قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الخمسون في معرفة رجال الحيرة و العجز)

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
من قال يعلم أن الله خالقهو لم يحركان برهانا بأن جهلا
لا يعلم الله إلا الله فانتبهوافليس حاضركم مثل الذي غفلا
العجز عن درك الإدراك معرفةكذا هو الحكم فيه عند من عقلا
هو الإله فلا تحصى محامدههو النزيه فلا تضرب له مثلا

اعلم أيدك الله بروح منه أن سبب الحيرة في علمنا بالله طلبنا معرفة ذاته جل و تعالى بأحد الطريقين إما بطريق الأدلة العقلية و إما بطريق تسمى المشاهدة فالدليل العقلي يمنع من المشاهدة و الدليل السمعي قد أومأ إليها و ما صرح و الدليل العقلي قد منع من إدراك حقيقة ذاته من طريق الصفة الثبوتية النفسية التي هو سبحانه في نفسه عليها و ما أدرك العقل بنظره إلا صفات السلوب لا غير و سمي هذا معرفة و الشارع قد نسب إلى نفسه أمورا وصف نفسه بها تحيلها الأدلة العقلية إلا بتأويل بعيد يمكن أن يكون مقصودا للشارع و يمكن أن لا يكون و قد لزمه الايمان و التصديق بما وصف به نفسه لقيام الأدلة عنده بصدق هذه الأخبار عنه إنه أخبر بها عن نفسه في كتبه أو على ألسنة رسله فتعارض هذه الأمورمع طلبه معرفة ذاته تعالى أو الجمع بين الدليلين المتعارضين أوقعهم في الحيرة فرجال الحيرة هم الذين نظروا في هذه الدلائل و استقصوها غاية الاستقصاء إلى أن أداهم ذلك النظر إلى العجز و الحيرة فيه من نبي أو صديق‏ قال صلى الله عليه و سلم اللهم زدني فيك تحيرا فإنه كلما زاده الحق علما به زاده ذلك العلم حيرة و لا سيما أهل الكشف لاختلاف الصور عليهم عند الشهود فهم أعظم حيرة من أصحاب النظر في الأدلة بما لا يتقارب‏ قال النبي صلى الله عليه و سلم بعد ما بذل جهده في الثناء على خالقه بما أوحى به إليه لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك‏ و قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في هذا المقام و كان من رجاله العجز عن درك الإدراك إدراك أي إذا علمت إن ثم من لا يعلم ذلك هو العلم بالله تعالى فكان الدليل على العلم به عدم العلم به و الله قد أمرنا بالعلم بتوحيده و ما أمرنا بالعلم بذاته بل نهى عن ذلك بقوله وَ يُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ و نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن التفكر في ذات الله تعالى‏ إذ من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ كيف يوصل إلى معرفة ذاته فقال الله تعالى آمرا بالعلم بتوحيده فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الله فالمعرفة به من كونه إلها و المعرفة بما ينبغي للاله أن يكون عليه من الصفات التي يمتاز بها عن من ليس بإله و عن المألوه هي المأمور بها شرعا فلا يعرف الله إلا الله‏ فقامت الأدلة العقلية القاطعة على أنه إله واحد عند أهل النظر و أهل الكشف فلا إله إلا هو ثم بعد هذا الدليل العقلي على توحيده و العلم الضروري العقلي بوجوده و رأينا أهل طريق الله تعالى من رسول و نبي و ولي قد جاءوا بأمور من المعرفة بنعوت الإله في طريقهم إحالتها الأدلة العقلية و جاءت بصحتها الألفاظ النبوية و الأخبار الإلهية فبحث أهل الطريق عن هذه المعاني ليحصلوا منها على أمر يتميزون به عن أهل النظر الذين وقفوا حيث بلغت بهم أفكارهم مع تحققهم صدق الأخبار فقالوا نعلم أن ثم طورا آخر وراء طور إدراك العقل الذي يستقل به و هو للأنبياء و كبار الأولياء به يقبلون هذه الأمور الواردة عليهم في الجناب الإلهي فعملت هذه الطائفة في تحصيل ذلك بطريق الخلوات و الأذكار المشروعة لصفاء القلوب و طهارتها من دنس الفكر إذ كان المفكر لا يفكر إلا في المحدثات لا في ذات الحق و ما