قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب السابع و الأربعون)

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

في معرفة أسرار وصف المنازل السفلية و مقاماتها و كيف يرتاح العارف عند ذكره بدايته فيحن إليها مع علو مقامه و ما السر الذي يتجلى له حتى يدعوه إلى ذلك‏

و لما رأيت الحق بالأول اتصفأتيت إلى بحر البداية اغترف‏
بلذة ظمئان لا شرب شربةفيشهدني في غاية الحال اعترف‏
فيا بردها من شربة مستلذةعلى كبد حراء فاعمل لها وقف‏
فإن لذاك الشرب في القلب لذةترى ربها في الوقت بالعجب يتصف‏
و لا يحجبنه عجبه عن شهودهو لا ما يرى فيه من الزهو و الصلف‏
فإن له فيمن تقدم أسوةفما خلف إلا و مثل لها سلف‏
وراثة مختار و نعت محققبأسماء حق بالحقيقة مكتنف‏
و إن نهايات الرجال بدايةلقوم أتوا من بعدهم ما لهم خلف‏
كمثل رسول الله في طوره فماله خلف بل عنده الأمر قد وقف‏

اعلم أن العالم لما كان أكرى الشكل لهذا حن الإنسان في نهايته إلى بدايته فكان خروجنا من العدم إلى الوجود به سبحانه و إليه نرجع كما قال عز و جل وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ و قال وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله و قال وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ و إِلَى الله عاقِبَةُ الْأُمُورِ أ لا تراك إذا بدأت وضع دائرة فإنك عند ما تبتدئ بها لا تزال تديرها إلى أن تنتهي إلى أولها و حينئذ تكون دائرة و لو لم يكن الأمر كذلك لكنا إذا خرجنا من عنده خطا مستقيما لم نرجع إليه و لم يكن يصدق قوله و هو الصادق وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ و كل أمر و كل موجود فهو دائرة يعود إلى ما كان منه بدؤه و أن الله تعالى قد عين لكل موجود مرتبته في علمه فمن الموجودات من خلقت في مراتبها و وقفت و لم تبرح فلم يكن لها بداية و لا نهاية بل يقال وجدت فإن البدء ما تعقل حقيقته إلا بظهور ما يكون بعده مما ينتقل إليه و هذا ما انتقل فعين بدئه هو عين وجوده لا غير و من الموجودات ما كان وجودها أولا في مراتبها ثم نزل بها إلى عالم طبيعتها و هي الأجسام المولدة من العناصر و لا كلها بل أجسام الثقلين‏ و أقام الله لها في تلك المرتبة المعينة لها التي أنزلت منها على غير علم منها بها داعيا يدعو كل شخص إليها فلا يزال يرتقي بالأعمال الصالحة حتى يصل إليها أو يطلبها بالأعمال التي لا يرتضيها الحق فداعي الحق إذا قام بقلب العبد إنما يدعوه من مقامه الذي تكون غايته إليه إذا سلك و لما كان كل وارد ملذوذا لذيذا فإنه جديد غريب لطيف لهذا يحن إليه دائما و من ذلك حب الأوطان قال ابن الرومي‏

و حبب أوطان الرجال إليهمومآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهموعهود الصبي فيها فحنوا لذلكا

و لما لم يتمكن للتائب أن يرد عليه وارد التوبة إلا حتى ينتبه من سنة الغفلة فيعرف ما هو فيه من الأعمال التي مالها إلى هلاكه و عطبه خاف و رأى أنه في أسر هواه و أنه مقتول بسيف أعماله القبيحة فقال له حاجب الباب قد رسم الملك أنك إذا أقلعت عن هذه المخالفات و رجعت إليه و وقفت عند حدوده و مراسمه أنه يعطيك الأمان من عقابه و يحسن إليك و يكون من جملة إحسانه أن كل قبيح أتيته ترد صورته حسنة ثم أعطاه التوقيع الإلهي فإذا فيه مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم الَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ الله إِلهاً آخَرَ وَ لا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَ لا يَزْنُونَ وَ من يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً إِلَّا من تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ و لما قرأ وحشي هذا التوقيع قال و من لي بأن أوفق إلى العمل الصالح الذي اشترطه علينا في التبديل‏فجاء في الجواب توقيع آخر فيه مكتوب إِنَّ الله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ به وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ فقال وحشي ما أدري هل أنا ممن شاء أن يغفر له أم لا فجاء في الجواب توقيع ثالث فيه مكتوب يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا من رَحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ فلما قرأ وحشي هذا التوقيع قال الآن فأسلم‏ رجعنا إلى التوقيع الأول فنقول فلما قرأ هذا التوقيع الصادق الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ من بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا من خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ من حَكِيمٍ حَمِيدٍ قال له حاجب الباب و هو الشارع إن التائب من الذنب كمن لا ذنب له‏ فلما ورد عليه هذا الأمان عقيب ذلك الخوف الشديد وجد للأمان حلاوة و لذة لم يكن يعرفها قبل ذلك و قد قيل في ذلك‏ أحلى من الأمن عند الخائف الوجل‏ فعند ما يحصل له طعم هذه اللذة و شرع في الأعمال الصالحة و تطهر محله و استعد لمجالسة الملك‏ فإنه يقول أنا جليس من ذكرني‏ و تقوت معرفته به سبحانه و علم ما يستحقه جلاله و علم قدر من عصاه استحيا كل الحياء و ذهبت لذته التي وجدها عند ورود وارد توبته عليه و اطلع و رأى الحضرة الإلهية تطالبه بالأدب و الشكر على ما أولاه من النعم فيكثر همه و غمه و تنتفي لذته و لهذا ترى العلماء بالله لا يرون في نومهم ما يراه المريدون أصحاب البدايات من الأنوار فإن المبتدئ يستحضر مستحسنات أعماله و أحواله فيرى نتائجها و العالمون ينامون على رؤية تقصير و تفريط لما يستحقه الجناب العالي فلا يرى في النوم إلا ما يهمهم من ظلمات و رعد و برق و كل أمر مخوف فإن النوم تابع للحس و لما كانت النفس بطبعها تحب الأمور الملذوذة و قد فقدت لذة التوبة في حال معرفتها و نهايتها لذلك حنت إلى بدايتها من أجل ما اقترن بذلك الموطن من اللذة مع علو مقامه و يكون هذا الحنان استراحة لهمه و غمه الذي أعطته معرفته بالله فهو مثل الذي يلتذ بالأماني فهذا سبب حنين أصحاب النهايات إلى بدايتهم‏ و أما المنازل السفلية فهي ما تعطيه الأعمال البدنية من المقامات العلوية كالصلاة و الجهاد و الصوم و كل عمل حسي و ما تعطيه أيضا الأعمال النفسية و هي الرياضات من تحمل الأذى و الصبر عليه و الرضي بالقليل من ملذوذات النفوس و القناعة بالموجود و إن لم تكن به الكفاية و حبس النفس عن الشكوى فإن كل عمل من هذه الأعمال الرياضية و المجاهدات له نتائج مخصوصة و لكل عمل حال و مقام و قد أبان عن بعض ذلك الشارع ليستدل بما ذكره على ما سكت عنه من حيث اختلاف النتائج لاختلاف الصفات و تعريفا بأن النوافل من كل عبادة مفروضة صفتها من صفة فريضتها و لهذا تكمل له منها إذا كانت فريضته ناقصة ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال أول ما ينظر فيه من عمل العبد الصلاة فيقول الله انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها فإن كانت تامة كتبت له تامة و إن كان انتقص منها شيئا قال انظروا هل لعبدي من تطوع فإن كان له تطوع قال أكملوا لعبدي فريضته من تطوعه ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم‏ و أما الحديث الآخر في صفات