قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب التاسع عشر»

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

في سبب نقص العلوم و زيادتها و قوله تعالى وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً و قوله صلى الله عليه و سلم إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور العلماء و لكن يقبضه بقبض العلماء

تجلى وجود الحق في فلك النفسدليل على ما في العلوم من النقص‏
و إن غاب عن ذاك التجلي بنفسهفهل مدرك إياه بالبحث و الفحص‏
و إن ظهرت للعلم في النفس كثرةفقد ثبت الستر المحقق بالنص‏
و لم يبد من شمس الوجود و نورهاعلى عالم الأرواح شي‏ء سوى القرص‏
و ليست تنال العين في غير مظهرو لو هلك الإنسان من شدة الحرص‏
و لا ريب في قولي الذي قد بثثتهو ما هو بالزور المموه و الخرص‏

اعلم أيدك الله أن كل حيوان و كل موصوف بإدراك فإنه في كل نفس في علم جديد من حيث ذلك الإدراك لكن الشخص المدرك قد لا يكون ممن يجعل باله أن ذلك علم فهذا هو في نفس الأمر علم فاتصاف العلوم بالنقص في حق العالم هو أن الإدراك قد حيل بينه و بين أشياء كثيرة مما كان يدركها لو لم يقم به هذا المانع كمن طرأ عليه العمي أو الصمم أو غير ذلك و لما كانت العلوم تعلو و تتضع بحسب المعلوم لذلك تعلقت الهمم بالعلوم الشريفة العالية التي إذا اتصف بها الإنسان زكت نفسه و عظمت مرتبته فأعلاها مرتبة العلم بالله و أعلى الطرق إلى العلم بالله علم التجليات و دونها علم النظر و ليس دون النظر علم إلهي و إنما هي عقائد في عموم الخلق لا علوم و هذه العلوم هي التي أمر الله نبيه ع بطلب الزيادة منها قال تعالى وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ من قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً أي زدني من كلامك ما نزيد به علما بك فإنه قد زاد هنا من العلم العلم بشرف التأني عند الوحي أدبا مع المعلم الذي أتاه به من قبل ربه و لهذا أردف هذه الآية بقوله وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ أي ذلت فأراد علوم التجلي و التجلي أشرف الطرق إلى تحصيل العلوم و هي علوم الأذواق‏ و اعلم أن للزيادة و النقص بابا آخر نذكره أيضا إن شاء الله و ذلك أن الله جعل لكل شي‏ء و نفس الإنسان من جملته الأشياء ظاهرا و باطنا فهي تدرك بالظاهر أمورا تسمى عينا و تدرك بالباطن أمورا تسمى علما و الحق سبحانه هو الظاهر و الباطن فبه وقع الإدراك فإنه ليس في قدرة كل ما سوى الله أن يدرك شيئا بنفسه و إنما أدركه بما جعل الله فيه و تجلى الحق لكل من تجلى له من أي عالم كان من عالم الغيب أو الشهادة إنما هو من الاسم الظاهر و أما الاسم الباطن فمن حقيقة هذه النسبة أنه لا يقع فيها تجل أبدا لا في الدنيا و لا في الآخرة إذ كان التجلي عبارة عن ظهوره لمن تجلى له في ذلك المجلى و هو الاسم الظاهر فإن معقولية النسب لا تتبدل و إن لم يكن لها وجود عيني لكن لها الوجود العقلي فهي معقولة فإذا تجلى الحق إما منة أو إجابة لسؤال فيه فتجلى لظاهر النفس وقع الإدراك بالحس في الصورة في برزخ التمثل فوقعت الزيادة عند المتجلي له في علوم الأحكام إن كان من علماء الشريعة و في علوم موازين المعاني إن كان منطقيا و في علوم ميزان الكلام إن كان نحويا و كذلك صاحب كل علم من علوم الأكوان و غير الأكوان تقع له الزيادة في نفسه من علمه الذي هو بصدده فأهل هذه الطريقة يعلمون أن هذه الزيادة إنما كانت من ذلك التجلي الإلهي لهؤلاء الأصناف فإنهم لا يقدرون على إنكار ما كشف لهم و غير العارفين يحسون بالزيادة و ينسبون ذلك إلى أفكارهم و غير هذين يجدون من الزيادة و لا يعلمون أنهم استزادوا شيئا فهم في المثل كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ الله و هي هذه الزيادة و أصلها و العجب من الذين نسبوا ذلك إلى أفكارهم و ما علم إن فكره و نظره و بحثه في مسألة من المسائل هو من زيادة العلوم في نفسه من ذلك التجلي الذي ذكرناه فالناظر مشغول بمتعلق نظره و بغاية مطلبه فيحجب عن علم الحال فهو في مزيد علم و هو لا يشعر و إذا وقع التجلي أيضا بالاسم الظاهر لباطن النفس وقع الإدراك بالبصيرة في عالم الحقائق و المعاني المجردة عن المواد و هي المعبر عنها بالنصوص إذ النص ما لا إشكال فيه و لا احتمال بوجه من الوجوه و ليس ذلك إلا في المعاني فيكون صاحب المعاني مستريحا من تعب الفكر فتقع الزيادة له عند التجلي في العلوم الإلهية و علوم الأسرار