أول مسألة من هذا الباب ما السبب الموجب لوجود العالم حتى يقال فيه إنما وجد العالم لكذا و ذلك الأمر المتوقف عليه صحة وجوده إما أن تكون علة فتطلب معلولها لذاتها و إذا كان هذا فهل يصح أن يكون للمعلول علتان فما زاد أو لا يصح و ذلك في النظر العقلي لا في الوضعيات و إذا تعددت العلل فهل تعددها يرجع إلى أعيان وجودية أو هل هي نسب لأمر واحد و ثم أمور يتوقف صحة وجودها على شرط يتقدمها أو شروط و يجمع ذلك كله اسم السبب و للشرط حكم و للعلة حكم فهل العالم في افتقاره إلى السبب الموجب لوجوده افتقار المعلول إلى العلة أو افتقار المشروط إلى الشرط و أيهما كان لم يكن الآخر فإن العلة تطلب المعلول لذاتها و الشرط لا يطلب المشروط لذاته فالعلم مشروط بالحياة و لا يلزم من وجود الحياة وجود العلم و ليس كون العالم عالما كذلك فإن العلم علة في كون العالم عالما فلو ارتفع العلم ارتفع كونه عالما فهو من هذا الوجه يشبه الشرط إذ لو ارتفعت الحياة ارتفع العلم و لو ارتفع كونه عالما ارتفع العلم فتميز عن الشرط إذ لو ارتفع العلم لم يلزم ارتفاع الحياة فهاتان مرتبتان معقولتان قد تميزتا تسمى الواحدة علة و تسمى الأخرى شرطا فهل نسبة العالم في وجوده إلى الحق نسبة المعلول أو نسبة المشروط محال أن تكون نسبة المشروط على المذهبين فإنا لا نقول في المشروط يكون و لا بد و إنما نقول إذا كان فلا بد من وجود شرطه المصحح لوجوده و نقول في العالم على مذهب المتكلم الأشعري إنه لا بد من كونه لأن العلم سبق بكونه و محال وقوع خلاف المعلوم و هذا لا يقال في المشروط و على مذهب المخالف و هم الحكماء فلا بد من كونه لأن الله اقتضى وجود العالم لذاته فلا بد من كونه ما دام موصوفا بذاته بخلاف الشرط فلا فرق إذن بين المتكلم الأشعري و الحكيم في وجوب وجود العالم بالغير فلنسم تعلق العلم بكون العالم أزلا علة كما يسمى الحكيم الذات علة و لا فرق و لا يلزم مساوقة المعلول علته في جميع المراتب فالعلة متقدمة على معلولها بالمرتبة بلا شك سواء كان ذلك سبق العلم أو ذات الحق و لا يعقل بين الواجب الوجود لنفسه و بين الممكن بون زماني و لا تقدير زماني لأن كلامنا في أول موجود ممكن و الزمان من جملة الممكنات فإن كان أمرا وجوديا فالحكم فيه كسائر الحكم في الممكنات و إن لم يكن أمرا وجوديا و كان نسبة فحدثت النسبة بحدوث الموجود المعلول حدوثا عقليا لا حدوثا وجوديا و إذا لم يعقل بين الحق و الخلق بون زماني فلم يبق إلا الرتبة فلا يصح أن يكون أبدا الخلق في رتبة الحق كما لا يصح أن يكون المعلول في رتبة العلة من حيث ما هو معلول عنها فالذي هرب منه المتكلم في زعمه و شنع به على الحكيم القائل بالعلة يلزمه في سبق العلم بكون المعلوم لأن سبق العلم يطلب كون المعلوم لذاته و لا بد و لا يعقل بينهما بون مقدر فهذا قد نبهناك على بعض ما ينبغي في هذه المسألة فالعالم لم يبرح في رتبة إمكانه سواء كان معدوما أو موجودا و الحق تعالى لم يبرح في مرتبة وجوب وجوده لنفسه سواء كان العالم أو لم يكن فلو دخل العالم في الوجوب النفسي لزم قدم العالم و مساوقته في هذه الرتبة لواجب الوجود لنفسه و هو الله و لم يدخل بل بقي على إمكانه و افتقاره إلى موجدة و سببه و هو الله تعالى فلم يبق معقول البينية بين الحق و الخلق إلا التمييز بالصفة النفسية فبهذا نفرق بين الحق و الخلق فافهم و أما قولنا هل يكون في العقل للأمر المعلول علتان فلا يصح أن يكون للمعلول العقلي علتان بل إن كان معلولا