قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الحادي و العشرون في معرفة ثلاثة علوم كونية و توالج بعضها في بعض

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
علم التوالج علم الفكر يصحبهعلم النتائج فانسبه إلى النظر
هي الأدلة إن حققت صورتهامثل الدلالة في الأنثى مع الذكر
على الذي أوقف الإيجاد أجمعهعلى حقيقة كن في عالم الصور
و الواو لو لا سكون النون أظهرهافي العين قائمة تمشي على قدر
فاعلم بأن وجود الكون في فلكو في توجهه في جوهر البشر

اعلم أيدك الله أن هذا هو علم التوالد و التناسل و هو من علوم الأكوان و أصله من العلم الإلهي فلنبين لك أولا صورته في الأكوان و بعد ذلك نظهره لك في العلم الإلهي فإن كل علم أصله من العلم الإلهي إذ كان كل ما سوى الله من الله قال الله تعالى وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما في السَّماواتِ وَ ما في الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ فهذا علم التوالج سار في كل شي‏ء و هو علم الالتحام و النكاح و منه حسي و معنوي و الإلهي فاعلم أنك إذا أردت أن تعلم حقيقة هذا فلتنظره أولا في عالم الحس ثم في عالم الطبيعة ثم في المعاني الروحانية ثم في العلم إلهي فأما في الحس فاعلم أنه إذا شاء الله أن يظهر شخصا بين اثنين ذانك الاثنان هما ينتجانه و لا يصح أن يظهر عنهما ثالث ما لم يقم بهما حكم ثالث و هو أن يفضي أحدهما إلى الآخر بالجماع فإذا اجتمعا على وجه مخصوص و شرط مخصوص و هو أن يكون المحل قابلا للولادة لا يفسد البذر إذا قبله و يكون البذر يقبل فتح الصورة فيه هذا هو الشرط الخاص و أما الوجه المخصوص فهو أن يكون التقاء الفرجين و إنزال الماء أو الريح عن شهوة فلا بد من ظهور ثالث و هو المسمى ولدا و الاثنان يسميان والدين و ظهور الثالث يسمى ولادة و اجتماعهما يسمى نكاحا و سفاحا و هذا أمر محسوس واقع في الحيوان و إنما قلنا بوجه مخصوص و شرط مخصوص فإنه ما يكون عن كل ذكر و أنثى يجتمعان بنكاح ولد و لا بد إلا بحصول ما ذكرناه و سنبينه في المعاني بأوضح من هذا إذ المطلوب ذلك و أما في الطبيعة فإن السماء إذا أمطرت الماء و قبلت الأرض الماء وَ رَبَتْ و هو حملها وَ أَنْبَتَتْ من كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ و كذلك لقاح النخل و الشجر وَ من كُلِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لأجل التوالد و أما في المعاني فهو أن تعلم أن الأشياء على قسمين مفردات و مركبات و أن العلم بالمفرد يتقدم على العلم بالمركب و العلم بالمفرد يقتنص بالحد و العلم بالمركب يقتنص بالبرهان فإذا أردت أن تعلم وجود العالم هل هو عن سبب أو لا فلتعمد إلى مفردين أو ما هو في حكم المفردين مثل المقدمة الشرطية ثم تجعل أحد المفردين موضوعا مبتدأ و تحمل المفرد الآخر عليه على طريق الإخبار به عنه فتقول كل حادث فهذا المسمى مبتدأ فإنه الذي بدأت به و موضوعا أول فإنه الموضوع الأول الذي وضعته لتحمل عليه ما تخبر به عنه و هو مفرد فإن الاسم المضاف في حكم المفرد و لا بد أن تعلم بالحد معنى الحدوث و معنى كل الذي أضفته إليه و جعلته له كالسور لما يحيط به فإن كل تقتضي الحصر بالوضع في اللسان فإذا علمت الحادث حينئذ حملت عليه مفردا آخر و هو قولك فله سبب فأخبرت به عنه فلا بد أن تعلم أيضا معنى السبب و معقوليته في الوضع و هذا هو العلم بالمفردات المقتنصة بالحد فقام من هذين المفردين صورة مركبة كما قامت صورة الإنسان من حيوانية و نطق فقلت فيه حيوان ناطق فتركيب المفردين بحمل أحدهما على الآخر لا ينتج شيئا و إنما هي دعوى يفتقر مدعيها إلى دليل على صحتها حتى يصدق الخبر عن الموضوع بما أخبر به عنه فيؤخذ منا ذلك مسلما إذا كان في دعوى خاصة على طريق ضرب المثال مخافة التطويل و ليس كتابي هذا بمحل لميزان المعاني و إنما ذلك موقوف على علم المنطق فإنه لا بد أن يكون كل مفرد معلوما و أن يكون ما يخبر به عن المفرد الموضوع معلوما أيضا إما ببرهان حسي أو بديهي أو نظري يرجع إليهما ثم تطلب مقدمة أخرى تعمل فيها ما عملت في الأولى و لا بد أن يكون أحد المفردين مذكورا في المقدمتين فهي أربعة في صورة التركيب و هي ثلاثة في المعنى لما نذكره إن شاء الله و إن لم يكن كذلك فإنه لا ينتج أصلا