قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الثاني و السبعون في الحج و أسراره) (بخش ۳)

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
مرسل الغيرة في موطنهاهو فرد أحدي مصطفى‏
و الذي يرسلها مطلقةفهو دار رسمه منه عفا
مرض الغيرة داء مزمنو الذي قد شرع الله شفا
فمن استعمله بل و منحاد عنه لم يزل منحرفا
فأقل الأمر فيه أن يرىو هو موصوف به معترفا

دعا بعض أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم النبي صلى الله عليه و سلم إلى طعام فقال له النبي صلى الله عليه و سلم أنا و هذه و أشار إلى عائشة فقال الرجل لا فأبى أن يجيب دعوته صلى الله عليه و سلم إلى أن أنعم لم فيها أن تأتي معه فأقبلا يتدافعان إلى منزل ذلك الرجل النبي صلى الله عليه و سلم و عائشة و الله تعالى يقول لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ أين إيمانك لو رأيت اليوم صاحب منصب من قاض أو خطيب أو وزير أو سلطان يفعل مثل هذا تأسيا هل كنت تنسبه إلا إلى سفساف الأخلاق و لو لم تكن هذه الصفة من مكارم الأخلاق ما فعلها رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق‏ رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو يخطب يوم الجمعة على المنبر الحسن و الحسين و قد أقبلا يعثران في أذيالهما فلم يتمالك أن نزل من المنبر و أخذهما و جاء بهما حتى صعد المنبر و عاد إلى خطبته‏ أ ترى ذلك من نقص حاله لا و الله بل من كمال معرفته فإنه رأى بأي عين نظر و لمن نظر مما غاب عنه العمي الذين لا يبصرون و هم الذين يقولون في مثل هذه الأفعال أ ما كان له شغل بالله عن مثل هذا و هو صلى الله عليه و سلم و الله ما اشتغل إلا بالله‏ كما قالت من لم تعرف فيا ليتها سلمت حين سمعت القارئ يقرأ إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ مساكين أهل الجنة في شغل هُمْ وَ أَزْواجُهُمْ يا مسكينة ذكر الشغل تعالى عن هؤلاء و ما عرفك بمن و لا بمن تفكهوا هم و أزواجهم فيما ذا حكمت عليهم إنهم شغلوا عن الله لو اشتغلت هذه القائلة بالله ما قالت هذه المقالة لأنها لا تنسب إليهم شغلهم بغير الله حتى تتصور في نفسها هذه الحالة التي تخيلتها فيهم و إذا تصورتها لم يكن مشهودها في ذلك الوقت إلا تلك الصورة فهي المسكينة لما تحققنا من كلامها إن وقتها ذلك كان شغلا عن الله و أصحاب الجنة في باب الإمكان و هي قد شهدت على نفسها شهود تحقيق أنها مع غير الله في شغل و هذا من مكر الله الخفي بالعارفين في تجريح الغير ببادئ الرأي و التعريض في حق نفوسهم إنهم منزهون عن ذلك هكذا صاحب الغيرة المطلقة لا يزال في عذابها مقيما متعوب الخاطر و هو عند الله في عين البعد من حيث لا يشعر

(حديث سابع عشر في بقاء الطيب على المحرمة)

ذكر أبو داود من حديث عمر بن سويد قال حدثتني عائشة بنت طلحة إن عائشة أم المؤمنين حدثتها قالت كنا نخرج مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى مكة فنضمد جباهنا بالسك المطيب عند الإحرام فإذا عرقت إحدانا سأل على وجهها فيراه النبي صلى الله عليه و سلم فلا ينهانا تسمى الله بالطيب و حبب إلى نبيه صلى الله عليه و سلم الطيب و إنما منع المحرم من إحداثه في أثناء أفعال الحج إلى وقت طواف الإفاضة فإنه يستعمله للإحلال قبل أن يحل كما استعمله للإحرام قبل أن يحرم فأشبه النية في العمل لأن الإحرام عمل مشروع و الإحلال منه عمل مشروع فصار في منزلة من لا يقبل العمل إلا به فهي مرتبة عظمى و هو أقوى من النية في الصحبة للمكلف فإن المكلف يذهل عن النية في أثناء الفعل فيقدح ذلك في صورة الفعل لا في ذات الفعل فيخرج الفعل مما يكمله حضور النية و الطيب لذاته يبقى لا كلفة فيه فالأجر له من جهته ما دام موجودا فيه فهو أقوى سلطانا من النية و لا يستعمل الطيب إلا لرائحته فهو من مدارك الأنفاس الرحمانية فيدفع الكربات و يرفع الهموم و يزيل الضيق و الحرج و يؤدي إلى السعة و السراح و الجولان في المعارف الإلهية لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا فالطيب محبوب لذاته فأشبه الكمال و هو في المرأة سبب موجب للنظر إليها و ما منعها الشارع من‏ذلك في حال إحرامها مع كشف وجهها و هذا نقيض الغيرة التي في العامة التي ما خوطبنا بها فعليك بالغيرة الإيمانية الشرعية لا تزد عليها فتشقى في الدنيا و الآخرة أما في الدنيا فلا تزال متعوب النفس و أما في الآخرة بما يؤدي إلى سؤال الحق عن ذلك بما ينجر معها من سوء الظن و من الاعتراض بالحال على الله و حصول الكراهة في النفس بما أباحه الله‏

(حديث ثامن عشر في المسارعة إلى البيان عند الحاجة و احتزام المحرم)

ذكر أبو داود عن صالح بن حسان أن النبي صلى الله عليه و سلم رأى رجلا محرما محتزما بحبل أبرق فقال يا صاحب الحبل ألقه‏ فيحتجون بمثل هذا الحديث أن المحرم لا يحتزم و النبي صلى الله عليه و سلم ما قال فيه ألقه لأنك محرم فما علل للإلقاء بشي‏ء فيحتمل أن يكون لكونه مجرما و يحتمل أن يكون لأمر آخر و هو أن يكون ذلك الحبل إما مغصوبا عنده و إما للتشبه بالزنار الذي جعل علامة للنصارى‏ اعلم أن الاحتزام مأخوذ من الحزم و هو الاحتياط في الأخذ بالأمور التي يكون في الأخذ بها حصول السعادة للإنسان و مرضاة الرب إذا كان الحزم على الوجه المشروع في الوجه المشروع و الحبل إذا كان حبل الله و هو السبب الموصل إلى إدراك السعادة فإن كان ذلك المحتزم احتزم بحبل الله معلما بأخذ الشدائد و الأمور و المهمة و قال له ألقه فإنما ذلك مثل‏ قوله من يشاد هذا الدين يغلبه‏ و قوله إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق‏ و كان كثيرا ما يأمر صلى الله عليه و سلم بالرفق و قال إن الله يحب الرفق في الأمر كله‏ و الحزم ضد الرفق فإن الحزم سوء الظن و قد نهينا عن سوء الظن و الأمر أيسر مما يتخيله الحازم و هو يناقض المعرفة فإنه لا يؤثر في القدر الكائن و الأمر الشديد على الواحد إذا انقسم على الجماعة هان قال بعضهم‏

إذا الحمل الثقيل تقسمته رقاب الخلق خف على الرقاب‏

أ لا ترى الله تعالى يقول وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً و قال في الواحد وَ من يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ و قال تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ فيعتصم به الواحد و الجماعة و لما ذكر الحبل أمر الجماعة بالاعتصام به حتى يهون عليهم ثم إنه مع كونهم جماعة قد يشق عليهم لشدته و قد تضعف الجماعة عنه فأعانهم بنفسه و ما ذكر من نفسه إلا ما يعلم أنه الموصوف بالقدرة منه‏ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم يد الله مع الجماعة فيستعينون به و يعينهم بكون يد الله معهم على الاعتصام بحبل الله و هو عهده و دينه المشروع فينا الذي لا يتمكن لكل واحد منا على الانفراد الوفاء به فيحصل بالمجموع لاختلاف أحوال المخاطبين و لا يكون إلا هكذا فلهذا اعتبره صلى الله عليه و سلم تنبيها له فقال له ألقه هذا اعتباره الذي يحتاج إليه و لا سيما المحرم فإنه محجور عليه فزاد بالحبل احتجارا على احتجار فكأنه قال له يكفيك ما أنت عليه من الاحتجار فلا تزد فما كان أرفقه بأمته صلى الله عليه و سلم‏ و إنما رخص رسول الله صلى الله عليه و سلم في الهميان للمحرم‏ لأن نققته فيه الذي أمره الله أن يتزود بها إذا أراد الحج فقال وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى‏ فالتقوى هاهنا ما يتخذه الحاج من الزاد ليقي به وجهه من السؤال و يتفرغ لعبادة ربه و ليس هذا هو التقوى المعروف و لهذا ألحقه بقوله عقيب ذلك وَ اتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ فأوصاه أيضا مع تقوى الزاد بالتقوى فيه و هو أن لا يكون إلا من وجه طيب و لما كان الهميان محلا له و ظرفا و وعاء و هو مأمور به في الاستصحاب رخص له في الاحتزام به فإنه من الحزم أن تكون نفقة الرجل صحبته فإن ذلك أبعد من الآفات التي يمكن أن تطرأ عليه فتتلفه‏ ذكر أبو أحمد بن عدي الجرجاني من حديث ابن عباس قال رخص رسول الله صلى الله عليه و سلم في الهميان للمحرم‏ و إن كان هذا الحديث لا يصح عند أهل الحديث و هو صحيح عند أهل الكشف‏

(حديث تاسع عشر في الإحرام من المسجد الأقصى)

خرج أبو داود من حديث أم سلمة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر و وجبت له الجنة في إسناده مقال‏ (المناسبة) المسجد يناقض الرفعة فهو بعيد منها و هو سبب في حصولها قال عليه السلام من تواضع لله رفعه الله‏ و الأقصى البعيد و الحرام المحجور فهو بعد في قرب لمن هو فيه فالأقصى بالنسبة إلى المسجد هو بعيد مما خوطب به ممن هو في المسجد الحرام‏و هم أهل مكة و ما هو أقصى من أهله بل هو الأقرب و هو أيضا قصي من الأولية لأن البيت الذي هو الكعبة قد حاز الأولية و بين الأقصى و بينه أربعون سنة و هو حد زمان التيه لقوم موسى عن دخول المسجد الأقصى لما كان في عين القرب و هو مرتبة الأولية التي للمسجد الحرام فأبوا نصرة نبيه موسى و قالوا له فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ فقال لهم إني تارككم تائهين في هذه القعدة أربعين سنة لا تستطيعون دخول بيت المقدس كما لم يكن ظهوره للعبادة بعد المسجد الحرام إلا بعد أربعين سنة و ما بقي معهم موسى عليه السلام في التيه إلا لكونه رسولا إليهم فبقوا حيارى لا هم في عين القرب من الأولية و لا حصل لهم غرضهم في دخول بيت المقدس و ما أخذهم الله إلا بظاهر قولهم إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ فاحذر أن تكون من قوم موسى الذين صفتهم هذا بل كن من قوم موسى الذين هم أمة يقضون بالحق وَ به يَعْدِلُونَ كذلك مقام النبوة من مقام الولادة بينهما من التوقيت الزماني أربعون سنة فما بعث نبي إلا من أربعين سنة فإنه غاية استحكام العقل و قوة سلطانه و ابتداء ضعف الطبيعة ثم يمشي بحكمه فيما بقي من عمره في وفور من عقله و نقص من طبيعته‏ فمن أحرم من المقام إلا بعد يطلب المقام إلا قرب و كلاهما معبد كان المحرم برزخا بينهما و كان المعبدان طرفيه فما لم يصل إليه هو ما تأخر من ذنبه و ما تقدم عنه هو ما تقدم من ذنبه فيغفر له ما بين المسجدين و الغفر الستر فوجبت له الجنة لأنها ستر عن النار لمن دخل فيها و ذاته ستر على نار شهواته فباطن الجنة نار محرقة لأن الشهوة من الإنسان متحكمة فيها و هي نار طبيعته بلا شك فما زال العبد السعيد مكتنفا بالستر في التقدم أن لا تصيبه عقوبة الذنب و في التأخر اكتنف بستر الحفظ و العصمة أن لا يصيبه الذنب فهو ممن وجبت له الجنة إذا كان هذا حكمه فهو مستور في كنف الله فهو في الجنة و إن كان في الدنيا

