قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الثامن عشر»

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

في معرفة علم المتهجدين‏ و ما يتعلق به من المسائل و مقداره في مراتب العلوم و ما يظهر منه من العلوم في الوجود

علم التهجد علم الغيب ليس لهفي منزل العين إحساس و لا نظر
إن التنزل يعطيه و إن لهفي عينه سورا تعلو به صور
فإن دعاه إلى المعراج خالقهبدت له بين أعلام العلى سور
فكل منزلة تعطيه منزلةإذا تحكم في أجفانه السهر
ما لم ينم هذه في الليل حالتهأو يدرك الفجر في آفاقه البصر
نوافج الزهر لا تعطيك رائحةما لم يجد بالنسيم اللين السحر
إن الملوك و إن جلت مناصبهالها مع السوقة الأسرار و السمر

اعلم أيدك الله أن المتهجدين ليس لهم اسم خاص إلهي يعطيهم التهجد و يقيمهم فيه كما لمن يقوم الليل كله فإن قائم الليل كله له اسم إلهي يدعوه إليه و يحركه فإن التهجد عبارة عمن يقوم و ينام و يقوم و ينام و يقوم فمن لم يقطع الليل في مناجاة ربه هكذا فليس بمتهجد قال تعالى وَ من اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ به نافِلَةً لَكَ و قال إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى‏ من ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ‏ و له علم خاص من جانب الحق غير أن هذه الحالة لما لم نجد في الأسماء الإلهية من تستند إليه و لم نر أقرب نسبة إليها من الاسم الحق فاستندت إلى الاسم الحق و قبلها هذا الاسم فكل علم يأتي به المتهجد إنما هو من الاسم الحق‏ فإن النبي صلى الله عليه و سلم قال لمن يصوم الدهر و يقوم الليل إن لنفسك عليك حقا و لعينك عليك حقا فصم و أفطر و قم و نم‏ فجمع له بين القيام و النوم لأداء حق النفس من أجل العين و لا داء حق النفس من جانب الله و لا تؤدي الحقوق إلا بالاسم الحق و منه لا من غيره فلهذا استند المتهجدون لهذا الاسم‏ ثم إنه للمتهجد أمر آخر لا يعلمه كل أحد و ذلك أنه لا يجني ثمرة مناجاة التهجد و يحصل علومه إلا من كانت صلاة الليل له نافلة و أما من كانت فريضته من الصلاة ناقصة فإنها تكمل من نوافله فإن استغرقت الفرائض نوافل العبد المتهجد لم يبق له نافلة و ليس بمتهجد و لا صاحب نافلة فهذا لا يحصل له حال النوافل و لا علومها و لا تجلياتها فاعلم ذلك‏ فنوم المتهجد لحق عينه و قيامه لحق ربه فيكون ما يعطيه الحق من العلم و التجلي في نومه ثمرة قيامه و ما يعطيه من النشاط و القوة و تجليهما و علومهما في قيامه ثمرة نومه و هكذا جميع أعمال العبد مما افترض عليه فتتداخل علوم المتهجدين كتداخل ضفيرة الشعر و هي من العلوم المعشوقة للنفوس حيث تلتف هذا الالتفاف فيظهر لهذا الالتفاف أسرار العالم الأعلى و الأسفل و الأسماء الدالة على الأفعال و التنزيه و هو قوله تعالى وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ أي اجتمع أمر الدنيا بأمر الآخرة و ما ثم إلا دنيا و آخرة و هو المقام المحمود الذي ينتجه التهجد قال تعالى وَ من اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ به نافِلَةً لَكَ عَسى‏ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً و عسى من الله واجبة و المقام المحمود هو الذي له عواقب الثناء أي إليه يرجع كل ثناء و أما قدر علم التهجد فهو عزيز المقدار و ذلك أنه لما لم يكن له اسم إلهي يستند إليه كسائر الآثار عرف من حيث الجملة إن ثم أمرا غاب عنه أصحاب الآثار و الآثارفطلب ما هو فأداه النظر إلى أن يستكشف عن الأسماء الإلهية هل لها أعيان أو هل هي نسب حتى يرى رجوع الآثار هل ترجع إلى أمر وجودي أو عدمي فلما نظر رأى أنه ليس الأسماء أعيانا موجودة و إنما هي نسب فرأى مستند الآثار إلى أمر عدمي فقال المتهجد قصارى الأمر أن يكون رجوعي إلى أمر عدمي فأمعن النظر في ذلك و رأى نفسه مولدا من قيام و نوم و رأى النوم رجوع النفس إلى ذاتها و ما تطلبه و رأى القيام حق الله عليه فلما كانت ذاته مركبة من هذين الأمرين نظر إلى الحق من حيث ذات الحق فلاح له إن الحق إذا انفرد بذاته لذاته لم يكن العالم و إذا توجه إلى العالم ظهر عين العالم لذلك التوجه فرأى إن العالم كله موجود عن ذلك التوجه المختلف النسب و رأى المتهجد ذاته مركبة من نظر الحق لنفسه دون العالم و هو حالة النوم للنائم و من نظره إلى العالم و هو حالة القيام لأداء حق الحق عليه فعلم إن سبب وجود عينه أشرف الأسباب حيث استند من وجه إلى الذات معراة عن نسب الأسماء التي تطلب العالم إليه فتحقق إن وجوده أعظم الوجود و أن علمه أسنى العلوم و حصل له مطلوبه و هو كان غرضه و كان سبب ذلك انكساره و فقره فقال في قضاء وطره من ذلك متمثلا

