قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب التاسع و الأربعون)

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

في معرفة قوله صلى الله عليه و سلم إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن‏ معرفة هذا المنزل و رجاله

نفس الرحمن ليس لهفي سوى الرحمن مستند
حكمه في كل طائفةما لها ركن و لا سند
يمن الأكوان منزلهو هو لا روح و لا جسد
ما له حد يعينهو هو المطلوب و الصمد
فجميع الخلق يطلبهثم لم يظفر به أحد
أحد ما مثله أحدبكمال النعت منفرد

اعلم يا ولي أن لله عبادا من حيث اسمه الرحمن و هو قوله وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً يقول تعالى يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً و لله عباد يأتي إليهم الرحمن من اسمه الرب فإن الله يقول قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ فكماله من الاسم الله الأسماء الحسنى كذلك له من الاسم الرحمن الأسماء الحسنى‏ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ينزل ربنا إلى السماء الدنيا و قال وَ جاءَ رَبُّكَ فثم إتيان عام مثل هذا و هو الإتيان للفصل و القضاء و ثم إتيان خاص بالرحمة لمن اعتنى به من عباده‏ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لما اشتد كربه من المنازعين إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن‏ و هو ما مشى إلى اليمن لكن النفس أدركه من قبل اليمن و ما أدركه حتى أتاه فجاء بالتنفيس من الشدة و الضيق الذي كان فيه بالأنصار رضي الله عن جميعهم فتقدم إليه النفس في باطنه و قلبه مبشرا بما يظهره الله من نصرة الدين و إقامته على أيدي الأنصار و لقد جرى لنا في حديث الأنصار ما نذكره إن شاء الله و ذلك أنه عندنا بدمشق رجل من أهل الفضل و الأدب و الدين يقال له يحيى بن الأخفش من أهل مراكش كان أبوه يدرس العربية بها فكتب إلي يوما من منزله بدمشق و أنا بها يقول لي في كتابه يا ولي رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم البارحة بجامع دمشق و قد نزل بمقصورة الخطابة إلى جانب خزانه المصحف المنسوب إلى عثمان رضي الله عنه و الناس يهرعون إليه و يدخلون عليه يبايعونه فبقيت واقفا حتى خف الناس فدخلت عليه و أخذت يده فقال لي هل تعرف محمدا قلت له يا رسول الله من محمد فقال له ابن العربي قال فقلت له نعم أعرفه فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم إنا قد أمرناه بأمر فقل له يقول لك رسول الله انهض لما أمرت به و اصحبه أنت فإنك تنتفع بصحبته و قل له يقول لك رسول الله امتدح الأنصار و لتعين منهم سعد بن عبادة و لا بد ثم استدعى بحسان بن ثابت فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم يا حسان حفظه بيتا يوصله إلى محمد بن العربي يبني عليه و ينسج على منواله في العروض و الروي فقال حسان يا يحيى خذ إليك و أنشدني بيتا و هو

شغف السهاد بمقلتي و مزاري فعلى الدموع معولي و مشاري‏

و ما زال يردده علي حتى حفظته ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا مدح الأنصار فاكتبه بخط بين و احمله ليلة الخميس إلى تربة هذا الذي تسمونها قبر الست فستجد عندها شخصا اسمه حامد فادفع إليه المديح فلما أخبرني بذلك هذا الرائي و فقه الله عملت القصيدة من وقتي من غير فكرة و لا روية و لا تثبط و دفعت القصيدة إليه فكتب إلى أنه لما جاء قبر الست وصل إليه بعد العشاء الآخرة قال فرأيت رجلا عند القبر فقال لي ابتداء أنت يحيى الذي جاء من عند فلان و سماني قال فقلت له نعم قال فأين القصيد الذي مدح به الأنصار عن أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت هو ذا عندي فناولته إياه فقرب من الشمعة ليقرأ القصيدة فلم أره يخبر ذلك الخط فقلت له تأمرني أنشدك إياها قال نعم فأنشدته إياها و هذا نص القصيدة