(حديث عشرون في التنعيم إنه ميقات أهل مكة)

من مراسل أبي داود عن ابن عباس قال وقت رسول الله صلى الله عليه و سلم لأهل مكة التنعيم‏ كيف لا يكون ميقاتهم التنعيم و هم جيران الله و أهل بيته و هم أقرب الخلق إلى أولية المعابد فيتجلى لهم الحق في اسمه الأول و لا يحصل هذا التجلي إلا لأهل الحرم و فيه يتفاضلون بحكم الأهلية فإنهم بين عصبة و أصحاب سهام و لا يحصل هذا التجلي لغيرهم ممن جاور غيره من البيوت المضافة إلى الله و كل من كان فيه و فارقه فإنما حكمه حكم المسافر و إليه ينسب لا إلى غيره كهجرة النبي صلى الله عليه و سلم و من هاجر منه إلى المدينة قبل الفتح فأثبت لهم جوار الله لما وجدوا اسم المهاجرين و إنما وقع هذا الاسم لأمور عرضية و البيت لله على أصله من الحرمة و التحريم عند الفريقين فأهل مكة بحكم الأصل مكيون جيران الله في حرمه و هم عرب لهم حفظ الجار و مراعاة الجوار و الحق يعامل عباده بما تواطئوا عليه في أخلاقهم‏ (إليهم يحج الخلق من كل جانب)

يقولون حج العبد و العبد لم يحج‏و ما حج إلا من له الفعل و الأمر
و ما ثم إلا الله ما ثم غيره‏فمنه العطاء الجزل و النائل الغمر

و إذا كان المكي في غير مكة لا يزول عنه اسم الأهلية كما إن الآفاقي إذا كان بمكة لا يزول عنه اسم الجار كما أنا و إن حزنا بخلقنا الصورة الربانية فنحن بحكم الأصل عبيد عبودية لا حرية فيها فما نحن سادة و لا أرباب فمراعاة الأصول هي المرجوع إليها و إليه يرجع الأمر كله فهو الأصل فافهم هذه الآية فهم حفي بها خابر و لا أثر لما يقدح في الأصل من العوارض فإن ذلك ليس قادحا في نفس الأمر

(حديث حادي و عشرين في تغيير ثوبي الإحرام)

ذكر أبو داود عن عكرمة أن النبي صلى الله عليه و سلم غير ثوبيه بالتنعيم و هو محرم‏ هذا من المراسيل‏ اعتباره تغيير حال الشدة بالرخاء و ذلك من كان حاله البلاء الذي يوجب للمؤمن الصبر عليه و الرضي به لكونه من عند الله تعالى فتجده عند هذا البلاء شاكرا فقد عامل البلاء بما لا يستحقه (و هذه مسألة) أغفلها أيضا أصحابنا و غلطوا في تحقيقها و العبارة عنها و احتجوا في ذلك بما قاله أبو يزيد البسطامي الأكبر و هو

أريدك لا أريدك للثوابو لكني أريدك للعقاب‏
و كل مآربي قد نلت منهاسوى ملذوذ وجدي بالعذاب‏

فاعلم إن البلاء المحقق إنما هو قيام الألم و وجوده في نفس المتألم ما هو السبب المربوط به عادة كوجود الضرب بالسوط و الحرق بالنار و الجرح بالحديد و ما أشبه ذلك من الآثار الحسية مما يكون عنها الآلام الحسية و كذلك ضياع المال و المصيبة في الأهل و الولد و التوعد بالوعيد الشديد و جميع الأسباب الخارجة عنه الموجبة للآلام النفسية عادة إذا حصلت بهذا الشخص و هي ثوبا الإحرام فإن الإحرام يحول بينه و بين الترفه و التنعم فمثل هذه الأمور في العادة يوجب الآلام فيتعين شرعا على المبتلى بها الصبر و الرضي و التسليم لجريان الأقدار عليه بذلك فتسمى هذه الأسباب عذابا و ليست في الحقيقة عذابا و إنما العذاب هو وجود الألم عند هذه الأسباب لا عين الأسباب‏ و كذلك اللذة التي هي نقيض الألم هي صفة للملتذ يوصف بها و هو النعيم و التنعم و له أسباب ظاهرة و هي نيل أغراضه كانت ما كانت فإنه يتنعم بوجودها إذا حصلت فهو صاحب تنعم في مقام تنعيم فعبد على مثل هذا بالشكر لا بالصبر و سمي أسباب وجود اللذة في الملتذ نعيما و ليس النعيم في الحقيقة إلا اللذة الموجودة في النفس و هي أيضا لذات حسية و نفسية و أسباب كأسباب الآلام خارجة و قائمة بحسه فأما صاحب أسباب الآلام إذا وجد اللذة و الالتذاذ في نفسه مع قيام هذه الأسباب الموجبة للآلام عادة لم يجب عليه الصبر فإنه ليس بصاحب ألم و إنما هو صاحب لذة متقلب في نعم من الله فيجب عليه الشكر للتنعم القائم به و بالعكس في حصول أسباب النعم يجد عندها الألم فيجب عليه الصبر قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما أصابني الله بمصيبة فأثبت أنه مصاب بها أي نزلت به مصيبة أي سبب موجب للألم عادة فقال أ لا رأيت أن لله علي في تلك المصيبة ثلاث نعم النعمة الواحدة حيث لم تكن في ديني النعمة الثانية حيث لم تكن أكثر منها النعمة الثالثة ما وعد الله من الثواب عليها فأنا أنظر إليه فمثل هذا ما يسمى صابرا فإنه صاحب نعم متعددة فهو ملتذ بمشهوده فيجب عليه شكر المنعم و بالعكس و هو وجود أسباب اللذة فينعم الله عليه بمال و عافية و وجود ولد أو ولاية جديدة يكون له فيها رياسة و أمر و نهي و هذه كلها أسباب تلتذ النفوس بها و إذا كانت مطعومات شهية و ملبوسات لينة فاخرة و مشمومات عطرة فهو صاحب لذة حسية فيفكر صاحب هذه الأسباب بما للحق عليه فيها من الحقوق من شكر المنعم و التكليف الإلهي في ذلك و ما يتعين عليه في المال و الولد و الولاية من التصرف في ذلك كله على الوجه المشروع المقرب إلى الله و إقامة الوزن في ذلك كله فعند ما يخطر له هذا و هو الواجب عليه من الله أن ينظر في ذلك أعقبت هذه الأسباب الملذة في العادة هذا الفكر الموجب للألم فقام الألم به فهو صاحب بلاء لأنه صاحب ألم عن ظهور أسباب نعيم فيجب عليه الصبر على ذلك الألم و يسعى في أداء ما يجب عليه من الحق في ذلك أو يزهد فيه إن أفرط فيه الألم فما وقع الصبر إلا في موضعه مع وجود أسباب ضده و لا وقع الشكر إلا في موضعه مع وجود أسباب ضده و لذا قال أبو يزيد سوى ملذوذ وجدي بالعذاب‏ فما أراد بالعذاب هنا وجود الألم فإن الألم بالشي‏ء مضاد للتلذذ به فلا يجتمعان في محل واحد أبدا و هو طلب اللذة عند وجود سبب الآلام و هو خرق عادة كنار إبراهيم عليه السلام هي في الظاهر نار و لكن ما أثرت إحراقا في جسم إبراهيم و لا وجد ألما لها بل كانت عليه بردا و سلاما فتعين الشكر عليه لأنه ما ثم ألم يجب الصبر عليه فالصبر أبدا لا يكون إلا مع البلاء و البلاء وجود الألم و الشكر أبدا لا يكون إلا مع النعماء و النعيم بوجود اللذة في المحل فما يقع الشكر من العبد إلا على مسمى النعمة و لا يقع الصبر من العبد إلا على مسمى الألم و هو البلاء أ لا ترى النبي صلى الله عليه و سلم ما غير ثوبي إحرامه إلا بمكان يسمى التنعيم ينبه بذلك أصحابه و من يأتي بعده من إخوانه إنكم إذا نالتكم مشقة الإحرام في الحج و ما يتضمنه من الأسباب المؤلمة المؤذية فانظر فيما لله في طيها من النعم التي لا تحصى فيعقبكم رؤية ذلك تنعيما و التذاذا بما أنتم بسبيله لأنه سبب موجب لنيل تلك المشاهد الكرام و النعم الجسام فتهون عليكم صعوبة طريقكم فتكونون من الشاكرين فتجازوا يوم القيامة جزاء الصديقين الصابرين و جزاء الصديقين الشاكرين و كذلك في أسباب النعم إذا رأيتموها بلاء و اختبارا و أديتم حقوقهافإن لكم الجزاءين جزاء الشاكر و جزاء الصابر فهذا معنى تغيير النبي صلى الله عليه و سلم ثوبيه بالتنعيم و هو محرم فإن شاء قال الحمد لله المنعم المفضل و إن شاء قال الحمد لله على كل حال لوجود الحالين عنده فاعلم ذلك أ لا ترى تلبيته صلى الله عليه و سلم لبيك إن الحمد فعم الحالتين ثم قال و النعمة لك و ما قال و البلاء منك مع ظاهر الحال من المشقة و التحجير و أعظمها امتناعه مما حبب إليه و هو التمتع بالنساء

(حديث ثان و عشرون لا حج لمن لم يتكلم)

ذكر ابن الأعرابي عن زينب بنت جابر الأحمسية أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لها في امرأة حجت معها مصمتة قولي لها تتكلم فإنه لا حج لمن لم يتكلم يروي هذا الحديث متصلا إلى زينب ذكره ابن حزم في كتاب المحلى‏ قال تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ و هو كلام و هو صفة إلهية و أنت في عبادة مشروعة فينبغي بل يجب الكلام فيها بذكر ورد الحديث أن المناسك في الحج إنما وضعت لإقامة ذكر الله و عن الكلام صدرنا و هو قوله كن فكنا فالصمت حالة عدمية و الكلام حالة وجودية فالكلام له الأثر و به سمي كلاما لأنه من الكلم و هو الجرح و الجرح أثر في البدن و الإنسان موجود فلا ينبغي أن يتصف إلا بصفة وجودية و هو الكلام لا بوصف عدمي و هو الصمت فإن حقيقة الإنسان النطق فإذا صمت كذب على نفسه بالحال على إن الله قد جعل للصمت موطنا و هو صمت إضافي و هو ترك الكلام فيما لا يعني أو فيما يكون عليك لا لك‏

(حديث ثالث و عشرون في رفع الصوت بالتلبية و هو الإهلال في الحج)

