قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الثاني و الخمسون في معرفة السبب الذي يهرب منه المكاشف إلى عالم

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
كل من خاف على هيكلهلم ير الحق جهارا علنا
فتراه عند ما يشهدهراجعا للكون يبغي البدنا
و ترى الشجعان قد ما طلباللذي يحذر منه الجبنا

اعلم أيدك الله بروح منه أن النفوس الإنسانية قد جبلها الله على الجزع في أصل نشأتها فالشجاعة و الإقدام لها أمرعرضي و الجزع في الإنسان أقوى منه في الحيوانات إلا الصرصر تقول العرب أجبن من صرصر و سبب قوته في الإنسان العقل و الفكر الذي ميزه الله بهما على سائر الحيوان و ما يشجع الإنسان إلا القوة الوهمية كما أنه أيضا بهذه القوة يزيد جبنا و جزعا في مواضع مخصوصة فإن الوهم سلطان قوي و سبب ذلك أن اللطيفة الإنسانية متولدة بين الروح الإلهي الذي هو النفس الرحماني و بين الجسم المسوي المعدل من الأركان المعدلة من الطبيعة التي جعلها الله مقهورة تحت النفس الكلية كما جعل الأركان مقهورة تحت حكم سلطان الأفلاك‏ ثم إن الجسم الحيواني مقهور تحت سلطان الأركان التي هي العناصر فهو مقهور لمقهور عن مقهور و هو النفس عن مقهور و هو العقل فهو في الدرجة الخامسة من القهر من وجه فهو أضعف الضعفاء قال الله عز و جل الله الذي خلقكم من ضعف فالضعف أصله ثم جعل له قوة عارضة و هو قوله ثُمَّ جَعَلَ من بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثم رده إلى أصله من الضعف فقال عز و جل ثُمَّ جَعَلَ من بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَةً فهذا الضعف الأخير إنما أعده لإقامة النشأة الآخرة عليه كما قامت نشأة الدنيا على الضعف و لقد علمتم النشأة الأولى‏ و إنما كان هذا ليلازم ذاته الذلة و الافتقار و طلب المعونة و الحاجة لي خالقه و مع هذا كله يذهل عن أصله و يتيه بما عرض له من القوة فيدعي و يقول أنا و يمني نفسه بمقابلة لأهوال العظام فإذا قرصة برغوث أظهر الجزع لوجود الألم و بادر لإزالة ذلك الضرر و لم يقربه قرار حتى يجده فيقتله و ما عسى أن يكون البرغوث حتى يعتني به هذا الاعتناء و يزلزله عن مضجعه و لا يأخذه نوم فأين تلك الدعوى و الإقدام على الأهوال العظام و قد فضحته قرصة برغوث أو بعوضة هذا أصله ذلك ليعلم أن إقدامه على الأهوال العظام إنما هو بغيره لا بنفسه و هو ما يؤيده الله به من ذلك كما قال وَ أَيَّدْناهُ أي قويناه و لهذا شرع وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ في كل ركعة و لا حول و لا قوة إلا بالله‏ و لما علم الإنسان أنه لو لا جود الله عز و جل لم يظهر له عين في الوجود و أن أصله لم يكن شيئا مذكورا قال تعالى وَ قَدْ خَلَقْتُكَ من قَبْلُ وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً فللوجود لذة و حلاوة و هو الخير و لتوهم العدم العيني ألم شديد عظيم في النفوس لا يعرف قدر ذلك إلا العلماء و لكن كل نفس تجزع من العدم أن تلحق به كما هو حالها فمهما رأت أمرا تتوهم فيه أنه يلحقها بعدم عينها أو بما يقاربه هربت منه و ارتاعت و خافت على عينها و بما كانت أيضا عن الروح الإلهي الذي هو نفس الرحمن و لهذا كني عنه بالنفخ لمناسبة النفس فقال و نفخت فيه من روحي و كذا جعل عيسى بنفخ في صورة طينية كهيئة الطير فما ظهرت الأرواح إلا من الأنفاس غير أن للمحل الذي تمر به أثرا فيها بلا شك أ لا ترى الريح إذا مرت على شي‏ء نتن جاءت ريح منتنة إلى مشمك