده في النار مع شريكه إن كان حجرا أو نباتا أو حيوانا أو كوكبا إلا الإنسان الذي لم يرض بما نسب إليه و نهى عنه و كرهه ظاهرا و باطنا فإنه لا يكون معه في النار و إن كان هذا من قوله و عن أمره و مات غير موحد و لا تائب كان معه في النار إلا أن الذي لا يرضى بذلك ينصب للمشرك مثال صورته يدخل معه ليعذب بها و لا عذاب على كوكب و لا حجر و لا شجر و لا حيوان و إنما يدخلون معهم زيادة في عذابهم حتى يروا أنهم لن يغنوا عنهم من الله شيئا إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ من دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ فيقولون لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ فهم جمر جهنم فالناس المشركون و الحجارة المعبودون و أما من سبقت لهم الحسنى و هم الذين لم يأمروا و لم يرضوا فهم عَنْها مُبْعَدُونَ كعيسى و عزيز و أمثالهما و علي بن أبي طالب و كل من ادعى فيه أنه إله و قد سعد فيدخل الله معهم في جهنم مثلهم الذين كانوا يصورونها في الكنائس و غيرها نكاية لهم لأن كل عابد من المشركين قد مسك مثال صورة معبوده المتخيلة في نفسه فتجسد إليه تلك الصورة المتخيلة و يدخلها النار معه فإنه ما عبد إلا تلك الصورة التي مسكها في نفسه و تجسد المعاني المتخيلة غير منكور شرعا و عقلا فأما العقل فمعلوم عند كل متخيل و أما الشرع فقد ورد بتصور الأعمال و الأعمال أعراض أ لا ترى الموت و هو معنى نسبي إضافي فإنه عبارة عن مفارقة الروح الجسد و أن الله يمثله يوم القيامة للناس صورة كبش أملح فيوضع بين الجنة و النار و يذبح فهكذا تلك المثل و أما الظالم لنفسه من أهل الشرك فنفسه تطالبه عند الله بمظلمتها و لا شيء أشد من ظلم النفس أ لا ترى القاتل نفسه الجنة عليه محرمة فثبت بهذا إن الكمال للشيء ما لا يخرجه عن حقيقته فإذا أخرج عن حقيقته و ما تستحقه ذاته كان نقصا فلهذا قلنا إن النصف كمال في حق من هو سهمه مال الورث و إن انقسم إلى ثلث و ربع و ثمن و ثلثين و نصف و سدس و غير ذلك و كل جزء إذا حصل لمستحق صاحب الفريضة فقد حصل له كمال نصيبه فهو موصوف بالكمال في النصيب مع كونه ما حصل له إلا سدس المال إن كان له السدس و لا يتصف بالنقص قال الله وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ و العمرة بلا شك تنقص في الأفعال عن أفعال الحج و كمالها إتيانها كما شرعت و كذلك الحج يتصف بالكمال إذا استوفيت صورته و كملت نشأته و هما نشأتان ينشئهما العبد المكلف أنشأها بما أعطاه الله من خلقه على الصورة الإلهية فضرب له بسهم في الربوبية بأن جعل له فعلا و إنشاء فإن انحجب بذلك عن عبوديته فقد نقص و شقي و كان صاحب علة و لهذه العلة جعل الله له دواء فقال على لسان نبيه صلى الله عليه و سلم جرح العجماء جبار فأضاف الجرح و هو فعل للعجماء فإن ادعى الربوبية لكونه فاعلا فهو يعلم أنه أفضل من العجماء فإن نسب الفعل إليهما فتنكسر نفسه و يبرأ من علته إن استعمل هذا الدواء ثم يفكر في إن الشرع قد جعل جرح العجماء جبار و جرح الإنسان مأخوذ به على جهة القصاص مع كون العجماء لها اختيار في الجرح و إرادة و لكن العجماء ما قصدت أذى المجروح و إنما قصدت دفع الأذى عن نفسها فوقع الجرح و الأذى تبعا بخلاف الإنسان فإنه قد يقصد الأذى فمن حيوانيته يدفع الأذى و من إنسانيته يقصد الأذى فالعبد رق و الرب الكريم خلق فعين الشكل و فصل الأجزاء في الكل ثم الرَّحْمنُ ... خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ و هو ما ينطق به اللسان ثم الرب الأكرم عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ما يخطه البنان فالإنسان بنيان صنعة رب كريم و أكرم و رحمان فهذه أربعة أسماء توجهت على خلق الماء فجعل من الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ إذ كان عرشه عليه فالكون المخلوق ظله بفيئه ثم رده إليه فالإلقاء رتق و اللقاء فتق فعين السماء من الأرض فتميز الرفع من الخفض و أحكم الصنعة الإنسانية و صبغها بالصبغة الإيمانية في حضرة الفهوانيةبالمشاهدة الإحسانية فلما كتب رتب فوضع كل شيء مكانه و أقام أوزانه لما وضع ميزانه
فلو لا شرف النفس ما دفع الحيوان الأذى عن نفسه و ما قصد أذى الغير مع جهله بأنه يلزمه من غيره ما يلزمه من نفسه للاشتراك في الحقيقة و كذلك الإنسان إذا دفع الأذى عن نفسه لم يقع عليه مطالبة من الحق فإن تعدى و زاد على القصاص أو تعدى ابتداء أخذ به و لكن ما يتعدى إلا من كونه إنسانا فقد تجاوز حيوانيته إلى إنسانيته و الأصل في هذا التعدي من الأصل لأن الأصل له الغني و أين حكمه من حكم ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فهذا الأمر من الخالق أعني من الاسم الخالق لا من الاسم الغني فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ عن حجكم أو عمرتكم فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْيِ
(وصل في فصل الإحصار)
اختلف العلماء بالذكر في هذه الآية في حكم المحصر بمرض أو بعد و هل هذا المحصر في هذه الآية بعدو أو بمرض فقالت طائفة المحصر هنا بالعدو و قالت طائفة المحصر هنا بالمرض و قال قوم المحصر الممنوع عن الحج أو العمرة بأي نوع كان من المنع بمرض أو بعدو أو غير ذلك و هو الظاهر و به أقول مراعاة للقصد و ما أوقع الخلاف إلا فهمهم في اللسان لأنه جاء في الآية بالوزن الرباعي و نقل إنه يقال حصره المرض و أحصره العدو فأما المحصر بالعدو فاتفق الجمهور على أنه يحل من عمرته و حجه حين أحصر و قال الثوري و الحسن بن صالح لا يحل إلا يوم النحر و بالأول أقول و هو أنه يحل حين أحصر غير أني أزيد هنا شيئا لم يره من وافقنا في الإحلال حين الإحصار و هو أن المحرم إن كان قال حين أحرم إن محلي حيث تحبسني كما أمر فلا هدي عليه و يحل حيث أحصر و إن لم يقل ذلك و ما في معناه فعليه الهدى و الذين قالوا بالتحلل حين أحصر اختلفوا في إيجاب الهدى عليه و في موضع نحره عند من يقول بوجوبه على شرطنا أو على غير شرطنا فيما أحصر عنه من حج أو عمرة فقال بعضهم لا هدي عليه و إن كان معه هدي تطوع نحره حيث أحل و بنحر الهدى المتطوع به حيث أحل أقول و قال بعضهم بإيجاب الهدى عليه و اشترط بعضهم ذبح الهدى الواجب بالحرم و أما الإعادة فمن العلماء من لا يرى عليه إعادة و به أقول في حج التطوع و عمرته إن كان عليه في ذلك حرج فإن لم يكن عليه فيه حرج فليعد و أما الفريضة فلا تسقط عنه إلا إن مات قبل الإعادة فيقبلها الله له عن فريضته و إن لم يحصل منه إلا ركن الإحرام بل و لو لم يحصل منه إلا القصد و التعمل و قال بعضهم إن كان أحرم بالحج فعليه حجة و عمرة و إن كان قارنا فعليه حجة و عمرتان فإن كان معتمرا قضى عمرته و لا تقصير عليه و اختار بعض من يقول بهذا القول التقصير و قد حكى بعضهم الإجماع على إن المحصر بمرض و ما أشبهه عليه القضاء و لكن لا أدري أي إجماع أراد فإن إطلاق الفقهاء لفظة الإجماع قد تجاوزوا بها حدها الأول إلى غيره فقد يطلقون الإجماع على اتفاق المذهبين و يطلقونه على اتفاق الأربعة المذاهب و لكن ما هو الإجماع الذي يتخذ دليلا إذا لم يوجد الحكم في كتاب و لا سنة متواترة فهذا قد ذكرنا من اختلافهم في هذه المسألة ما ذكرناه و تركنا ما لا يحتاج إليه في هذا الوقت فلنرجع إلى طريقنا فنقول قوله تعالىأُحْصِرْتُمْ هو من أحصر لا من حصر يقال فعل به كذا إذا أوقع به الفعل فإذا عرضه لوقوع ذلك الفعل يقال فيه أفعل و مثاله ضرب زيد عمرا إذا أوقع به الضرب و أضرب زيد عمرا إذا جعله يضرب غيره و في اللسان أحصره المرض و حصره العدو بغير ألف فهو في المرض من الفعل الرباعي و في العدو من الفعل الثلاثي فالعبد لما كان محل ظهور الأفعال الإلهية فيه و ما تشاهد في الحس إلا منه و لا يمكن أن يكون إلا كذلك نسب الله الفعل للعبد و نسب الناس الفعل للمخلوق و إن كان أصاره الحق لذلك فصار فنسبة صار تجعل الفعل للعبد و نسبة أصار تجعل الفعل لله فمن راعى أصار لم يوجب عليه الهدى لأن الأصل عدم الفعل من العبد و من راعى أصاره الحق فصار أوجب عليه الهدى و لهذا فصلنا نحن في ذلك فقلنا إن قال محلي حيث يحبسني فقد تبرأ العبد من حكم الحصر فلا هدي عليه و إن لم يقل كان الهدى عليه عقوبة للترك فالفعل من المخلوق للعبد ظهور الفعل منه بالاختيار و القصد و المباشرة حقيقة مشهودة للبصر و الفعل من المخلوق من كون الحق أصاره إلى ذلك فكان له كالآلة للفاعل و الآلة هي المباشرة للفعل و ينسب الفعل لغير الآلة بصرا و عقلا فيقال زيد الضارب و المباشر للضرب و الذي يقع به الضرب إنما هو السوط لا زيد هكذا أفعال العباد فهم للحق كالآلة لزيد النجار أو الحائك أو الخائط أو ما كان و بهذا القدر تعلق الجزاء و التكليف لوجود الاختيار من الآلة و الأصل الغفلة الغالبة و هي مسألة دقيقة في غاية الغموض و لا دليل في العقل يخرج الفعل عن العبد المخلوق و لا جاء به نص من الشارع لا يحتمل التأويل فالأفعال من المخلوقين مقدرة من الله و وجود أسبابها كلها بالأصالة من الله و ليس للعبد و لا لمخلوق فيها بالأصالة مدخل إلا من حيث ما هو مظهر لها و مظهر اسم فاعل و اسم مفعول يقال في الصنع إذا اختل في صنعته شيء لعدم مساعدة الآلة مع علمه بالصنعة قد أخل منها بكذا و كذا أو يستفهم لم أخللت بها مع علمنا بأنك عالم بها فيقول لم تساعدني الآلة على إبراز ما كان في علمي و يقول المصنوع ما قصر لظهور عينه لا لقصد الصانع فمن حيث الصنعة في المصنوع ما اختل شيء و من حيث مصنوع ما كان المراد سواه إذا كان الصانع المخلوق اختل فإن كان الخالق فما اختل في الصنعة شيء لأن الكل مقصود لعدم قصور تعلق الإرادة فكل واقع و غير واقع مراد للحق أراد الله إيجاد عرض ما و لم يرد إيجاد محل يقوم به هذا العرض فلم يمكن إيجاد ذلك العرض ما لم يكن المحل فلا بد من وجود المحل إذ كان لا بد من وجود العرض فوجود العرض عن إيجاد اختياري و وجود المحل عن إيجاد غير اختياري و لا يجوز أن يكون اضطرار يا إذ كان لا بد من وجود ذلك العرض فاضطرار الكون من حقيقة عدم هذا الاختيار المحقق فتفطن فإنك إن لم تعرف الأمور من جهة حقائقها لم تعرف أن العالم خرج على صورة الحق يرتبط ما فيه من الحقائق بالحقائق الإلهية و هذا مدرك صعب عليه حجب كثيرة لا ترتفع بفكر و لا بكشف فالأمر دائر بين تأثير حق في خلق و خلق في حق قال تعالى أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ و قال ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ الله فللناقة شرب أعني ناقة صالح وَ لَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ضرب مثال لقوم يعقلون وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ فالحصر عم الوجود فكل موجود موصوف بحصر ما فهو محصر من ذلك الوجه و قد أبنت لك ما لا يقدر على دفعه كشف و لا دليل عقل نظري وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