فعن علة واحدة لأنه لا فائدة للعلة إلا أن يكون لها أثر في المعلول و أما إن اتفق أن يكون من شرط المعلول أن يكون على صفة بها يقبل أن يكون معلولا لهذه العلة و لا يمكن أن يكون هذا علة لذلك المعلول نفسه إلا أن يكون ذلك المعلول بتلك الصفة النفسية فلا بد منها و لا يلزم من هذا أن تكون تلك الصفة النفسية علة له فإنها صفة نفسية و الشيء لا يكون علة لنفسه فإنه يؤدي إلى أن تكون العلة عين المعلول فيكون الشيء متقدما على نفسه بالرتبة و هذا محال فكون الشيء علة لنفسه محال فإن العالم لو لم يكن في نفسه على صفة يقبل الاتصاف بالوجود و العدم على السواء لم يصح أن يكون معلولا لعلته المرجحة له أحد الجائزين بالنظر إلى نفسه فإن المحال لا يقبل صفة الإيجاد فلا يكون الحق علة له فبطل أن يكون كونه ممكنا علة له و بطل أن يكون للشيء علتان فإن الأثر للعلة في المعلول إنما كان وجوده فما حكم العلة الأخرى فيه إن كان وجوده فقد حصل من إحداهما فلم يبق للآخر أثر فإن قيل باجتماعهما كان المعلول عن ذلك الاجتماع فكان عنهما قلنا فكل واحد منهما إذا انفرد لا يكون علة و لا يصح عليه اسم العلية و قد صح فبطل أن يكون كونه علة متوقفا على أمر آخر فإن قال و ما المانع أن تكون العلة بالاجتماع قلنا إنما يكون الشيء علة لنفسه لهذا المعلول عنه لا لغيره فيكون معلولا لذلك الغير لأن ذلك الغير كسبه العلية و كل مكتسب لا يكون صفة نفسية و لو قلنا باجتماعهما كان علة فلا يخلو ذلك الاجتماع أن يكون أمرا زائدا على نفس كل واحد منهما أو هو عينهما لا جائز أن يكون عينهما فإنا نعقل عين كل واحد منهما و لا اجتماع فلا بد أن يكون زائدا فذلك الزائد لا بد أن يكون وجودا أو عدما أو لا وجودا و لا عدما أو وجودا و عدما معا فهذا القسم الرابع محال بالبديهة و محال أن يكون وجودا للتسلسل اللازم له بما يلزمه من ملزومه أو الدور فيكون علة لمن هو معلول له و هذا محال و محال أن يكون عدما لأن العدم نفي محض و لا يتصف النفي المحض بالأثر و محال أن يكون لا وجود و لا عدم كالنسب إذ لا حقيقة للنسب في الوجود فإنها أمور إضافية تحدث و لا يكون ما يحدث علة لما هو عنه حادث فبطل إن يكون للشيء علتان في العقل و أما في الوضعيات فقد يعتبر الشرع أمورا تكون بالمجموع سببا في ترتيب الحكم هذا لا يمنع فإذ قد علمت هذا فهو أدل دليل على توحيد الله تعالى كونه علة في وجود العالم غير أن إطلاق هذا اللفظ عليه لم يرد به الشرع فلا نطلقه عليه و لا ندعوه به فهذا توحيد ذاتي ينتفي معه الشريك بلا شك قال الله عز و جل لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا الله لَفَسَدَتا و معنى هذا لم يوجدا يعني العالم العلوي و هو السماء و السفلي و هو الأرض فحقق هذه المسألة في ذهنك فإنها نافعة في نفي الشريك و نفي التحديد عن الله تعالى فلا حد لذاته و لا شريك له في ملكه لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
(مسألة أخرى)