فتقول في هذه المسألة التي مثلنا بها في المقدمة الأخرى و العالم حادث و تطلب فيه من العلم بحد المفرد فيها ما طلبته في المقدمة الأولى من معرفة العالم ما هو و حمل الحدوث عليه بقولك حادث و قد كان هذا الحادث الذي هو محمول في هذه المقدمة موضوعا في الأولى حين حملت عليه السبب فتكررالحادث في المقدمتين و هو الرابط بينهما فإذا ارتبطا سمي ذلك الارتباط وجه الدليل و سمي اجتماعهما دليلا و برهانا فينتج بالضرورة أن حدوث العالم له سبب فالعلة الحدوث و الحكم السبب فالحكم أعم من العلة فإنه يشترط في هذا العلم أن يكون الحكم أعم من العلة أو مساويا لها و إن لم يكن كذلك فإنه لا يصدق هذا في الأمور العقلية و أما مأخذها في الشرعيات فإذا أردت أن تعلم مثلا أن النبيذ حرام بهذه الطريقة فتقول كل مسكر حرام و النبيذ مسكر فهو حرام و تعتبر في ذلك ما اعتبرت في الأمور العقلية كما مثلت لك فالحكم التحريم و العلة الإسكار فالحكم أعم من العلة الموجبة للتحريم فإن التحريم قد يكون له سبب آخر غير السكر في أمر آخر كالتحريم في الغصب و السرقة و الجناية و كل ذلك علل في وجود التحريم في المحرم فلهذا الوجه المخصوص صدق فقد بان لك بالتقريب ميزان المعاني و أن النتائج إنما ظهرت بالتوالج الذي في المقدمتين اللذين هما كالأبوين في الحس و أن المقدمتين مركبة من ثلاثة أو ما هو في حكم الثلاثة فإنه قد يكون للجملة معنى الواحد في الإضافة و الشرط فلم تظهر نتيجة إلا من الفردية إذ لو كان الشفع و لا يصحبه الواحد صحبة خاصة ما صح أن يوجد عن الشفع شي‏ء أبدا فبطل الشريك في وجود العالم و ثبت الفعل للواحد و أنه بوجوده ظهرت الموجودات عن الموجودات فتبين لك أن أفعال العباد و إن ظهرت منهم أنه لو لا الله ما ظهر لهم فعل أصلا فجمع هذا الميزان بين إضافة الأعمال إلى العباد بالصورة و إيجاد تلك الأفعال لله تعالى و هو قوله وَ الله خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ أي و خلق ما تعملون فنسب العمل إليهم و إيجاده لله تعالى و الخلق قد يكون بمعنى الإيجاد و يكون بمعنى التقدير كما أنه قد يكون بمعنى الفعل مثل قوله تعالى ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ و يكون بمعنى المخلوق مثل قوله هذا خَلْقُ الله‏ و أما هذا التوالج في العلم الإلهي و التوالد فاعلم إن ذات الحق تعالى لم يظهر عنها شي‏ء أصلا من كونها ذاتا غير منسوب إليها أمر آخر و هو أن ينسب إلى هذه الذات أنها قادرة على الإيجاد عند أهل السنة أهل الحق أو ينسب إليها كونها علة و ليس هذا مذهب أهل الحق و لا يصح و هذا مما لا يحتاج إليه و لكن كان الغرض في سياقه من أجل مخالفي أهل الحق لنقرر عنده أنه ما نسب وجود العالم لهذه الذات من كونها ذاتا و إنما نسبوا العالم لها بالوجود من كونها علة فلهذا أوردنا مقالتهم و مع هذه النسبة و هي كونه قادرا لا بد من أمر ثالث و هو إرادة الإيجاد لهذه العين المقصودة بأن توجد و لا بد من التوجه بالقصد إلى إيجادها بالقدرة عقلا و بالقول شرعا بأن تتكون فما وجد الخلق إلا عن الفردية لا عن الأحدية لأن أحديته لا تقبل الثاني لأنها ليست أحدية عدد فكان ظهور العالم في العلم الإلهي عن ثلاث حقائق معقولة فسرى ذلك في توالد الكون بعضه عن بعض لكون الأصل على هذه الصورة و يكفي هذا القدر من هذا الباب فقد حصل المقصود بهذا التنبيه فإن هذا الفن في مثل طريق أهل الله لا يحتمل أكثر من هذا فإنه ليس من علوم الفكر هذا الكتاب و إنما هو من علوم التلقي و التدلي فلا يحتاج فيه إلى ميزان آخر غير هذا و إن كان له به ارتباط فإنه لا يخلو عنه جملة واحدة و لكن بعد تصحيح المقدمات من العلم بمفرداتها بالحد الذي لا يمنع و المقدمات بالبرهان الذي لا يدفع بقول الله في هذا الباب لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا الله لَفَسَدَتا فهذا مما كنا بصدده في هذا الباب و هذه الآية و أمثالها أحوجتنا إلى ذكر هذا الفن و من باب الكشف لم يشتغل أهل الله بهذا الفن من العلوم لتضييع الوقت و عمر الإنسان عزيز ينبغي أن لا يقطعه الإنسان إلا في مجالسة ربه و الحديث معه على ما شرعه له وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى الجزء الخامس عشر و الحمد لله‏

(بسم الله الرحمن الرحيم)