ذكر النسائي عن السائب بن خلاد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال جاءني جبريل عليه السلام فقال يا محمد مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية قد ثبت بالدليل العقلي و السمعي أَنَّ الله بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ و إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ و قد جاء الشرع بذلك فاستوى المؤمن و العالم فلم يبق لرفع الصوت بالتلبية لجناب الحق مدخل غير أنه تعالى أخبر أنه يباهي بالحاج ملائكته فإذا رفعوا أصواتهم و ضجوا بالتلبية شعثا غبرا مهطعين إلى الله تعالى فإنه الداعي لهم كان أعظم عند الملائكة في المباهاة المرادة للحق في ذلك‏ ثم إنه من الأرواح المفارقة لحالة الدنيا بالموت ممن دعانا إلى الحق بعمل الحج كما روى عن إبراهيم الخليل عليه السلام أنه لما بنى البيت أمره ربه تعالى أن يصعد عليه و أن يؤذن في الناس بالحج فقال يا رب و ما عسى يبلغ صوتي فأوحى إليه عليك بالنداء و على البلاغ فنادى إبراهيم عليه السلام يا أيها الناس إن لله بيتا فحجوه قال فاسمع الله ذلك النداء عباده فمنهم من أجاب و منهم من لم يجب‏ و كانت إجابتهم مثل قولهم بَلى‏ حين أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ فأجابوه إجابة يسمعها من كان الحق سمعه منهم من سارع إلى إجابة الحق و هم الذين يُسارِعُونَ في الْخَيْراتِ و القائلين بأن الحج على الفور للمستطيع و منهم من تلكأ في الإجابة فلم يسرع إلا بعد حين منهم الذين يقولون الحج مع الاستطاعة على التراخي فمن هناك قضوا في هذا الوقت بما قضوا به من ذلك و هم لا يشعرون لأن الله تعالى ما أطلعهم على هذا المشهد لما أخرجهم إلى الحياة الدنيا ف هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ‏ ثم إن الذين أجابوه منهم من كرر الإجابة و منهم من لم يكرر فمن لم يكرر لم يحج إلا واحدة و من كرر حج على قدر ما كرر و له أجر فريضة في كل حجة و قد نبه الشارع على ذلك بتكرار التلبية في الحج فقال لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك لبيك إله الحق فأتى بخمس للتأذين بالحج تشبيها بالنداء للصلوات الخمس فيجيب لكل أذان لأنه كانت قرة عينه في الصلاة و مما يؤيد ما ذهبنا إليه إن الإهلال بالحج ما شرع إلا أثر صلاة لا بد منها و لقد رأيت رجلا بمكة من أهلها يزيد على الثلاثين سنة عمره ما حج قط و لا اعتمر و لا طاف بالبيت فكانت أول عمرة اعتمرها معي و كنت أعلمته كيف يصنع فيها و أخبرت عن رجل بجدة على ليلة من مكة يكون عمره بضعا و ثمانين سنة ما حج قط و أخبرت عن رجل من أهل مصر من أهل الثروة ما حدث نفسه بالحج قط فقبض عليه عن أمر صاحب مكة لنازلة وقعت تخيل فيه أنه صاحب النازلة فجاءوا به إلى صاحب مكة و هو مقيد بالحديد ليقتله فوافق يوم الوقوف بعرفة فلما أبصره الواشي قال أيها الأمير ما هو هذا فخلى سبيله و اعتذر إليه فاغتسل و أهل بالحج فهكذا هي العناية و أما من لم يجب‏ذلك النداء الإبراهيمي فهم الذين لم يضرب الله لهم بسهم في الحج مع كونهم سمعوا و من أصمه الله عن ذلك النداء فهو الذي لا يؤمن بالحج و أما الذين يحج عنهم إذا لم يحجوا فالذي يحج عنهم له الحج كاملا بثوابه و للمحجوج عنه ثواب الحج لا الحج فيحشر في الحاج و ليس بحاج هذا أعطاه الكشف‏ فلهذا قد ذكرنا أن رفع الصوت بالتلبية إنما كان للمباهاة و أما المعنى الآخر في حكم الأسماء الإلهية فإنه من أسمائه البعيد و هو التائه الوارد في القرآن حيث وقع فلا ينادي إلا الاسم البعيد من الحالة التي ينادى فيها العبد ليجيب نداء الحق إلى الحالة التي يدعوه إليها و البعد يطلب رفع الصوت بالتلبية لإظهار قوة سلطان الاسم البعيد بأن له التأثير فيما بعد كتأثير القريب إذ لا مفاضلة في الأسماء الإلهية كما قررناه غير مرة فاعلم ذلك انتهى الجزء الثاني و السبعون‏

( (بسم الله الرحمن الرحيم))

(حديث رابع و عشرون في ذكر الله قبل الإهلال بالحج)

خرج البخاري عن أنس أن النبي صلى الله عليه و سلم لما استوت به راحلته على البيداء حمد الله و سبح و كبر ثم أهل بحج و عمرة حمد الله و لم يذكر صورة التحميد فليحمل على الثناء على الله بما يقتضيه حال النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك الموطن فإنه فيه بين ما يسره و بين ما حجر عليه فعله مما كانت له في إباحته إرادة فمن حيث ما هو صاحب سراء من إجابة الخلق دعوة الله يقول الحمد لله المنعم المفضل و من حيث ما حجر عليه و منع مما له فيه إرادة يقول الحمد لله على كل حال فجمع بين الحمدين ليجمع الله له بين الدرجتين لأنه كامل فيكمل له الجزاء و هكذا ينبغي أن يحضر الحاج في نفسه في ذلك الوقت عند تحميده ربه إحضار الحالتين ليجمع له بين الحمدين حالا و نطقا فيحصل على الجزاءين فلهذا قال الصاحب حمد الله و لم يعين‏ و أما التسبيح في ذلك الموطن فإنه موطن التحجير و الإحرام و الحق منزه عن التحجير في تصريفه في خلقه فهو يصرفهم كيف يشاء لا مانع و لا تحجير عليه فوجب التسبيح لما يقتضيه الموطن و من وجب له التسبيح فهو الكبير عن الاتصاف بمثل ما هم الناس عليه في ذلك الوقت من الحال فلا بد من التكبير فإذا أعطى الله ما ينبغي له حينئذ يتفرغ لمقصوده فيما دعي إليه من الحج و العمرة فيهل بالحج و العمرة كما ورد

(حديث خامس و عشرون في النهي عن العمرة قبل الحج)

خرج أبو داود عن سعيد بن المسيب أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فشهد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم في مرضه الذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج‏ و هذا مرسل و ضعيف جدا فإن الأحاديث الصحاح تعارضه‏ فصار مدلول لفظ الحج في هذا الحديث أنه القصد و هو النية فهي نهي أن يتقدم العمل على النية فيه فإن النية ما شرعت إلا عند الشروع في العمل و العمرة زيارة الحق في بيته المضاف إليه الذي دعا الناس إلى الإتيان إليه فمن زاره من غير قصد و هو المسمى بالحج لغة لا شرعا فما زاره فنهى عن الزيارة قبل القصد يعني نية الزيارة على جهة القربة فيصح الحديث على هذا المعنى‏

(حديث سادس و عشرون ما يبدأ به الحاج إذا قدم مكة)

خرج مسلم عن عروة بن الزبير قال حج رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبرتني عائشة رضي الله عنها أنه أول شي‏ء بدأ به حين قدم مكة إنه توضأ ثم طاف بالبيت‏ لما دعا الله سبحانه عباده إلى هذه العبادة ما دعاهم إلا إلى بيته لا إلى غيره فقال وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ و أمر خليله إبراهيم عليه السلام أن يعلو على ظهر البيت حين أكمله بالبناء أن ينادي إن لله بيتا فحجوه فلما وصلوا إلى البيت لم يتمكن أن يكون البدء إلا الطواف به حتى يعمه من جميع جهاته و لا يطاف بالبقعة ما لم تكن محجورة بصورة ينطلق عليها اسم البيت أ لا تراهم لما بقي من البقعة ما بقي خارجا إذ قصرت بهم النفقة من جهة الحجر أقاموا لذلك الباقي حائط الحجر حتى لا يكون الطواف إلا بصورة زائدة على البقعة هذا كله لئلا يتخيل أن المقصود البقعة فأعلمهم الله تعالى أن المقصود صورة البيت في هذه البقعة فوقع القصد للمجموع لا للمفرد و متى لم يكن‏المجموع لم يصح القصد و لا صحت العبادة و ذلك لأن أصل استنادنا في وجودنا ما هو للذات الغنية من كونها ذاتا بل من كون هذه الذات إلها فاستناد للمجموع و لهذا كثرت الآلهة في العالم في ذوات مختلفة في زعم من جعلها آلهة كما كثرت البيوت في بقاع مختلفة و ما صح منها أن يكون بيتا لهذه العبادة إلا هذا الخاص لهذا الجمع الخاص و إن كانت كلها بيوتا في بقع ثم إن الله تعالى لما اتصف بالغيرة و رأى ما يستحقه من المرتبة قد نوزع فيها و رأى أن المنسوب إليهم هذا النعت و هذا الاسم لم يكن لهم فيه قصد و لا إرادة من فلك و ملك و معدن و نبات و حيوان و كوكب و إنهم يتبرءون منهم يوم القيامة قضى الله حوائج من عبدهم غيرة ليظهر سلطان هذه النسبة لأنهم ما عبدوه لكونه حجرا و لا شجرا بل عبدوه لكونه إلها في زعمهم فالإله عبدوا فما رأى معبود إلا هو و لهذا يوم القيامة ما يأخذهم إلا بطلب المعبودين فإن ذلك من مظالم العباد فمن هنالك يجازيهم الله بالشقاء لا من حيث عبادتهم فالعبادة مقبولة و لهذا يكون المال إلى الرحمة مع التخليد في جهنم فإنهم أهلها فتفطن‏ فقد اجتمعوا معنا في كوننا ما عبدنا هذه الذات لكونها ذاتا بل لكونها إلها فوضعنا الاسم حقيقة على مسماه فهو الله حقا لا إله إلا هو فلما نسبنا ما ينبغي لمن ينبغي سمينا علماء سعداء و أولئك جهلاء أشقياء لأنهم وضعوا الاسم على غير المسمى فأخطئوا فهم عباد الاسم و المسمى مدرج فوقع التمييز بيننا و بينهم في الدار فسكنا دارا تسمى جنة لها ثمانية أبواب الباب الثامن وضع الاسم على مسماه حقيقة و كانت النار سبعة أبواب لأن الباب الثامن هو وضع الاسم على مسماه و أهل جهنم ما وضعوه على مسماه فجهلوا فظهر الحجاب فلم يروا إلا مسماهم و ذهب الاسم عنهم يطلب مسماه فأخذه من استحقه و هو الله فعرفوا في الآخرة ما جهلوه في الدنيا و لم تنفعهم معرفتهم‏ و لكن راعى الحق سبحانه قصدهم حيث أنهم ما عبدوا إلا الله لا الأعيان فصيرهم في العاقبة إلى شمول الرحمة بعد استيفاء حقوق المعبودين منهم و لذلك جعله من الكبائر التي لا تغفر و لكن ما كل مشرك بل المشركون الذين بعثت إليهم الرسل أو لم يوفوا النظر حقه و لا اجتهدوا فإن النبي صلى الله عليه و سلم قد أخبر أن المجتهد و إن أخطأ فإنه مأجور و لم يعين فرعا من أصل بل عم و صدق قوله وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ و قوله سبقت رحمتي غضبي‏ و إن الميزان ما هو على السواء في القبضتين و إنما هو على السواء بين العمل و الجزاء لذلك وضع الميزان و هذه المسألة الميزانية غلط فيها جماعة من أهل الله منهم أبو القسم بن قسي صاحب خلع النعلين و من تابعه وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏

(حديث سابع و عشرون أين يكون البيت من الطائف)

خرج الترمذي عن جابر قال لما قدم النبي صلى الله عليه و سلم مكة دخل فاستلم الحجر ثم مضى على يمينه فرمل ثلاثا و مشى أربعا

الحديث‏ لما كان الحجر يمين الله و جعل للإنسان المخلوق على الصورة يمينا شرع له أن يكون في طوافه بين يمين الله و يمينه فيكون مؤيدا بالقوتين معا فلا يجد الشيطان إليه دخولا لأن الشيطان ليس له على اليمين سبيل و إنما يلقي في قلب العبد و هو مائل إلى جهة الشمال فيكون يمين الحق في الطواف في حق الطائف يحفظه و هو ذو يمين من نشأته فلا يزال محفوظا فإذا انتقل من موازنته و هو من حد الركن العراقي إلى الركن اليماني تحفظه عناية البيت المنسوب إلى الله فإن قلت فقد أخبر الله تعالى عن إبليس أنه يأتينا من قبل اليمين قلنا اليمين الذي أراد الشيطان هنا ليس هو يمين الجارحة فإنه لا يلقي على الجوارح و كذلك ما هو شمال الجوارح و لا أمام الإنسان و لا خلفه و أن محل إلقائه إنما هو القلب فتارة يلقي في القلب ما يقدح في أفعال ما يتعلق بيمينه أو شماله أو من خلفه أو من بين يديه و نحن إنما نريد باليمين هنا هذه الجهة المخصوصة فإن قلت و كذا المشرك له هذه اليمين قلنا بالمجموع وقع ما وقع و ما يكون المجموع إلا للمؤمن و هذا معنى قوله تعالى وَ أَمَّا إِنْ كانَ من أَصْحابِ الْيَمِينِ يريد يمين المبايعة التي بيدها الميثاق ما يريد يمين الجارحة