العبادات فإنه‏ ورد في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال الصلاة نور و الصدقة برهان و الصبر ضياء و القرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها فجعل النور للصلاة و البرهان للصدقة و هي الزكاة و الضياء للصوم و الحج و هو المعبر عنه بالصبر لما فيها من المشقة للجوع و العطش و ما يتعلق بأفعال الحج و جعل لا إله إلا الله في خبر آخر لا يزنها شي‏ء و نوافل كل فريضة من هذه الفرائض من جنسها فصفتها كصفتها ثم أدخل في قوله كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها و هو الذي باعها من الله قال تعالى إِنَّ الله اشْتَرى‏ من الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ أو موبقها و هو الذي اشترى الضَّلالَةَ بِالْهُدى‏ وَ الْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فعم بقوله كل الناس يغدو فبائع نفسه جميع أحكام الشريعة نافلتها و فريضتها و مباحها و مكروهها فما من عبادة شرعها الله تعالى لعباده إلا و هي مرتبطة باسم إلهي أو حقيقة إلهية من ذلك الاسم يعطيه في عبادته تلك ما يعطيه في الدنيا في قلبه من منازله و علومه و معارفه و في أحواله من كراماته و آياته و في آخرته في جناته في درجاته و رؤية خالقه في الكثيب في جنة عدن خاصة في مراتبه و قد قال الله عز و جل في المصلي إنه يناجيه و هو نور فيناجيه الله تعالى من اسمه النور لا من اسم آخر فكما أن النور ينفر كل ظلمة كذلك الصلاة تقطع كل شغل بخلاف سائر الأعمال فإنها لا نعم ترك كل ما سواها مثل الصلاة فلهذا كانت نورا يبشره الله بذلك أنه إذا ناجاه من اسمه النور انفرد به و أزال كل كون بشهوده عند مناجاته ثم شرعها في المناجاة سراو جهرا ليجمع له فيها بين الذكرين ذكر السر و هو الذكر في نفسه و ذكر العلانية و هو الذكر في الملإ العبد في صلاته يذكر الله في ملأ الملائكة و من حضر من الموجودات السامعين و هو ما يجهر به من القراءة في الصلاة قال الله تعالى في الخبر الثابت عنه إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي و إن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه‏ قد يريد بذلك الملائكة المقربين الكروبيين خاصة الذين اختصهم لحضرته فلهذا الفضل شرع لهم في الصلاة الجهر بالقراءة و السر فكل عبد صلى و لم تزل عنه صلاته كل شي‏ء دونها فما صلى و ما هي نور في حقه و كل من أسر القراءة في نفسه و لم يشاهد ذكر الله له في نفسه فما أسر فإنه و إن أسر في الظاهر و أحضر في نفسه ما أحضره من الأكوان من أهل و ولد و أصحاب من عالم الدنيا و عالم الآخرة و أحضر الملائكة في خاطره فما أسر في قراءته و لا كان ممن ذكر الله في نفسه لعدم المناسبة فإن الله إذا ذكر العبد في نفسه لم يطلع أحد من المخلوقين على ما في نفس الباري من ذكره عبده كذلك ينبغي أن يكون العبد فيما أسره فإنه ما يناجي في صلاته إلا ربه في حال قراءته و تسبيحاته و دعائه و كذلك إذا ذكره في ملأ في ظاهره و في باطنه فأما في ظاهره فبين و أما في باطنه فما يحضر معه في نفسه من المخلوقين و هو ما يجهر به من القراءة في الصلاة و التسبيحات و الدعاء ثم إنه ليس في العبادات ما يلحق العبد بمقامات المقربين و هو أعلى مقام أولياء الله من ملك و رسول و نبي و ولي و مؤمن إلا الصلاة قال تعالى وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ فإن الله في هذه الحالة يباهي به المقربين من ملائكته و ذلك أنه يقول لهم يا ملائكتي أنا قربتكم ابتداء و جعلتكم من خواص ملائكتي و هذا عبدي جعلت بينه و بين