إنما كان كذا لكذا إنما انقسم العالم إلى شقي و سعيد للأسماء الإلهية فإن الرتبة الإلهية تطلب لذاتها إن يكون في العالم بلاء و عافية و لا يلزم من ذلك دوام شيء من ذلك إلا أن يشاء الله فقد كان و لا عالم و هو مسمى بهذه الأسماء فالأمر في هذا مثل الشرط و المشروط ما هو مثل العلة و المعلول فلا يصح المشروط ما لم يصح وجود الشرط و قد يكون الشرط و إن لم يقع المشروط فلما رأينا البلاء و العافية قلنا لا بد لهما من شرط و هو كون الحق إلها يسمى بالمبلي و المعذب و المنعم و كما إن كل ممكن قابل لأحد الحكمين أعني الضدين هو قابل أيضا لانتفاء أحد الضدين فالعالم كله ممكن فجائز أن ينتفي عنه أحد الحكمين فلا يلزم الخلود في الدار الآخرة في العذاب و لا في النعيم بل ذلك كله ممكن فإن ورد الخبر الإلهي الذي يفيد العلم بالنص الذي لا يحتمل التأويل بخلود العالم في أحد الحكمين أو بوقوع كل حكم في جزء من العالم معين و خلود ذلك الجزء فيه إلى ما لا يتناهى قبلناه و قلنا به و ما ورد من الشارع أن العالم الذي هو في جهنم الذين هم أهلها و لا يخرجون منها أن بقاءهم فيها لوجود العذاب فكما ارتفع حكم العذاب عن ممكن ما و هم أهل الجنة كذلك يجوز أن يرتفع عن أهل النار وجود العذاب مع كونهم في النار لقوله وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ من النَّارِ و قال سبقت رحمتي غضبي و لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط فيكون الله إلها بجميع أسمائه و لا عذاب في العالم و لا ألم لأنه ليس ارتفاعه عن ممكن ما بأولى من ارتفاعه عن جميع الممكنات فلم يبق بأيدينا من طريق العقل دليل على وجود العذاب دائما و لا غيره فليس إلا النصوص المتواترة أو الكشف الذي لا يدخله شبهة فليس للعقل رده إذا ورد من الصادق النص الصريح أو الكشف الواضح
(مسألة أخرى من هذا الباب)
إنما صحت الصورة لآدم لخلقه باليدين فاجتمع فيه حقائق العالم بأسره و العالم يطلب الأسماء الإلهية فقد اجتمع فيه الأسماء الإلهية و لهذا خص آدم عليه السلام بعلم الأسماء كلها التي لها توجه إلى العالم و لم يكن ذلك العلم أعطاه الله للملائكة و هم العالم الأعلى الأشرف قال الله عز و جل وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها و لم يقل بعضها و قال عَرَضَهُمْ و لم يقل عرضها فدل على أنه عرض المسمين لا الأسماء و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم اللهم إني أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم غيبك فإن كان هذا الدعاء دعا به قبل نزول سورة البقرة عليه فلا معارضة بين الخبر و الآية عند من يقول بأن الأسماء هنا هي الأسماء الإلهية فإنه صلى الله عليه و سلم لم يكن له علم بما خص الله به آدم على الملائكة كما قال صلى الله عليه و سلم ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَ لا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى به إِلَيَّ و إن كان دعا به بعد نزول سورة البقرة فيكون يريد قوله كلها الأسماء الإلهية التي تطلب الآثار في العالم و ما تعبد به من أسماء التنزيه و التقديس و كذلك قوله صلى الله عليه و سلم في حديث الشفاعة فأحمد ربي بمحامد يعلمنيها الله لا أعلمها الآن مع قوله في حديث الضربة فعلمت علم الأولين و الآخرين و من علم الأولين علم الأسماء التي علمها الله آدم و ربما يكون من علم الآخرين علم هذه المحامد التي يحمد بها ربه يوم القيامة
(مسألة أخرى من هذا الباب)