(حديث ثامن و عشرون من رأى الركوب في الطواف و السعي)

خرج مسلم عن جابر قال طاف رسول الله صلى الله عليه و سلم في حجة الوداع على راحلته بالبيت و بالصفا و المروة الحديث و كذلك أيضا وقف بعرفة و بجمع و رمى الجمار كل ذلك و هو راكب‏ إعلام منه صلى الله عليه و سلم أنه محمول في جميع أحواله من طاعة ربه و أنه بغيره لا بنفسه و كان من حامله كعضو من أعضائه بالنسبة إليه فكما إن أعضاءه محمولة لنفسه‏عضوا عضوا حمل الكل للجزء كذلك الإنسان بجملته لمن يحمله فهو طائف لا طائف و ساع لا ساع و واقف لا واقف و ما سمي بالحاج إلا بهذه الأفعال و هو محمول فيها بسعي حامله و وقوفه و مع هذا ينسب إليه‏ فنبهك على ما هو الأمر عليه يقول لك و إن قال لك اعمل فهو العامل بك لا أنت ثم ينسب العمل إليك و يجعل الجزاء للعمل لا لك غير أن العمل ليس بمحل للتنعم و التألم بالجزاء و لا بد له من قائم يقوم به فليكن محله من نسب الفعل إليه حسا و هو المكلف و عاد الحامل له كالآلة و إذا كان الحامل هو الله كان المحمول لظهور ذلك الفعل فيه كالآلة له و هذا عكس الأول فلهذا طاف و سعى و وقف و رمى راكبا ليراه الناس فيتأسون و أهل الله فيعتبرون لمعرفتهم بما أراد رسول الله صلى الله عليه و سلم بتلك الحالة مع تمكنه أن يفعل هذه الأفعال من غير ركوب‏

(حديث تاسع و عشرون إلحاق اليدين بالرجلين في الطواف)

ذكر الدارقطني عن أم كبشة أنها قالت يا رسول الله إني آليت أن أطوف بالبيت حبوا فقال لها رسول الله صلى الله عليه و سلم طوفي على راحلتك سبعين سبعا عن يديك و سبعا عن رجليك‏ اليدان للإنسان كالجناحين للطائر فكما يسبح في الأرض برجليه حين يمشي كذلك يسبح في الماء بيديه إذا مشى فيه و مع كون الإنسان يمشي على رجليه فإنه يستعين بحركة يديه إذا مشى‏ و لما كان باطن الإنسان و هو روحه ملكا في الحقيقة من ملائكة التدبير و هم النوع الثالث من الملائكة و قد أخبر الله تعالى عن الملائكة أنهم ذوو أجنحة و ما خص ملكا من ملك فنعلم قطعا إن نفوسنا من حيث هي من الملائكة الذين مقامهم تدبير هذه الأجسام العنصرية إنهم ذوو أجنحة و جعلت هذه الأجسام الطبيعية حجابا دوننا عن إدراكنا إياها أ لا ترى إلى جبريل عليه السلام لما تجسد في صورة دحية و في صورة الأعرابي ما ظهر لعين أجنحته عين جملة واحدة حكم على سترها ظهور صورة الجسم الذي ليس من شأنه أن يكون له جناح مع كون جبريل له ستمائة جناح‏ فلما كانت لهم السباحة بالأجنحة التي بها يمشون في الهواء و هو ركن من الأربعة الأركان كما هي الرجلان للسعي في ركن التراب ألحق اليد بالرجلين فقال لها في هذا القول طوفي سبعا عن روحك لأن مشيه بالجناحين و هو قوله عن يديك و سبعا عن رجليك لأن بهما يكون المشي في الطواف و غيره فضاعف عليها التكليف لما جعلت المشي في غير آلته فافهم‏

(حديث ثلاثون في الاضطباع في الطواف)

ذكر الترمذي عن يعلى بن أمية أن النبي صلى الله عليه و سلم طاف بالبيت مضطبعا و عليه برد قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح‏ الاضطباع أن يكون طرف من الرداء على كتفك اليسرى و ما بقي منه تتأبطه تحت ذراعك اليمنى ثم تمر به إلى صدرك إلى كتفك اليسرى فتغطيها بطرفه فيكون الكتف الأيمن مكشوفا و الأيسر مستورا هذا ليجمع بين حالتي الستر و التجلي و الغيب و الشهادة و السر و العلن‏ و إنما وقع الستر من جهة القلب لأنه موضع الغيب من الإنسان و عنه تظهر الأفعال في عالم الشهادة و هي الجوارح فلو لا قصده لتحريكها ما ظهرت عليها حركة فذلك تأثير الغيب في الشهادة و أصل ذلك من العلم الإلهي‏ قول الله تعالى في الذكر إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي و إن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه‏ اعلم أن له ذكرا مستورا نسبه إلى نفسه و أن له ذكرا علانية و العين واحدة ما لها وجهان مع وجود الاختلاف في الحكم و عن هذه النسبة الإلهية ظهر العالم في مقام الزوجية فقال وَ من كُلِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ و إن كان واحدا فله نسبتان ظاهرة و باطنة إذ كان هو الظاهر و الباطن فما أعز معرفة الله على أهل النظر الفكري و ما أقربها على أهل الله جعلنا الله من أهله‏

(حديث حادي و ثلاثون السجود على الحجر عند تقبيله)

ذكر البزار عن جعفر بن عبد الله بن عثمان المخزومي قال رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبل الحجر ثم سجد عليه قلت ما هذا قال رأيت خالك ابن عباس قبل الحجر ثم سجد عليه و قال رأيت عمر قبله و سجد عليه و قال رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم قبله و سجد عليه‏ لما كان الحجر أرضيا و جعل الله الأرض ذلولا و هي لفظة مبالغة في الذلة فإن فعولا من أبنية المبالغة في اللسان العربي قال الشاعر ضروب بنصل السيف سوق سمانها و إنما أعطيت المبالغةفي الذلة لكون الأذلاء و هم عبيد الله أمروا بالمشي في مَناكِبِها أي عليها فمن وطئه الذليل فهو أشد مبالغة في وصفه بالذلة من الذي يطؤه فكما جبر الله كسر الأرض من هذه الذلة بما شرع من السجود عليها بالوجوه التي هي أشرف ما في ظاهر الإنسان و الحجر من الأرض فصحبه ذلك الانكسار لأنه قد فارق الأرض التي هي محل سجود الجباة و الوجوه الذي ينجبر به انكسارها فشرع السجود على الحجر مع كونه فارق الأرض في حال الانكسار فحصل له من الجبر نصيبه بهذا السجود لأنه حجر معتنى به و قبل لكونه يمينا منسوبا إلى الله فتقبيله للمبايعة إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ الله فهذه علة السجود عليه‏

(حديث ثاني و ثلاثون سواد الحجر الأسود)

ذكر الترمذي عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم نزل الحجر الأسود من الجنة و هو أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بنى آدم‏ قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح‏ آدم عليه السلام لو لا خطيئته ما ظهرت سيادته في الدنيا فهي التي سودته و أورثته الاجتباء فما خرج من الجنة بخطيئته إلا لتظهر سيادته و كذلك الحجر الأسود لما خرج و هو أبيض فلا بد من أثر يظهر عليه إذا رجع إلى الجنة يتميز به على أمثاله فيظهر عليه خلعة التقريب الإلهي فأنزله الله منزلة اليمين الإلهي التي خمر الله بها طينة آدم حين خلقه فسودته خطايا بنى آدم أي صيرته سيدا بتقبيلهم إياه فلم يكن من الألوان من يدل على السيادة إلا اللون الأسود فكساه الله لون السواد ليعلم أن ابنه قد سوده بهذا الخروج إلى الدنيا كما سود آدم فكان هبوطه هبوط خلافة لا هبوط بعد و نسب سواده إلى خطايا بنى آدم كما حصل الاجتباء و السيادة لآدم بخطيئته أي بسبب خطايا بنى آدم أمروا أن يسجدوا على هذا الحجر و يقبلوه و يتبركوا به ليكون ذلك كفارة لهم من خطاياهم فظهرت سيادته لذلك فهذا معنى سودته خطايا بنى آدم أي جعلته سيدا و جعلت اللونية السوادية دلالة على هذا المعنى فهو مدح لا ذم في حق بنى آدم أ لا ترى آدم ما ذكر الله أولا للملائكة إلا خلافته في الأرض و ما تعرض للملائكة فلما ظهر من الملائكة في حق آدم ما ظهر قام ذلك الترجيح منهم لأنفسهم و كونهم أولى من آدم بذلك و رجحوا نظرهم على علم الله في ذلك فقام لهم ذلك مقام خطايا بنى آدم فكان سببا لسيادة آدم على الملائكة فأمروا بالسجود له لتثبت سيادته عليهم‏ فالسعيد من وعظ بغيره فالعاقل منا لا يعترض على الله فيما يجريه في عباده من تولية من يحكم بهواه و لا يعمل في رعيته بما شرع له فلله في ذلك حكم و تدبير فإن الله أمر بالسمع و الطاعة و أن لا ننازع الأمر أهله إذ قد جعله الله لذلك الأمر فإن عدل فلنا و له و إن جار فلنا و عليه فنحن في الحالين لنا فنحن السعداء و ما نبالي بعد ذلك إذا أثبت الله السعادة لنا بما يفعل في خلقه فإن تكلمنا في ولاتنا و ملوكنا بما هم عليه من الجور سقط ما هو لنا في جورهم و أسأنا الأدب مع الله حيث رجحنا نظرنا على فعله في ذلك لأن لنا الذي هو في جورهم هو نصيب أخروي بلا شك فقد حرمناه نفوسنا و من حرم نفسه أجر الآخرة فهو من الخاسرين و الذين لنا إذا عدلوا فهو نصيب دنيوي و الدنيا فانية و نحن قد فرحنا و آثرنا نصيب الدنيا على نصيب الآخرة من حيث لا نشعر لاستيلاء الغفلة علينا فكنا بهذا الفعل ممن أراد حرث الدنيا كما إن قوله إذا عدلوا فلهم نصيب أخروي فزهدوا فيه بجورهم فعاد عليهم وبال ذلك الجور فالمسلم من سلم و فوض و رأى أن الأمور كلها بيد الله فلا يعترض إلا فيما أمر أن يعترض فيكون اعتراضه عبادة و إن سكت في موضع الاعتراض كان حكمه حكم من اعترض في موضع السكوت جعلنا الله من الأدباء المهذبين الذين يقضون بِالْحَقِّ وَ به يَعْدِلُونَ‏ واقعة قيل لي فيها و فيه مناسبة من هذا الحديث ما يعلم من الله و ما يجهل فقلت‏

العلم بالله ديني إذ أدين به و الجهل بالعين إيماني و توحيدي‏

فقيل لي صدقت هذا قوله تعالى وَ يُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ فما عندك في تجليه فقلت‏

في كل مجلى أراه حين أشهده ما بين صورة تنزيه و تحديد

فقيل لي سبحان من تنزه عن التنزيه بالتشبيه و عن التشبيه بالتنزيه قيل لأبي سعيد الخراز بم عرفت الله فقال‏بجمعه بين الضدين يعني في وصفه ثم تلا هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ و كان بساقي دمل كنت أتألم منه من شدة وجعه فغلب علي في تلك الحال شهوده سبحانه فقلت‏