مقام القربة حجبا كثيرة و موانع عظيمة من أغراض نفسية و شهوات حسية و تدبير أهل و مال و ولد و خدم و أصحاب و أهوال عظام فقطع كل ذلك و جاهد حتى سجد و اقترب فكان من المقربين فانظروا ما خصصتكم به يا ملائكتي من شرف المقام حيث ما ابتليتكم بهذه الموانع و لا كلفتكم مشاقها فاعرفوا قدر هذا العبد و راعوا له حق ما قاساه في طريقه من أجلي فيقول الملائكة يا ربنا لو كنا ممن يتنعم بالجنان و تكون محلا لإقامتنا أ لست كنت تعين لنا فيه منازل تقتضيها أعمالنا ربنا نحن نسألك أن تهبها لهذا العبد فيعطيه الله ما سألته فيه الملائكة فانظروا ما أشرف الصلاة و أفضل ما فيها ذكر الله من الأقوال و السجود من الأفعال و من أقوالها سمع الله لمن حمده فإنه من أفضل أحوال العبد في الصلاة للنيابة عن الحق‏ فإن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده‏ يقول تعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ الظاهر للتحريم و التحليل الذي فيها وَ لَذِكْرُ الله أَكْبَرُ يعني فيها من أفعالها و ينبغي للمحقق أنه لا يذكر الله إلا بالأذكار الواردة في القرآن حتى يكون في ذكره تاليا فيجمع بين الذكر و التلاوة معا في لفظ واحد فيحصل على أجر التالين و الذاكرين أعني الفضيلة فيكون فتحه في ذلك من ذلك القبيل و علمه و سره و حاله و مقامه و منزله و إذا ذكره من غير أن يقصد الذكر الوارد في القرآن فهو ذاكر لا غير فينقصه من الفضيلة على قدر ما نقصه من القصد و لو كان ذلك الذكر من القرآن غير أنه لم يقصده و قد ثبت أن الأعمال بالنيات و إنما لامرئ ما نوى‏ فينبغي لك إذا قلت لا إله إلا الله أن تقصد بذلك التهليل الوارد في القرآن مثل قوله تعالى فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الله و كذلك التسبيح و التكبير و التحميد و أنت تعلم أن أنفاس الإنسان نفيسة و النفس إذا مضى لا يعود فينبغي لك أن تخرجه في الأنفس و الأعز فهذا قد نبهتك على نسبة النورية من الصلاة و أما اقتران البرهان بالصدقة فهو إن الله تعالى جبل الإنسان على الشح و قال إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً يعني في أصل نشأته إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَ إِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً و قال وَ من يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فنسب الشح لنفس الإنسان و أصل ذلك إنه استفاد وجوده من الله ففطر على الاستفادة لا على الإفادة فما تعطي حقيقته أن يتصدق فإذا تصدق كانت صدقته برهانا على أنه قد وقى شح نفسه الذي جبله الله عليه فلذلك قال الصدقة برهان و لما كانت الشمس ضياء يكشف به كل ما تنبسط عليه لمن كان له بصر فإن الكشف إنما يكون بضياء النور لا بالنور فإن النور ما له سوى تنفير الظلمة و بالضياء يقع الكشف و إن النور حجاب كما هي الظلمة حجاب‏ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في حق ربه تعالى حجابه النور و قال إن لله سبعين حجابا من نور و ظلمة أو سبعين ألفا و قيل له صلى الله عليه و سلم أ رأيت ربك فقال صلى الله‏ عليه و سلم نور إني أراه‏ فجعل الصبر الذي هو الصوم و الحج ضياء أي يكشف به إذا كنت متلبسا به ما تعطيه حقيقة الضوء من إدراك الأشياء قال رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ربه تعالى إنه قال كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي و أنا أجزي به‏ و قال صلى الله عليه و سلم لرجل عليك بالصوم فإنه لا مثل له‏ و قال تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ فالصوم صفة صمدانية و هو التنزه عن التغذي و حقيقة المخلوق التغذي فلما أراد العبد أن يتصف مما ليس من حقيقته أن يتصف به و كان اتصافه به شرعا لقوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ من قَبْلِكُمْ قال الله له الصوم لي لا لك أي أنا هو الذي لا ينبغي لي أن أطعم و أشرب و إذا كان بهذه المثابة و كان سبب دخولك فيه كوني شرعته لك فأنا أجزي به كأنه يقول و أنا جزاؤه لأن صفة التنزه عن الطعام و الشراب تطلبني و قد تلبست بها و ما هي حقيقتك و ما هي لك و أنت متصف بها في حال صومك فهي تدخلك علي فإن الصبر حبس النفس و قد حبستها بأمري عما تعطيه حقيقتها من الطعام و الشراب فلهذا قال للصائم فرحتان فرحة عند فطره و تلك الفرحة لروحه الحيواني لا غير و فرحة عند لقاء ربه‏ و تلك الفرحة لنفسه الناطقة أي لطيفته الربانية فأورثه الصوم لقاء الله و هو المشاهدة فكان الصوم أتم من الصلاة لأنه أنتج لقاء الله و مشاهدته و الصلاة مناجاة لا مشاهدة و الحجاب يصحبها فإن الله يقول وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ الله إِلَّا وَحْياً أَوْ من وَراءِ حِجابٍ و كذلك كلم الله موسى و لذلك طلب الرؤية فقرن الكلام بالحجاب و المناجاة مكالمة يقول الله قسمت الصلاة بيني و بين عبدي نصفين نصفها لي و نصفها لعبدي و لعبدي ما سأل‏ يقول العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يقول الله حمدني عبدي و الصوم لا ينقسم فهو لله لا للعبد أجره من حيث ما هو لله و هنا سر شريف فقلنا إن المشاهدة و المناجاة لا يجتمعان فإن المشاهدة للبهت و الكلام للفهم فأنت في حال الكلام مع ما يتكلم به لا مع المتكلم أي شي‏ء كان فافهم القرآن تفهم الفرقان فبهذا قد حصل لك الفرق بين الصلاة و الصوم و الصدقة و أما قولنا إن الله جزاء الصائم للقائه ربه في الفرح به الذي قرنه به فسر ذلك في قوله في سورة يوسف من وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ‏ و أما الحج فلما فيه من الصبر و هو حبس الإنسان نفسه عن النكاح و لبس المخيط و الصفرة كما حبس الإنسان نفسه عن الطعام في الصوم و الشراب و النكاح و لما لم يعم الحج مسك الإنسان نفسه عن الطعام و الشراب إلا عن النكاح و الغيبة لذلك تأخر في القواعد التي بنى الإسلام عليها فكان حكمه حكم للصائم و المصلي حال صومه و صلاته في التنزه عن مباشرة السكن و ذلك التنزه يقول الله هو لي لا لك حيث كان و لما كان النكاح سببا لظهور المولدات من ذلك أعطاه الله إذ تركه من أجله بدله كن في الآخرة و لأوليائه في الدنيا بسم الله لمن أراد الله أن يظهر على يده أثرا فيقول العبد في الآخرة للشي‏ء يريده كُنْ فَيَكُونُ ذلك الشي‏ء و ليس قوله إلا من كونه حاجا أو صائما و لهذا شرك بين الحج و الصوم في لفظة الصبر فقال و الصبر ضياء هذا و إن لم يكن فيه صوم واجب فإن ترك الطعام فيه لشغله بالدعاء في ذلك اليوم من الظهر و هو السنة في ذلك اليوم في ذلك الموضع للحاج خاصة فالمشتغل فيه لا شك أن الجوع جوع العادة يلزمه‏ و الطائفة تسمى الجوع في الموتات الأربعة الموت الأبيض و هو مناسب للضياء فإن لأهل الله أربع موتات موت أبيض و هو الجوع و موت أحمر و هو مخالفة النفس في هواها و موت أخضر و هو طرح الرقاع في اللباس بعضها على بعض و موت أسود و هو تحمل أذى الخلق بل مطلق الأذى و إنما سميت لبس المرقعات موتا أخضر لأن حالته حالة الأرض في اختلاف النبات فيه و الأزهار فأشبه اختلاف الرقاع و أما الموت الأسود لاحتمال الأذى فإن في ذلك غم النفس و الغم