اعلم أيدك الله بروح القدس أن رجال هذا الباب هم الزهاد الذين كان الورع سبب زهدهم و ذلك أن القوم تورعوا في المكاسب على أشد ما يكون من عزائم الشريعة فكلما حاك له في نفوسهم شيء تركوه عملا على قوله صلى الله عليه و سلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك و قوله استفت قلبك و قال بعضهم ما رأيت أسهل علي من الورع كل ما حاك له في نفسي شيء تركته إلى أن جعل الله لهم علامات يعرفون بها الحلال من الحرام في المطاعم و غيرها إلى أن ارتقوا عن العلامات إلى خرق العوائد عندهم في الشيء المتورع فيه فيستعملونه فيظن من لا علم له بذلك أنه أتى حراما و ليس كذلك فاتسع عليهم ذلك الضيق و الحرج و قد ذقنا هذا من نفوسنا و زال عنهم ما كانوا يجدونه في نفوسهم من البحث و التفتيش عن ذلك و هذه العلامة و هذا الحال التي ارتقوا إليها لا تكون أبدا إلا من نفس الرحمن رحمهم بذلك الرحمن لما رآهم فيه من التعب و الضيق و الحرج و تهمة الناس في مكاسبهم و ما يؤديهم إليه هذا الفعل من سوء الظن بعباد الله فنفس الرحمن عنهم بما جعل لهم من العلامات في الشيء و في حق قوم بالمقام الذي ارتقوا إليه الذي ذكرناه فيأكلون طيبا و يستعملون طيبا فالطيبات للطيبين و الطيبون للطيبات و استراحوا إذ كانوا على بينة من ربهم في مطاعمهم و مشاربهم و أداهم التحقق بالورع إلى الزهد في الكسب إذ كان مبني اكتسابهم الورع ليأكلوا مما يعلمون أن ذلك حلال لهم استعماله ثم عملوا على ذلك الورع في المنطق من أجل الغيبة و الكلام فيما يخوض الإنسان فيه من الفضول فرأوا أن السبب الموجب لذلك مجالسة الناس و معاشرتهم و ربما قدروا على مسك نفوسهم عن الكلام بما لا ينبغي لكن بعضهم أو أكثرهم عجز أن يمنع الناس بحضوره عن الكلام بالفضول و ما لا يعنيهم فأداهم أيضا هذا الحرج إلى الزهد في الناس فآثروا العزلة و الانقطاع عن الناس باتخاذ الخلوات و غلق بابهم عن قصد الناس إليهم و آخرون بالسياحة في الجبال و الشعاب و السواحل و بطون الأودية فنفس الله عنهم من اسمه الرحمن بوجوه مختلفة من الأنس به أعطاهم ذلك نفس الرحمن فأسمعهم أذكار الأحجار و خرير المياه و هبوب الرياح و مناطق الطير و تسبيح كل أمة من المخلوقات و محادثتهم معه و سلامهم عليه فآنس بهم من وحشته و عاد في جماعة و خلق ما لهم كلام إلا في تسبيح أو تعظيم أو ذكر آلاء إلهية أو تعريف بما ينبغي و هو جليس لهم و يسمع جوارحه و كل جزء فيه يكلمه بما أنعم الله عليه به فتغمره النعم فيزيد في العبادة و منهم من ينفس عنه بالأنس بالوحوش رأينا ذلك فتغدو عليه و تروح مستأنسة به و تكلمه بما يزيده حرصا على عبادة ربه و منهم من يجالسه الروحانيون من الجان و لكن هو دون الجماعة في الرتبة إذا لم يكن له حال سوى هذا لأنهم قريب من الأنس في الفضول و الكيس من الناس من يهرب منهم كما يهرب من الناس فإن مجالستهم رديئة جدا قليل أن تنتج خيرا لأن أصلهم نار و النار كثيرة الحركة و من كثرت حركته كان الفضول أسرع إليه في كل شيء فهم أشد فتنة على جليسهم من الناس فإنهم قد اجتمعوا مع الناس في كشف عورات الناس التي ينبغي للعاقل أن لا يطلع عليها غير أن الإنس لا تؤثر مجالسة الإنسان إياهم تكبرا و مجالسة الجن ليست كذلك فإنهم بالطبع يؤثرون في جليسهم التكبر على الناس و على كل عبد لله و كل عبد لله رأى لنفسه شفوفا على غيره تكبرا فإنه يمقته الله في نفسه من حيث لا يشعر و هذا من المكر الخفي و عين مقت الله إياه هو ما يجده من التكبر على من ليس له مثل هذا و يتخيل أنه في الحاصل و هو في الفائت ثم اعلم أن الجان هم أجهل العالم الطبيعي بالله و يتخيل جليسهم بما يخبرونه به من حوادث الأكوان و ما يجري في العالم ممايحصل لهم من استراق السمع من الملإ الأعلى فيظن جليسهم أن ذلك كرامة الله به و هيهات لما ظنوا و لهذا ما ترى أحدا قط جالسهم فحصل عنده منهم علم بالله جملة واحدة غاية الرجل الذي تعتني به أرواح الجن أن يمنحوه من علم خواص النبات و الأحجار و الأسماء و الحروف و هو علم