رأيته في دملىفقلت داء معضل‏
لا راحة ترجى و لاضر فقل ما أعمل‏

فقيل لي سلم فقلت نعم المعلم فسلمت و ما تكلمت‏

رأيت هذي الواقعةلكل علم جامعة
فما رأيت مثلهامن العلوم النافعة

و خوطبت في سرى فيها بأمور لا يمكنني إذاعتها و لا تلتبس علي بضاعتها غير أن التجلي للبشر لا يكون إلا بالصور و العمل الإلهي في البصر عند تعلق النظر و قد عرفت فالزم‏

(حديث ثالث و ثلاثون شهادة الحجر يوم القيامة)

ذكر الترمذي عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في الحجر و الله ليبعثنه الله يوم القيامة و له عينان يبصر بهما و لسان ينطق به يشهد على من استلمه بحق‏ هذا من أعجب ما في القرآن أن يكون على بمعنى اللام قال تعالى وَ ما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ أي للنصب لأن الشهادة عليك إنما هي بما لا ترتضيه لأن المشهود عليه لو اعترف ما شهد عليه و لا ينكر إلا ما يتوقع من الاعتراف به الضرر فعلى عندنا هنا على بابها و هكذا كل أداة على بابها لا يعدل بها إلى خلاف ما وضعت له بالأصالة إلا بقرينة حال و كذلك فعل من أخرج هنا على عن بابها و جعلها بمعنى اللام جعل قرينة الحال أن النبي صلى الله عليه و سلم ما أراد بهذا القول إلا تعظيم استلامه في حقنا و أن الخير العظيم لنا في ذلك إذا استلمناه إيمانا و هو قوله بحق عندهم يعني بحق مشروع لأنه يمين الله المنصوب للتقبيل و الاستلام في استلام كل أمة لها هذا الايمان و لذلك نكر قوله بحق و لم يجي‏ء به معرفا قال تعالى لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً فجاء بالنكير فالشرائع كلها حق فمن استلمه بحق أي حق كان في أي ملة كان دخل تحت هذا الحكم من الشهادة الحجرية بالإيمان‏ و أما من ترك على على بابها و هو الأولى فإن الحق هنا و إن كان نكرة فهو في المعنى معرفة و إنما نكر لسريانه في كل شي‏ء فما من شي‏ء موجود أو متصف بالوجود إلا و الحق يصحبه كما قال وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ فأينما كنا كان الحق معنا كينونية وجودية منزهة كما يليق به و كنا أمر وجودي فالباطل عدم و الحق وجود و لما جعل الحجر يمين الله و محل الاستلام و التقبيل انبغي لنا أن نقبله بعبوديتنا و لا نحضر عند التقبيل كون الحق سمعنا و بصرنا و العامل منا فإنا إذا كان مشهدنا هذا فيكون الحق مستلما يمينه و لا يستلم إلا باليمين و اليمين هو الحجر و الشي‏ء لا يستلم نفسه و قد اختار آدم عليه السلام يمين ربه مع علمه بأن كلتي يدي ربه يمين مباركة و مع هذا عدل إلى اختيار اليمين فلما أراد العبد أن يجتني يوم القيامة ثمرة غرس الاستلام فقال له ما استلمت و إنما الحق استلم يده بيده ثم جي‏ء بالحجر فقيل له تعرف هذا فيقول نعم فيقال له بم تشهد في استلامه إياك فيقول استلمني بك لا بعبوديته فيقال للعبد قد علمت بهذه الشهادة أن الاستلام ما كان بك و إنما كان بالحق فتكون عند ذلك الشهادة على الإنسان لا للإنسان فلا يبقى له ما يطلبه فأخبرنا الشارع بما هو الأمر عليه لنستلمه عبودية و اضطرارا مكلفين بذلك تعبدا محضا كما فعل عمر بن الخطاب‏ فإن قلت فقد بايع النبي صلى الله عليه و سلم في بيعة الرضوان نفسه بنفسه و جعل يده على يده و أخذ يده بيده و قال هذا عن عثمان و كان عثمان غائبا في تلك البيعة و كذلك العبد إذا استلمه بحق يكون الحق يستلم يمينه بيده فإن كلتي يديه يمين و يكون ذلك الاستلام عن هذا العبد الذي استلمه بحق فيجني ثمرته إذ قال هذا عن عثمان و يكون عذر هذا العبد كون مشهد الحال غلب عليه سلطانه حيث لم يشاهد إلا الله في أعيان كل شي‏ء من الموجودات قلنا الفرق بين المسألتين أن المناسبة بين المثلين صحيحة و الجامع بين النبي صلى الله عليه و سلم و بين عثمان الإنسانية و هي حقيقة النشأة و العبودية فجازت النيابة و أن يقوم كل واحد مقام الآخر و الفرق الثاني أن اليد التي بايعوها هي يد الله فبايعوها بأيديهم و هنا المستلم يمين الله و المستلم يد الله أيضا و لا مناسبةبين الله و بين خلقه و هناك المناسبة موجودة فإن قيل المناسبة هنا خلقه على الصورة و لهذا صح له التخلق بالأسماء الإلهية قلنا أما الصورة فلا ننكرها و أما التخلق فلا ننكره و لكن أضاف الاستلام هنا للعبد و جعل استلامه بحق و ما ثم إلا الاستلام و هو بحق فما استلم إلا الحق و الصورة هنا ما هي عين الحق بلا شك فإنها لو كانت عين الحق ما قال خلق آدم على صورته و هنا كان الحق سمعه و بصره و يده فهنا هو الحق عينه من حيث ما هو سامع و ناظر و فاعل أي فعل كان فهو عين الصفة التي يكون لها الحكم و الأثر و الحال في الكون فاختر عند استلامه بأي حالة تستلم و مع هذا فكلها أحوال حسنة و بينهما فرقان بين و إخراج على عن بابها في هذا الموضع أولى بالعموم و إبقاؤها على بابها أولى بالخصوص و الأكابر منا من يستلمه بالوجهين يستلمه بحق و يستلمه بعبودية فيجمع بين الصفتين فيكون ذا جزاءين فيكون له و عليه كما كان يسلك منه و إليه‏

(حديث رابع و ثلاثون في الصلاة خلف المقام)

خرج أبو داود عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه و سلم اعتمر فطاف بالبيت و صلى خلف المقام‏

الحديث‏ لما أمرنا الله تعالى أن نتخذ من مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى و قد مضى اعتباره فجعلناه بين أيدينا لنشاهده حتى لا نغفل عنه في حال صلاتنا فيذكرنا شهوده بأن نسأل الله تحصيل هذا المقام إن لم نكن فيه و إن كان حالنا فيذكرنا شهوده أن نسأل الله دوامه علينا و بقاءنا فيه فلا بد في الحالين أن نكون خلفه لئلا نكون ممن نبذه وراء ظهره فلم يتذكره لعدم شهوده إياه‏

(حديث خامس و ثلاثون إشعار البدن و تقليدها النعال و العهن)

خرج مسلم عن ابن عباس قال صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن و سلت عنها الدم و قلدها نعلين ثم ركب راحلته‏ الحديث‏ اعلم أن النبي صلى الله عليه و سلم قد ذكر في الإبل أنها شياطين و جعل ذلك علة في منع الصلاة في معاطنها و الشيطنة صفة بعد من رحمة الله لا من الله لأن الكل في قبضة الله و بعين الله و الإشعار الإعلام و المحسنون ما عليهم من سبيل و إنما يدعي إلى الله من لم يكن عنده في الصفة التي يدعى إليها و الشفاعة لا تقع إلا فيمن أتى كبيرة تحول بينه و بين سعادته و لا أبعد من شياطين الإنس و الجن و الهدية بعيدة من المهدي إليه لأنها في ملك المهدي فهي موصوفة بالبعد و ما يتقرب المتقرب إلى الله من أهل الدعاء إلى الله بأولى من رد من شرد عن باب الله و بعد إلى الله ليناله رحمة الله فإن الرسل ما بعثت بالتوحيد إلا للمشركين و هم أبعد الخلق من الله ليردوهم إلى الله و يسوقوهم إلى محل القرب و حضرة الرحمة فلهذا أهدى رسول الله صلى الله عليه و سلم البدن مع ذكره فيها أنها شياطين ليثبت عند العالمين به إن مقامه صلى الله عليه و سلم رد البعداء من الله إلى حال التقريب‏ ثم إنه أشعرها في سنامها الأيمن و سنامها أرفع ما فيها فهو الكبرياء الذي كانوا عليه في نفوسهم فكان أعلاما من النبي صلى الله عليه و سلم لنا بأنه من هذه الصفة أتى عليهم لنجتنبها فإن الدار الآخرة إنما جعلها الله لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الْأَرْضِ و السنام علو و وقع الإشعار في صفحة السنام الأيمن فإن اليمين محل الاقتدار و القوة و الصفحة من الصفح إشعار من أن الله يصفح عمن هذه صفته إذا طلب القرب من الله و زال عن كبريائه الذي أوجب له البعد لأنه أَبى‏ وَ اسْتَكْبَرَ و جعل صلى الله عليه و سلم الدلالة على إزالة الكبرياء في شيطنة البدن جعل النعال في أرقابها إذ لا يصفع بالنعال إلا أهل الهون و الذلة و من كان بهذه المثابة فما بقي فيه كبرياء يشهد و علق النعال في قلائد من عهن و هو الصوف ليتذكر بذلك ما أراد الله بقوله وَ تَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ فإذا كانت هذه صفته كان قربانا من التقريب إلى الله فحصلت له القربة بعد ما كان موصوفا بالبعد إذ كان شيطانا فإذا كانت الشياطين قد أصابتهم الرحمة فما ظنك بأهل الإسلام‏ ثم إن النبي صلى الله عليه و سلم أيضا بعث إلى الموحدين ليشهدوا بتوحيدهم على جهة القربة التي لا يستقل العقل بإدراكها أعني بإدراك هذه القربة إلا من جهة الشرع فيحقق بعثه إلى المشرك و الموحد بوجهين فالمشرك و هو الشيطان المتكبر دعاه إلى عين القربة كما ذكرناه فقبل قربة و زال عنه بما ذكرناه من الإشعار و تقليد النعال ما كان فيه من صفة البعد ثم نبه صلىالله عليه و سلم على مقام دعوته للموحدين حيث دعاهم إلى النطق بها قربة و لم يكن لهم علم بذلك فاهدى مرة إلى البيت غنما و هي من الحيوان الطاهر الذي تجوز لنا الصلاة في مرابضها فكان مثل تقريب الموحدين‏

خرج مسلم عن عائشة قالت أهدى رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى البيت غنما فقلدها

و التقليد للغنم أي هذه صفتها التي أوجبت لها القرب أن تكون قربانا

(حديث سادس و ثلاثون يوم النحر هو يوم الحج الأكبر)

ذكره أبو داود عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فيها فقال أي يوم هذا فقالوا هذا يوم النحر فقال هذا يوم الحج الأكبر يعني الذي سماه الله في قوله وَ أَذانٌ من الله وَ رَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ و إنما سمي في ذلك الوقت يوم الحج الأكبر لأنه كان مجمع الحاج بجملته إذ كان من الناس من يقف بعرفة و كانت الحمس تقف بالمزدلفة فكانوا متفرقين فلما كان يوم منى اجتمع فيه أهل الوقوف بالمزدلفة و بعرفة فكان يوم الحج الأكبر لاجتماع الكل فيه و لما كان إبقاء هذا الاسم عليه بعد أن صار الوقوف كله بعرفة حدث له معنى آخر في الإسلام نبه الشارع عليه و لهذا سن طواف الإفاضة في هذا اليوم فأحل في هذا اليوم من إحرامه مع كونه متلبسا بالحج حتى يفرغ من أيام منى فلما أحل من إحرامه في هذا اليوم زال عن التحجير الذي كان تلبس به في هذه العبادة و أبيح له جميع ما كان حرم عليه‏ و أحل الحل كله في هذا اليوم و كان إحلاله عبادة كما كان إحرامه عبادة و ما زال عنه اسم الحج لما بقي عليه من الرمي فكان يوم الحج الأكبر لهذا السراح و الإحلال فكانت أيام منى أيام أكل و شرب و بعال فمن أراد فضل هذا اليوم فليطف فيه طواف الإفاضة و يحل الحل كله فإن لم يفعل فما هو من أهل الحج الأكبر فلا يغلبنك الشيطان عن فضل هذا اليوم بأن تتميز في أهله و هو يوم النحر نحر البدن و قبولها قربانا و إعادة منفعتها علينا من أكل لحومها و الأجر الجزيل في نحرها و الصدقة بلحومها

