قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب السادس و الأربعون في معرفة العلم القليل و من حصله من الصالحين)

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
العلم بالأشياء علم واحدو الكثر في المعلوم لا في ذاته‏
و الأشعري يرى و يزعم أنهمتعدد في ذاته و صفاته‏
إن الحقيقة قد أبت ما قالهو لو أنه من فكره و هباته‏
الحق أبلج لا خفاء بأنهمتوحد في عينه و سماته‏

قال الله عز و جل وَ ما أُوتِيتُمْ من الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا فكان شيخنا أبو مدين يقول إذا سمع من يتلو هذه الآية القليل أعطيناه ما هو لنا بل هو معار عندنا و الكثير منه لم نصل إليه فنحن الجاهلون على الدوام و قال من هذا الباب خضر لموسى عليه السلام لما رأى الطائر الذي وقع على حرف السفينة و نقر في البحر بمنقاره أ تدري ما يقول هذا الطائر في نقرة في الماء قال موسى عليه السلام لا أدري قال يا موسى يقول هذا الطائر ما نقص علمي و علمك من علم الله إلا ما نقص من هذا البحر منقاري‏ و المراد المعلومات بذلك لا العلم فإن العلم لو تعدد أدى أن يدخل في الوجود ما لا يتناهى و هو محال فإن المعلومات لا نهاية لها فلو كان لكل معلوم علم لزم ما قلناه و معلوم أن الله يعلم ما لا يتناهى فعلمه واحد فلا بد أن يكون للعلم عين واحدة لأنه لا يتعلق بالمعلوم حتى يكون موجودا و ما هو ذلك العلم هل هو ذات العالم أو أمر زائد في ذلك خلاف بين النظار في علم الحق سبحانه و معلوم أن علم الله متعلق بما لا يتناهى فبطل أن يكون لكل معلوم علم و سواء زعمت أن العلم عين ذات العالم أو صفة زائدة على ذاته إلا أن تكون ممن يقول في الصفات إنها نسب و إن كنت ممن يقول إن العلم نسبة خاصة فالنسب لا تتصف بالوجود نعم و لا بالعدم كالأحوال فيمكن على هذا أن يكون لكل معلوم علم و قد علمنا إن المعلومات لا تتناهى فالنسب لا تتناهى و لا يلزم من ذلك محال كحدوث التعلقات عند ابن الخطيب و الاسترسال عند إمام الحرمين و بعد أن فهمت ما قررناه في هذه المسألة فقل بعد ذلك ما شئت من نسبة الكثرة للعلم و القلة فما وصف الله العلم بالقلة إلا العلم الذي أعطى الله عباده و هو قوله وَ ما أُوتِيتُمْ أي أعطيتم فجعله هبة و قال في حق عبده خضر وَ عَلَّمْناهُ من لَدُنَّا عِلْماً و قال علم القرآن فهذا كله يدلك على أنه نسبة لأن الواحد في ذاته لا يتصف بالقلة و لا بالكثرة لأنه لا يتعدد و بهذا نقول إن الواحد ليس بعدد و إن كان العدد منه ينشأ أ لا ترى أن العالم و إن استند إلى الله و لم يلزم أن يكون الله من العالم كذلك الواحد و إن نشأ منه العدد فإنه لا يكون بهذا من العدد فالوحدة للواحد نعت نفسي لا يقبل العدد و إن أضيف إليه فإن كان العلم نسبة فإطلاق القلة و الكثرة عليه إطلاق حقيقي و إن كان غير ذلك فإطلاق القلة و الكثرة عليه إطلاق مجازي و كلام العرب مبني على الحقيقة و المجاز عند الناس و إن كنا قد خالفناهم في هذه المسألة بالنظر إلى القرآن فإنا ننفي أن يكون في القرآن مجاز بل في كلام العرب و ليس هذا موضع شرح هذه المسألة و الذي يتعلق بهذا الباب علم‏الوهب لا علم الكسب فإنه لو أراد الله العلم المكتسب لم يقل أُوتِيتُمْ بل كان يقول أوتيتم الطريق إلى تحصيله لا هو و كان يقول في خضر وَ عَلَّمْناهُ طريق اكتساب العلوم لم يقل شيئا من هذا و نحن نعلم أن ثم علما اكتسبناه من أفكارنا و من حواسنا و ثم علما لم نكتسبه بشي‏ء من عندنا بل هبة من الله عز و جل أنزله في قلوبنا و على أسرارنا فوجدناه من غير سبب ظاهر و هي مسألة دقيقة فإن أكثر الناس يتخيلون أن العلوم الحاصلة عن التقوى علوم وهب و ليست كذلك و إنما هي علوم مكتسبة بالتقوى فإن التقوى جعلها الله طريقا إلى حصول هذا العلم فقال إِنْ تَتَّقُوا الله يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً و قال وَ اتَّقُوا الله وَ يُعَلِّمُكُمُ الله كما جعل الفكر الصحيح سببا لحصول العلم لكن بترتيب المقدمات كما جعل البصر سببا لحصول العلم بالمبصرات و