ينبغي أن يكون عليه في نفسه الذي هو مسمى الله و لم يجد صفة إثبات نفسية فأخذ ينظر في كل صفة يمكن أن يقبلها المحدث الممكن يسلبها عن الله لئلا يلزمه حكم تلك الصفة كما لزمت الممكن الحادث مثل ما فعل بعض النظار من المتكلمين في أمور أثبتوها و طردوها شاهدا و غائبا و يستحيل على ذات الحق أن تجتمع مع الممكن في صفة فإن كل صفة يتصف بها الممكن يزول وجودها بزوال الموصوف بها أو تزول هي مع بقاء الممكن كصفات المعاني و الأولى كصفات النفس ثم إن كل صفة منها ممكنة فإذا طردوها شاهدا و غائبا فقد وصفوا واجب الوجود لنفسه بما هو ممكن لنفسه و الواجب الوجود لنفسه لا يقبل ما يمكن أن يكون و يمكن أن لا يكون فإذا بطل الاتصاف به من حيث حقيقة ذلك الوصف لم يبق إلا الاشتراك في اللفظ إذ قد بطل الاشتراك في الحد و الحقيقة فلا يجمع صفة الحق و صفة العبد حد واحد أصلا فاذن بطل طرد ما قالوه و طردوه شاهدا و غائبا فلم يكن قولنا في الله إنه عالم على حد ما نقول في الممكن الحادث إنه عالم من طريق حد العلم و حقيقته فإن نسبة العلم إلى الله تخالف نسبة العلم إلى الخلق الممكن و لو كان عين العلم القديم هو عين العلم المحدث لجمعهما حد واحد ذاتي أعني العلمين و استحال عليه ما يستحيل على مثله من حيث ذاته و وجدنا الأمر على خلاف ذلك‏ فتعملت هذه الطائفة في تحصيل شي‏ء مما وردت به الأخبار الإلهية من جانب الحق و شرعت في صقالة قلوبها بالأذكار و تلاوة القرآن و تفريغ المحل من النظر في الممكنات و الحضور و المراقبة مع طهارة الظاهر بالوقوف عند الحدود المشروعة من غض البصر عن الأمور التي نهى أن ينظر إليها من العورات و غيرها و إرساله في الأشياء التي تعطيه الاعتبار و الإستبصار و كذلك سمعه و لسانه و يده و رجله و بطنه و فرجه و قلبه و ما ثم في ظاهره سوى هذه السبعة و القلب ثامنها و يزيل التفكر عن نفسه جملة واحدة فإنه مفرق لهمه و يعتكف على مراقبة قلبه عند باب ربه عسى الله أن يفتح له الباب إليه و يعلم ما لم يكن يعلم مما علمته الرسل و أهل الله مما لم تستقل العقول بإدراكه و إحالته فإذا فتح الله لصاحب هذا القلب هذا الباب حصل له تجل إلهي أعطاه ذلك التجلي بحسب ما يكون حكمه فينسب إلى الله منه أمرا لم يكن قبل ذلك يجرأ على نسبته إلى الله سبحانه و لا يصفه به إلا قدر ما جاءت به الأنباء الإلهية فيأخذها تقليدا و الآن يأخذ ذلك كشفا موافقا مؤيدا عنده لما نطقت به الكتب المنزلة و جاء على ألسنة الرسل عليهم السلام فكان يطلقها إيمانا حاكيا من غير تحقيق لمعانيها و لا يزيد عليها و الآن يطلق في نفسه عليه تعالى ذلك علما محققا من أجل ذلك الأمر الذي تجلى له فيكون بحسب ما يعطيه ذلك الأمر و يعرف معنى ما يطلقه و ما حقيقة ذلك‏ فيتخيل في أول تجل أنه قد بلغ المقصود و حاز الأمر و أنه ليس وراء ذلك شي‏ء يطلب سوى دوام ذلك فيقوم له تجل آخر بحكم آخر ما هو ذلك الأول و المتجلي واحد لا يشك فيه فيكون حكمه فيه حكم الأول ثم تتوالى عليه التجليات باختلاف أحكامها فيه فيعلم عند ذلك أن الأمر ما له نهاية يوقف عندها و يعلم أن الإنية الإلهية ما أدركها و أن الهوية لا يصح أن تتجلى له و أنها روح كل تجل فيزيد حيرة لكن فيها لذة و هي أعظم من حيرة أصحاب الأفكار بما لا يتقارب فإن أصحاب الأفكار ما برحوا بأفكارهم في الأكوان فلهم أن يحاروا و يعجزوا و هؤلاء ارتفعوا عن الأكوان و ما بقي لهم شهود إلا فيه فهو مشهودهم و الأمر بهذه المثابة فكانت حيرتهم باختلاف التجليات أشد من حيرة النظار في معارضات الدلالات عليه‏ فقوله صلى الله عليه و سلم أو قول من يقول من هذا المقام زدني فيك تحيرا طلب لتوالي التجليات عليه فهذا الفرق بين حيرة أهل الله و حيرة أهل النظر فصاحب العقل ينشد