(حديث سابع و ثلاثون نحر البدن قائمة)

خرج أبو داود عن أبي الزبير عن جابر عن عبد الرحمن بن سابط أن النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليد اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها أعلاما لما كان نحرها قربة أراد المناسبة في صفة نحرها في الوترية فأقامها على ثلاث قوائم فإن الله وتر يحب الوتر و الثلاث أول الأفراد فلها أول المراتب في ذلك و الأولية وترية أيضا و جعلها قائمة لأن القيومية مثل الوترية صفة إلهية فهو القائم تعالى عَلى‏ كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ فيذكر الذي ينحرها بقيامها و أن النحر كسب له مشاهدة القائم على كل نفس بما كسبت‏ و قد صح أن المناسك إنما شرعت لإقامة ذكر الله و هذا من مناسك الحج أعني صفة النحر فيذكر الله بهذه الصفة و شفع الرجلين لقوله الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ و هو اجتماع أمر الدنيا و الآخرة و أفرد اليمين من يد البدنة حتى لا تعتمد إلا على وتر الاقتدار و الشفع و الوتر فالبدنة قائمة بحق لخلق بشفعية رجليها و وترية يدها فتذكر الله بهذه الصفة و إن القيام ما صح للأشياء الأعلى وتر بحالة تجمع الشفعية و الوترية و هي أول حالة يظهر فيها هذا الجمع و ليس إلا الثلاثة و لا يمكن للبدنة القيام الأعلى ثلاث قوائم‏ و كان العقل في اليد اليسرى لأنها خلية عن القوة التي لليمنى و القيام لا يكون الأعلى الأقوى لأجل الاعتماد قال في الصلاة أَقِيمُوا الصَّلاةَ و قال قد قامت الصلاة فأخبر بالماضي قبل قيام العبد لها فأراد قيام صلاة الله على العبد ليقوم العبد إلى الصلاة فيقيم بقيامه نشأتها قال تعالى هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ فهو المشار إليه بقوله قد قامت الصلاة فالقيام معتبر في العبادات و منه الوقوف بيوم عرفة و في جمع و عند رمي الجمار و أعمال الحج كلها لا تصح إلا من قائم‏

(حديث ثامن و ثلاثون منى كلها منحر)

خرج مسلم في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال منى كلها منحر قد قلنا إن منى من بلوغ الأمنية و من بلغ المنى المشروع فقد بلغ الغاية فجعله محلا للقرابين و هو إتلاف أرواح عن تدبير أجسام حيوانية ليتغذى بها أجسام إنسانية فتنظر أرواحها إليها في حال تفريقها فتدبرها إنسانية بعد ما كانت تدبرها إبلا أو بقرا أو غنما و هذه مسألة دقيقة لم يتفطن لها إلا من نور الله بصيرته من أهل الله و يحتوي عليها قوله تعالى وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ من بَنِي آدَمَ من ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ‏و كانوا في حال تفريق في أطوار من المخلوقات يميز الله أجزاء كل مجموع و هي معينة عند أرواحها المدبرة لها في كل حال تكون عليها من اجتماع و افتراق و تتبدل الأسماء عليها بحسب مزاجها الخاص بها في ذلك الاجتماع‏ و من هنا هبت نفحة على القائلين بالتناسخ فلم يتحققوا معناها فزلوا و ضلوا و أضلوا و لأنهم نظروا فيها من حيث أفكارهم فأخطئوا الطريق فغلطوا فهم مخطئون غير كافرين إلا من أنكر البعث منهم الذي هو نشأة الآخرة فهو ملحق بالكفار و الأرواح المدبرة لها في كل حال لا تتبدل تبدل الصور لأنها لا تقبل التبديل لأحديتها و إنما تقبل التبديل المركب من أجسام و أجساد حسا و برزخا

فمن بلوغ المنى إلحاق الأسافل بالأعالي و التحام الأباعد بالأداني‏

فمنهم من تجسد لي بأرضو منهم من تجسد حيث كنا
و منهم من تجسد في السماءو لكن لا نكون على السواء
فإني ثابت في كل عينو هم لا يقدرون على البقاء
فهم يتصورون بكل شكلكلون الماء من لون الإناء

عملت هذه الأبيات في تجسد الأرواح المفارقة لاجتماع أجسامها في الحياة الدنيا المسمى موتا و كنا رأينا منهم جماعة متجسدين من الأنبياء و الملائكة و الصالحين من الصحابة و غيرهم و هم يتجسدون في صور المعاني المتجسدة في صور المحسوسات فإذا تجلى المعنى و ظهر في صورة حسية تبعه الروح في صورة ذلك الجسد كان ما كان لأن الأرواح المدبرة تطلب الأجسام طلبا ذاتيا فحيث ما ظهر جسم أو جسد حسا كان ذلك أو معنى تجسد كالعمل الصالح في صورة شاب حسن الوجه و النشأة و الرائحة فإن الروح تلزمه أبدا في أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ إذ لم تكن‏

(الحديث التاسع و الثلاثون في رفع الأيدي في سبعة مواطن)

ذكر البزار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم قال ترفع الأيدي في سبع مواطن افتتاح الصلاة و استقبال البيت و الصفا و المروة و الموقفين و عند الحجر رفع الأيدي في هذه المواطن كلها للتبري مما ينسب إلى الأيدي من الملك فيرفعها صفرا خالية لا شي‏ء فيها بل الملك كله لله و هذه المواطن كلها موطن سؤال و السؤال من غنى مالك لا يتصور و إنما السؤال عن الحاجة فمن صفة الفقير الذي لا يملك ما يسأل فيه فإذا سأل الغني فتحقق من أي صفة يسأل و كما يسأل هل يسأل ما هو عنده أو ما ليس عنده فاجعل الحكم في ذلك بحسب ما نبهتك عليه‏ و قد اعتنى الله بالفقراء حيث جعل سؤالهم الأغنياء طلبا إلهيا في قوله وَ آتُوا الزَّكاةَ و في قوله وَ أَقْرِضُوا الله قَرْضاً حَسَناً و في‏ قوله جعت فلم تطعمني‏ فإذا فهمت الصفة التي أوجبت السؤال عرفت كيف تسأل و ممن تسأل و ما تسأل و بيد من تقع الأعطية و ما يصنع بها و تعلم رفع الأيدي عند السؤال بالظهور و بالبطون و ما الفرق في أحوالهما

(الحديث الأربعون حديث الاستغفار للمحلقين و المقصرين)

خرج مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله و للمقصرين قال اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله و للمقصرين قال و للمقصرين‏ لما لم يفهموا مقصود الشارع بطلب الغفر الذي هو الستر للمحلقين و هم الذين حسروا عن رءوسهم الشعر فانكشفت رءوسهم فطلب من الله سترها ثوابا لكشفها و المقصر ليس له ذلك فلما لم يفهموا عنه قال و للمقصرين خطابا لهم إذ قد قال صلى الله عليه و سلم خاطبوا الناس على قدر عقولهم أي على قدر ما يعقلونه من الخطاب حتى لا يرموا به‏

(الحديث الحادي و الأربعون حديث طواف الوداع)

خرج مسلم عن ابن عباس قال كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت‏ لما كان هذا البيت أول مقصود الحاج لأنه ما أمر بالحج إلا إلى البيت و الأول يطلب الآخر في عالم المفارقة و ليس من شرطه في كل منسوب إليه الأولية بخلاف الآخر فإنه يطلب الأول بذاته لا بد من ذلك فافهم حتى تعرف إذا نسبت إليك الأولية كيف تنسبها و إذا نسبت إليك الآخرية كيف تنسبها فإذا علمت أن الآخر يطلب الأول‏في عالم المفارقة و أنت من عالم حاله المفارقة لأنك آفاقي تعين عليك أن يكون آخر عهدك الطواف بالبيت‏

(فصل في كفارة التمتع)

قال تعالى فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْيِ لا خلاف في وجوبها و اختلفوا في الواجب فجماعة العلماء على أن فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْيِ شاة و قال ابن عمر إن اسم الهدى لا ينطلق الأعلى الإبل و البقر و إن معنى قوله تعالى فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْيِ بقرة أدون من بقرة أو بدنة أدون من بدنة و الذي أقول به لو أهدى دجاجة أجزأه و أجمعوا على إن هذه الكفارة على الترتيب فلا يكون الصيام إلا بعد أن لا يجد هديا و اختلف العلماء في حد الزمان الذي ينتقل بانقضائه فرضه من الهدى إلى الصيام فقائل إذا شرع في الصيام فقد انتقل واجبة إلى الصوم و إن وجد الهدى في أثناء الصوم و من قائل إن وجد الهدى في صوم الثلاثة الأيام لزمه و إن وجده في السبعة لم يلزمه و بالأول أقول و أما صيام الثلاثة الأيام في الحج فاختلفوا فيمن صامها في أيام عمل العمرة أو صامها في أيام منى فأجازها بعضهم في أيام منى و منعه آخرون و قالوا إذا فاتته الأيام الأول وجب الهدى في ذمته و منعه مالك قبل الشروع في عمل الحج و أجازه أبو حنيفة عندنا يصوم الثلاثة الأيام ما لم ينقض شهر ذي الحجة و أما السبعة الأيام فاتفقوا على أنه إن صامها في أهله أجزأه و اختلفوا إذا صامها في الطريق فقائل يجزيه و به أقول و قائل لا يجزيه‏ الهدى أولى في المناسبة في كفارة المتمتع فإنه بدل من تمتعه و بالهدي يتمتع من تصدق عليه منه و الصوم نقيض التمتع و أما مناسبة الصوم فيه فلأنه تمتع بالإحلال فجوزي بنقيض التمتع و هو الصوم فرجح الحق في هذه الكفارة التمتع بالهدي في حق من تصدق عليه به فإذا لم يجد حينئذ قوبل بنقيض التمتع و هو الصوم انتهى الجزء الثالث و السبعون‏

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(أحاديث مكة و المدينة شرفهما الله)

(الحديث الأول في دخول مكة و الخروج منها على الاقتداء بالسنة)

