قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الخامس و الأربعون في معرفة من عاد بعد ما وصل و من جعله يعود)

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
وجودك عن تدبير أمر محققو تفصيل آيات لو أنك تعقل‏
فيا أيها الإنسان ما غر ذاتكمبرب يرى الأشياء تعلو و تسفل‏
فإن كنت ذا عقل و فهم و فطنةعلمت الذي قد كنت بالأمس تجهل‏
و ذلك أن تدري بأنك قابللقرب و بعد بالذي أنت تعمل‏
فخف رب تدبير و تفصيل مجملفذاك الذي بالعبد أولى و أجمل‏
إذا كان هذا حالك اليوم دائبالعل بشارات بسعدك تحصل‏
فإن جلال الحق يعظم قدرهو في الخلق يقضي ما يشاء و يفصل‏
إذا أخذ المولى قلوب عبادهإليه و يقضي ما يشاء و يعدل‏
فمن شاء أبقاه لديه مكرماو رد الذي قد شاء لما كان يأمل‏
و ذاك نبي أو رسول و وارثو ما ثم إلا هؤلاء فأجملوا
و لم يبق إلا واحد و هو وارثو الاثنان قد راحا فما لك تعدل‏
فسبحان من خص الولي براحةليغبطه فيها الذي هو أفضل‏

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم العلماء ورثة الأنبياء و إن الأنبياء ما ورثوا دينارا و لا درهما ورثوا العلم‏ و لما كانت حالته صلى الله عليه و سلم في ابتداء أمره صلى الله عليه و سلم إن الله تعالى و فقه لعبادته بملة إبراهيم الخليل عليه السلام‏فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه عناية من الله سبحانه به صلى الله عليه و سلم إلى أن فجأه الحق فجاءه الملك فسلم عليه بالرسالة و عرفه بنبوته فلما تقررت عنده أرسل إلى الناس كافة بَشِيراً وَ نَذِيراً وَ داعِياً إِلَى الله بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً فبلغ الرسالة و أدى الأمانة و دعا إلى الله عز و جل عَلى‏ بَصِيرَةٍ فالوارث الكامل من الأولياء منا من انقطع إلى الله بشريعة رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أن فتح الله له في قلبه في فهم ما أنزل الله عز و جل على نبيه و رسوله محمد صلى الله عليه و سلم بتجل إلهي في باطنه فرزقه الفهم في كتابه عز و جل و جعله من المحدثين في هذه الأمة فقام له هذا مقام الملك الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم رده الله إلى الخلق يرشدهم إلى صلاح قلوبهم مع الله و يفرق لهم بين الخواطر المحمودة و المذمومة و يبين لهم مقاصد الشرع و ما ثبت من الأحكام عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و ما لم يثبت بإعلام من الله أتاه رحمة من عنده و علمه من لدنه علما فيرقى هممهم إلى طلب الأنفس بالمقام الأقدس و يرغبهم فيما عند الله كما فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم في تبليغ رسالته غير إن الوارث لا يحدث شريعة و لا ينسخ حكما مقررا لكن يبين فإنه عَلى‏ بَيِّنَةٍ من رَبِّهِ و بصيرة في علمه وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ بصدق اتباعه و هو الذي أشركه الله تعالى مع رسوله صلى الله عليه و سلم في الصفة التي يدعو بها إلى الله فأخبر و قال أَدْعُوا إِلَى الله عَلى‏ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ من اتَّبَعَنِي و هم الورثة فهم يدعون إلى الله على بصيرة و كذلك شركهم مع الأنبياء عليهم السلام في المحنة و ما ابتلوا به فقال إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ الله وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ من النَّاسِ و هم الورثة فشرك بينهم في البلاء كما شرك بينهم في الدعوة إلى الله‏ فكان شيخنا أبو مدين رضي الله عنه كثيرا ما يقول من علامات صدق المريد في إرادته فراره عن الخلق و هذه حالة الرسول صلى الله عليه و سلم في خروجه و انقطاعه عن الناس في غار حراء للتحنث ثم يقول و من علامات صدق فراره عن الخلق وجوده للحق فما زال رسول الله صلى الله عليه و سلم يتحنث في انقطاعه حتى فجأه الحق ثم قال و من علامات صدق وجوده للحق رجوعه إلى الخلق يريد حالة بعثه صلى الله عليه و سلم بالرسالة إلى الناس و يعني في حق الورثة بالإرشاد و حفظ الشريعة عليهم فأراد الشيخ بهذا صفة الكمال في الورث النبوي فإن لله عبادا إذا فجأهم الحق أخذهم إليه و لم يردهم إلى العالم