العلم الوهبي لا يحصل عن سبب بل من لدنه سبحانه فاعلم ذلك حتى لا تختلط عليك حقائق الأسماء الإلهية فإن الوهاب هو الذي تكون أعطياته على هذا الحد بخلاف الاسم الإلهي الكريم و الجواد و السخي فإنه من لا يعرف حقائق الأمور لا يعرف حقائق الأسماء الإلهية و من لا يعرف حقائق الأسماء الإلهية لا يعرف تنزيل الثناء على الوجه اللائق به فلهذا نبهتك لتنتبه فلا تكونن من الجاهلين‏ فالنبوات كلها علوم وهبية لأن النبوة ليست مكتسبة فالشرائع كلها من علوم الوهب عند أهل الإسلام الذين هم أهله و أريد بالاكتساب في العلوم ما يكون للعبد فيه تعمل كما إن الوهب ما ليس للعبد فيه تعمل و إنما قلنا هذا من أجل الاستعدادات التي جعلت العالم يقبل هذا العلم الوهبي و الكسبي فإنه لا بد من الاستعداد فإن وجد بعض الاستعدادات مما يتعمل الإنسان في تحصيلها كان العلم الحاصل عنها مكتسبا كمن عمل بما علم فأورثه الله علم ما لم يكن يعلم و أشباه ذلك فالشرائع كلها علوم وهبية و ممن حصل علوم وهب مما ليس بشرع جماعة قليلة من الأولياء منهم الخضر على التعيين فإنه قال من لدنه و الذي عرفناه من الأنبياء عليهم السلام آدم و الياس و زكريا و يحيى و عيسى و إدريس و إسماعيل و إن كان قد حصله جميع الأنبياء عليهم السلام و لكن ما ذكرنا منهم إلا من حصل لنا التعريف به و سموا لنا من الوجه الذي نأخذ عن الله تعالى منه فلهذا سمينا هؤلاء و لم نذكر غيرهم فأما قوله تعالى وَ ما أُوتِيتُمْ من الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا فليس بنص في الوهب و لكن له وجهان وجه يطلبه أوتيتم و وجه يطلبه قليلا من الاستقلال أي ما أعطيتم من العلم إلا ما تستقلون نجمله و ما لا تطيقونه ما أعطيناكموه فإنكم ما تستقلون به فيدخل في هذا العطاء علوم النظر فإنها علوم تستقل العقول بإدراكها و اختلف أصحابنا في العلم المحدث هل يتعلق بما لا يتناهى من المعلومات أم لا فمن منع أن تعرف ذات الله منع من ذلك و من لم يمنع من ذلك لم يمنع حصوله و لكن ما نقل إلينا إنه حصل لأحد في الدنيا و ما أدري في الآخرة ما يكون فإنا قد علمنا أن محمدا صلى الله عليه و سلم قد علم علم الأولين و الآخرين و قد قال صلى الله عليه و سلم عن نفسه إنه يحمد الله غدا يوم القيامة بمحامد عند ما يطلب من الله عز و جل فتح باب الشفاعة أخبر أن الله تعالى يعلمه إياها في ذلك الوقت لا يعلمها الآن فلو علمها غيره لم يصدق‏ قوله علمت علم الأولين و الآخرين‏ و هو صلى الله عليه و سلم الصادق في قوله فحصل من هذا إن أحدا لم يتعلق علمه بما لا يتناهى و لهذا ما تكلم الناس إلا في إمكانه هل يمكن أم لا و ما كل ممكن واقع و وقوع الممكنات من المسائل المغلقة و كيف يكون ثم ممكن و لا يقع و هو المعقول عندنا في كل وقت فإن ترجيح أحد الممكنين أو الممكنات يمنع من وقوع ما ليس بمرجح في الحال فإن كان الذي لم يقع في الوجود من الممكنات مرجحا عدم وقوعه في الوجود فيكون عدمه مرجحا فقد وقع الممكن فإنه لا يلزم فيه من حيث الإمكان إلا اتصافه بكونه مرجحا سواء ترجح عدمه أو وجوده و إذا كان كذلك فقد وقع كل ممكن بلا شك و إن لم تتناه الممكنات فإن الترجيح ينسحب عليها و هي مسألة دقيقة فإن الممكنات و إن كانت لا تتناهى و هي معدومة فإنها عندنا مشهودة للحق عز و جل من كونه يرى فإنا لا نعلل الرؤية بالوجود و إنما نعلل الرؤية للأشياء بكون المرئي مستعد القبول تعلق الرؤية به سواء كان معدوما أو موجودا و كل ممكن مستعد للرؤية فالممكنات و إن لم تتناه فهي مرئية لله عز و جل لا من حيث نسبة العلم بل من نسبة خري تسمى رؤية كانت ما كانت قال تعالى أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ الله يَرى‏ و لم يقل هنا أ لم يعلم بأن الله يعلم و قال تَجْرِي بِأَعْيُنِنا أي بحيث نراها و قال أيضا لموسى و هارون إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَ أَرى‏ وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى الجزء الرابع و العشرون‏

(بسم الله الرحمن الرحيم)