خرج مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا دخل مكة دخل من الثنية العليا و يخرج من الثنية السفلي‏ الثنية العليا تسمى كداء بالمد و الفتح و الهمزة و الثنية السفلي تسمى كدى بالضم و القصر لما كانت مكة أشرف بقاع الأرض و موطنا لظهور يمين الحق و حضرة المبايعة أشبهت كثيب المسك الأبيض في جنة عدن موطن الزور الأعظم و الرؤية العامة و الكثيب أشرف مكان في جنة عدن و عدن أشرف الجنان لأنها قصبة الجنة و القصبة حيث تكون دار الملك و هي دار تورث من قصدها الإمداد الإلهي و الفتح في العلم الإلهي الذي تعطيه المشاهدة فلهذا شرع الدخول إلى مكة من كداء بفتح الكاف للفتح الإلهي في كاف التكوين من قوله كُنْ و المد للامداد الإلهي بالعطاء من العلم به الذي هو أشرف هبة يعطيها من قصده و المد في هذه الألفاظ زيادة و مكة موضع المزيد في كل خير لأنه فرع عن الأصل لأن الأصل في الكون الفقر و القصور و العجز و لهذا يجوز في ضرورة الشعر قصر الممدود لأنه رجوع إلى الأصل و لا يجوز له مد المقصور لأنه خروج عن الأصل فلا يخرج إلا بموجب و ما هو ثم‏ فإن الموجب للمد المزاد في الحرف من الكلمة إنما هو الهمزة أولا كآمن و آخرا كجاء أو الحرف المشدد مثل الطامة و الصاخة و الدابة و التشديد هو تضعيف الحرف و التضعيف زيادة لأنه دخول حرف في حرف و هو الإدغام فهو ظهور عبد بصفة رب فكان له المزيد و أخذ المد إذ لم يكن له ذلك بالأصل و كذلك ظهور رب بصفة عبد في تنزل إلهي فهو من باب الإدغام تشريف للعبد من الله و كل لنفسه سعى‏ فأما السعي في حق العبد فمعلوم محقق لافتقاره و أما الهرولة في السعي المنسوبة إلى الله فصفة تطلب الشدة في الطلب أكثر من طلب الساعي بغير صفة الهرولة فدل على إن الطلب هناك أشد لأجل تعطيل حكم ما تقتضيه الأسماء الإلهية و لهذا يقول في تجليه هل من نائب فأتوب عليه فهو سؤال من الاسم التواب هل من داع فأجيبه فهذا لسان الاسم المجيب هل من مستغفر فاغفر له هذا لسان الاسم الغفور لأنه إن لم يكن في الكون من يستدعي هذا الاسم‏و إلا بقي معطل الحكم فلهذا كان سعيه هرولة و طلبه أشد لأنه لا يليق به النقص و العبد كله نقص و ضعف فليس له لضعفه شدة السرعة في السعي لأنه يفتقر إلى المعين بقوله وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏ و أما إذا خرج خرج من كدى بضم الكاف و القصر و هو ما اكتسبه في حضرة الحق من الرفعة و جار في كاف التكوين و هو المقول عندنا الفعل بالهمة فلهذا رفع الكاف قال الحق لأبي يزيد اخرج إلى خلقي بصفتي فمن رآك رآني و هو ظهور صفات الربوبية عليه أ لا ترى خلفاء الحق في العباد لهم الأمر و النهي و الحكم و التحكم و هذه صفات الإله و السوقة مأمورة بالسمع و الطاعة و أعطاه القصر في كدى ينبهه و إن كنت خرجت بصفتي فلا تحجبنك عن عبوديتك فالقصر و العجز لا يفارقك فإنك مهما فارقك ذلك قصمتك فخرج حين خرج من مكة حضرة الله لرعيته رفيعا بشرف الحضرة مشاهدا لعبوديته بالقصر فلهذا كان يدخل من كداء و يخرج من كدى و هذا القدر في الحج كاف فإن فروعه تطول لو تقصيناها ما و في بها العمر فما بقي الأفضل مكة و المدينة و الزيارة تكون بذلك خاتمة الباب‏

(الحديث الثاني أرض مكة خير أرض الله)

خرج النسائي عن عبد الله بن عدي بن الحمراء أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو واقف على راحلته بالحزورة من مكة يقول لمكة إنك و الله لخير أرض الله و أحب أرض الله إلى الله و لو لا أني أخرجت منك ما خرجت‏ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يؤم القوم أقرؤهم للقرآن فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما فإن كانوا في السلم سواء فأكبرهم سنا فمن اجتمع فيه مثل هذه الخصال صح له التقدم و من صح له التقدم كان متبوعا و كان أحق بالله من التابع‏ و البيت المكي أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ معبدا و الصلاة فيه أفضل من الصلاة فيما سواه فهو أقدمهم بالزمان و هو اعتبار السن فله تقدم السن و ما يتقدم بالسن إلا من حوى جميع الفضائل كلها فإنه جاء آخرا فلو اكتفينا بهذا لكان فيه غنى عن ذكر ما سواه و إن نظرنا إلى الهجرة فإنه بيت مقصود ينبغي الهجرة إليه و الحجر الأسود من جملة أحجاره و هو أقدم الأحجار هجرة من سائر الأحجار هاجر من الجنة إليه فشرفه الله باليمين و جعله للمبايعة و أما أكثرهم قرآنا فإنه أجمع للخيرات من سائر البيوت لما فيه من الآيات البينات من حجر و ملتزم و مستجار و مقام إبراهيم و زمزم إلى غير ذلك و أما علمه بالسنة فإن السنن فيه أكثر لكثرة مناسكه و احتوائه على أفعال و تروك لا تكون في غيره من العبادات و لا في بيت من البيوت فإنه محل الحج و أما السلم فإنه أقدم الحرم فهو سلم كله من دخله كان آمنا فصح له التقدم من كل وجه على كل بلد و كل بيت‏

(الحديث الثالث تحريم مكة)

خرج مسلم عن أبي هريرة أن خزاعة قتلوا رجلا من بنى ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فركب راحلته فخطب فقال إن الله حبس عن مكة الفيل و سلط عليها رسوله و المؤمنين ألا و إنها لا تحل لأحد قبلي و لن تحل لأحد بعدي ألا و إنها أحلت لي ساعة من نهار ألا و إنها ساعتي هذه و هي حرام لا يخبط شوكها و لا يعضد شجرها و لا يلقط ساقطتها إلا لمنشد و من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يعطي يعني الدية و إما أن يقاد أهل القتيل‏ الحديث‏ فهذا هو حمى الله و حرمه و لا موجود أعظم من الله فلا حمى و لا حرم أعظم من حرم الله و لا حماه في الإمكان فإن مكة حرمها الله و لم يحرمها الناس كذا قال صلى الله عليه و سلم و قال أيضا في حديث مسلم أن هذا البلد حرمه الله يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة الحديث و هو قوله تعالى إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها

(الحديث الرابع في منع حمل السلاح بمكة)

خرج مسلم عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لا يحل لأحد أن يحمل السلاح بمكة لما كان السلاح عدة للخائف أو لمتوقع الخوف أو لآخذ بثار أو لمتعد يدفع بذلك عن نفسه إن نوزع في غرضه و الله تعالى قد جعله حَرَماً آمِناً فلم يكن لحمل السلاح فيه معنى‏

(الحديث الخامس في زمزم)

خرج أبو داود الطيالسي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه و سلم في زمزم إنها مباركة طعام طعم و شفاء سقم‏

(الحديث السادس فيه)

خرج الدارقطني من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال ماء زمزم لما شرب له‏ و هذا الخبر صح عندي بالذوق فإني شربته لأمر فحصل لي‏

(الحديث السابع في تغريب ماء زمزم لفضله)

ذكره الترمذي عن عائشة أنها كانت تحمل من ماء زمزم و تخبر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يحمله‏ و هو حديث حسن غريب‏

(الحديث الثامن في دخول مكة بالإحرام)

ذكر أبو أحمد بن عدي الجرجاني من حديث ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يدخل أحد مكة إلا بإحرام من أهلها أو من غير أهلها و في إسناده مقال و حمل الإحرام المذكور في هذا الحديث عندي على أنه لا يدخلها إلا محترما لها إذ قد صح أن رسول الله صلى الله عليه و سلم دخل يوم فتح مكة و عليه عمامة سوداء بغير إحرام‏ و قال في توقيت المواقيت لمن أراد الحج و العمرة

(الحديث التاسع في احتكار الطعام بمكة)

ذكر مسلم من حديث يعلى بن أمية أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه و قال تعالى وَ من يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ من عَذابٍ أَلِيمٍ‏ و لا يؤخذ أحد بإرادة السوء و الظلم في غير حرم مكة و أحاديث شرفها كثيرة (و أما أحاديث المدينة)فمنها حديث الزيارة و هو الأول‏ خرج الدارقطني عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من زار قبري وجبت له شفاعتي‏

(الحديث الثاني في فضل من مات فيها)

ذكر الترمذي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فإني أشفع لمن مات بها و هو حديث صحيح‏

(الحديث الثالث في تحريم المدينة)

ذكر مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها و قال المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه و لا يثبت أحد على لأوائها و جهدها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة و لا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء

(الحديث الرابع فيمن صاد في المدينة)

ذكر أبو داود عن سليمان بن أبي عبد الله قال رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلا يصيد في حرم المدينة الذي حرم رسول الله صلى الله عليه و سلم فسلبه ثيابه فجاءوا يعني مواليه فكلموه فيه فقال إن رسول الله صلى الله عليه و سلم حرم هذا الحرم و قال من أخذ أحدا يصيد فيه فليسلبه فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله صلى الله عليه و سلم و لكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه‏

(الحديث الخامس في نقل حمي المدينة إلى الجحفة)

ذكر مسلم عن عائشة قالت قدمنا المدينة و هي وبئة فاشتكى أبو بكر و اشتكى بلال فلما رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم شكوى أصحابه قال اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت مكة و أشد و أصححها لنا و بارك لنا في صاعها و مدها و حول حماها إلى الجحفة

(الحديث السادس و السابع في طيبها و نفيها الخبث)

ذكر مسلم من حديث زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه و سلم قال إنها طيبة يعني المدينة و إنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة و قال صلى الله عليه و سلم إنما المدينة كالكير تنفي خبثها و ينصع طيبها خرجه مسلم من حديث جابر

(الحديث الثامن في عصمة المدينة من الدجال و الطاعون)

ذكر مسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الدجال و لا الطاعون‏

(الحديث التاسع في ذلك)

خرج البخاري عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال لها يومئذ سبعة أبواب لكل باب ملكان و أما حديث فضل الصلاة في مسجد المدينة و المسجد الحرام و المسجد الأقصى فمشهور

(الحديث العاشر في تحريم وادي وج من الطائف)

ذكر تحريمه أبو داود عن عروة بن الزبير قال أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم من الثنية حتى إذا كنا عند السدرة وقف رسول الله صلى الله عليه و سلم في طرف القرن الأسود حذوها فاستقبل و جاء ببصره و قال مرة واديه و وقف حتى أنفد الناس كلهم ثم قال إن صيد وج و عضاهه حرام محرم لله و ذلك قبل نزوله الطائف و حصاره ثقيفا (وصل) و أما حكمة حرم المدينة فلأن الله قرن الشهادة بنبوة محمد صلى الله عليه و سلم و رسالته بشهادة التوحيد تشريفا له و أنه لا يكون الايمان إلا بهما و الله قد حرم مكة فجعل لرسوله صلى الله عليه و سلم تحريم المدينة تأييد الشرف الشهادة فجعل له أن يحرم كما حرم الله ثم إن الله وتر يحب الوتر و قد شفع حرمة الحرم بحرمة المدينة فجعل حرما ثالثا للوترية و جعل تحريمه لله لا للنبي صلى الله عليه و سلم لأنه الوتر و لهذا ما حرم إلا ما هو مجاور مكة يؤذن أن الحرمة لله فيه كالحرمة لمكة و لهذا قال حرام محرم الله فبهذا قد ذكرنا من الأحاديث الواردة في الحرمين و الحرم الثالث الذي أوترهما فأما زيارة النبي صلى الله عليه و سلم فلكونه لا يكمل الايمان إلا بالإيمان به فلا بد من قصده للمؤمن من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله فلما جاءت الشفعية بالطاعة و الله وتر يحب الوتر ثلث الطاعة للوتر المطلوب في الأشياء كما فعل في الحرم فقال أَطِيعُوا الله وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فأوتر و من شرط المبايعة لأولي الأمر السمع و الطاعة في المنشط و المكره‏ فإن قيل فالأشهر الحرم أربعة قلنا صدقت و لما علمها الله أربعة لم يجعلها سردا من أجل حب الوترية فجعل ثلاثة منها سردا و هي ذو القعدة و ذو الحجة و محرم فثبت الوترية و جعل الرابع رجب و سماه رجب الفرد إثباتا للوترية و ذلك لأن الله وتر يحب الوتر في الأشياء ليرى صورة وتريته فيها فلا يرى إلا رتبته و لا يحب إلا صفته و لهذا خرج العالم على صورة الأسماء الإلهية ليكون مجلاه فلا يرى في الوجود إلا هو سبحانه لا إله إلا هو (وصل) رأينا أن نقيد في خاتمة هذا الباب ما رويناه من الافتخار بين الحرمين و هو ما حدثنا به محمد بن إسماعيل بن أبي الصيف اليمني نزيل مكة قال حدثنا حسن بن علي قال حدثنا الحسين بن خلف بن هبة بن قاسم الشامي قال حدثنا أبي قال حدثنا الحسين بن أحمد ابن فراس قال حدثنا أبي عن أبيه إبراهيم بن فراس عن أبي محمد إسحاق بن نافع الخزاعي عن إبراهيم بن عبد الرحمن المكي عن محمد بن عباس المكي قال أخبرنا بعض مشايخ المكيين أن داود بن عيسى بن موسى هو موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس عم رسول الله صلى الله عليه و سلم لما ولي مكة و المدينة أقام بمكة و ولى ابنه سليمان المدينة فأقام بمكة عشرين شهرا فكتب إليه أهل المدينة و قال الزبير بن أبي بكر كتب إليه يحيى بن مسكين بن أيوب بن مخراق يسأله التحول إليهم و يعلمونه أن مقامه بالمدينة أفضل من مقامه بمكة و أهدوا إليه في ذلك شعرا قاله شاعرهم يقول فيه‏