و علوم الباطن و ما يتعلق بالآخرة و هذا مخصوص بأهل طريقنا فهذا سبب الزيادة و أما سبب نقصها فامران إما سوء في المزاج في أصل النش‏ء أو فساد عارض في القوة الموصلة إلى ذلك و هذا لا ينجبر كما قال الخضر في الغلام إنه طبع كافرا فهذا في أصل النش‏ء و أما الأمر العارض فقد يزول إن كان في القوة بالطب و إن كان في النفس فشغله حب الرئاسة و اتباع الشهوات عن اقتناء العلوم التي فيها شرفه و سعادته فهذا أيضا قد يزول بداعي الحق من قلبه فيرجع إلى الفكر الصحيح فيعلم إن الدنيا منزل من منازل المسافر و أنها جسر يعبر و أن الإنسان إذا لم تتحل نفسه هنا بالعلوم و مكارم الأخلاق و صفات الملإ الأعلى من الطهارة و التنزه عن‏الشهوات الطبيعية الصارفة عن النظر الصحيح و اقتناء العلوم الإلهية فيأخذ في الشروع في ذلك فهذا أيضا سبب نقص العلوم و لا أعني بالعلوم التي يكون النقص منها عيبا في الإنسان إلا العلوم الإلهية و إلا فالحقيقة تعطي أنه ما ثم نقص قط و أن الإنسان في زيادة علم أبدا دائما من جهة ما تعطيه حواسه و تقلبات أحواله في نفسه و خواطره فهو في مزيد علوم لكن لا منفعة فيها و الظن و الشك و النظر و الجهل و الغفلة و النسيان كل هذا و أمثاله لا يكون معها العلم بما أنت فيه بحكم الظن أو الشك أو النظر أو الجهل أو الغفلة أو النسيان و أما نقص علوم التجلي و زيادتها فالإنسان على إحدى حالتين خروج الأنبياء بالتبليغ أو الأولياء بحكم الوراثة النبوية كما قيل لأبي يزيد حين خلع عليه خلع النيابة و قال له اخرج إلى خلقي بصفتي فمن رآك رآني فلم يسعه إلا امتثال أمر ربه فخطا خطوة إلى نفسه من ربه فغشي عليه فإذا النداء ردوا على حبيبي فلا صبر له عني فإنه كان مستهلكا في الحق كأبي عقال المغربي فرد إلى مقام الاستهلاك فيه الأرواح الموكلة به المؤيدة له لما أمر بالخروج فرد إلى الحق و خلعت عليه خلع الذلة و الافتقار و الانكسار فطاب عيشه و رأى ربه فزاد أنسه و استراح من حمل الأمانة المعارة التي لا بد له أن تؤخذ منه‏ و الإنسان من وقت رقية في سلم المعراج يكون له تجل إلهي بحسب سلم معراجه فإنه لكل شخص من أهل الله سلم يخصه لا يرقى فيه غيره و لو رقى أحد في سلم أحد لكانت النبوة مكتسبة فإن كل سلم يعطي لذاته مرتبة خاصة لكل من رقى فيه و كانت العلماء ترقي في سلم الأنبياء فتنال النبوة برقيها فيه و الأمر ليس كذلك و كان يزول الاتساع الإلهي بتكرار الأمر و قد ثبت عندنا أنه لا تكرار في ذلك الجناب غير إن عدد درج المعالي كلها الأنبياء و الأولياء و المؤمنون و الرسل على السواء لا يزيد سلم على سلم درجة واحدة فالدرجة الأولى الإسلام و هو الانقياد و آخر الدرج الفناء في العروج و البقاء في الخروج و بينهما ما بقي و هو الايمان و الإحسان و العلم و التقديس و التنزيه و الغني و الفقر و الذلة و العزة و التلوين و التمكين في التلوين و الفناء إن كنت خارجا و البقاء إن كنت داخلا إليه و في كل درج في خروجك عنه ينقص من باطنك بقدر ما يزيد في ظاهرك من علوم التجلي إلى أن تنتهي إلى آخر درج فإن كنت خارجا و وصلت إلى آخر درج ظهر بذاته في ظاهرك على قدرك و كنت له مظهرا في خلقه و لم يبق في باطنك منه شي‏ء أصلا و زالت عنك تجليات الباطن جملة واحدة فإذا دعاك إلى الدخول إليه فهي أول درج يتجلى لك في باطنك بقدر ما ينقص من ذلك التجلي في ظاهرك إلى أن تنتهي إلى آخر درج فيظهر على باطنك بذاته و لا يبقى في ظاهرك تجل أصلا و سبب ذلك أن لا يزال العبد و الرب معا في كمال وجود كل واحد لنفسه فلا يزال العبد عبدا و الرب ربا مع هذه الزيادة و النقص فهذا هو سبب زيادة علوم التجليات و نقصها في الظاهر و الباطن و سبب ذلك التركيب و لهذا كان جميع ما خلقه الله و أوجده في عينه مركبا له ظاهر و له باطن و الذي نسمعه من البسائط إنما هي أمور معقولة لا وجود لها في أعيانها فكل موجود سوى الله تعالى مركب هذا أعطانا الكشف الصحيح الذي لا مرية فيه و هو الموجب لاستصحاب الافتقار له فإنه وصف ذاتي له فإن فهمت فقد أوضحنا لك المنهاج و نصبنا لك المعراج فاسلك و أعرج تبصر و تشاهد ما بيناه لك و لما عينا لك درج المعارج ما أبقينا لك في النصيحة التي أمرنا بها رسول الله صلى الله عليه و سلم فإنه لو وصفنا لك الثمرات و النتائج و لم نعين لك الطريق إليها لشوقناك إلى أمر عظيم لا تعرف الطريق الموصل إليه فو الذي نفسي بيده أنه لهو المعراج وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