إنما كانت الخلافة لآدم عليه السلام دون غيره من أجناس العالم لكون الله تعالى خلقه على صورته فالخليفة لا بد أن يظهر فيما استخلف عليه بصورة مستخلفه و إلا فليس بخليفة له فيهم فأعطاه الأمر و النهي و سماه بالخليفة و جعل البيعة له بالسمع و الطاعة في المنشط و المكره و العسر و اليسر و أمر الله سبحانه عباده بالطاعة لله و لرسوله و الطاعة لأولي الأمر منهم فجمع رسول الله صلى الله عليه و سلم بين الرسالة و الخلافة كداود عليه السلام فإن الله نص على خلافته عن الله بقوله تعالى فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ و أجمل خلافة آدم عليه السلام و ما كل رسول خليفة فمن أمر و نهى و عاقب و عفا و أمر الله بطاعته و جمعت له هذه الصفات كان خليفة و من بلغ أمر الله و نهيه و لم يكن له من نفسه إذن من الله تعالى أن يأمر و ينهى فهو رسول يبلغ رسالات ربه و بهذا بان لك الفرقان بين الرسول و الخليفة و لهذا جاء بالألف و اللام فيقوله تعالى من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله و قال عز و جل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله أي فيما أمركم به على لسان رسوله صلى الله عليه و سلم مما قال فيه صلى الله عليه و سلم إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ و هو كل أمر جاء في كتاب الله تعالى ثم قال وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ ففصل أمر طاعة الله من طاعة رسوله صلى الله عليه و سلم فلو كان يعني بذلك ما بلغ إلينا من أمر الله تعالى لم تكن ثم فائدة زائدة فلا بد أن يوليه رتبة الأمر و النهي فيأمر و ينهى فنحن مأمورون بطاعة رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الله بأمره و قال تعالى من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله و طاعتنا له فيما أمر به صلى الله عليه و سلم و نهى عنه مما لم يقل هو من عند الله فيكون قرآنا قال الله عز و جل وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا فأضاف النهي إليه صلى الله عليه و سلم فأتى بالألف و اللام في الرسول يريد بهما التعريف و العهد أي الرسول الذي استخلفناه عنا فجعلنا له أن يأمر و ينهى زائدا على تبليغ أمرنا و نهينا إلى عبادنا ثم قال تعالى في الآية عينها وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ أي إذا ولي عليكم خليفة عن رسولي أو وليتموه من عندكم كما شرع لكم فاسمعوا له و أطيعوا و لو كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف فإن في طاعتكم إياه طاعة رسول الله صلى الله عليه و سلم و لهذا لم يستأنف في أولي الأمر أطيعوا و اكتفى بقوله أَطِيعُوا الرَّسُولَ و لم يكتف بقوله أَطِيعُوا الله عن قوله أَطِيعُوا الرَّسُولَ ففصل لكونه تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و استأنف القول بقوله وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ فهذا دليل على أنه تعالى قد شرع له صلى الله عليه و سلم أن يأمر و ينهى و ليس لأولي الأمر أن يشرعوا شريعة إنما لهم الأمر و النهي فيما هو مباح لهم و لنا فإذا أمرونا بمباح أو نهونا عن مباح و أطعناهم في ذلك أجرنا في ذلك أجر من أطاع الله فيما أوجبه عليه من أمر و نهي و هذا من كرم الله بنا و لا يشعر بذلك أهل الغفلة منا
(مسألة أخرى من هذا الباب)
إنما أمرت الملائكة و الخلق أجمعون بالسجود و جعل معه القربة فقال وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ و قال صلى الله عليه و سلم أقرب ما يكون العبد من الله في سجوده ليعلموا أن الحق في نسبة الفوق إليه من قوله وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ و يَخافُونَ رَبَّهُمْ من فَوْقِهِمْ كنسبة التحت إليه فإن السجود طلب السفل بوجهه كما إن القيام يطلب الفوق إذا رفع وجهه بالدعاء و يديه و قد جعل الله السجود حالة القرب من الله فلم يقيده سبحانه الفوق عن التحت و لا التحت عن الفوق فإنه خالق الفوق و التحت