(وصل في فصول أحكام القاتل للصيد في الحرم و في الإحرام)
و قد تقدم من حكم الصيد طرف في هذا الباب و الكلام هنا في قتله لا في صيده في الحرم كان أو في الحل لقوله لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ الآية و هي آية محكمة و اختلفوا في تفاصيلها على حسب فهمهم فيها فمن ذلك هل الواجب قيمته أو مثله فذهب بعضهم إلى أن الواجب المثل و قال بعضهم هو مخير بين القيمة و المثل قتل الصيد شهادة للصيد فهو حي يرزق لأنه قتل تعديا بغير حق في سبيل الله إذ سبيل الله حرمه و الحرم صفة المحرم و البقعة فهذا الصيد المتعدي عليه إما بهاتين الصفتين أو بإحداهما فمن تعمد قتله محرما أو في الحرم فقد تعدى عليه فعاد ما أراد به من الموت و إن لم يقم به على القاتل فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ فالصيد مقتول لا ميت و القاتل ميت لا مقتول فهذا هو الميت المكلف كما يطلب الجواب من الميت في قبره عند السؤال مع وصفه بالموت و هذا هو الموت المعنوي فكلف بجزاء مِثْلُ ما قَتَلَ من النَّعَمِ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ كما يعذب الميت في قبره وَ من عادَ لمثل ذلك الفعل فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ إما بإعادة الجزاء فإنه وبال و الوبال الانتقام و إما أن يسقط عنه في الدنيا هذا الوبال المعين و ينتقم الله منه بمصيبة يبتليه بها إما في الدنيا و إما في الآخرة فإنه لم يعين و اعلم أن كل علم من علوم الأسرار المصونة في خزائن الغيرة التي لا يوهب إلا لأهله فإنه قال صلى الله عليه و سلم لا تعطوا الحكمة غير أهلها فتظلموها فهي كالصيد في حمى الحرم أو الإحرام أو هما معا أعني في الحمائين فإذا قتلها و هو أن يمنحها غير أهلها فلا يعرف قدرها فتموت عنده عاد وبالها عليه فيكفر بها و يتزندق فذلك عين الجزاء حكم به عدلان و هما الكتاب و السنة فإن كان الجزاء مثلا فيبحث عن جاهل عنده حكمة لا يعرف قدرها فيبين له عن مكانتها حتى يحيى بها قلبه فيقتل متعمدا من ذلك الشخص عين الجهل القائم به الذي كان سبب إضاعة هذا العلم عنده و صورة العقوبة و الوبال فيه عليه إنه حرم حكمة ذلك الجهل في ذلك الجاهل حتى رآها صفة مذمومة منهيا عنها مستعاذا بالله منها في قوله أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ من الْجاهِلِينَ فحرم ما هو كمال في نفس الأمر إذ كان الجهل من جملة الأسرار المخزونة في أعيان الجاهلين فحفظها تبرم العالم منها فكأنهم تبرءوا عن حقائقهم فالذي تبرءوا منه وقعوا فيه فإنهم تبرءوا من الجهل بالجهل لو عقلوه فحكم جهلهم فيهم أعظم من جهل الجهلاء فإنهم ما تفطنوا لقول الله فَلا تَكُونَنَّ من الْجاهِلِينَ فلا ينتهي إلا عن معلوم محقق عنده فإنه إن لم يعلم الجهل فلا يدري ما نهي عنه و إذا علمه فقد اتصف به فإن الجهل إن لم يكن ذوقا فلا يحصل له العلم به فإنه من علوم الأذواق أ لا ترى الطائفة قد أجمعوا على إن العلم بالله عين الجهل به تعالى و قال الله تعالى في الجاهل ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ من الْعِلْمِ فسمى الجهل علما لمن تفطن و هي صفة كيانية حقيقة للعبد إن خرج منها ذم و إن بقي فيها حمد فإنه ما علم من الله سوى ما عنده و ما عنده ينفد فإنه عنده و ما هو هو لا ينفد و هو هو عين الجهل و الذي عنده عين العلم فهو عين الدلالة و الدليل و هو الدال فهو عين العلم بالله
انتهى الجزء التاسع و الستون
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(وصل في فصل اختلافهم في آية قتل الصيد في الحرم و الإحرام في كفارته هل هي على الترتيب أم لا)
الآية قوله فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ من النَّعَمِ إلى آخر الآية اختلفوا في هذه الآية هل هي على الترتيب و به قال بعضهم إنه المثل أولا فإن لم فالإطعام فإن لم فالصيام أو الآية على التخيير و قال به بعضهم و هو أن الحكمين يخير أن الذي عليه الجزاء و به أقول فإن كلمة أو تقتضي التخيير و لو أراد الترتيب لقال و أبان كما فعل في كفارات الترتيب فمن لم يجد فمذهبنا في هذه المسألة أن المثل المذكور هنا ليس كما رآه بعضهم أن يجعل في النعامة بدنة و في الغزالة شاة و في البقرة الوحشية بقرة إنسية بل في كل شيء مثله فإن كانت نعامة اشترى نعامة صادها حلال في حل و كذلك كل مسمى صيد مما يحل صيده و أكله من الطير و ذوات الأربع أو كفارة بإطعام و حد ذلك عندي إن ينظر إلى قيمة ما يساوي ذلك المثل فيشتري بقيمته طعاما فيطعمه للمساكين أو عدل ذلك صياما فننظر إلى أقرب الكفارات شبها بهذه الكفارة الجامعة لهدي أو إطعام أو صيام فلم نجد إلا من حلق رأسه و هو محرم لأذى نزل به فَفِدْيَةٌ من صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فذكر الثلاثة المذكورة في كفارة قاتل الصيد فجعل الشارع هنالك في الإطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع و جعل الصيام ثلاثة أيام فجعل لكل صاع يوما فننظر القيمة فإن بلغت صاعا أو أقل فيوم فإن الصوم لا يتبعض و إن بلغت القيمة أن نشتري بها صاعين أو دون الصاعين أو أكثر من الصاع فيومان و هكذا ما بلغت القيمة و أعني بالقيمة قيمة المثل يشتري بها طعاما فيطعم و الصيام محمول على ما حصل من الطعام بالشراء على ما قرناه فهو مخير بين المثل و الإطعام بقيمة المثل و الصيام حسب ما حصل من الطعام من قيمة المثل و المثل و الطعام تناوله سبب في بقاء حياة المتغذي به لأن هذا المتغذي أتلف نفسا و أزال حياة فجبرها و كفر ذلك بما يكون سببا لا بقاء حياة فكأنه أحياها زمان بقائها بحصول ذلك الغذاء من المثل أو الطعام و أما الصيام فإنها صفة ربانية فكلف إن يأتي بها هذا القاتل إن لم يكفر بالمثل أو بالإطعام فإن أبيت فأخرج عن التحجير حتى يكون قاتل الصيد غير محجور عليه فلا يكلف شيئا قال و ما هو قال الصوم فإنه لي و أنا لا أتصف بالحجر علي فتلبس بصفتي تحصل في الحمى عن الحجر عليك فإذا صمت كان الصوم لي و الجوع لك فيما في الصوم من الجوع في حقك الذي ليس لي يكون كفارة لأن الجوع من الأسباب المزيلة للحياة من الحي فأشبه القتل الذي هو سبب مزيل للحياة من الحي و لم تزل حياتك بهذا الجوع لأنه جوع صوم و الصوم من صفاتي و هو غير مؤثر في الحياة الأزلية فلهذا لم يجع جوع الإتلاف و الحق سبحانه مذهب الأشياء لا معدمها لأنه فاعل و الفاعل من يفعل شيئا فإن لا شيء ما يكون مفعولا فهو و إن أذهب الأشياء من موطن كان لها وجود في موطن آخر فإن الكون الذي منه الاجتماع و الافتراق لا يدل على عدم الأعيان فالموت إذهاب لا إعدام فإنه انتقال من دنيا إلى آخرة التي أولها البرزخ فلما كان الإذهاب من صفات الحق لا الإعدام كما قال تعالى إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَ يَأْتِ بِآخَرِينَ و لم يقل يعدمكم لذلك لم يجعل جوع الصوم جوع إتلاف النفس و إن كان إذهابا لا إعداما و ذلك أنه لا يصح الإعدام لهذا الموجود لأن المتصف بالوجود إنما هو الحق الظاهر في أعيان المظاهر فالعدم لا يلحق به أصلا فإنه يقول للشيء إذا أراده كُنْ فَيَكُونُ هو
(وصل في فصل هل يقوم الصيد أو المثل)
فمذهبنا قد تقدم أن المثل يقوم و بينا ما هو المثل فقال بعضهم يقوم الصيد و قال قوم يقوم المثل و هو قولنا و خالفناهم في المثل ما هو و كذلك اختلفوا في تقدير الصيام بالطعام و قد تقدم مذهبنا فيه فقالت طائفة لكل مد يوما و قال قوم لكل مدين يوما
(وصل في فصل قتل الصيد خطأ)
اختلف فقيل فيه الجزاء و قيل لا شيء عليه فيه و به أقول فإن قتل الخطاء هو قتل الله و لا حكم على الله فإنه بالنسبة إلى الله مقصود القتل و بالنسبة إلينا خطأ لظهور القتل على أيدينا و عدم القصد فيه فالمقتول متعمد أي مقصود بالقتل غير مقصود بالقتل فلهذا تصور الاختلاف لإطلاق الحكمين فيه فمن راعى أنه قتله من كونه ظاهرا في مظهر القاتل ما أوجب الجزاء لأن تلك العين التي ظهر فيها أعطته الحكم عليه بأن لا جزاء لأنه قاصد للقتل و من راعى أنه القاتل من خلف حجاب الكون الظاهر و لكن ما أوقعه و ظهر في الوجود الأعلى يد الظاهر أوجب الجزاء لأن الحكم لما ظهر و القصد غيب و ما تعبدنا به فالقاتل إن عرف من نفسه أنه قتل غير قاصد فأوجب عليه ظاهر الشرع بالحكمين الجزاء جبرا كان ذلك له صدقة تطوع بوجوب شرعي في أصل مجهول عند الحاكم فجمع لهذا القاتل بين أجر التطوع و الواجب فأسقط عنه ما يسقطه الواجب و التطوع معا و إن لم يره أحد مضى و لا شيء عليه