و شغلهم به و قد وقع هذا كثيرا و لكن كمال الورث النبوي الرسالي في الرجوع إلى الخلق فإن اعترضك هنا قول أبي سليمان الداراني لو وصلوا ما رجعوا إنما ذلك فيمن رجع إلى شهواته الطبيعية و لذاته و ما تاب منه إلى الله و أما الرجوع إلى الله تعالى بالإرشاد فلا يقول لو لاح لهم بارقة من الحقيقة ما رجعوا إلى ما تابوا إلى الله منه و لو رأوا وجه الحق فيه فإن موطن التكليف و الأدب يمنعهم من ذلك و أما قول الآخر من أكابر الرجال لما قيل له فلان يزعم أنه وصل فقال إلى سقر فإنه يريد بهذا أنه من زعم أن الله محدود يوصل إليه و هو القائل وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ أو ثم أمر إذا وصل إليه سقطت عنه الأعمال المشروعة و أنه غير مخاطب بها مع وجود عقل التكليف عنده و إن ذلك الوصول أعطاه ذلك فهو هذا الذي قال فيه الشيخ إلى سقر أي هذا لا يصح بل الوصول إلى الله بقطع كل ما دونه حتى يكون الإنسان يأخذ عن ربه فهذا لا تمنعه الطائفة بلا خلاف‏ و كان شيخنا أبو يعقوب يوسف بن يخلف الكومي يقول بيننا و بين الحق المطلوب عقبة كئود و نحن في أسفل العقبة من جهة الطبيعة فلا نزال نصعد في تلك العقبة حتى نصل إلى أعلاها فإذا استشرفنا على ما وراءها من هناك لم نرجع فإن وراءها ما لا يمكن الرجوع عنه و هو قول أبي سليمان الداراني لو وصلوا ما رجعوا يريد إلى رأس العقبة فمن رجع من الناس إنما رجع من قبل الوصول إلى رأس العقبة و الإشراف على ما وراءها فالسبب الموجب للرجوع مع هذا إنما هو طلب الكمال و لكن لا ينزل بل يدعوهم من مقامه ذلك و هو قوله عَلى‏ بَصِيرَةٍ فيشهد فيعرف المدعو على شهود محقق و الذي لم يرد ماله وجه إلى العالم فيبقى هناك واقفا و هو أيضا المسمى بالواقف فإنه ما وراء تلك العقبة تكليف و لا ينحدر منها إلا من مات إلا أنه منهم أعني من الواقفين من يكون مستهلكا فيما يشاهده هنالك و قد وجد منهم جماعة و قد دامت هذه الحالة على أبي يزيد البسطامي و هذا كان حال أبي عقال المغربي و غيره‏ و اعلم أنه بعد ما أعلمتك ما معنى الوصول إلى الله أن الواصلين على مراتب منهم من يكون وصوله إلى اسم ذاتي لا يدل إلا على الله تعالى من حيث هو دليل على الذات كالاسماء الأعلام عندنا لا تدل على معنى آخر مع‏ذلك يعقل فهذا يكون حاله الاستهلاك كالملائكة المهيمن في جلال الله تعالى و الملائكة الكروبيين فلا يعرفون سواه و لا يعرفهم سواه سبحانه و منهم من يصل إلى الله من حيث الاسم الذي أوصله إلى الله أو من حيث الاسم الذي يتجلى له من الله و يأخذه من الاسم الذي أوصله إليه سبحانه ثم إن هذين الرجلين المذكورين أو الشخصين فإنه قد يكون منهم النساء إذا وصلوا فإن كان وصولهم من حيث الاسم الذي أوصلهم فشاهدوه فكان لهم عين يقين فلا يخلو ذلك الاسم إما أن يطلب صفة فعل كخالق و بارئ أو صفة صفة كالشكور و الحسيب أو صفة تنزيه كالغني فيكون بحسب ما تعطيه حقيقة ذلك الاسم و من ثم يكون مشربه و ذوقه و ريه و وجوده لا يتعداه فيكون الغالب عليه عندنا في حاله ما تعطيه حقيقة ذلك الاسم الإلهي فتضيفه إليه و به تدعوه فتقول عبد الشكور و عبد الباري و عبد الغني و عبد الجليل و عبد الرزاق و إن كان وصولهم إلى اسم غير الاسم الذي أوصلهم فإنه يأتي بعلم غريب لا يعطيه حاله بحسب ما تعطيه حقيقة ذلك الاسم فيتكلم بغرائب العلم في ذلك المقام و قد يكون في ذلك العلم ما ينكره عليه من لا علم له بطريق القوم و يرى الناس أن علمه فوق حاله و هو عندنا أعلى من الذي وصل إلى مشاهدة الاسم الذي أوصله فإن هذا لا يأتي بعلم غريب لا يناسب حاله فيرى الناس أن علمه تحت حاله و دونه يقول أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه العارف فوق ما يقول و العالم تحت ما يقول فبهذا قد حصرنا لك مراتب الواصلين فمنهم من يعود و منهم من لا يعود ثم إن الراجعين على قسمين منهم من يرجع اختيارا كأبي مدين و منهم من يرجع اضطرارا مجبورا كأبي يزيد لما خلع عليه الحق الصفات التي بها ينبغي أن يكون وارثا وراثة إرشاد و هداية خطا خطوة من عنده فغشي عليه فإذا النداء ردوا على حبيبي فلا صبر له عني فمثل هذا لا يرغب في الخروج إلى