و إذا مرت بشي‏ء عطر جاءت بريح طيبة لذلك اختلفت أرواح الناس فروح طيبة لجسد طيب ما أشركت قط و لا كانت محلا لسفساف الأخلاق كأرواح الأنبياء و الأولياء و الملائكة و روح خبيث لجسد خبيث لم تزل مشركة محلا لسفساف الأخلاق و ذلك إنما كان لغلبة بعض الطبائع أعني الأخلاط على بعض في أصل نشأة الجسد التي هي سبب طيب الروح و وجود مكارم الأخلاق و سفسافها و خبث الروح فصحة الأرواح و عافيتها مكارم أخلاقها التي اكتسبتها من نشأة بدنها العنصري فجاءت بكل طيب و مليح و مرض الأرواح سفساف الأخلاق و مذمومها التي اكتسبتها أيضا من نشأة بدنها العنصري فجاءت بكل خبيث و قبيح ألا ترى الشمس إذا أفاضت نورها على جسم الزجاج الأخضر ظهر النور في الحائط أو في الجسم الذي تطرح الشعاع عليه أخضر و إن كان الزجاج أحمر طرح الشعاع أحمر في رأى العين فانصبغ في الناظر بلون المحل و ذلك للطافته يقبل الأشياء بسرعة و لما كان الهواء من أقوى الأشياء و كان الروح نفسا و هو شبيه بالهواء كانت القوة له فكان أصل نشأة الأرواح من هذه القوة و اكتسبت الضعف من المزاج الطبيعي البدني فإنه ما ظهر لها عين إلا بعد أثر المزاج الطبيعي فيها فخرجت ضعيفة لأنها إلى الجسم أقرب في ظهور عينها فإذا قبلت القوة إنما تقبلها من أصلها الذي هو النفس الرحماني المعبر عنه بالروح المنفوخ منه المضاف إلى الله فهي قابلة للقوة كما هي قابلة للضعف و كلاهما بحكم الأصل و هي إلى البدن أقرب لأنها أحدث عهدا به فغلب ضعفها على قوتها فلو تجردت عن المادة ظهرت قوتها الأصلية التي لها من النفخ الإلهي و لم يكن شي‏ء أشد تكبرا منها فألزمها الله الصورة الطبيعية دائما في الدنيا و في البرزخ في النوم و بعد الموت فلا ترى نفسها أبدا مجردة عن المادة و في الآخرة لا تزال في‏أجسادها يبعثها الله من صور البرزخ في الأجساد التي أنشأها لها يوم القيامة و بها تدخل الجنة و النار ذلك ليلزمها الضعف الطبيعي فلا تزال فقيرة أبدا أ لا تراها في أوقات غفلتها عن نفسها كيف يكون منها التهجم و الإقدام على المقام الإلهي فتدعى الربوبية كفرعون و تقول في غلبة ذلك الحال عليها أنا الله و سبحاني كما قال ذلك بعض العارفين و ذلك لغلبة الحال عليه و لهذا لم يصدر مثل هذا اللفظ من رسول و لا نبي و لا ولي كامل في علمه و حضوره و لزومه باب المقام الذي له و أدبه و مراعاة المادة التي هو فيها و بها ظهر فهو ردم ملآن بضعفه و فقره مع شهوده أصله علما و حالا و كشفا و علمه بأصله و مقام خلافته من وجه آخر لو كان حالا له لأدعى الألوهة فإن الأمر الخارج في النفخ من النافخ له من حكمه بقدر ذلك فلو ادعاه ما ادعى محالا و بذلك القدر الذي فيه من القوة الإلهية التي أظهرها النفخ توجه عليه التكليف فإنه عين المكلف و أضيفت الأفعال إليه و قيل له قل وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ و لا حول و لا قوة إلا بالله فإنه أصلك الذي إليه ترجع فصدقت المعتزلة في إضافة الأفعال إلى العباد من وجه بدليل شرعي و صدق المخالف في إضافة الأفعال كلها إلى الله تعالى من وجه بدليل شرعي أيضا و عقلي و قالت بالكسب في أفعال العباد للعباد بقوله تعالى لَها ما كَسَبَتْ و قال في المصورين على لسان رسوله صلى الله عليه و سلم أين من ذهب يخلق كخلقي‏ فأضاف الخلق إلى العباد و قال في عيسى عليه السلام وَ إِذْ تَخْلُقُ من الطِّينِ فنسب الخلق إليه عليه السلام و هو إيجاده صورة الطائر في الطين ثم أمره أن ينفخ فيه فقامت