(وصل في فصل اختلافهم في الجماعة المحرمين اشتركوا في قتل صيد)
اختلفوا إذا اشترك جماعة محرمون في قتل صيد فقيل على كل واحد جزاء و قيل عليهم جزاء واحد و الذي أقول به إن عرف كل واحد من الشركاء أنه ضربه في مقتل كان على كل من ضربه في مقتل جزاء و من جرحه في غير مقتل فلا جزاء عليه و هو آثم حيث تعرض بالأذى لما حرم عليه الجماعة هنا إذ يأثم الإنسان بجميع ما كلف من أعضائه الثمانية فعليه لكل عضو توبة من حيث ذلك العضو و من رأى التوبة من جانب من تاب إليه لا ما تاب منه فهو القائل بجزاء واحد و فرق بعضهم بين المحرمين يقتلون الصيد و بين المحلين يقتلون الصيد في الحرم فقال في المحرمين على كل واحد منهم جزاء و قال في المحلين جزاء واحد
(وصل في فصل هل يكون أحد الحكمين قاتلا للصيد)
فذهب قوم إلى أنه لا يجوز و أجازه قوم فمن رأى أنه لا فاعل إلا الله و هو الحاكم و هو الفاعل أجاز ذلك و من رأى أن الفعل للمخلوق لم يجز ذلك و بالأول أقول و أثبت القول الثاني على غير الوجه الذي يعتقده القائل به
(وصل في فصل اختلافهم في موضع الإطعام)
فقيل يطعم في الموضع الذي قتل فيه الصيد إن كان هناك طعام أو في أقرب المواضع إليه إن لم يكن هناك ما يطعم و قال بعضهم حيثما أطعم أجزأه و به أقول لأن الله ما عين و قال بعضهم لا يطعم إلا مساكين مكة من كان الله قبلته لم يخصص الإطعام بموضع معين و من كان قبلته البيت حدد
(وصل في فصل اختلافهم في الحال يقتل الصيد في الحرم بعد إجماعهم على أن المحرم إذا قتل الصيد إن عليه الجزاء)
فقال قوم عليه الجزاء و قال قوم لا شيء عليه و به أقول
(وصل في فصل المحرم يقتل الصيد و يأكله)
فمن قائل عليه كفارة واحدة و به أقول و قيل عليه كفارتان و به قال عطاء و فيه وجه عندي فإن الشرع اعتبره فما أطلق أكله إلا لمن لم يعن عليه بشيء فأحرى إذا كان هو القاتل فإن أكله يحرم عليه صيده كما حرم عليه قتله فهذه ثلاثة حرم صيد و قتل و أكل لما كان الآكل لنفسه سعى و من حق نفسه عليه أنه لا يطعمها إلا ما لها حق فيه و ما لا حق لها فيه فقد ظلمها فجوزي جزاء من ظلم نفسه
(وصل في فصل فدية الأذى)
أجمع العلماء على أنها واجبة على من أماط الأذى من ضرورة و هو وجوب اللعنة على الذين يؤذون الله و رسوله فوجب دفع الأذى حرمة للمحرم و وجبت الكفارة حرمة للإحرام الكلام في الله بما لا ينبغي أذى فوجبت إماطته حرمة للحق و لا فاعل إلا الله فوجبت الكفارة و هي الستر لهذه النسبة بأن لا يضاف مثل هذا الفعل إلى الله تعالى و جل و الكفارات كلها ستر حيثما وقعت و اختلفوا فيمن أماط الأذى من غير ضرورة فقال قوم عليه الفدية المنصوص عليها و قال قوم عليه دم و به أقول فإنه غير متأذ في نفسه أي أنه ليس بذي ألم لذلك و لذلك جعل محل الأذى الرأس المحس به و ما جعله الشعر فما ثم ضرورة توجب الحلق لما كان الإنسان مخلوقا على الصورة وجبت إماطة الأذى عنه للنسبة عناية به و وجبت الكفارة فيما أوجب الله عليه فعله أو أباحه له لئلا يشغله الإحساس بالأذى عن ذكر الله و ما شرع الحج إلا لذكر الله فوجبت الكفارة حيث لم يصبر على الأذى فما و في الصورة حقها فإنه ورد أنه ما أحد أصبر على أذى من الله و بهذا سمي الصبور و بعدم المؤاخذة مع الاقتدار سمي الحليم
(وصل في فصل)
اختلافهم هل من شرط من وجبت عليه الفدية بإماطة الأذى أن يكون متعمدا أم الناسي و المتعمد سواء فقال قوم هما سواء و قال آخرون لا فدية على الناسي و به أقول و الناسي هنا هو الناسي لإحرامه و كلاهما متعمد لإماطة الأذى فإذا وجبت على المضطر و هو الذي قصد إزالتها لإزالة الأذى مع تذكره الإحرام فهي على الناسي أوجب لأنه مأمور بالذكر الذي يختص بالإحرام فإذا نسي الإحرام فما جاء بالذكر الذي للمحرم فاجتمع عليه إماطة الأذى و نسيان الإحرام فكانت لكفارة أوجب و أصل ما ينبغي عليه هذا الباب و جميع أفعال العبادات كلها علم إضافة الأفعال هل تضاف إلى الله و إلى العباد أو إلى الله و إلى العباد فإن وجودها محقق و نسبتها غير محققة فلنقل أولا في ذلك قولا إذا حققته و نظرت فيه نظر منصف عرفته أو قاربت فإني أفصل و لا أعين الأمر على ما هو في نفسه لما فيه من الضرر و اختلاف الناس فيه و الخلاف لا يرتفع من العالم بقولي فإبقاؤه في العموم على إبهامه أولى و علماء رجالنا يفهمون ما أومئ إليه فيها فأقول إن الله قد قال إنه ما خلق الله الخلق إلا بالحق و تكلم الناس في هذا الحق المخلوق به و ما صرح أحد به ما هو إلا أنهم أشاروا إلى أمور محتملة فاعلم إن الحق المخلوق به و العالم المخلوق أمران محققان أنهما أمران عند الجميع غير أنهما نظير الجوهر الهبائي و الصورة و معلوم عند الجماعة أن الأفعال تصدر من الصورة و لكن من هو الصورة هل العالم أو المخلوق به الذي هو الحق الذي قال الله فيه ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ و بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَ بِالْحَقِّ نَزَلَ فمن رأى أن الحق المخلوق به مظهر صور العالم ظهرت فيه بحسب ما تعطيه حقائق الصور على اختلافها بحسب الأفعال إلى الخلق و من رأى أن أعيان الممكنات التي هي العالم هو الجوهر الهبائي و أن الحق المخلوق به هو الصورة في هذا العالم و تنوعت أشكال صوره لاختلاف أعيان العالم فاختلفت عليه النعوت و الألقاب كما تنسب الأسماء الإلهية من اختلاف آثارها في العالم فمن رأى هذا نسب الفعل إلى الله بصورة الصورة الظاهرة و من رأى أن ظهور الصورة لا يتمكن إلا في الجوهر الهبائي و أن الوجود لا يصح للجوهر الهبائي في عينه إلا بحصول الصورة فلا تعرف الصورة إلا بالجوهر الهبائي و لا يوجد الجوهر الهبائي إلا بالصورة نسب الأفعال إلى الله بوجه و إلى العباد بوجه فعلق المحامد و الحسن بما ينسب من الأفعال للحق و علق المذام و القبح بما ينسب من الأفعال للعباد بالخلق الذي هو العالم لحكم الاشتراك العقلي و التوقف في العلم بكل واحد منهما و توقف كمال الوجود على وجودهما و قد رميت بك على الجادة فهذا تفسير وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمى فنفى الرمي عمن أثبته له يقول الله في هذه الآية عين ما قلناه في هذه المسألة و ذهبنا إليه وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ و هذا قوله وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ أي يبينه لنمشي عليه ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فمشينا عليه بحمد الله فأثبت بهذه الآية أن أعيان العالم هو الجوهر الهبائي إلا أنه لا يوجد إلا بوجود الصورة و كذلك أعيان العالم ما اتصفت بالوجود إلا بظهور الحق فيها فالحق المخلوق به لها كالصورة و قد أعلمتك أن الفعل كله إنما يظهر صدوره من الصورة و هو القائل وَ لكِنَّ الله رَمى فكان الحق عين الصورة التي تشاهد الأعمال منها فتحقق ما ذكرناه فإنه لا أوضح مما بين الله في هذه الآية و بيناه نحن في شرحنا إياها على التفصيل وَ الله يَهْدِي من يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ... صِراطِ الله و الصراط الذي عليه الرب و الصراط المضاف إلى الحقيقة في قوله وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً و لكل صراط حكم ليس للآخر فافهم و السلام و أما صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ فهو الشرع
(وصل في فصل اختلافهم في توقيت الإطعام و الصيام)
اختلفوا في توقيت الإطعام و الصيام فالأكثرون على أن يطعم ستة مساكين و قال قوم عشرة مساكين و الصيام عشرة أيام و اختلفوا في كم يطعم كل مسكين فقال بعضهم مدين بمد النبي صلى الله عليه و سلم لكل مسكين و قال بعضهم من البر نصف صاع و من التمر و الزبيب و الشعير صاع و أما قص الأظفار فقال قوم ليس فيها شيء و قال قوم فيه دم و فروع هذا الباب كثيرة جدا فمن اعتبر الستة المساكين نظر إلى ما يطعم الصفات مما تطلب فوجدناها ستة كونية عن ستة إلهية فما للالهية من الحكم للكونية من الحكم و إطعامها ما تطلبه لبقاء حقيقتها فإنه لها كالغذاء للأجسام الطبيعية فالمعلوم للعلم طعام فيه يتعلق و كذلك الإرادة و القدرة و الكلام و السمع و البصر و أما الحياة فليس لها مدخل في هذا الباب فغاية حقيقتها الشرطية لا غير و هو باب آخر و لما كانت الحضرة حضرتين كان من المجموع اثنا عشر و هو نهاية أسماء بسائط العدد الذي يعم الحضرتين فإن العدد يدخل عليهما و لهذا ورد تعدد الصفات و الأسماء المنسوبة إلى الله و أما حكمه في الكون فلا يقدر أحد على إنكاره كما أنها أيضا نهاية انتهاء وزن الفعل الذي هو مركب من مائة و ثمانين درجة و سأبين حكمها إن شاء الله فأما أوزان الفعل في الأسماء فهي اثنا عشر وزنا كل وزن يطلب ما لا يطلبه الآخر و هيمحصورة في هذا العدد كما نهاية أسماء العدد محصورة في الاثني عشر فمن ذلك في تسكين عين الفعل ثلاثة و في فتحة ثلاثة و في ضمه ثلاثة و في كسره ثلاثة فالمجموع اثنا عشر فالتسكين مثل فعل كدعد و فعل كقفل و فعل كهند و المفتوح العين فعل مثل جمل و فعل مثل صرد و فعل مثل عنب و المضموم العين فعل مثل عضد و فعل مثل عنق و فعل لم يوجد له اسم على وزنه في اللسان و علله أهل هذا الشأن بأنهم استثقلوا الخروج من الكسر إلى الضم و مبني كلامهم على التخفيف و هذا التعليل عندنا ليس بشيء بسطناه في النسخة الأولى من هذا الكتاب و قد مرت بنا كلمة للعرب على وزن فعل بكسر فاء الفعل و ضم عينه لا أذكرها الآن إلا أنها لغة شاذة و المكسور العين فعل مثل كتف و فعل مثل إبل و لم يوجد على وزن فعل سوى دئل و هو اسم دويبة تعرفها العرب ثم إن الله أجرى حكمته في خلقه أن لا تأخذ العرب في أوزان الكلام إلا هذه الأحرف الثلاثة الفاء و العين و اللام