ظلمة النفس و الظلمة تشبه في الألوان السواد و الموت الأحمر مخالفة النفس شبيه بحمرة الدم فإنه من خالف هواه فقد ذبح نفسه و سيأتي إن شاء الله في هذا الكتاب أبواب مفردات في شهادة التوحيد و الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و هي قواعد الإسلام التي بنى عليها و من أراد أن يعرف من أسرار الصلاة شيئا و ما تنتج كل صلاة من المعارف و ما لها من الأرواح النبوية و الحركات الفلكية فلينظر في كتابنا المسمى بالتنزلات الموصلية و هذا القدر في هذا الباب كاف في المقصود و لنذكر بعض أسرار من المعارف كما ترجمنا عليه بطريق الإيجاز

(فصل) بل وصل سر إلهي قالت الملائكة وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ و هكذا كل موجود ما عدا الثقلين و إن كان‏الثقلان أيضا مخلوقين في مقامهما غير أن الثقلين لهما في علم الله مقامات معينة مقدرة عنده غيبت عنهما إليها ينتهي كل شخص منهما بانتهاء أنفاسه فأخر نفس هو مقامه المعلوم الذي بموت عليه و لهذا دعوا إلى السلوك فسلكوا علوا بإجابة الدعوة المشروعة و سفلا بإجابة الأمر الإرادي من حيث لا يعلمون إلا بعد وقوع المراد فكل شخص من الثقلين ينتهي في سلوكه إلى المقام المعلوم الذي خلق له و منهم شقي و سعيد و كل موجود سواهما فمخلوق في مقامه فلم ينزل عنه فلم يؤمر بسلوك إليه لأنه فيه من ملك و حيوان و نبات و معدن فهو سعيد عند الله لا شقاء يناله فقد دخل الثقلان في قول الملائكة وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ عند الله و لا يتمكن لمخلوق من العالم أن يكون له علم بمقامه إلا بتعريف إلهي لا بكونه فيه فإن كل ما سوى الله ممكن و من شأن الممكن أن لا يقبل مقاما معينا لذاته و إنما ذلك لمرجحه بحسب ما سبق في علمه به و المعلوم هو الذي أعطاه العلم به و لا يعلم هو ما يكون عليه و هذا هو سر القدر المتحكم في الخلق إذ كان علم المرجح لا يقبل التغيير لاستحالة عدم القديم و علمه بتعيين المقامات قديم فلذلك لا ينعدم‏ و هذه المسألة من أغمض المسائل العقلية و مما يدلك على إن علمه سبحانه بالأشياء ليس زائدا على ذاته بل ذاته هي المتعلقة من كونها علما بالمعلومات على ما هي المعلومات عليه خلافا لبعض النظار فإن ذلك يؤدي إلى نقص الذات عن درجة الكمال و يؤدي إلى أن تكون الذات قد حكم عليها أمر زائد أوجب لها ذلك الزائد حكما يقتضيه و يبطل كون الذات تفعل ما تشاء و تختار لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فتحقق هذه المسألة و تفرغ إليها فإنها غامضة جدا في مسائل الحيرة لا يهتدي إليها عقل على الحقيقة من حيث فكره بل بكشف إلهي نبوي‏ ثم نرجع و نقول إن جماعة من أصحابنا غلطت في هذه المسألة لعدم الكشف فقالت بطريق القوة و لفكر الفاسد إن الكامل من بنى آدم أفضل من الملائكة عند الله مطلقا و لم تقيد صنفا و لا مرتبة من المراتب التي تقع عليها الفضلية لمن هو فيها على غيره ثم عللت فقالت إن لبني آدم الترقي مع الأنفاس و ليس للملائكة هذا فإنها خلقت في مقامها و ما علمت الجماعة القائلة بهذا هذه الحقيقة التي نبهنا عليها و الصحيح الترقي أن لنا و للملائكة و لغيرهم و هو لازم للكل دنيا و برزخا و آخره هذا لكل متصف بالموت في العلم أ لا ترى الملائكة مع كونها لها مقامات معلومة لا تتعداها و ما حرمت مزيد العلم فإن الله قد عرفنا أنه علمهم الأسماء على لسان آدم عليه السلام فزادهم علما إلهيا لم يكن عندهم بالأسماء الإلهية فسبحوه و قدسوه بها فساوتنا الملائكة في الترقي بالعلم لا بالعمل كما لا نترقى نحن