تلك الصورة التي صورها عيسى عليه السلام طائرا حيا و قوله بِإِذْنِ الله يعني الأمر الذي أمره الله به من خلقه صورة الطائر و النفخ و إبراء الأكمه و الأبرص و إحيائه الميت فأخبر أن عيسى عليه السلام لم ينبعث إلى ذلك من نفسه و إنما كان عن أمر الله ليكون ذلك و إحياء الموتى من آياته على ما يدعيه فلو لا أن الإنسان من حيث حقيقته من ذلك النفس الرحماني ما صح و لا ثبت أن يكون عن نفخه طائر يطير بجناحيه‏ و لما كانت حقيقة الإنسان هكذا خوفه الله بما ذكر من صفة المتكبرين و مالهم و اسوداد وجوههم كل ذلك دواء للأرواح لتقف مع ضعف مزاجها الأقرب في ظهور عينها فالإنسان ابن أمه حقيقة بلا شك فالروح ابن طبيعة بدنه و هي أمه التي أرضعته و نشأ في بطنها و تغذى بدمها فحكمه حكمها فلا يستغني عن غذاء في بقاء هيكله‏ (تتميم) فلما كان الغالب هذا على الإنسان رجعنا إلى المكاشف الذي يهرب إلى عالم الشهادة عند ما يرى ما يهوله في كشفه مثل صاحبنا أحمد العصاد الحريري رحمه الله فإنه كان إذا أخذ سريع الرجوع إلى حسه باهتزاز و اضطراب فكنت أعتبه و أقول له في ذلك فيقول أخاف و أجبن من عدم عيني لما أراه و لو علم المسكين أنه لو فارق المواد رجع النفس إلى مستقره و هو عينه و رجع كل شي‏ء إلى أصله و لكن لو كان ذلك لانعدمت الفائدة في حق العبد فيما يظهر و ليس الأمر كذلك و لذلك قلنا و هو عينه أي عين العبد فالبقاء الذي أراده الحق أولى به بوجود هذا الهيكل العنصري في الدنيا الطبيعي في الآخرة و الذي يثبت هنالك أعني عند الوارد إنما يثبت إذا دخل عبدا كما إن الذي لا يثبت إنما دخل و في نفسه شي‏ء من الربوبية فخاف من زوالها هناك فهرب إلى الوجود الذي ظهرت فيه ربانيته و لهذا تكون فائدته قليلة و الثابت يدخل عبدا قابلا بهمة محترقة إلى أصله ليهبه من عوارفه ما عوده فإذا خرج خرج نورا يستضاء به‏ فمثل الداخل إلى ذلك الجناب العالي بربوبيته مثل من يدخل بسراج موقود و مثل الذي يدخل بعبوديته مثل من يدخل بفتيلة لا ضوء فيها أو بقبضة حشيش فيها نار غير مشتعلة فإذا دخلا بهذه المثابة هب عليهما نفس من الرحمن فطفئ لذلك الهبوب السراج و اشتعل الحشيش فخرج صاحب السراج في ظلمة و خرج صاحب الحشيش في نور يستضاء به فانظر ما أعطاه الاستعداد فكل هارب من هناك إنما يخاف على سراجه أن ينطفئ فهو يخاف على ربوبيته أن تزول فيفر إلى محل ظهورها و لكن ما يخرج إلا و قد طفئ سراجه و لو خرج به موقدا كما دخل و لم يؤثر فيه ذلك الهبوب لأدعى الربوبية حقا و لكن من عصمة الله له كان ذلك و من دخل عبدا لا يخاف و إذا اشتعلت فتيلته هنالك عرف من أشعلها و رأى المنة له سبحانه في ذلك فخرج عبدا منورا كما قال تعالى سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ يعني عبدا فكان في خروجه إلى أمته داعِياً إِلَى الله بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً كما دخل عبدا ذليلا عارفا بما دخل و على من دخل فمن و فقه الله تعالى و لزم عبوديته في جميع أحواله و إن عرف أصليه فيرجح‏الأصل الأقرب إليه جانب أمه فإنه ابن أمه بلا شك أ لا ترى إلى السنة في تلقين الميت عند حصوله في قبره يقال له يا عبد الله و يا ابن أمة الله فينسب إلى أمه سترا من الله عليها فأضيف إلى أمه لأنها أحق به لظهور نشأته و وجود عينه فهو لأبيه ابن فراش و هو ابن لأمه حقيقة فافهم ما أعطيناك من المعرفة بك في هذا الباب وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