قال ابن ثابت الذي فخرت بهفقر الكلام و نشأة الأشعار
شغف السهاد بمقلتي و مزاريفعلى الدموع معولي و مشاري‏

و كانت أمي تنسب إلى الأنصار فقلت‏

فلذا جعلت رويه الراء التيهي من حروف الرد و التكرار
فأقول مبتدئا لطاعة أحمدفي مدح قوم سادة أبرار
إني امرؤ من جملة الأنصارفإذا مدحتهمو مدحت نجاري‏
بسيوفهم قام الهدى و بهم علتأنواره في رأس كل منار
قاموا بنصر الهاشمي محمدالمصطفى المختار من مختار
صحبوا النبي بنية و عزائمفازوا بهن حميدة الآثار
باعوا نفوسهمو لنصرة دينهو لذاك ما صحبوه بالإيثار
عنهم كنى المختار بالنفس الذييأتيه من يمن مع الأقدار
سعد سليل عبادة فخرت بهيوم السقيفة جملة الأنصار
لله آساد لكل كريهةنزلت بدين الله و الأخيار
عزوا بدين الله في إعزازهمدين الهدى بالعسكر الجرار
فيهم علا يوم القيامة مشهديو بهم ترى يوم الورود فخاري
لو أنني صغت الكلام قلائدافي مدحهم ما كنت بالمكثار
كرش النبي و عيبة لرسولهلحقت بهم أعداؤه بتبار
رهبان ليلا يقرءون كلامهآساد غاب في الوغى بنهار