كما لم يقيده الاستواء على العرش عن النزول إلى السماء الدنيا و لم يقيده النزول إلى السماء الدنيا عن الاستواء على العرش كما لم يقيده سبحانه الاستواء و النزول عن أن يكون معنا أينما كنا كما قال تعالى وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ بالمعنى الذي يليق به و على الوجه الذي أراده كما قال أيضا ما وسعني أرضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي كما قال عنه هود عليه السلام ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها و قال تعالى أيضا في حق الميت وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لكِنْ لا تُبْصِرُونَ فنسب القرب إليه من الميت و قال أيضا عز و جل وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ من حَبْلِ الْوَرِيدِ يعني الإنسان مع قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
(مسألة دورية من هذا الباب و هذه صورتها)
إنما قلنا اختلفت الشرائع لاختلاف النسب الإلهية لأنه لو كانت النسبة الإلهية لتحليل أمر ما في الشرع كالنسبة لتحريم ذلك الأمر عينه في الشرع لما صح تغيير الحكم و قد ثبت تغيير الحكم و لما صح أيضا قوله تعالى لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً و قد صح أن لكل أمة شرعة و منهاجا جاءها بذلك نبيها و رسولها فنسخ و أثبت فعلمنا بالقطع أن نسبته تعالى فيما شرعه إلى محمد صلى الله عليه و سلم خلاف نسبته إلى نبي آخر و إلا لو كانت النسبة واحدة من كل وجه و هي الموجبة للتشريع الخاص لكان الشرع واحدا من كل وجه فإن قيل فلم اختلفت النسب الإلهية قلنا لاختلاف الأحوال فمن حاله المرض يدعو يا معافي و يا شافي و من حاله الجوع يقول يا رزاق و من حاله الغرق يقول يا مغيث فاختلفت النسب لاختلاف الأحوال و هو قوله كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ و سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ و قوله صلى الله عليه و سلم لما وصف ربه تعالى بيده الميزان يخفض و يرفع فلحالة الوزن قيل فيه الخافض الرافع فظهرت هذه النسب فهكذا في اختلاف أحوال الخلق و قولنا إنما اختلفت الأحوال لاختلاف الأزمان فإن اختلاف أحوال الخلق سببها اختلاف الأزمان عليها فحالها في زمان الربيع يخالف حالها في زمان الصيف و حالها في زمان الصيف يخالف حالها في زمان الخريف و حالها في زمان الخريف يخالف حالها في زمان الشتاء و حالها في زمان الشتاء يخالف حالها في زمان الربيع يقول بعض العلماء بما تفعله الأزمان في الأجسام الطبيعية تعرضوا لهواء زمان الربيع فإنه يفعل في أبدانكم ما يفعل في أشجاركم و تحفظوا من هواء زمان الخريف فإنه يفعل في أبدانكم كما يفعل في أشجاركم و قد نص الله تعالى على إننا من جملة نبات الأرض فقال وَ الله أَنْبَتَكُمْ من الْأَرْضِ نَباتاً أراد فنبتم نباتا لأن مصدر أنبتكم إنما هو إنباتا كما قال في نسبة التكوين إلى نفس المأمور به فقال تعالى إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فجعل التكوين إليه كذلك نسب ظهور النبات إلى النبات فافهم فلذلك قلنا إنما اختلفت الأحوال لاختلاف الأزمان و أما قولنا إنما اختلفت الأزمان لاختلاف الحركات فأعني بالحركات الحركات الفلكية فإنه باختلاف الحركات الفلكية حدث زمان الليل و النهار و تعينت السنون و الشهور و الفصول و هذه المعبر عنها بالأزمان و قولنا اختلفت الحركات لاختلاف التوجهات أريد بذلك توجه الحق عليها بالإيجاد لقوله