و لها ثلاث مراتب في النشأة و أخذوا من كل مرتبة حرفا أخذوا الفاء من حروف الشفتين عالم الملك و الشهادة و أخذوا العين من حروف الحلق عالم الغيب و الملكوت و أخذوا اللام من الوسط عالم البرزخ و الجبروت و هو من حروف اللسان الذي له العبارة و التصرف في الكلام فكان مجموع هذه الحروف التي جعلوها أصولا في أوزان الكلام مائة و ثمانين درجة و هو شطر الفلك الظاهر و هو الذي يكون له الأثر أبدا في التكوين و الشطر الغائب لا أثر له إلا حيث يظهر و سبب ذلك أن أشعة أنوار الكواكب تتصل بالمحل العنصري و هو مطارح شعاعاتها و العناصر قابلة للتكوين فيها فإذا اتصلت بها سارع التعفين فيها لما في الأنوار من الحرارة و في ركن الماء و الهواء من الرطوبة فظهرت أعيان المكونات إن الله خمر طينة آدم بيده و التخمير تعفين و ما غاب عن هذه الأنوار فلا أثر لها فيه أ لا ترى في كسوف الشمس إذا اتفق أن يكون بالليل لا حكم له عندنا لعدم مشاهدة الظاهر ظاهر كرة الأرض التي نحن عليها فلا حكم له إلا حيث يظهر بتقدير العزيز العليم فإنه حيث يظهر يشهد ما حضر عنده فيؤثر فيه لشهوده عادة طبيعية أجراها الله و هذا من أدل دليل على قول المعتزلي في ثبوت أعيان الممكنات في حال عدمها و أن لها شيئية و هي قوله تعالى إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فيرانا سبحانه في حال عدمنا في شيئية ثبوتنا كما يرانا في حال وجودنا لأنه تعالى ما في حقه غيب فكل حال له شهادة يعرفه صاحب الشهادة فيتجلى تعالى للأشياء التي يريد إيجادها في حال عدمها في اسمه النور تعالى فينفهق على تلك الأعيان أنوار هذا التجلي فتستعد به لقبول الإيجاد استعداد الجنين في بطن أمه في رابع الأشهر من حمله لنفخ الروح فيه فيقول له عند هذا الاستعداد كن فيكون من حينه من غير تثبط فانظر إلى هذه الحكمة ما أجلاها ثم إنه من تمام الحكمة أنه إذا كان في القابلات للتكوين من لا يقبله لحقيقة هو عليها إلا بزيادة درجات و هو بين أصله و حقيقته فإنه يكرر اللام من هذا الوزن إذا كانت حروف الوزن من نفس الكلمة و من أصولها مثل جعفر وزنه فعلل فكرر واحدا من أصل الأوزان لأن حروف الموزون كلها أصول فإن كان الحرف في الكلمة زائدا جئنا به على صورته و لم نعطه حرفا من حروف الفعل فنقول في وزن مكسب مفعل فالأصول أبدا هي التي تراعي في الأشياء و هي التي لها الآثار فيها و قال بعضهم إن الجياد على أعراقها تجري يقول على أصولها فمن كان أصله كريما فلا بد أن يؤثر فيه أصله و إن ظهر عنه لؤم فهو أمر عارض يرجع إلى أصله و لا بد في آخر الأمر و كذلك اللئيم الأصل و هذه مسألة قليل من يتفطن لها و هي لما ذا ترجع أصول الممكنات هل أصلها كريم فيكون واجب الوجود أصلها أو يكون أصلها لئيما و هو الإمكان فلا يزال الفقر و البخر و اللؤم يصحبها و يكون ما نسبت إليها من المحامد بحكم العرض و هنا أسرار و دقائق وكلناك لنفسك في الاطلاع عليها فإن ظهورها في العموم يتعذر فتركنا علم ذلك لمن يطلعه الله عليه فيقف على ما هو الأمر عليه في نفسه و قد بقي من أمهات مسائل هذا الباب يسير نذكر اعتبارها في سرد أحاديث ما يتعلق بهذا الباب إن شاء الله تعالى انتهى الجزء السبعون
( (بسم الله الرحمن الرحيم))
(وصل فصول الأحاديث النبوية فيما يتعلق بهذا الباب و لا أذكرها بجملتها و إنما أذكر منها ما تمس الحاجة إليه)
و بعد أن قد ذكرنا حجة رسول الله صلى الله عليه و سلم من حديث جابر بن عبد الله فلنذكر في بقية هذا الباب ما تيسر من الأخبار النبوية فمن ذلك
(حديث فضل الحج و العمرة)
خرج مسلم في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما و الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة فالكفارة تعطي الستر و الجنة تعطي الستر غير أن ستر العمرة لا يكون إلا بين عمرتين و ستر الحج لم يشترط فيه ذلك إلا أنه قيده بأنه يكون مبرورا و البر الإحسان و الإحسان مشاهدة أو كالمشاهدة فإنه قال صلى الله عليه و سلم في تفسير الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فصارت الجنة عن حج مقيد بصفة بر فقام البر للحج مقام العمرة الثانية للعمرة الأولى و السبب في ذلك أن التكفير و الجنة نتيجة و النتيجة لا تكون عن واحد فإن ذلك لا يصح و إنما تكون عن مقدمتين فحصل التكفير عن عمرتين و حصلت الجنة عن حج مبرور أي يكون عن صاحب صفة بر فما أعجب مقاصد الشارع فالعمرة الزيارة و هي زيارات أهل السعادة لله تعالى هنا بالقلوب و الأعمال و في الدار الآخرة بالذوات و الأعيان و بين الزيارتين حجب موانع بين الزائرين و بين أهليهم من أهل الجنان و في حالة الدنيا بين المعتمرين و بين غيرهم فلا يدرك ما حصلوه في تلك الزيارة من الأسرار الإلهية و الأنوار ما لو تجلى بشيء منها لإبصار من ليس لهم هذا المقام لأحرقهم و ذهب بوجودهم فكان ذلك الستر رحمة بهم و قد عاينا ذلك في المعارف الإلهية مشاهدة حين زرناه بالقلوب و الأعمال بمكة التي لا تصح العمرة إلا بها و أما الزيارة من غير تسميتها بالعمرة فتكون لكل زائر حيث كان و كذلك الحج فهي زيارة مخصوصة كما هو قصد مخصوص و لما فيها من الشهود الذي يكون به عمارة القلوب تسمى عمرة فهذا معنى التكفير في هذا العمل الخاص و قد يكون التكفير في غير هذا و هو أن يسترك عن الانتقام أن ينزل بك لما تلبست به من المخالفات و من الناس من يكون له التكفير سترا من المخالفات أن تصيبه إذا توجهت عليه لتحل به لطلب النفس الشهوانية إياها فيكون معصوما بهذا الستر فلا يكون للمخالفة عليه حكم و هذان المعنيان خلاف الأول و من الناس من يجمع ذلك كله و في الدنيا من هذه الأحكام الثلاثة كلها و في الآخرة اثنان خاصة و هو الستر الأول و الستر أن لا يصيبه الانتقام و أما الستر عن المخالفات فلا يكون إلا في الدنيا لوجود التكليف و الآخرة ليست بمحل للتكليف إلا في يوم القيامة في موطن التمييز حين يدعون إلى السجود فهو دعاء تمييز لا دعاء تكليف إلا الحديث الذي خرجه الحميدي في كتاب الموازنة و لم يثبت و لما اقترن به الأمر أشبه التكليف فجوزوا بالسجود جزاء المكلفين كما تجيء الملائكة إليهم من عند الله بالأمر و النهي و ليس المراد به التكليف و هو قولهم للسعداء أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا و هذا نهي وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ و هذا أمر و ليس بتكليف كذلك إذا أمروا بالسجود إنما هو للتمييز و الفرقان بين من سجد لله خالصا و سجد اتقاء و رياء و سمعة لاجتماعهم في السجود لله فلذلك وقع الشبه لأنهم ما سجدوا مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كما أمروا فميز الله يوم القيامة بينهما كما ميز بين المجرمين قال تعالى وَ امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ
(حديث ثان في الحث على المتابعة بين الحج و العمرة)
لأن كل واحد منهما قصد زيارة بيت الله العتيق خرج النسائي عن عبد الله هو ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم تابعوا بين الحج و العمرة فإنهما ينفيان الفقر و الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد و الذهب و الفضة و ليس للحج المبرور ثواب دون الجنة فجعل في الأول العمرة إلى العمرة و كذلك الحج و البر و هنا جعل الحج و العمرة مقدمتين ليكون منهما أجر آخر ليس ما أعطاه الحديث الأول و هو نفي الفقر فيحال بينك و بين عبوديتك إذا جمعت بين هاتين العبادتين و ما ثم إلا عبد و رب و العبد لا يتميز عن الرب إلا بالافتقار فإذا أذهب الله بفقره كساه حلة الصفةالربانية فأعطاه أن يقول للشيء إذا أراده كُنْ فَيَكُونُ و هذا سر وجود الغني في الفقر و لا يشعر به كل أحد فإنه لا يقول لشيء كن فيكون حتى يشتهيه و لهذا قال تعالى وَ لَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ فما طلب إلا ما ليس عنده ليكون عنده عن فقر لما طلب لأن شهوته أفقرته إليه و دعته إلى طلبه ليس ذلك المشتهي طلبه و عنده الصفة الربانية التي أوجبت له القوة على إيجاد هذا المشتهي المطلوب فقال له كن عن فقر بصفة إلهية فكان هذا المطلوب في عينه فتناول منه ما لأجله طلب وجوده و ليس هو كذا في حق الحق لأن الله لم يطلب تكوين الموجودات لافتقاره إليها و إنما الأشياء في حال عدمها الإمكانى لها تطلب وجودها و هي مفتقرة بالذات إلى الله الذي هو الموجد لها لفقرها الذاتي و في وجودها من الله فقبل الحق سؤالها و أوجدها لها و لأجل سؤالها لا من حاجة قامت به إليها لأنها مشهودة له تعالى في حال عدمها و وجودها و العبد ليس كذلك فإنه فاقد لها حسا في حال عدمها و إن كان غير فاقد لها علما إذ لو لا علمه بها ما عين بالإيجاد شيئا عن شيء و دون شيء غير أن العبد مركب من ذاتين من معنى و حس و هو كماله فما لم يوجد الشيء المعلوم للحس فما كمل إدراكه لذلك الشيء بكمال ذاته فإذا أدركه حسا بعد وجوده و قد كان أدركه علما فكمل إدراكه للشيء بذاته فتركيبه سبب فقره إلى هذا الذي أراد وجوده و إمكانه سبب فقره إلى مرجحه و أما الحق تعالى فليس بمركب بل هو واحد فإدراكه للأشياء على ما هي الأشياء عليه من حقائقها في حال عدمها و وجودها إدراك واحد فلهذا لم يكن في إيجاده الأشياء عن فقر كما كان لهذا العبد المخلوق عليه صفة الحق و هذه مسألة لو ذهب عينك جزاء لتحصيلها لكان قليلا في حقها لأنها مزلة قدم زل فيها كثير من أهل طريقنا و التحقوا فيها بمن ذم الله تعالى في كتابه من قولهم إِنَّ الله فَقِيرٌ و هذا سببه فما وجد الممكن و لا وجدت المعرفة الحادثة إلا لكمال رتبة الوجود و كمال رتبة المعرفة لا لكمال الله بل هو الكامل في نفسه سواء وجد العالم أو لم يوجد و عرف بالمعرفة المحدثة