الناس و هو صاحب حال و أما العالي من الرجال و هم الأكابر و هم الذين ورثوا من رسول الله صلى الله عليه و سلم عبوديته فإن أمروا بالتبليغ فيحتالون في ستر مقامهم عن أعين الناس ليظهروا عند الناس بما لا يعلمون في العادة أنهم من أهل الاختصاص الإلهي فيجمعون بين الدعوة إلى الله و بين ستر المقام فيدعونهم بقراءة الحديث و كتب الرقائق و حكايات كلام المشايخ حتى لا تعرفهم العامة إلا أنهم نقلة لا أنهم يتكلمون عن أحوالهم من مقام القربة هذا إذا كانوا مأمورين و لا بد و إن لم يكونوا مأمورين بذلك فهم مع العامة التي لم تزل مستورة الحال لا يعتقد فيهم خير و لا شر ثم إن من الرجال الواصلين من لا يكشف لهم عن العلم بالأسماء الإلهية التي تدبرهم و لكن لهم نظر إلى الأعمال المشروعة التي يسلكون بها و هي ثمانية يد و رجل و بطن و لسان و سمع و بصر و فرج و قلب ما ثم غير ذلك فهؤلاء يفتح لهم عند وصولهم في عالم المناسبات فينظرون فيما يفتح لهم عند الوصول إلى الباب الذي قرعوه فعند ما يفتح لهم يعرفون فيما يتجلى لهم من الغيب أي باب ذلك الباب الذي فتح لهم فإن كان المشهود لهم يطلب اليد بمناسبة تظهر لهم كان صاحب يد و إن كان يطلب البصر بمناسبة كان صاحب بصر و هكذا جميع الأعضاء و من ذلك الجنس تكون كراماته إن كان وليا و معجزاته إن كان نبيا و من ذلك الجنس تكون منازله و معارفه كما أشار إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فيمن يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يركع ركعتين لا يحدث نفسه فيهما بشي‏ء فتحت له الثمانية الأبواب من الجنة يدخل من أيها شاء كذلك هذا الشخص يفتح له من أعمال أعضائه إذا كملت طهارته و صفا سره أي شي‏ء كان مما تعطيه أعمال أعضائه المكلفة و قد بينا هذه المراتب العملية على الأعضاء في كتاب مواقع النجوم‏ ثم إن الله سبحانه يمدهم من الأنوار بما يناسبهم و هي ثمانية من حضرة النور فمنهم من يكون إمداده من نور البرق و هو المشهد الذاتي و هو على ضربين خلب و غير خلب فإن لم ينتج مثل صفات التنزيه فهو البرق الخلب و إن أنتج و لا ينتج إلا أمرا واحدا لأنه ليس لله صفة نفسية سوى واحدة هي عين ذاته لا يصح أن تكون اثنان فإن اتفق أن يحصل له من هذا النور البرقي في بعض كشف تعريف إلهي لا يكون برق خلب و منهم من يكون إمداده من حضرة النور نور الشمس و منهم من يكون إمداده من نور البدر و منهم من يكون إمداده من نور القمر و منهم من يكون إمداده من نور الهلال و منهم من يكون إمداده من نور السراج و منهم من يكون إمداده من نور النجوم و منهم من يكون إمداده من نور النار و ما ثم نور أكثر و قد ذكرنا مراتب هذه‏ الأنوار في مواقع النجوم أيضا فيكون إدراكهم على قدر مراتب أنوارهم فتتميز المراتب بتمييز الأنوار و تتميز الرجال بتمييز المراتب‏ و من الرجال الواصلين من ليس لهم معرفة بهذا المقام و لا بالأسماء الإلهية و لكن لهم وصول إلى حقائق الأنبياء و لطائفهم فإذا وصلوا فتح لهم باب من لطائف الأنبياء على قدر ما كانوا عليه من الأعمال في وقت الفتح فمنهم من يتجلى له حقيقة موسى عليه السلام فيكون موسوي المشهد و منهم من يتجلى له لطيفة عيسى و هكذا سائر الرسل فينسب إلى ذلك الرسول بالوراثة و لكن من حيث شريعة محمد صلى الله عليه و سلم المقررة من شرع ذلك النبي الذي تجلى له فيجد هذا الواصل أنه كان محققا في عمله الموجب لفتحه من جهة ظاهره أو باطنه شرع نبي متقدم مثل قوله تعالى أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي فإن ذلك من شرع موسى و قرره الشارع لنا فيمن خرج عنه وقت الصلاة بنوم أو نسيان فهؤلاء يأخذون من لطائف الأنبياء عليهم السلام و لقينا منهم جماعة و ليس لهؤلاء في الأنوار و لا في الأعضاء و لا في الأسماء الإلهية ذوق و لا شرب و لا شرب و من الواصلين أيضا إلى الله تعالى الوصول الذي بيناه من يجمع الله له الجميع و منهم من يكون له من ذلك مرتبتان و أكثر على قدر رزقه الذي قسمه الله له منه و كل إنسان من هؤلاء إذا رد إلى الخلق بالإرشاد و الهداية لا يتعدى ذوقه في أي مرتبة كان وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