رب ليل بتة ما أتىفجره حتى انقضى وطري‏
من مقام كنت أعشقهبحديث طيب الخبر

و قال في الأسماء

لم أجد للاسم مدلولاغير من قد كان مفعولا
ثم أعطتنا حقيقتهكونه للعقل معقولا
فتلفظنا به أدباو اعتقدنا الأمر مجهولا

و كان قدر علمه في العلوم قدر معلومه و هو الذات في المعلومات فيتعلق بعلم التهجد علم جميع الأسماء كلها و أحقها به الاسم القيوم الذي لا تأخذه سنة و لا نوم و هو العبد في حال مناجاته فيعلم الأسماء على التفصيل أي كل اسم جاء علم ما يحوي عليه من الأسرار الوجودية و غير الوجودية على حسب ما تعطيه حقيقة ذلك الاسم و مما يتعلق بهذه الحالة من العلوم علم البرزخ و علم التجلي الإلهي في الصور و علم سوق الجنة و علم تعبير الرؤيا لا نفس الرؤيا من جهة من يراها و إنما هي من جانب من ترى له فقد يكون الرائي هو الذي رآها لنفسه و قد يراها له غيره و العابر لها هو الذي له جزء من أجزاء النبوة حيث علم ما أريد بتلك الصورة و من هو صاحب ذلك المقام‏ و اعلم أن المقام المحمود الذي للمتهجد يكون لصاحبه دعاء معين و هو قول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم يأمره به وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ يعني لهذا المقام فإنه موقف خاص بمحمد يحمد الله فيه بمحامد لا يعرفها إلا إذا دخل ذلك المقام وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ أي إذا انتقل عنه إلى غيره من المقامات و المواقف أن تكون العناية به معه في خروجه منه كما كانت معه في دخوله إليه وَ اجْعَلْ لِي من لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً من أجل المنازعين فيه فإن المقام الشريف لا يزال صاحبه محسودا و لما كانت النفوس لا تصل إليه رجعت تطلب وجها من وجوه القدح فيه تعظيما لحالهم التي هم عليها حتى لا ينسب النقص إليهم عن هذا المقام الشريف فطلب صاحب هذا المقام النصرة بالحجة التي هي السلطان على الجاحدين شرف هذه المرتبة وَ قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