أو لم يعرف كما أنه على الحقيقة لا يعرف و لا يعرف منه ممكن إلا نفسه و أما نفي الذنوب فإنها من حكم الاسم الآخر لأن ذلك من الأمر بمنزلة الذنب من الرأس متاخرة عنه لأن أصله طاعة فإنه ممتثل للتكوين إذ قيل له كن فما وجد إلا مطيعا ثم عرض له بعد ذلك مخالفة الأمر المسمى ذنبا فأشبه الذنب في التأخر فانتفى بالأصل لأنه أمر عارض و العرض لا بقاء له و إن كان له حكم في حال وجوده و لكن يزول فهذا يدلك على إن المال إلى السعادة إن شاء الله و لو بعد حين ثم إن للذنب من معنى الذنب صفتين شريفتين إذا علمها الإنسان عرف منزلة الذنب عند الله و ذلك أن ذنب الدابة له صفتان شريفتان ستر عورتها و به تطرد الذباب عنها بتحريكها إياه و كذلك الذنب فيه عفو الله مغفرته و شبه ذلك ما لا يشعر به مما يتضمنه من الأسماء الإلهية يطرد عن صاحبه أذى الانتقام و المؤاخذة و هما بمنزلة الذباب الذي يؤذي الدابة فلا يصيب الانتقام إلا للابتر الذي لا ذنب له يقول تعالى إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ أي لا عقب له أي لا يترك عقبا ينتفع به بعد موته كما قال عليه السلام أو ولد صالح يدعو له ولدا كان أو سبطا و ذكرا أو أنثى بقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه و سلم إن الذي ألحق بك الشين هو الأبتر فلم يعقب و عقب الشيء مؤخره و لهذا قلنا في الذنب إنه مؤخر لأنه في عقب الدابة و بعدمه يكون أبتر فلو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيغفر لهم و لم يقل فيعاقبهم فغلب المغفرة و جعل لها الحكم فاصل وجود الذنب بذاته لما يتضمنه من المغفرة و المؤاخذة فيطلب تأثير الأسماء و ليس أحد الاسمين المتقابلين في الحكم أولى من الآخر لكن سبقت الرحمة لغضب في التجاري فلم تدع شيئا إلا وسعته رحمته و من رحمة الطبيب بالعليل صاحب الأكلة إدخال الألم عليه بقطع رجله فافهم و اجعل بالك فمؤاخذات الحق عباده في الدنيا الآخرة تطهير و رحمة و التنبيه أيضا على ذلك إن العقاب لا يكون إلا في الذنب و العقوبة لفظة تقتضي التأخير عن المتقدم فهي تأتي عقيبه فقد تجد العقوبة الذنب في المحل و قد لا تجده إما بأن يقلع عنه و إما أن يكون الاسم العفو و الغفور استعانا عليه بالاسم الرحيم فزال فترجع العقوبة خاسرة و يزول عن المذنب اسم المذنب لأنه لا يسمى مذنبا إلا في حال قيام الذنب به و هو المخالفة و الغفران في نفس الذنب و ما يأتي عقيبه لأنه غير متيقن بالمؤاخذة و الانتقام عليه فلا يأتي الغفران عقيبه فلا يسمى الغفران عقابا و جزاء الخير يسمى ثوابا لثورانه و عجلته فيكون في نفس الخير المستحق له لأنه من ثاب إلى الشيء إذا ثار إليه بالعجلة و السرعة و لهذا قال سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ من رَبِّكُمْو قال يُسارِعُونَ في الْخَيْراتِ وَ هُمْ لَها سابِقُونَ فجعل المسارعة في الخير و إليه و لا يسابق إليها إلا بالذنوب و طلب المغفرة فإنها لا ترد إلا على ذنب و إن كانت في وقت تستر العبد عن إن تصيبه الذنوب و هو المعصوم و المحفوظ فلها الحكمان في العبد محو الذنب بالستر عن العقوبة أو العصمة و الحفظ و لا ترد على تائب فإن التائب لا ذنب له إذ التوبة إزالته فما ترد المغفرة إلا على المذنبين في حال كونهم مذنبين غير تائبين فهناك يظهر حكمها و هذا ذوق لم يطرق قلبك مثله قبل هذا و هو من أسرار الله في عباده الخفية في حكم أسمائه الحسنى لا يعقل ذلك إلا أهل الله شهودا فمثل هذا يسمى التضمين فإنه أمر بالمسابقة إلى المغفرة و ما أمر بالمسابقة إلى الذنب و لما كان العفو و الغفران يطلب الذنب و هو مأمور بالمسابقة إلى المغفرة فهو مأمور بما له يكون ليظهر حكمها فما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب و لكن من حيث ما هو فعل لا من حيث ما هو حكم و إنما أخفى ذكره هنا و ذكر المغفرة لقوله إِنَّ الله لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ و الأمر من أقسام الكلام فما أمر بالذنوب و إنما أمر بالمسابقة و الإسراع إلى الخير و فيه و إلى المغفرة فافهم و أما تشبيه بنفي الكير خبث الحديد و الفضة و الذهب و هو ما تعلق بهذه الأجسام في المعادن من أصل الطبيعة استعانوا بالنار على إزالة ذلك و استعانوا على النار بإشعال الهواء و استعانوا على تحريك الهواء بالكير فما انتفى الخبث إلا عن مقدمتين و هما النار و الهواء فلو لا وجود هاتين القوتين العلمية و العملية ما وقع نفي هذا الخبث و قد تقدم الكلام في الحج المبرور و إن كان له هنا معنى آخر ليس هو ذلك المعنى المتقدم و لكن يقع الاكتفاء بذلك الأول مخافة التطويل فإن أسرار الله في الأشياء لا تنحصر بل ينقدح في كل حال لأصحاب القلوب ما لا يعلمه إلا الله و العامة لا نعلم ذلك و لهذا تقول الخواص من عباد الله ما ثم تكرار للاتساع الإلهي و إنما الأمثال تحجب بصورها القلوب عن هذا الإدراك فتتخيل العامة التكرار وَ الله واسِعٌ عَلِيمٌ فمن تحقق بوجود هذا الاسم الواسع لم يقل بالتكرار بَلْ هُمْ في لَبْسٍ من خَلْقٍ جَدِيدٍ
(حديث ثالث في فصل إتيان البيت شرفه الله)
خرج مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من أتى هذا البيت فلم يرفث و لم يفسق رجع كيوم ولدته أمه و في لفظ البخاري عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من حج لله فلم يرفث و لم يفسق الحديث فاعلم أنه يوم خروج المولود من بطن أمه خرج من الضيق إلى السعة بلا شك و من الظلمة إلى النور و السعة هي رحمة الله التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و الضيق نقيض رحمة الله مع أن الرحمة وسعته حيث أوجدت عينه و جعلت له حكما في نفوس العالم حسا و معنى يقول تعالى وَ إِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً و المولود على النقيض من الحق في هذه المسألة فإن الحق لما كان له نعت لا شيء موجود إلا هو كان و لا منازع و لا مدع مشاركة في أمر و لا موجب لغضب و لا استعطاف غني عن العالمين فكان بنفسه لنفسه في ابتهاج الأزل و التذاذ الكمال بالغنى الذاتي فكان الله و لا شيء معه و هو على ما عليه كان فلما أوجد العالم كانت هذه الحالة لهذا المولود و لكن على النقيض زاحمه العالم في الوجود العيني و ما قنع حتى زاحمه في الوحدة و ما قنع حتى نسب إليه ما لا يليق به فوصف نفسه لهذا كله بالغضب على من نازعه في كل شيء ذكرناه فكان مثل من خرج من السعة إلى الضيق و من الفرح إلى الغم فانتقم و عذب بصفة الغضب و عفا و تجاوز بصفة الكرم و حفظ و عصم بصفة الرحمة فظهر الاستناد من الموجودات إلى الكثرة في العين الواحدة فاستند هذا إلى غير ما استند هذا فزال ابتهاج التوحيد و الأحدية بالأسماء الحسنى و بما نسب إليه من الوجوه المتعددة الأحكام فلم يبق للاسم الواحد ابتهاج فرجع الأمر إلى أحدية الألوهية و هي أحدية الكثرة لما تطلبه من الأسماء لبقاء مسمى الأحدية فقال وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ و لم يتعرض إلى ذكر النسب و الأسماء و الوجوه فإن طلب الوحدة ينافي طلب الكثرة فلا بد أن يكون هذا الأمر هكذا فصير قاصد بيته لحج أو عمرة من أجل الله في حال من ولدته أمه أي أنه خرج من الضيق إلى السعة فشبهه بمثله و هو المولود و لم يشبهه بوصفه تعالى الذي ذكرناه آنفا و لكن اشترط فيه أنه لا يرفث فإنه إن نكح أولد فلا يشبه المولود فإنه إذا ولد خرج من السعة إلى الضيق فإنه حصل له في ماله مشاركة بالولد و صار بحكم الولد أكثر منه بحكم نفسه فضاق الأمر عليه و لا سيما إذا تحرك ولده بما لا يرضيه فإنه يورثه الحرج و ضيق الصدر لمزاحمة الثاني فلهذا اشترط في الآتي إلى البيت أن لا يرفث و لا يفسق أي لا يخرج على سيده فيدعي في نعته و يزاحمه في صفاته إذ الفسوق الخروج فمن بقي في حال وجوده مع الله كما كان في حال عدمه فذلك الذي أعطى الله حقه و لهذا الداء العضال أحاله على استعمال دواء أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ من قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً يقول له كن معي في شيئية وجودك كما كنت إذ لم تكن موجودا فأكون أنا على ما أنا عليه و أنت على ما أنت عليه فمن استعمل منا هذا الدواء عرف حق الله فأعطاه ما يجب له و من لم يعرف و لا استعمل هذا الدواء و خلط كثرت أمراضه و آلامه في عين أفراحه و أغضب الحق عليه فيما هو فارح مسرور به ففي بعض أفراحك غضبه فتنبه إلى ما في هذا الحديث من الأسرار على هذا الأسلوب و أمثاله فإن فيه علوما يطول الكتاب بتفصيلها و تعيينها
(حديث رابع في فصل عرفة و العتق فيه)
خرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة و أنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء حتى يقولوا مغفرتك و رضاك عنهم فقصد الحق مباهاة الملائكة بهم و سؤاله إياهم ما أراد هؤلاء حجاب رقيق على قصد المباهاة جبر القلوب الملائكة و لما ظهر الإباق في عبيد الله و استرقتهم الأهواء و الشهوات و صاروا عبيدا لها و خلق الله النار من الغيرة الإلهية فغارت لله و طلبت الانتقام من العبيد الذين أبقوا و قد جاء الخبر أن العبد إذا أبق فقد كفر و الكفر سبب الاسترقاق فصاروا عبيدا للأهواء بالكفر فاحتالت النار على أخذهم من يد الأهواء للانتقام فلما استحقتهم النار و أرادت إيقاع العذاب بهم اتفق أن وافق من الزمان يوم عرفة فجاء اليوم شفيعا عند الله في هؤلاء العبيد بأن يعتقهم من ملك النار إذ كانت النار من عبيد الله المطيعين له فجاد الله عليهم بشفاعة ذلك اليوم فأعتق الله رقابهم من النار فلم يكن للنار عليهم سبيل فكثر خير الله و طاب و طهر الله قلوبهم من الشهوات المردية لا من أعيان الشهوات فأبقى أعيان الشهوات عليهم و أزال تعلقها بما لا يرضى الله فلما أوقفهم بعرفات أظهر عليهم أعيان الشهوات لتنظر إليها الملائكة و لما كانت الملائكة لا شهوة لهم كانوا مطيعين بالذات و لم يقم بهم مانع شهوة يصرفهم عن طاعة ربهم فلم يظهر سلطان لقوة الملائكة عندهم إذ ليس لهم منازع فكانوا عقولا بلا منازع فلما أبصرت الملائكة عقول هؤلاء العبيد مع كثرة المنازعين لهم من الشهوات و رأوا حضرة البشر ملأى منها علموا أنه لو لا ما رزقهم الله من القوة الإلهية على دفع حكم تلك الشهوات المردية فيهم ما أطاقوا و أنهم ربما لو ابتلاهم الله بما ابتلى به البشر من الشهوات ما أطاقوا دفعها فقصرت نفوسهم عندهم و ما هم فيه من عبادة ربهم و علموا أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً و أن الله له بهم عناية عظيمة السلطان و هذا كان المراد من الله التباهي مع هذه الحالة و لذلك وصف الحق نفسه بالدنو منهم ليستعينوا بقربه على دفع الشهوات المردية من حيث لا تشعر الملائكة ثم يقول الله للملائكة و هو أعلم ما أراد هؤلاء لينظروا إلى سلطان عقولهم على شهواتهم و ما هم فيه من الالتجاء و التضرع و الابتهال بالدعاء و نسيان كل ما سوى الله في جنب الله
(حديث خامس في الحاج وفد الله)
خرج النسائي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم و وفد الله ثلاثة الغازي و الحاج و المعتمر أراد وفد طلبه في بيته لا غير فإن الله معهم أينما كانوا فما وفد عليك من أنت معه و لكن لله تعالى في عباده نسب و إضافات كما قال تعالى يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً فجعلهم وفود الرحمن لأن الرحمن لا يتقى و كانوا حين كانوا متقين في حكم اسم إلهي تجلى الحق فيه لهم فكانوا يتقونه فلما أراد أن يرزقهم الأمان مما كانوا فيه من الاتقاء حشرهم إلى الرحمن فلما وفدوا عليه أمهم و هكذا نسبتهم إلى رب البيت لما تركوا الحق خليفة في الأهل و المال كما جاءت به السنة من دعاء المسافر فارقوا ذلك الحال و اتخذوه اسما إلهيا جعلوه صاحبا في سفرهم و جاءت به السنة و العين واحدة في هذا كله و لذلك ورد أنت الصاحب في السفر و الخليفة في الأهل فإذا قدموا على البيت و هو قصر الملك و حضرته تحجب لهم عنده الاسم إلهي الذي صحبهم في السفر عن أمر الاسم الذي تخلف في الأهل و هو الاسم الحفيظ فتلقاهم رب البيت أبرز لهم يمينه فقبلوه و طافوا ببيته إلى أن فرغوا من حجهم و عمرتهم و في كل منسك يتلقاهم اسم إلهي و يتسلمهم من يد الاسم الإلهي الذي يصحبهم من منسك إلى منسك إلى أن يرجعوا إلى منازلهم فيحصلوا في قبضة من خلفوه في الأهل فهذا معنى وفد الله إن عقلت
(حديث سادس الحج للكعبة من خصائص هذه الأمة أهل القرآن)
ذكر الترمذي عن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من ملك زاد أو راحلة تبلغه إلى بيت الله ثم لم يحج فلا عليه إن يموت يهوديا أو نصرانيا و ذلك أن الله تعالى يقول في كتابه العزيز وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ من اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قال هذا حديث غريب و في إسناده مقال اعلم أنه لو كان أهل التوراة و الإنجيل مخاطبين بالحج إلى هذا البيت لم يقل له فلا عليه إن يموت يهوديا أو نصرانيا أي أن الله ما دعاهم إليه أي أنه من كان بهذه المثابة فليس من أهل القرآن الوكيل يملك التصرف في مال الموكل و لا يملك المال وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فأمره بالإنفاق فيما حد له أن ينفقه فيه و مما حد له الإنفاق في الحج الوكيل الحق الموكل العبد الوكيل هنا اعلم بالمصالح من الموكل و قد ظهر له المصلحة في الحج و المال بيد الوكيل و هو وكيل لا ينزع يده من المال فإن أعطاه ما يحج به و لم يحج ثبت سفه الموكل فحكم عليه الحاكم بالحجر فحجر عليه الإسلام و ألحقه بالسفهاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَ لكِنْ لا يَعْلَمُونَ فإن شاء حكم عليه بحكم اليهود أو بحكم النصارى الذين لم يخاطبوا بهذه المصلحة فلا نصيب له في الإسلام لأن الحج ركن من أركانه و قد استطاع و لم يفعل و إذا فارق الإسلام فلا يبالي إلى أية ملة يرجع
(حديث سابع في فرض الحج)
خرج مسلم عن أبي هريرة قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا فقال رجل أ كل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لو قلت نعم لوجبت و لما استطعتم ثم قال ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم و اختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم و إذا نهيتكم عن شيء فدعوه و قال النسائي من حديث ابن عباس لو قلت نعم لوجبت ثم إذن لا تسمعون و لا تطيعون و لكنها حجة واحدة لما ثبت أن المكلف أحدي في ألوهته و أنه قال وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ثم أمر بالقصد إليه في بيته و حد القصد فجعلها حجة واحدة لمناسبة الأحدية فختم الأركان بمثل ما به بدأ و هو الأحدية فبدأ بلا إله إلا الله و ختم بالحج فجعله واحدة في العمر فلا يتكرر وجوبه بالأيام كتكرر وجوب الصلوات و لا بالسنين كتكرر وجوب الزكاة بالحول و وجوب الصيام بدخول رمضان في كل سنة و الحج ليس كذلك فانفرد بالأحدية لأن الآخر في الإلهيات عين الأول فيحكم له بحكمه و في متن هذا الخبر حكم كثيرة يطول ذكرها لو شرعنا فيها و الأحاديث كثيرة في هذا الباب فلنأخذ من كل حديث بطرف على قدر ما يُلْقِي الرُّوحَ من أَمْرِهِ على قلبي بلمته أو ما شئت
(حديث ثامن في الصرورة)
خرج أبو داود عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا صرورة في الإسلام و في الحديث الذي خرجه الدارقطني عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى أن يقال للمسلم صرورة و كلا الحديثين متكلم فيه الصرورة هو الذي لم يحج قط و المسلم من ثبت إسلامه و في نية المسلم الحج و لا بد و الإنسان في صلاة ما دام ينتظر الصلاة كما هو في حج ما دام ينتظر الأسباب الموصلة إلى الحج فلا يقال فيه إنه صرورة فإنه حاج و لا بد و إن مات فله أجر من حج بانتظاره كما لو مات منتظر الصلاة لكتب مصليا فلا صرورة في الإسلام
(حديث تاسع في إذن المرأة زوجها في الحج)
خرج الدارقطني عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في امرأة لها زوج و لها مال و لا يأذن لها في الحج ليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها و في إسناد هذا الحديث رجل مجهول يقال إنه محمد بن أبي يعقوب الكرماني رواه ن حسان بن إبراهيم الكرماني إن منعها زوجها فهو من الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله إن كان لها محرم تسافر معه عندنا في هذه المسألة إذا كانت آفاقية و أما إن كانت من أهل مكة فلا تحتاج إلى إذنه فإنها في محل الحج كما لا تستأذنه في الصلاة و لا في صوم رمضان و لا في الإسلام و لا في أداء الزكاة لما كان الحج القصد إلى البيت على طريق الوجوب لمن لم يحج كذلك قصد النفس إلى معرفة الله ليس لها من ذاتها النظر في ذلك فإنها مجبولة في أصل خلقها على دفع المضار المحسوسة و النفسية و جلب المنافع كذلك و هي لا تعرف أن النظر في معرفة الله مما يقربها من الله أم لا و هي به في الحال متضررة لما يطرأ عليها في شغلها بذلك من ترك الملاذ النفسية فلا بد ممن يحكم عليها في ذلك و يأذن لها في النظر بمنزلة إذن الزوج للمرأة فمنا من قال يأذن لها العقل فإذا أذن لها في النظر في الله بما تعطيه الأدلة العقلية فإن العلم بالشيء كان ما كان أحسن من الجهل به عند كل عاقل فإن النفس تشرف بالعلم بالأشياء على غيرها من النفوس و لا سيما و هي تشاهد النفوس الجاهلة بالعلوم الصناعية و غير الصناعية تفتقر إلى النفوس العالمة فيتبين لها مرتبة شرف العلم هذا إذا لم يعلم أن الخوض في ذلك مما يقرب من الله و ينال به الحظوة عند الله و منا من قال الزوج في هذه المسألة إنما هو الشرع فإن أذن لها في الخوض في ذلك اشتغلت به حتى تناله فتعرف منه توحيد خالقها و ما يجب له و ما يستحيل عليه و ما يجوز أن يفعله فيعلم بالنظر في ذلك أن بعثة الرسل من جانب الله إلى عباده ليبينوا لهم ما فيه نجاتهم و سعادتهم إذا استعملوه أو اجتنبوه فيكون وجوب النظر في ذلك شرعا من حيث إنه أوجب عليهم النظر لثبوته في نفسه و هي مسألة خلاف بين المتكلمين هل تجب معرفة الله على الناس بالعقل أو بالشرع و على كل حال فزوج النفس هنا إما الشرع في مذهب الأشعري و إما العقل في مذهب المعتزلي ليس لها من نفسها في هذا التصرف الخاص حكم و لا نظر بطريق الوجوب إلا إن كان لها بذلك التذاذ لحب رياسة من حيث إنها ترى النفوس تفتقر إليها فيما تعلمه و جهلته نفوس الغير فتكون عند ذلك بمنزلة المرأة و إن كان لها زوج إذا كانت بمكان الحج في زمان الحج عندنا و لا سيما إن كان صاحبها أيضا ممن يحج فأكد في الأمر
(حديث عاشر سفر المرأة مع العبد ضيعة)
ذكر البزار عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم سفر المرأة مع عبدها ضيعة في إسناده مقال سفر النفس في معرفة الله مع الايمان بالشرع غاية المحمدة و السعادة و يكون في تلك الحالة العقل من جملة عبيدها لأنها الحاكمة عليه بأن يقبل من الشارع في معرفة الله كل ما جاء به فإن سافرت مع عقلها في معرفة ما أتى به هذا الشارع من العلم بصفات الحق مما يحيله دليله و انفردت معه دون الايمان فإنها تضيع عن طريق الرشد و النجاة فإن كان السفر الأول قبل ثبوت الشرع فليكن العبد هناك الهوى لا العقل و النفس إذا سافرت في صحبة هواها أضلها عن طريق الرشد و النجاة و ما فيه سعادتها قال تعالى أَ فَرَأَيْتَ من اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ و قال وَ أَمَّا من خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى يعني إن تسافر معه فإنه على الحقيقة عبدها لأنه من جملة أوصافها الذي ليس له عين إلا بوجودها فهي المالكة له فإذا اتبعته صار مالكا لها و هو لا عقل له و لا إيمان فيرمى بها في المهالك فتضيع فاعتبر الشارع ذلك في السفر المحسوس في المرأة مع عبدها و جعله تنبيها لما ذكرناه