بأعمال الآخرة لزوال التكليف فنحن و إياهم على السواء في ذلك في الآخرة فما ارتقينا نحن في الدنيا إلى المقام الذي قبضنا عليه و هو المقام الذي خلق فيه غيرنا ابتداء لشرفنا على غيرنا و إنما كان ذلك ليبلونا لا غير فلم يفهم القائلون بذلك ما أراده الله مع وجود النصوص في القرآن مثل قوله لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا و لا يقال كونهم خلقوا على الصورة أدى إلى ذلك الابتلاء فإن الجان شاركونا في هذه المرتبة و ليس لهم حظ في الصورة فاعلم و الله الموفق‏ (وصل سر إلهي) نهاية الدائرة مجاورة لبدايتها و هي تطلب النقطة لذاتها و النقطة لا تطلبها فصح نهاية أهل الترقي من العالم و صح افتقار العالم إلى الله و غنى الله عن العالم و تبين أنه كل جزء من العالم يمكن أن يكون سببا في وجود عالم آخر مثله لا أكمل منه إلى ما لا يتناهى فإن محيط الدائرة نقط متجاورة في أحياز متجاورة ليس بين حيزين حيز ثالث و لا بين النقطتين المفروضتين أو الموجودتين فيهما نقطة ثالثة لأنه لا حيز بينهما فكل نقطة يمكن أن يكون عنها محيط و ذلك المحيط الآخر حكمه حكم المحيط الأول إلى ما لا نهاية له‏ و النهاية في العالم حاصلة و الغاية من العالم غير حاصلة فلا تزال الآخرة دائمة التكوين عن العالم فإنهم يقولون في الجنان للشي‏ء يريدونه كن فيكون فلا يتوهمون أمرا ما و لا يخطر لهم خاطر في تكوين أمر ما إلا و يتكون بين أيديهم و كذلك أهل النار لا يخطر لهم خاطر خوف من عذاب أكبر مما هم فيه إلا تكون فيهم أو لهم ذلك العذاب و هو عين حصول الخاطر فإن الدار الآخرة تقتضي تكوين العالم عن العالم لكن حسا و بمجرد حصول الخاطر و الهم و الإرادة و التمني و الشهوة كل ذلك محسوس و ليس ذلك في الدنيا أعني من الفعل بالهمة لكل أحد و قد كان ذلك في الدنيا لغير الولي كصاحب العين و الغرانية بإفريقية و لكن ما يكون بسرعة تكوين الشي‏ء بالهمة في الدار الآخرة و هذا في الدار الدنيا نادر شاذ كقضيب البان و غيره و هو في الدار الآخرة للجميع‏ فصدق قول الإمام أبي حامد ليس في الإمكان أبدع من هذا العالم لأنه ليس أكمل من الصورة التي خلق عليها الإنسان‏الكامل فلو كان لكان في العالم ما هو أكمل من الصورة التي هي الحضرة الإلهية (وصل سر إلهي) كل خط يخرج من النقطة إلى المحيط مساو لصاحبه و ينتهي إلى نقطة من المحيط و النقطة في ذاتها ما تعددت و لا تزيدت مع كثرة الخطوط الخارجة منها إلى المحيط و هي تقابل كل نقطة من المحيط بذاتها إذ لو كان ما تقابل به نقطة من المحيط غير ما تقابل به نقطة أخرى لانقسمت و لم يصح أن تكون واحدة و هي واحدة فما قابلت النقط كلها على كثرتها إلا بذاتها فقد ظهرت الكثرة عن الواحد العين و لم يتكثر هو في ذاته فبطل قول من قال إنه لا يصدر عن الواحد إلا واحد فذلك الخط الخارج من النقطة إلى النقطة الواحدة من المحيط هو الوجه الحاصل الذي لكل موجود من خالقه سبحانه و هو قوله إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فالإرادة هنا هو ذلك الخط الذي فرضناه خارجا من نقطة الدائرة إلى المحيط و هو التوجه الإلهي الذي عين تلك النقطة في المحيط بالإيجاد لأن ذلك المحيط هو عين دائرة الممكنات و النقطة التي في الوسط المعينة لنقطة الدائرة المحيطة هي الواجب الوجود لنفسه‏ و تلك الدائرة المفروضة دائرة أجناس الممكنات و هي محصورة في جوهر متحيز و جوهر غير متحيز و أكوان و ألوان و الذي لا ينحصر وجود الأنواع و الأشخاص و هو ما يحدث من كل نقطة من كل دائرة من الدوائر فإنه يحدث فيها دوائر الأنواع و عن