تعالى إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ فلو كان التوجه واحدا عليها لما اختلفت الحركات و هي مختلفة فدل إن التوجه الذي حرك القمر في فلكه ما هو التوجه الذي حرك الشمس و لا غيرها من الكواكب و الأفلاك و لو لم يكن الأمر كذلك لكانت السرعة أو الإبطاء في الكل على السواء قال تعالى كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ فلكل حركة توجه إلهي أي تعلق خاص من كونه مريدا و قولنا إنما اختلفت التوجهات لاختلاف المقاصد فلو كان قصد الحركة القمرية بذلك التوجه عين قصد الحركة الشمسية بذلك التوجه لم يتميز أثر عن أثر و الآثار بلا شك مختلفة فالتوجهات مختلفة لاختلاف المقاصد فتوجهه بالرضى عن زيد غير توجهه بالغضب على عمرو فإنه قصد تعذيب عمرو و قصد تنعيم زيد فاختلفت المقاصد و قولنا إنما اختلفت المقاصد لاختلاف التجليات فإن التجليات لو كانت في صورة واحدة من جميع الوجوه لم يصح أن يكون لها سوى قصد واحد و قد ثبت اختلاف القصد فلا بد أن يكون لكل قصد خاص تجل خاص ما هو عين التجلي للآخر فإن الاتساع الإلهي يعطي أن لا يتكرر شيء في الوجود و هو الذي عولت عليه الطائفة و الناس في لبس من خلق جديد يقول الشيخ أبو طالب المكي صاحب قوت القلوب و غيره من رجال الله عز و جل إن الله سبحانه ما تجلى قط في صورة واحدة لشخصين و لا في صورة واحدة مرتين و لهذا اختلفت الآثار في العالم و كني عنها بالرضى و الغضب و قولنا إنما اختلفت التجليات لاختلاف الشرائع فإن كل شريعة طريق موصلة إليه سبحانه و هي مختلفة فلا بد أن تختلف التجليات كما تختلف العطايا أ لا تراه عز و جل إذا تجلى لهذه الأمة في القيامة و فيها منافقوها و قد اختلف نظرهم في الشريعة فصار كل مجتهد على شرع خاص هو طريقه إلى الله و لهذا اختلفت المذاهب و كل شرع في شريعة واحدة و الله قد قرر ذلك على لسان رسوله صلى الله عليه و سلم عندنا فاختلفت التجليات بلا شك فإن كل طائفة قد اعتقدت في الله أمرا ما إن تجلى لها في خلافه أنكرته فإذا تحول لها في العلامة التي قد قررتها تلك الطائفة مع الله في نفسها أقرت به فإذا تجلى للأشعري في صورة اعتقاد من يخالفه في عقده في الله و تجلى للمخالف في صورة اعتقاد الأشعري مثلا أنكره كل واحد من الطائفتين كما ورد و هكذا في جميع الطوائف فإذا تجلى لكل طائفة في صورة اعتقادها فيه تعالى و هي العلامة التي ذكرها مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أقروا له بأنه ربهم و هو هو لم يكن غيره فاختلفت التجليات لاختلاف الشرائع و قولنا إنما اختلفت الشرائع لاختلاف النسب الإلهية قد تقدم و دار الدور فكل شيء أخذته من هذه المسائل صلح أن يكون أولا و آخرا و وسطا و هكذا كل أمر دوري يقبل كل جزء منه بالفرض الأولية و الآخرية و ما بينهما و قد ذكرنا مثل هذا الشكل الدوري في التدبيرات الإلهية مضاهيا لقول المتقدم إذ قال العالم بستان سياجه الدولة الدولة سلطان تحجبه السنة السنة سياسة يسوسها الملك الملك راع يعضده الجيش الجيش أعوان يكفلهم المال المال رزق يجمعه الرعية الرعية عبيد تعبدهم العدل العدل مألوف فيه صلاح العالم العالم بستان و دار الدور و يكفي هذا القدر من الإيماء إلى العلل و الأسباب مخافة التطويل فإن هذا الباب واسع جدا إذ كان العالم كله مرتبطا بعضه ببعض أسباب و مسببات و علل و معلولات وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى الجزء الخامس و العشرون
(بسم الله الرحمن الرحيم)