(حديث أحد عشر في تلبيد الشعر بالعسل في الإحرام)
خرج أبو داود عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم لبد رأسه بالعسل لما كان الشعر من الشعور و التلبيد أن يلصق بعضه ببعض حتى يصير كاللبد قطعة واحدة و هو أن يرد الإنسان ما تعدد عنده من الصفات و المناسبة الإلهية شرعا و الأسماء الحسنى و عقلا كالمعاني الثابتة بالأدلة النظرية يرد ذلك إلى عين واحدة كما قال تعالى قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى و قال وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ثم إنه لبده بالعسل دون غيره من خطمي و غيره مما يكون به التلبيد و ذلك أن العسل لما أنتجه صنف من الحيوان ممن له نصيب في الوحي صحت المناسبة بينه و بين رسول الله صلى الله عليه و سلم فإنه ممن يوحى إليه و النحل ممن يوحى إليه فالعسل من النحل بمنزلة العلوم التي جاء بها النبي صلى الله عليهو سلم من قرآن و أخبار قال تعالى وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ فكان النبي صلى الله عليه و سلم يعرفنا في ردنا ما تعدد من الأحكام لعين واحدة لا يكون عن نظر عقلي و إنما يكون عن وهب إلهي و كشف رباني الذي لا تقدح فيه شبهة فهذا أعني تلبيد الرأس بالعسل دون غيره من الملبدات
(حديث ثاني عشر المحرم لا يطوف بعد طواف القدوم إلا طواف الإفاضة)
خرج البخاري عن ابن عباس قال انطلق النبي صلى الله عليه و سلم من المدينة يعني في حجة الوداع الحديث و فيه و لم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة يعني طواف القدوم أصل أعمال العبادات مبنية على التوقيف ينبغي أن لا يزاد فيها و لا ينقص منها و المحرم بالحج كالمحرم بالصلاة فلا ينبغي أن يفعل فيها إلا ما شرع أن يفعل فيها و من الأفعال في العبادات ما هو مباح له فعله أو تركه و منها ما يكون من الفعل فيها مرغبا و منها أفعال تقدح في كمالها و منها أفعال تبطلها و لو كانت عبادة كمن تعين عليه كلام و هو في الصلاة فإن تكلم بذلك بطلت الصلاة أو فعل فعلا يجب عليه مما يبطل الصلاة فعله و لا خلاف بين العلماء في أنه إن طاف لا يؤثر في حجه فسادا و لا بطلانا الحقائق لا تتبدل فالتطوع لا يكون وجوبا و التطوع ما يكون المكلف فيه مخيرا إن شاء فعله و إن شاء تركه فله الفعل و الترك فمن رأى الترك لم يؤثر في حكم التطوع تحريما و لا كراهة و من رأى الفعل لم يؤثر في حكمه وجوبا و هذا سار في جميع أحكام الشرائع الخمسة فنسبة التطوع للعبد نسبة أفعال الله إلى الله لا يجب عليه فعلها و لا تركها و لهذا جعل المشيئة في ذلك فأكمل ما يكون العبد في اتصافه بصفة الحق في تصرفه في المباح فإن الربوبية ظاهرة فيه و الإباحة مقام النفس و عينها و خاطرها من الأحكام الخمسة الشرعية لأنها على الصورة أوجدها الله فلا بد أن يكون حكمها هذا و أما شبه الإيجاب فلا يكون ذلك إلا في النذر لا غيره فإن الحق أوجب على نفسه أمورا ذكرها لنا في كتابه و صاحب النذر أوجب على نفسه ما لم يوجب الله عليه ابتداء فما أوجب الله على العبد الوفاء بنذره إلا بالنسبة التي أوجب على نفسه فتقوى الشبه في وجوب النذر كما تقوى في التطوع و أما التحريم ففيه من الشبه تحجير المماثلة فقال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فحجر على الكون أن يماثله أو يماثل مثله المفروض فكان عين التحجير عليه إن يتجلى في صورة تقبل التشبيه فإن كان نفس الأمر يقتضي نفي التشبيه فقد شاركناه في ذلك فإنه لا يقبل التشبيه بنا و لا نقبل التشبيه به و إن لم يكن في نفس الأمر كذا و إنما اختار ذلك أي قام في هذا المقام لعبيدة فقد حكم على نفسه بالتحجير فيما له أن يقوم في خلافه كما حجر علينا فعلى الحالتين قد حصل نوع من الشبه و أما لوجوب فصورة الشبه أنه على ما يجب له و نحن على ما يجب لنا قال لأبي يزيد تقرب إلي بما ليس لي الذلة و الافتقار فله الغني و العزة من حيث ذاته واجبة و لنا الذلة و الافتقار من حيث ذاتنا واجب هذا هو الوجوب الذاتي و أما الوجوب بالموجب فإنه أوجب علينا ابتداء أمورا لم نوجبها على أنفسنا فيكون قد أوجب علينا بإيجابنا إياها على أنفسنا كالنذر فأوجب على نفسه أن يخلق الخلق ابتداء أوجبه عليه طلب كمال العلم به و كمال الوجود فهما الذي طلبا منه خلق الخلق لما كان له الكمال و ما رأى لكماله حكما لم يكن لكماله تعلق فطلب فأوجب يطلبه عليه إن يوجد له صورة يرى نفسه فيها لأن الشيء لا يرى نفسه في نفسه عند المحققين و إنما يرى نفسه في غيره بنفسه و لذلك أوجد الله المرآة و الأجسام الصقيلة لنرى فيها صورنا فكل أمر ترى فيه صورتك فتلك مرآة لك قال النبي صلى الله عليه و سلم المؤمن مرآة أخيه فخلق الخلق فكمل الوجود به و كمل العلم به فعاين كمال الحق نفسه في كمال الوجود فهذا واجب بموجب فوقع الشبه بالوجوب بالموجب كما وقع فيما وقع من الأحكام و حكم الندب و الكراهة يلحقان بالمباح و إن كان بينهما درجة فالمندوب هو ما يتعلق بفاعله الحمد و لا يذم بترك ذلك الفعل و شبهه في الجناب الإلهي ما يعطيه من النعم لعباده زائدا على ما ندعو إليه الحاجة فيحمد على ذلك و إن لم يفعله فلا يتعلق به ذم لأن الحاجة لا تطلبه إذ قد استوفت حقها فهذا شبه المندوب و أما شبه المكروه فالله يقول عن نفسه إنه يكره فإنه قال و أكره مساءته و قال وَ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ و الكراهة المشروعة هي ما يحمد تاركها و لا يذم فاعلها فتشبه الندب و لكن في النقيض فإذا كان للعبد غرض فيما عليه فيه ضرر و هو أكثر ما في الناس فيسأل نيل ذلك الغرض من الله فما فعله الله له فيكره لعبد ذلك الترك من الله و يقول لعل الله جعل لي في ذلك خيرا من حيث لا أشعر و هو قوله وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ و هو ما لا يوافق الغرض و هو خير لكم فإن فعله له لا يذمه عليه فإنه يعذر من نفسه و يقول أنا طلبته فهذا عين الشبه بين العبد و الرب من جهة المكروه و انحصرت أقسام أحكام الشريعة في الحضرة الإلهية و في العبد و لهذا يقول الصوفية إن العالم خرج على صورة الحق في جميع أحكامه الوجودية فعم التكليف الحضرتين و توجه على الصورتين فإن قلت فأين الشبه في الجهل ببعض الأشياء و ما هناك جهل قلنا قد قلنا في ذلك
فمن يقول إنه الظاهر في المظاهر و المظاهر على ما هي عليه و الظاهر فيها هو الموصوف بالعلم بأمور و بالجهل بأمور أعطاه ذلك استعداد المظهر لما انصبغ به فصح الشبه على هذا بل هو هو قال الجنيد في هذا لون الماء لون إنائه انتهى الجزء الحادي و السبعون
( (بسم الله الرحمن الرحيم))
(حديث ثالث عشر بقاء الطيب على المحرم بعد إحرامه)
خرج مسلم عن عائشة قالت كأنى أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو محرم زاد النسائي بعد ثلاث و هو محرم يعني بعد ثلاث ليال من إحرامه الله تعالى تسمى بالطيب و جعل سبحانه في أمور و مواطن أن يتقرب إليه بصفاته التي تسمى بها و إن من صفاته الكرم و جعله فينا من صفات القرب إليه و هكذا سائر ما وصف الحق به نفسه فبقاء الطيب على المحرم من بقاء صفة الحق عليه إذ كان جعلها و تخلق بها في وقت يجوز له التخلق بها فإن صفات الحق لا يتخلق بها على الإطلاق بل عين لها أحوالا و مواطن فافهم ذلك
(حديث رابع عشر في المحرم يدهن بالزيت غير المطيب)
خرج الترمذي عن فرقد السبخي عن سعيد بن جبير عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يدهن بالزيت و هو محرم غير المفتت
قال أبو عيسى المفتت المطيب و في إسناده مقال من أجل فرقد الزيت مادة الأنوار و المحرم أولى به من كل متلبس بعبادة لكثرة المناسك في الحج فإن لم يكن نوره قويا ممدودا بالنور الإلهي الذي أودع الله في الزيت و أمثاله من الأدهان لبقاء النور و إلا يفوته كثير من إدراك معاني المناسك فنبه بالادهان بالزيت على الإمداد الإلهي للنور قال تعالى يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ فجعله نورا يَهْدِي الله لِنُورِهِ من يَشاءُ و الهداية لا تكون إلا بدليل و لا دليل هنا إلا الزيت وَ من لَمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَما لَهُ من نُورٍ فكل ما أبقى عليك وجود النور فذلك النور مجعول له و مراعاة الأصول من التمكن في العلم و الحكمة
(حديث خامس عشر في اختضاب المرأة بالحناء ليلة إحرامها)
ذكر الدارقطني عن ابن عمر أنه كان يقول من السنة أن تدلك المرأة بشيء من الحناء عشية الإحرام و تغلف رأسها بغسلة ليس فيها طيب و لا تحرم عطلا العطل الخالية من الزينة في الصحيح إن الله جميل يحب الجمال و الحق أولى من تجمل له خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ أراد هنا أن يلحقها بليلة القدر بين الليالي فإن سائر الليالي عطل من زينة ليلة القدر كذلك المرأة إذا أحرمت بغير زينة و لما كانت مأمورة بالستر و في الإحرام مأمورة بالكشف أراد أن يبقى لها ضربا من حكم الستر في زمان إحرامها فاختضبت بالحناء فسترت بياضها حمرة الحناء فكانت زينة و سترا فأباح للمرأة في هذا الحديث التزين بزينة الله و زينة الله أسماؤه و المرأة في الاعتبار نفس الإنسان فمن تخلق بأسماء الله و صفاته فقد تحلى بزينة الله الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ في كتابه و على ألسنة رسله و لا سيما في الأشهر الحرم و لا سيما شهر ذي الحجة و أعني بالأشهر الحرم التي للحاج أن يحرم فيها و الإحرام كله شهرة فإنه لا ستر فيه و سبب إزالة الستر فيه و التجرد إنما هولكونه جعل محرما فمنع من أمور كثيرة كان يفعلها في زمان حله فجبره بإزالة الستر الذي يقتضي التحجير حتى لا يجمع عليه تحجيرين الستر و الإحرام