و في كل شي‏ء له آية تدل على أنه واحد

و صاحب التجلي ينشد قولنا في ذلك

و في كل شي‏ء له آية تدل على أنه عينه‏

فبينهما ما بين كلمتيهما فما في الوجود إلا الله و لا يعرف الله إلا الله و من هذه الحقيقة قال من قال أنا الله كأبي يزيد و سبحاني كغيره من رجال الله المتقدمين و هي من بعض تخريجات أقوالهم رضي الله عنهم فمن وصل إلى الحيرة من الفريقين فقد وصل غير أن أصحابنا اليوم يجدون غاية الألم حيث لا يقدرون يرسلون ما ينبغي أن يرسل عليه سبحانه كما أرسلت الأنبياء عليهم السلام فما أعظم تلك التجليات و إنما منعهم أن يطلقوا عليه ما أطلقت الكتب المنزلة و الرسل عليهم السلام عدم إنصاف السامعين من الفقهاء و أولي الأمر لما يسارعون إليه في تكفير من يأتي بمثل ما جاءت به الأنبياء عليهم السلام في جنب الله و تركوا معنى قوله تعالى لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ كما قال له صلى الله عليه و سلم ربه عز و جل عند ذكره الأنبياء و الرسل عليهم السلام أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ فأغلق الفقهاء هذا الباب من أجل المدعين الكاذبين في دعواهم و نعم ما فعلوا و ما على الصادقين في هذا من ضرر لأن الكلام و العبارة عن مثل هذا ما هو ضربة لازب و في ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في ذلك كفاية لهم فيوردونها يستريحون إليها من تعجب و فرح و ضحك و تبشش و نزول و معية و محبة و شوق و ما أشبه ذلك مما لو انفرد بالعبارة عنه الولي كفر و ربما قتل و أكثر علماء الرسوم عدموا علم ذلك ذوقا و شربا فأنكروا مثل هذا من العارفين حسدا من عند أنفسهم إذ لو استحال إطلاق مثل هذا على الله تعالى ما أطلقه على نفسه و لا أطلقته رسله عليهم السلام عليه و منعهم الحسد أن يعلموا أن ذلك رد على كتاب الله و تحجير على رحمة الله أن تنال بعض عباد الله و أكثر العامة تابعون للفقهاء في هذا الإنكار تقليدا لهم لا بل بحمد الله أقل العامة و أما الملوك فالغالب عليهم عدم الوصول إلى مشاهدة هذه الحقائق لشغلهم بما دفعوا إليه فساعدوا علماء الرسوم فيما ذهبوا إليه إلا القليل منهم فإنهم اتهموا علماء الرسوم في ذلك لما رأوه من انكبابهم على حطام الدنيا و هم في غنى عنه و حب الجاه و الرئاسة و تمشية أغراض الملوك فيما لا يجوز و بقي العلماء بالله تحت ذل العجز و الحصر معهم كرسول كذبه قومه و ما آمن به واحد منهم و لم يزل رسول الله صلى الله عليه و سلم يحرس حتى نزل وَ الله يَعْصِمُكَ من النَّاسِ فانظر ما يقاسيه في نفسه العالم بالله فسبحان من أعمى بصائرهم حيث أسلموا و سلموا و آمنوا بما به كفروا فالله يجعلنا ممن عرف الرجال بالحق لا ممن عرف الحق بالرجال وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