و قصة الرؤيا طويلة فاقتصرت من ذلك على ما نحتاج إليه في هذا الباب من ذكر الأنصار ثم نرجع فنقول فما جاءت الأنصار إلا بعد أن نفس الله عن نبيه بما بشره به فلقيته الأنصار في حال اتساع و انشراح و سرور و تلقاها صلى الله عليه و سلم تلقي الغني بربه فكان معها و المهاجرين عونا على إقامة دين الله كما أمرهم الله قال الله عز و جل وَ الله يَقْبِضُ وَ يَبْصُطُ فلله الأسماء الحسنى و لها آثار و تحكم في خلقه و هي المتوجهة من الله تعالى على إيجاد الممكنات و ما تحوي عليه من المعاني التي لا نهاية لها و الله من حيث ذاته غني عن العالمين و إنما عرفنا الله تعالى أنه غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ليعلمنا أنه سبحانه ما أوجدنا إلا لنا لا لنفسه و ما خلقنا لعبادته إلا ليعود ثواب ذلك العمل و فضله إلينا و لذلك ما خص بهذا الخطاب إلا الثقلين فقال تعالى وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ و لا نشك أن كل ما خلق من الملائكة و غيرهم من العالم ما خلقهم إلا مسبحين بحمده و ما خص بهذه الصفة غير الثقلين أعني صفة العبادة و هي الذلة فما خلقهم حين خلقهم إذ لا و إنما خلقهم ليذلوا و خلق ما سواهم إذ لا في أصل خلقهم فما جعل العلة في سوى الثقلين الذلة كما جعلها فينا و ذلك أنه ما تكبر أحد من خلق الله على أمر الله غير الثقلين و لا عصى الله أحد من خلق الله سوى الثقلين فأمر إبليس فعصى و نهى آدم عليه السلام أن يقرب الشجرة فكان من أمره ما قال الله لنا في كتابه وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ و أما الملائكة فقد شهد لهم الله بأنهم لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ردا على من تكلم بما لا ينبغي في حق الملكين ببابل من المفسرين بما لا يليق بهم و لا يعطيه ظاهر الآية لكن الإنسان يجترئ على الله تعالى فيقول فيه ما لا يليق بجلاله فكيف لا يقول في الملائكة فكما كذب الإنسان ربه في أمور فيكون هذا القائل قد كذب ربه في قوله في حق الملائكة لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ و في صحيح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الله عز و جل يقول الله عز و جل كذبني ابن آدم و لم يكن ينبغي له ذلك و شتمني ابن آدم و لم يكن ينبغي له ذلك‏ الحديث‏ فلا أحد أصبر على أذى من الله كذا ورد أيضا في الخبر و هو سبحانه يرزقهم و يحسن إليهم و هم في حقه بهذه الصفة فاعلم إن السبب الموجب لتكبر الثقلين دون سائر الموجودات إن سائر المخلوقات توجه على إيجادهم من الأسماء الإلهية أسماء الجبروت و الكبرياء و العظمة و القهر و العزة فخرجوا أذلاء تحت هذا القهر الإلهي و تعرف إليهم حين أوجدهم بهذه الأسماء فلم يتمكن لمن خلق بهذه المثابة أن يرفع رأسه و لا إن يجد في نفسه طعما للكبرياء على أحد من خلق الله فكيف على من خلقه و قد أشهده أنه في قبضته و تحت قهره و شهدوا كشفا نواصبهم و نواصي كل دابة بيده في القرآن العزيز ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها ثم قال متمما إِنَّ رَبِّي عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ و الأخذ بالناصية عند العرب إذلال