دوائر أنواع و أشخاص فاعلم ذلك و الأصل النقطة الأولى لهذا كله و ذلك الخط المتصل من النقطة إلى النقطة المعينة من محيطها يمتد منها إلى ما يتولد عنها من النقط في نصف الدائرة الخارجة عنها و عن ذلك النصف تخرج دوائر كاملة و علة ذلك الامتياز بين الواجب الوجود لنفسه و بين الممكن فلا يتمكن أن يظهر عن الممكن الذي هو دائرة الأجناس دائرة كاملة فإنها كانت تدخل بالمشاركة فيما وقع به الامتياز و ذلك محال فتكوين دائرة كاملة من الأجناس محال ليتبين نقص الممكن عن كمال الواجب الوجود لنفسه و صورة الأمر فيها هكذا صورة شكل الأجناس و الأنواع من غير قصد للحصر إذ للأنواع أنواع حتى ينتهي إلى النوع الأخير كما ينتهي إلى جنس الأجناس‏

و اعلم أن لنفوس الثقلين و نفوس الحيوان قوتين قوة علمية و قوة عملية عند أهل الكشف و قد ظهر ذلك في العموم من الحيوان كالنحل و العناكب و الطيور التي تتخذ الأوكار و غيرهم من الحيوانات و لنفوس الثقلين دون سائر الحيوان قوة ثالثة ليست للحيوان و لا للنفس الكلية و هي القوة المفكرة فيكتسب بعض العلوم من الفكر هذا النوع الإنساني و يشارك سائر العالم في أخذ العلوم من الفيض الإلهي و بعض علومها كالحيوان بالفطرة كتلقي الطفل ثدي أمه للرضاعة و قبوله للبن‏ و ليس لغير الإنسان اكتساب علوم تبقي معه من طريق فكر فالفكر من الإنسان بمنزلة الحقيقة الإلهية المنصوص عليها بقوله تعالى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ و قوله تعالى في الخبر الصحيح عنه ما ترددت في شي‏ء أنا فاعله‏ و ليس للعقل الأول هذه الحقيقة و لا للنفس الكلية فهذا أيضا مما اختص به الإنسان من الصورة التي لم يخلق غيره عليها و نحن نعلم أن الإنسان الكامل موجود على الصورة و نحن تقطع أنه ما أوجد الله غير الإنسان على ذلك فإنه‏ما ورد وقوع ذلك و لا عدم وقوعه لا على لسان نبي و لا في كتاب منزل و إن غلط في ذلك جماعة فإنهم لم يستندوا فيه إلى تعريف إلهي و إنما يحتجون بالخبر و ليس في الخبر ما يدل على إن غير الإنسان الكامل ما خلق على الصورة و يمكن صحة ذلك و يمكن عدم صحته‏ (وصل سر إلهي) الطبيعة بين النفس و الهباء و هو رأى الإمام أبي حامد و لا يمكن أن تكون مرتبتها إلا هنالك فكل جسم قبل الهباء إلى آخر موجود من الأجسام فهو طبيعي و كل ما تولد من الأجسام الطبيعية من الأمور و القوي و الأرواح الجزئية و الملائكة و الأنوار فللطبيعة فيها حكم إلهي قد جعله الله تعالى و قدره فحكم الطبيعة من الهباء إلى ما دونه و حكم النفس الكلية من الطبيعة فما دونها و ما فوق النفس فلا حكم للطبيعة و لا للنفس فيه و فيما ذكرناه خلاف كثير بين أصحاب النظر من غير طريقنا من الحكماء فإن المتكلم لا حظ له في هذا العلم من كونه متكلما بخلاف الحكيم فإن الحكيم عبارة عمن جمع العلم الإلهي و الطبيعي و الرياضي و المنطقي و ما ثم إلا هذه الأربع المراتب من العلوم‏ و تختلف الطريق في تحصيلها بين الفكر و الوهب و هو الفيض الإلهي و عليه طريقة أصحابنا ليس لهم في الفكر دخول لما يتطرق إليه من الفساد و الصحة فيه مظنونة فلا يوثق بما يعطيه و أعني بأصحابنا أصحاب القلوب و المشاهدات و المكاشفات لا العباد و لا الزهاد و لا مطلق الصوفية إلا أهل الحقائق و التحقيق منهم و لهذا يقال في علوم النبوة و الولاية إنها وراء طور العقل ليس للعقل فيها دخول بفكر لكن له القبول خاصة عند السليم العقل الذي لم يغلب عليه شبهة خيالية فكرية يكون من ذلك فساد نظره و علوم الأسرار كثيرة وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