أ داود قد فزت بالمكرماتو بالعدل في بلد المصطفى‏
و صرت ثمالا لأهل الحجازو سرت بسيرة أهل التقى‏
و أنت المهذب من هاشمو في منصب العز و المرتجي‏
و أنت الرضي للذي نابهمو في كل حال و نجل الرضي‏
و بالفي‏ء أغنيت أهل الخصاصفعدلك فينا هو المنتهى‏
و مكة ليست بدار المقامفهاجر كهجرة من قد مضى‏
مقامك عشرون شهرا بهاكثير لهم عند أهل الحجى‏
فصم ببلاد الرسول التيبها الله خص نبي الهدى‏
و لا ينفينك عن قربهمشير مشورته بالهوى‏
فقبر النبي و آثارهأحق بقربك من ذي طوى‏

قال فلما ورد الكتاب و الأبيات على داود بن عيسى أرسل إلى رجال من أهل مكة فقرأ عليهم الكتاب فأجابه رجل منهم يقال له عيسى بن عبد العزيز السعلبوس بقصيدة يرد عليه و يذكر فيها فضل مكة و ما خصها الله تعالى به من الكرامة و الفضيلة و يذكر المشاعر و المناقب فقال و فقه الله هذه القصيدة

أ داود أنت الإمام الرضيو أنت ابن عم نبي الهدى‏
و أنت المهذب من كل عيبكبيرا و من قبله في الصبي‏
و أنت المؤمل من هاشمو أنت ابن قوم كرام تقي‏
و أنت غياث لأهل الخصاصتسد خصاصتهم بالغنى‏
أتاك كتاب حسود جحودأسا في مقالته و اعتدى‏
يخير يثرب في شعره على حرم الله حيث ابتنى‏
فإن كان يصدق فيما يقولفلا يسجدن إلى ما هنا
و أي بلاد تفوق أمهاو مكة مكة أم القرى‏
و ربي دحا الأرض من تحتهاو يثرب لا شك فيما دحا
و بيت المهيمن فينا مقيميصلي إليه برغم العدي‏
و مسجدنا بين فضلهعلى غيره ليس في ذا مرا
صلاة المصلي تعد لهمئين الوفا صلاة وفا
كذاك أتى في حديث النبيو ما قال حق به يقتدى‏
و أعمالكم كل يوم وفودإلينا شوارع مثل القطا
فيرفع منها إلهي الذييشاء و يترك ما لا يشأ
و نحن تحج إلينا العباد فيرمون شعثا بوتر الحصى‏
و يأتون من كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍعلى أنيق ضمر كالقنا
لتقضوا مناسككم عندنافمنهم سغاب و منهم معي‏
فكم من ملب بصوت حزينترى صوته في الهوا قد علا
و آخر يذكر رب العبادو يثني عليه بحسن الثناء
فكلهمو أشعث أغبريؤم المعرف أقصى المدى‏
فظلوا به يومهم كله وقوفا يضجون حتى المسا
حفاة ضحاة قياما لهمعجيج يناجون رب السما
رجاء و خوفا لما قدمواو كل يسائل دفع البلا
يقولون يا ربنا اغفر لنابعفوك و الصفح عمن أسا
فلما دنا الليل من يومهمو ولى النهار أجدوا البكاء
و سار الحجيج له رجةفحلوا بجمع بعيد العشا
فباتوا جميعا فلما بدا عمود الصباح و ولى الدجى‏
دعوا ساعة ثم شدوا الشسوع على قلص ثم أموا منى‏
فمن بين من قد قضى نسكهو آخر يبدأ بسفك الدماء
و آخر يهدي إلى مكةليسعى و يدعوه فيمن دعا
و آخر يرمل حول الطوافو آخر ماض يؤم الصفا
فأبوا بأفضل مما رجواو ما طلبوا من جزيل العطا
و حج الملائكة المكرمونإلى أرضنا قبل فيما مضى‏
و آدم قد حج من بعدهمو من بعده أحمد المصطفى‏
و حج إلينا خليل الإلهو هجر بالرمي فيمن رمى‏
فهذا لعمري لنا رفعةحبانا بهذا شديد القوي‏
و منا النبي نبي الهدىو فينا تنبأ و منا ابتدى‏
و منا أبو بكر بن الكرامو منا أبو حفص المرتجي‏
و عثمان منا فمن مثلهإذا عدد الناس أهل الحياء
و منا علي و منا الزبيرو طلحة منا و فينا انتشا
و منا ابن عباس ذو المكرماتنسيب النبي و حلف الندا
و منا قريش و آباؤهافنحن إلى فخرنا المنتهى‏
و منا الذين بهم تفخرونفلا تفخرون علينا بنا
ففخر أولاء لنا رفعةو فينا من الفخر ما قد كفا
و زمزم و الحجر فينا فهللكم مكرمات كما قد لنا
و زمزم طعم و شرب لمنأراد الطعام و فيه الشفا
و زمزم تنفي هموم الصدور و زمزم من كل سقم دوا
و من جاء زمزم من جائعإذا ما تضلع منها اكتفى‏
و ليست كزمزم في أرضكمكما ليس نحن و أنتم سوا
و فينا سقاية عم الرسولو منها النبي امتلأ و ارتوى‏
و فينا المقام فأكرم بهو فينا المحصب و المختبى‏
و فينا الحجون ففاخر بهو فينا كداء و فينا كدى‏
و فينا الأباطح و المروتانفبخ بخ فمن مثلنا يا فتى‏
و فينا المشاعر منشا النبيو أجياد و الركن و المتكى‏
و ثور و هل عندكم مثل ثور و فينا ثبير و فينا حرا
و فيه اختباء نبي الإلهو معه أبو بكر المرتضى‏
فكم بين أحد إذا جاء فخرو بين القبيسي فيما ترى‏
و بلدتنا حرم لم تزلمحرمة الصيد فيما خلا
و يثرب كانت حلالا فلاتكذب فكم بين هذا و ذا
و حرمها بعد ذاك النبيفمن أجل ذلك جا ذا كذا
و لو قتل الوحش في يثربلما فدى الوحش حتى اللقا
و لو قتلت عندنا نملةأخذتم بها أو تؤدوا الفداء
و لو لا زيارة قبر النبيلكنتم كسائر من قد ترا
و ليس النبي بها ثاوياو لكنه في جنان العلى‏
فإن قلت قولا خلاف الذيأقول فقد قلت قول الخطاء
فلا تفحشن علينا المقالو لا تنطقن بقول الخنا
و لا تفخرن بما لا يكونو لا ما يشينك عند الملإ
و لا تهج بالشعر أرض الحرامو كف لسانك عن ذي طوى‏
و إلا فجاءك ما لا تريدمن الشتم في أرضكم و الأذى‏
فقد يمكن القول في أرضكمبسب العقيق و وادي قبا

فأجابهما رجل من بنى عجل ناسك كان مقيما بجدة مرابطا فحكم بينهما فقال‏

إني قضيت على الذين تماريافي فضل مكة و المدينة فاسألوا
فلسوف أخبركم بحق فافهموافالحكم وقتا قد يجور و يعدل‏
فإنا الفتى العجلي جدة مسكنيو خزانة الحرم التي لا تجهل‏
و بها الجهاد مع الرباط و إنهالبها الوقيعة لا محالة تنزل‏
من آل حام في أواخر دهرهاو شهيدها بشهيد بدر يعدل‏
شهداؤنا قد فضلوا بسعادةو بها السرور لمن يموت و يقتل‏
يا أيها المدني أرضك فضلهافوق البلاد و فضل مكة أفضل‏
أرض بها البيت المحرم قبلةللعالمين بها المساجد تعدل‏
حرم حرام أرضها و صيودهاو الصيد في كل البلاد محلل‏
و بها المشاعر و المناسك كلهاو إلى فضيلتها البرية ترحل‏
و بها المقام و حوض زمزم مترعاو الحجر و الركن الذي لا يجهل‏
و المسجد العالي الممجد و الصفاو المشعران و من يطوف و يرمل‏
هل في البلاد محلة معروفةمثل المعرف أو محل يحلل‏
أو مثل جمع في المواطن كلهاأو مثل خيف منى بأرض منزل‏
تلكم مواضع لا يرى بخرابها إلا الدعاء و محرم و محلل‏
شرفا لمن وافى المعرف ضيفهشرفا له و لأرضه إذ ينزل‏
و بمكة الحسنات يضعف أجرهاو بها المسي‏ء عن الخطيئة يسأل‏
يجزى المسي‏ء على الخطيئة مثلهاو تضاعف الحسنات منه و تقبل‏
ما ينبغي لك أن تفاخر يا فتىأرضا بها ولد النبي المرسل‏
بالشعب دون الردم مسقط رأسهو بها نشأ صلى عليه المرسل‏
و بها أقام و جاءه وحي السماو سرى به الملك الرفيع المنزل‏
أ نبوة الرحمن فيها أنزلتو الدين فيها قبل دينك أول‏
هل بالمدينة هاشمي ساكنأو من قريش ناشئ أو مكهل‏
إلا و مكة أرضه و قرارهلكنهم عنها نبوا فتحولوا
و كذاك هاجر نحوكم لما أتىإن المدينة هجرة فتحملوا
فأجرتموا و قريتموا و نصرتمواخير البرية حقكم أن تفعلوا
فضل المدينة بين و لأهلهافضل قديم نوره يتهلل‏
من لم يقل إن الفضيلة فيكموقلنا كذبت و قول ذلك أرذل‏
لا خير فيمن ليس يعرف فضلكممن كان يجهله فلسنا نجهل‏
في أرضكم قبر النبي و بيتهو المنبر العالي الرفيع الأطول‏
و بها قبور السابقين بفضلهمعمر و صاحبه الرفيق الأفضل‏
و العترة الميمونة اللاتي بهاسبقت فضيلة كل من يتفضل‏
آل النبي بنوا على أنهمأمسوا ضياء للبرية يشمل‏
يا من تنص إلى المدينة عينهفيك الصغار و صعر خدك أسفل‏
أنا لنهواها و نهوى أهلهاو ودادها حق على من يعقل‏
قل للمديني الذي يزدار داودالأمير و يستحث و يعجل‏
قد جاءكم داود بعد كتابكمقد كان حبلك في أميرك يفتل‏
فاطلب أميرك و استزره و لا تقعفي بلدة عظمت فوعظك أفضل‏
ساق الإله لبطن مكة ديمةتروى بها و على المدينة تسبل‏

انتهى الجزء الرابع و السبعون

(تم المجلد الأول من الفتوحات المكية و يتلوه المجلد الثاني أوله الباب الثالث و السبعون الذي هو أول الجزء الخامس و السبعين على حسب تجزئة المؤلف)