(حديث سادس عشر إحرام المرأة في وجهها)
ذكر الدارقطني عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال ليس على المرأة إحرام إلا في وجهها رجوع إلى الأصل فإن الأصل أن لا حجاب و لا ستر و الأصل ثبوت العين لا وجودها و لم تزل بهذا النعت موصوفة و بقبولها سماع الخطاب إذا خوطبت منعوتة فهي مستعدة لقبول نعت الوجود مسارعة لمشاهدة المعبود فلما قال لها في حال عدمها كن كانت فبانت بنفسها و ما بانت فوجدت غير محجور عليها في صورة موجدها ذليلة في عز مشهدها لا تدري ما الحجاب و لا تعرفه فلما بانت المراتب للاعيان و أثرت الطبيعة الشح في الحيوان و وفره في حقيقة نفس الإنسان لما ركبه الله عليه في نشأته من وفور العقل و تحكيم القوي الروحانية و الحسية منه انجرت الغيرة المصاحبة للشح الطبيعي فكان أكثر الحيوان غيرة لأن سلطان الشح و الوهم فيه أقوى مما في سواه و العقل ليس بينه و بين الغيرة مناسبة في الحقيقة و لهذا خلقه الله في الإنسان لدفع سلطان الشهوة و الهوى الموجبين لحكم الغيرة فيه فإن الغيرة من مشاهدة الغير المماثل المزاحم له فيما يروم تحصيله أو هو حاصل له من الأمور التي إذا ظفر بها واحد لم تكن عند غيره و قد جبله الله على الحرص و الطمع أن يكون كل شيء له و تحت حكمه لإظهار حكم سلطان الصورة التي خلق عليها فإن من حقيقتها أن يكون كل شيء تحت سلطانها حتى إن بعض الناس أرسل حكم غيرته فيما لا ينبغي أن يرسلها فغار على الله و ما خلق و ما كلف إلا أن يغار لله لا على الله فبهذا بلغ من العبد سلطان استحكامها في الإنسان فألحقته بالجاهلين و العقل الكامل يعلم أنه خلق لربه لا لغيره و علم بذاته أن من خلقه لا يمكن أن يزاحمه في أمر و لا يعارضه في حكم فيقول هو هو على ما هو عليه في نفسه ف لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و أنا أنا على ما أنا عليه في نفسي و لي أمثال من جنسي فليس له فيما أنا عليه قدم إلا التحكم و ليس لي فيما هو عليه إلا قبول الحكم فلا مزاحمة و لا غيرة فالإنسان بما هو عاقل إن كان تحت سلطان عقله فلا يغار لأنه ما خلق إلا لله و الله لا يغار عليه فإذا غار العاقل فإنما يغار من حيث إيمانه فهو يغار لله و لها موطن مخصوص شرعه له لا تعداه فكل غيرة تتعدى ذلك الحد فهي خارجة عن حكم العقل منبعثة عن شح الطبيعة و حكم الهوى حتى إن بعض الناس يرى أمورا قد أباحها الشرع يجد في نفسه أن لو كان له الحكم فيها لحجرها و حرمها فيرجح نظره في مثل هذا على ما أباح الله فعله و يرى أنه في رأيه أرجح من الله ميزانا و من رسوله صلى الله عليه و سلم في هذا الذي خطر له و ربما يغتاظ حتى يقول أي شيء أصنع هذا شيء قد أباحه الله فلنصبر على ذلك فيصبر على كره و حنق في نفسه على ربه فهو في هدنة على دخن و هذا أعظم ما يكون من سوء الأدب مع الله و هو ممن أَضَلَّهُ الله عَلى عِلْمٍ و قد ظهر مثل هذا في الزمان الأول في آحاد الناس و أما اليوم فهو فاش في الناس كلهم فنحن نعلم أن الشارع هو الله و أن الرسول شخص مبلغ عن الله حكمه فيما أراه الله لا ينطق عن هوى نفسه إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى و الله يقول عن نفسه وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا و دل عليه دليل العقل و الله أشد غيرة من عباده و ما قرر من الشرائع إلا ما تقع به المصلحة في العالم فلا يزاد فيها و لا ينقص منها و مهما زاد فيها أو نقص منها أو لم يعمل بما قرره فقد اختل نظام المصلحة المقصودة لله فيما نزله من الشرائع و قرره من الأحكام فأباح الله لإمائه إتيان المساجد فرأى بعض الناس أن النبي صلى الله عليه و سلم لو رأى ما أحدث النساء بعده لمنع النساء المساجد كما منعت نساء بنى إسرائيل فرأوا إن الله لم يعلم أن مثل هذا يقع من عباده إذ كان هو المشرع سبحانه لا غيره فرجحوا نظرهم على حكم الله حتى إن بعضهم كان يغار على امرأته أن تخرج إلى المسجد و كان قويا في استعمال إيمانه و كانت المرأة تحب إتيان المسجد للصلاة و كانت ذات جمال فائق و يمنعه الخبر الوارد في تحريم منع النساء من إتيان المساجد فيجد في ذلك شدة فلو قدرت أن يرد الله الحكم لهذا الشخص في هذه المسألة لرجح نظره على حكم الله و منع النساء المساجد و الجائز كالواقع فما زال يحتال عليها حتى امتنعت من نفسها من إتيان المسجد فسر بذلك فلو استحكم في هذا الرجل سلطان العقل ما غار و لو استحكم فيه سلطان الايمان ما وجد حرجا في قلبه فصبر عليه مما حكم الله به في ذلك قالتعالى فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً و إنما ضربنا المثل في هذا المساق بتعيين هذا الخبر في النساء لأنا في مسألة المرأة إنها لا تستر وجهها في الإحرام و الغيرة يعطي حكمها الستر و قد ثبت في الصحيح أنه لا أغير من الله يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم في سعد إن سعد الغيور و أنا أغير من سعد و الله أغير مني و من غيرته حرم الفواحش و ما زاد على غيرة الله فهو في نفسه و عند نفسه أغير من الله و إن ذلك الأمر الذي هو عند الله ليس بفاحشة إذ لو كان عند الله فاحشة لحرمها فإن الله حرم الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ فعم الحكم فهذا شخص قد جعل فاحشة ما ليس عند الله فاحشة و أكذب الله فيما قال و جعل بغيرته التي يجدها أنه أحكم من الله في نصب هذا الحكم فلا يزال من هو بهذه المثابة معذبا في نفسه فما أحسن قوله ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً فلو عرض الإنسان نفسه و أدخلها في هذا الميزان لرأى نفسه كافرة بعيدة من الايمان فإن الله نفى الايمان عمن هذه صفته و أقسم بنفسه عليه إنه ليس بمؤمن فهو حكم إلهي بقسم تأكيدا له فقال فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ فلو كان الستر لها أصلا لما قيل لها في الإحرام لا تستري وجهك أ لا ترى آية الحجاب ما نزلت ابتداء و إنما نزلت باستدعاء بعض المخلوقين هي و غيرها و كثير من أحكام الشرع نزلت بأسباب كونية لو لا تلك الأسباب ما أنزل الله فيها ما أنزل و لذلك يفرق أهل الله بين الحكم الإلهي ابتداء و بين الحكم الإلهي إذا كان مطلوبا لبعض عباد الله فيكون ذلك الطلب سببا لنزول ذلك الحكم فكان الحق مكلف في تنزيله إذ لو لا هذا ما أنزله بخلاف ما أنزله ابتداء فالمحقق يأخذ الحكم الإلهي المنزل ابتداء بغير الوجه الذي يأخذ به الحكم الإلهي الذي لم ينزل ابتداء فلا يغرنك أيها السائل كون الحق أنزل الأشياء بحكم سؤالات السائلين فبادر إلى قبول حكمه أي نوع كان مشروح الصدر طيب النفس إن أردت أن تكون مؤمنا و أما العاقل الوافر العقل فمستريح مع الله و الحكم الإلهي مستريح معه لقد كان صلى الله عليه و سلم يقول اتركوني ما تركتكم حتى قال في وجوب الحج كل عام لو قلت نعم لوجبت و لكنها حجة واحدة فكره المسائل و عابها فالله يفهمنا و إياك مقاصد الشرع فلا يحجبنا ما ظهر منها مما بطن و عبادة الحج شبيهة بالناس في أحوالهم يوم القيامة شعثا غبرا متضرعين مهطعين إلى الداعي تاركين للزينة يرمون بالأحجار شغل المجافين لأنهم في عبادة لو علموا ما فيها لذهلت عقولهم فكانوا كالمجانين يرمون بالحجارة فجعله الله تنبيها لهم في رمى الجمار أن المشهد عظيم يذهب بالعقول عن أماكنها و ما ثم عبادة هي تعبد محض في أكثر أفعالها إلا الحج و كذلك النساء في الدار الآخرة في القيامة مكشفات الوجوه كما هن في حال الإحرام و لو لا تعلق الأغراض النفسية في إنزال الحجاب ما نزلت آية الحجاب فإن الله ما أخرها لهذا السبب هي و غيرها من الأحكام الموقوفة على مثل هذا إلا ذخيرة لحساب هذا الشخص الذي كان سببا في تكليف الناس بها فيتمنى يوم القيامة أنه لا يكون سببا في ذلك لما يشدد عليه و الناس عن هذا غافلون و كذلك أهل الاجتهاد يوم القيامة و هم رجلان الواحد يغلب الحرمة و الثاني يغلب رفع الحرج عن هذه الأمة استمساكا بالآية و رجوعا إلى الأصل فهو عند الله أقرب إلى الله و أعظم منزلة من الذي يغلب الحرمة إذ الحرمة أمر عارض عرض للأصل و رافع الحرج مع الأصل و إليه يعود حال الناس في الجنان يتبوءون من الجنة حيث يشاءون و ما أغفل أهل الأهواء و إن كانوا مؤمنين عن هذه المسألة و سيندمون وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ الوجود دار واحدة و رب الدار واحد و الخلق عيال الله يعمهم هذا الدار فأين الحجاب أ غير الله يرى أ غير الله يرى أ ينحجب الشيء عن حقيقته جزء الكل من عينه خلقت حواء من آدم النساء شقائق الرجال هذه أدوية من استعملها في مرض الغيرة أزالت مرضه و لم تبق فيه إلا غيرة الايمان فإنها غيرة لا تزول في الحياة الدنيا في الموضع الذي حكمها فيه نافذ فإياك يا أخي و هوس الطبيعة فإن العبد فيه ممكور به من حيث لا يشعر و ما أسرع الفضيحة إليه عند الله قال صلى الله عليه و سلم ما كان الله لينهاكم عن الربا و يأخذه منكم فمن غار الغيرة الإيمانية في زعمه فحكمه أن لا يظهر منه و لا يقوم به ذلك الأمر الذي غار عليه حين رآه في غيره فإن قام به فما تلك غيرة الايمان بل تلك غيرة الطبيعة و شحها ما وقاه الله منهفليس بمفلح في غيرته و ما أكثر وقوع هذا و كم قاسينا في هذا الباب من المحجوبين حين غلبت أهواؤهم على عقولهم فإنا آخذ بحجزهم عن النار و هم يتقحمون فيها