السيمياء فلم يكتسب منهم إلا العلم الذي ذمته ألسنة الشرائع و من ادعى صحبتهم و هو صادق في دعواه فاسألوه عن مسألة في العلم الإلهي ما تجد عنده من ذلك ذوقا أصلا فرجال الله يفرون من صحبتهم أشد فرارا منهم من الناس فإنه لا بد أن تحصل صحبتهم في نفس من يصحبهم تكبرا على الغير بالطبع و ازدراء بمن ليس له في صحبتهم قدم و قد رأينا جماعة ممن صحبوهم حقيقة و ظهرت لهم براهين على صحة ما ادعوه من صحبتهم و كانوا أهل جد و اجتهاد و عبادة و لكن لم يكن عندهم من جهتهم شمة من العلم بالله و رأينا فيهم عزة و تكبرا فما زلنا بهم حتى حلنا بينهم و بين صحبتهم لإنصافهم و طلبهم الأنفس كما أيضا رأينا ضد ذلك منهم فما أفلح و لا يفلح من هذه صفته إذا كان صادقا و أما الكاذب فلا نشتغل به و منهم من نفس الرحمن عنه بمجالسة الملائكة و نعم الجلساء هم هم أنوار خالصة لا فضول عندهم و عندهم العلم الإلهي الذي لا مرية فيه فيرى جليسهم في مزيد علم بالله دائما مع الأنفاس فمن ادعى مجالسة الملإ الأعلى و لم يستفد في نفسه علما بربه فليس بصحيح الدعوى و إنما هو صاحب خيال فاسد و منهم من ينفس الرحمن عنه بأنس بالله في باطنه و تجليات دائمة معنويات فلا يزال في كل نفس صاحب علم بحال جديد بالله و أنس جديد و منهم من ينفس الرحمن عنه ذلك الضيق بمشاهدته عالم الخيال يستصحبه ذلك دائما كما يستصحب الرؤيا النائم فيخاطب و يخاطب و لا يزال في صور دائما في لذة و في نكاح إن جاءته شهوة جماع و لا تكليف عليه ما دام في تلك الحال لغيبته عن إحساسه في الشاهد فينكح و يلتذ و يولد له في عالم الخيال أولاد فمنهم من يبقى له ذلك في عالمه و منهم من يخرج ولده إلى عالم لشهادة و هو خيال على أصله مشهود للحس و هذا من الأسرار الإلهية العجيبة و لا يحصل ذلك إلا للأكابر من الرجال و ما من طبقة ذكرناها إلا و قد رأينا منهم جماعة من رجال و نساء بإشبيلية و تلمسان و بمكة و بمواضع كثيرة و كانت لهم براهين تشهد بصحة ما يقولونه و أما نحن فلا نحتاج مع أحد منهم لبرهان فيما يدعيه فإن الله قد جعل لكل صنف علامة يعرف بها فإذا رأينا تلك العلامة عرفنا صدق صاحبها من حيث لا يشعروكم رأينا ممن يدعي ذلك كاذبا أو صاحب خيال فاسد فإن علمنا منه أنه يرجع نصحناه و إن رأيناه عاشقا لحاله محجوبا بخياله الفاسد تركناه و أصدق من رأينا في هذا الباب من النساء فاطمة بنت ابن المثنى بإشبيلية خدمتها و هي بنت خمس و تسعين سنة و شمس أم الفقراء بمرشانة و أم الزهراء بإشبيلية أيضا و كلبهار بمكة تدعى ست غزالة و من الرجال أبو العباس بن المنذر من أهل إشبيلية و أبو الحجاج الشبربلي من قربة بشرف إشبيلية تسمى شبربل و يوسف بن صخر بقرطبة و هذا قد أعربنا لك عن أحوال رجال هذا الباب و ما أنتج لهم الزهد في الناس و ما وجدوه من نفس الرحمن لذلك و على هذا الحد تكون أعمال الجوارح كلها يجمعها ترك الفضول في كل عضو بما يستحقه ظاهرا و باطنا فأولها الجوارح و أعلاها في الباطن الفكر فلا يتفكر فيما لا يعينه فإن ذلك يؤديه إلى الهوس و الأماني و عدم المسابقة بحضور النية في أداء العبادات فإن الإنسان لا يخلو فكره في أحد أمرين إما فيما عنده من الدنيا و إما فيما ليس عنده منها فإن فكر فيما عنده فليس له دواء عند الطائفة إلا الخروج عنه و الزهد فيه صرح بذلك أبو حامد و غيره و إن فكر فيما ليس عنده فهو عند الطائفة عديم العقل أخرق لا دواء له إلا المداومة على الذكر و مجالسة أهل الله الذين الغالب على ظواهرهم المراقبة و الحياء من الله وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
(الباب الحادي و الخمسون في معرفة رجال من أهل الورع قد تحققوا بمنزل نفس
يا من تحقق بالنفسإن الكلام لفي القبس
و كذا الهبات من العلوملدى المحقق في البلس
لله قوم ما لهمفي نفس نفسهم نفس
و هم الذين هموهمأهل المشاهد في الغلس
شفهم الخلائف في الغيوبو في الشهادة كالعسس
أعلى الإله مقامهمفي سورة تتلى عبس
فيها لطائف سرهمفابحث و لا تك تختلس
من كان ذا علم بهافي حاله لم يبتئس