هذا هو المقرر عرفا عندنا فمن كان حاله في شهود نظره إلى ربه أخذ النواصي بيده و يرى ناصيته من جملة النواصي كيف يتصور منه عز أو كبرياء على خالقه مع هذا الكشف و أما الثقلان فخلقهم بأسماء اللطف و الحنان و الرأفة و الرحمة و التنزل الإلهي فعند ما خرجوا لم يروا عظمة و لا عزا و لا كبرياء و رأوا نفوسهم مستندة في وجودها إلى رحمة و عطف و تنزل و لم يبد الله لهم من جلاله و لا كبريائه و لا عظمته في خروجهم إلى الدنيا شيئا يشغلهم عن نفوسهم أ لا تراهم في الأخذ الذي عرض لهم‏ من ظهورهم حين قال لهم أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ هل قال أحد منهم نعم لا و الله بل قالُوا بَلى‏ فأقروا له بالربوبية لأنهم في قبضة الآخذ محصورون فلو شهدوا أن نواصيهم بيد الله شهادة عين أو إيمان كشهادة عين كشهادة الأخذ ما عصوا الله طرفة عين و كانوا مثل سائر المخلوقات يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ فلما ظهروا عن هذه الأسماء الرحمانية قالوا يا ربنا لم خلقتنا قال لتعبدون أي لتكونوا أذلاء بين يدي فلم يروا صفة قهر و لا جناب عزة تذلهم و لا سيما و قد قال لهم لتذلوا إلي فأضاف فعل الإذلال إليهم فزادوا بذلك كبرا فلو قال لهم ما خلقتكم إلا لأذلكم لفرقوا و خافوا فإنها كلمة قهر فكانوا يبادرون إلى الذلة من نفوسهم خوفا من هذه الكلمة كما قال للسماوات و الأرض ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً فلو لم يقل كرها فإنها كلمة قهر حيثما أتت فلهذا قلنا ما أوجد كل ما عدا الثقلين و لا خاطبهم إلا بصفة القهر و الجبروت فلما قال للثقلين عن السبب الذي لأجله أوجدهم و خلقهم نظروا إلى الأسماء التي وجدوا عنها فما رأوا اسما إلهيا منها يقتضي أخذهم و عقوبتهم إن عصوا أمره و نهيه و تكبروا على أمره فلم يطيعوه و عصوه ف عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ و هو أول الناس و عصى إبليس ربه فسرت المخالفة من هذين الأصلين في جميع الثقلين يقول النبي صلى الله عليه و سلم عن آدم لما جحد و نسي ما وهبه لداود من عمره فنسي آدم فنسيت ذريته و جحد آدم فجحدت ذريته إِلَّا من رَحِمَ رَبُّكَ فعصمه و لكن من التكبر على الله لا من تكبر بعضهم على بعض و على سائر المخلوقين فما عصم أحد من ذلك ابتداء فإن الله قد شاء أن يتخذ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا و لكن إذا اعتنى الله بعبده ففي الحالة الثانية يرزقه التوفيق و العناية فيلزم ما خلق له من العبادة فيلحق بسائر المخلوقات و هو عزيز الوجود و أين العبد الذي هو في نفسه مع أنفاسه عبد لله دائما فلا يدل أحد من الثقلين إلا عن قهر يجده فهو في ذله مجبور فإذا وجد ذلك حينئذ يلتفت إلى الأسماء التي عنها وجد و هي أسماء الرحمة فيطلبها لتزيل عنه ما هو فيه من الضيق و الحرج الذي ما اعتاده فيحن إلى جهتها و يعرف أن لها قوة و سلطانا فتنفس عنه ما يجده من ذلك‏ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن نفس الرحمن فأشار إلى الاسم الذي خلق به الثقلين و قرن معه جهة القوة فقال من قبل اليمن و القبل الناحية و الجهة و اليمن من اليمين و هو القوة قال الشاعر

إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين‏

أراد بالقوة فإن اليمين محل القوة وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ و كذلك كان لما نظر إليه الاسم الرحمن الذي عنه وجد كان النصر على أيدي الأنصار و كذلك قوله يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ فإن المتقي هو الحذر الخائف الوجل و لا يكون أحد يشهد الرحمن الرحيم الرءوف و يتقيه و إنما مشهود المتقي السريع الحساب الشديد العقاب المتكبر الجبار فيتقي و يخاف فيؤمنه الله تعالى بأن يحشره إلى الرحمن فيأمن سطوة الجبار القهار و لهذا قال تعالى فينا إن رحمته سبقت غضبه‏ لأنه بالرحمة أوجدنا لم يوجدنا بصفة القهر و كذلك تأخرت المعصية فتأخر الغضب عن الرحمة في الثقلين فالله يجعل حكمهما في الآخرة كذلك و لو كانت بعد حين أ لا ترى الله تعالى إذا ذكر أسماءه لنا يبتدئ بأسماء الرحمة و يؤخر أسماء الكبرياء لأنا لا نعرفها فإذا قدم لنا أسماء الرحمة عرفناها و حننا إليها عند ذلك يتبعها أسماء الكبرياء لنأخذها بحكم التبعية فقال تعالى هُوَ الله الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ فهذا نعت يعم الجميع و ليس واحدته بأولى من الآخر ثم ابتدأ فقال هُوَ الرَّحْمنُ فعرفنا الرحمن الرَّحِيمُ لأنا عنه وجدنا ثم قال بعد ذلك هُوَ الله الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ابتداء ليجعله فصلا بين الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ و بين الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ فقال الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ و هذا كله من نعوت الرحمن ثم جاء و قال الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ فقبلنا هذه النعوت بعد أن آنسنا بأسماء اللطف و الحنان و أسماء الاشتراك التي لها وجه إلى الرحمة و وجه إلى الكبرياء و هو الله و الملك فلما جاء بأسماء العظمة و المحل قد تأنس بترادف الأسماء الكثيرة الموجبة الرحمة قبلنا أسماء العظمة لما رأينا أسماء الرحمة قد قبلتها حيث كانت نعوتا لها فقبلناها ضمنا تبعا لأسمائنا ثم إنه لما علم الخلق أن صاحب القلب و العلم بالله و بمواقع خطابه إذا سمع مثل أسماء العظمة لا بد أن تؤثر فيه أثر خوف و قبض نعتها بعد ذلك و أردفها بأسماء لا تختص بالرحمة على الإطلاق و لا تعرى عن العظمة على الإطلاق فقال هُوَ الله الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ و هذا كله تعليم من الله عباده و تنزل إليهم‏ فمنازل أصحاب هذا الباب هي هذه الأسماء المذكورة و حضراتها و لهذا قدم‏سبحانه في كتابه بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في كل سورة إذ كانت السور تحوي على أمور مخوفة تطلب أسماء العظمة و الاقتدار فقدم أسماء الرحمة تأنيسا و بشرى و لهذا قالوا في سورة التوبة إنها و الأنفال سورة واحدة حيث لم يفصل بينهما بالبسملة و في ذلك خلاف منقول بين علماء هذا الشأن من الصحابة و لما علم الله تعالى ما يجري من الخلاف في هذه الأمة في حذف البسملة من سورة براءة فمن ذهب إلى أنها سورة مستقلة و كان القرآن عنده مائة و ثلاث عشرة سورة فيحتاج إلى مائة و ثلاث عشرة بسملة أظهر لهم في سورة النمل بسملة ليكمل العدد و جاء بها كما جاء بها في أوائل السور بعينها فإن لغة سليمان عليه السلام لم تكن عربية و إنما كانت أخرى فما كتب لغة هذا اللفظ في كتابه و إنما كتب لفظة بلغته تقتضي معناها باللسان العربي إذا عبر عنها بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ۲۷ و أتى بها محذوفة الألف كما جاءت في أوائل السور ليعلم أن المقصود بها هو المقصود بها في أوائل السور و لم يعمل ذلك في بِسْمِ الله مَجْراها و اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ فأثبت الألف هناك ليفرق ما بين اسم البسملة و غيرها و لهذا تتضمن سورة التوبة من صفات الرحمة و التنزل الإلهي كثيرا فإن فيها شراء الله نفوس المؤمنين منهم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ و أي تنزل أعظم من أن يشتري السيد ملكه من عبده و هل يكون في الرحمة أبلغ من هذا فلا بد أن تكون التوبة و الأنفال سورة واحدة أو تكون بسملة النمل السليمانية لسورة التوبة ثم انظر في اسمها سورة التوبة و التوبة تطلب الرحمة ما تطلب التبري و إن ابتدأ عز و جل بالتبري فقد ختم بآية لم يأت بها و لا وجدت إلا عند من جعل الله شهادته شهادة رجلين فإن كنت تعقل علمت ما في هذه السورة من الرحمة المدرجة و لا سيما في قوله تعالى وَ مِنْهُمْ وَ مِنْهُمْ و ذلك كله رحمة بنا لنحذر الوقوع فيه و الاتصاف بتلك الصفات فإن القرآن علينا نزل فلم تتضمن سورة من القرآن في حقنا رحمة أعظم من هذه السورة لأنه كثر من الأمور التي ينبغي أن يتقيها المؤمن و يجتنبها فلو لم يعرفنا الحق تعالى بها ربما وقعنا فيها و لا نشعر فهي سورة رحمة للمؤمنين‏ و إذ و قد عرفناك بمنازله فاعلم أن رجاله هم كل من كان حاله من أهل الله حال من أحاطت به الأسماء الجبروتية من جميع عالمه العلوي و السفلي فيقع منه اللجأ و التضرع إلى أسماء الرحمة فيتجلى له الاسم الرحمن الذي له الأسماء الحسنى و الذي به على العرش استوى فيهبه الاقتدار الإلهي فيمحو به آثار الأسماء القهرية فيتسع له المجال فينشرح الصدر و يجري النفس و يسرى فيه روح الحياة و تأتي إليه وفود الأسماء الرحمانية و الحقائق الإلهية بالتهاني و البشائر فمن كانت هذه حالته و يعرفها ذوقا من نفسه و هو من رجال هذا المقام فلا يغالط نفسه و كل إنسان أعلم بحاله و لا ينفعك أن تنزل نفسك عند الناس منزلة ليست لك في نفس الأمر و قد نصحتك و أبنت لك عن طريق القوم فلا تكن من الجاهلين بما عرفناك به وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ف إِنَّ الله لا يَخْفى‏ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ في الْأَرْضِ وَ لا في السَّماءِ وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