قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الرابع و الأربعون في البهاليل و أئمتهم في البهللة)

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

(بسم الله الرحمن الرحيم)

إذا كنت في طاعة راغبا‏ فلا تكسها حلة الآجل‏
و كن كالبهاليل في حالهممع الوقت يجرون كالعاقل‏
و حوصل من السنبل الحاصلو لا تصبرن إلى قابل‏
فحوصلة الرزق قد هيئتليحصل ما ليس بالحاصل‏
و لا تبكين على فائتيفتك الذي هو في العاجل‏
و سوف فلا تلتفت حكمهاو لا السين و أرحل مع الراحل‏
عساك إذا كنت ذا عزمةو مت حصلت على طائل‏
و قل للذي لم يزل وانياتخبطت في شرك الحابل‏
و ما ظفرت كفكم بالذيتريد فيا خيبة السائل‏
فلو كان فعلك في أمرهكفعل الفتى الحذر الواجل
لميزت بيني و بين الذييجلي لك الحق كالباطل‏

يقول الله تعالى وَ تَرَى النَّاسَ سُكارى‏ وَ ما هُمْ بِسُكارى‏ و ذلك أن لله قوما كانت عقولهم محجوبة بما كانوا عليه من الأعمال التي كلفهم الحق تعالى في كتابه و على لسان رسوله صلى الله عليه و سلم التصرف فيها شرعا و شرعها لهم و لم يكن لهم علم بأن لله تعالى الحق فجأة لمن خلا به في سره و أطاعه في أمره و هيأ قلبه لنوره من حيث لا يشعر ففجأه الحق على غفلة منه بذلك و عدم علم و استعداد لهائل أمر فذهب بعقله في الذاهبين و أبقى تعالى ذلك الأمر الذي فجأه مشهودا له فهام فيه و مضى معه فبقي في عالم شهادته بروحه الحيواني يأكل و يشرب و يتصرف في ضروراته الحيوانية تصرف الحيوان المفطور على العلم بمنافعه المحسوسة و مضاره من غير تدبير و لا روية و لا فكر ينطق بالحكمة و لا علم له بها و لا يقصد نفعك بها لتتعظ و تتذكر أن الأمور ليست بيدك و أنك عبد مصرف بتصريف حكيم و سقط التكليف عن هؤلاء إذ ليس لهم عقول يقبلون بها و لا يفقهون بها تَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَ هُمْ لا يُبْصِرُونَ خذ العفو أي القليل مما يجري الله على ألسنتهم من الحكم و المواعظ و هؤلاء هم الذين يسمون عقلاء المجانين يريدون بذلك أن جنونهم ما كان سببه فساد مزاج عن أمر كوني من غذاء أو جوع أو غير ذلك و إنما كان عن نجل إلهي لقلوبهم و فجأة من فجآت الحق فجأتهم فذهبت بعقولهم فعقولهم محبوسة عنده منعمة بشهوده عاكفة في حضرته متنزهة في جماله فهم أصحاب عقول بلا عقول و عرفوا في الظاهر بالمجانين أي المستورين عن تدبير عقولهم فلهذا سموا عقلاء المجانين قيل لأبي السعود بن الشبل البغدادي عاقل زمانه ما تقول في عقلاء المجانين من أهل الله فقال رضي الله عنه هو ملاح و العقلاء منهم أملح قيل له فبما ذا نعرف مجانين الحق من غيرهم فقال مجانين الحق تظهر عليهم آثار القدرة و العقلاء يشهد الحق بشهودهم أخبرني بذلك عنه صاحبه أبو البدر التماسكي رحمه الله و كان ثقة ضابطا عارفا بما ينقل لا يجعل فاء مكان واو فقال الشيخ من شاهد ما شاهدوا و أبقى عليه عقله فذلك أحسن و أمكن فإنه قد أقيم و أعطى من القوة قريبا مما أعطيت الرسل‏ و إن تغيروا في وقت الفجئات فقد علمنا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما فجأه الوحي جئت منه رعبا فأتى خديجة ترجف بوادره فقال زملوني زملوني‏ و ذلك من تجلى ملك فكيف به بتجلى ملك فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى‏ صَعِقاً و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا جاءه الوحي و نزل الروح الأمين به على قلبه أخذ عن حسه و سجي و رغا كما يرغو البعير حتى ينفصل عنه و قد وعى ما جاءه به فيلقيه على الحاضرين و يبلغه للسامعين‏ فمواجده صلى الله عليه و سلم من تجليات ربه على قلبه أعظم سطوة من نزول ملك و وارد في الوقت الذي لم يكن يسعه فيه غير ربه و لكن كان منتظرا مستعدا لذلك الهول و مع هذا يؤخذ عن نفسه فلو لا أنه رسول مطلوب بتبليغ الرسالة و سياسة الأمة لذهب الله بعقول الرسل لعظيم ما يشاهدونه فمكنهم الله القوي المتين من القوة بحيث يتمكنون من قبول ما يرد عليهم من الحق و يوصلونه إلى الناس و يعملون به‏ فاعلم إن الناس في هذا المقام على إحدى ثلاث مراتب منهم من يكون وارده أعظم من القوة التي يكون في نفسه عليها فيحكم الوارد عليه فيغلب عليه الحال فيكون بحكمه يصرفه الحال و لا تدبير له في نفسه ما دام في ذلك الحال فإن استمر عليه إلى آخر عمره فذلك المسمى في هذه الطريقة بالجنون كأبي عقال المغربي و منهم من يمسك عقله هناك و يبقى عليه عقل حيوانيته فيأكل و يشرب و يتصرف من غير تدبير و لا روية فهؤلاء يسمون عقلاء المجانين لتناولهم العيش الطبيعي كسائر الحيوانات و أما مثل أبي عقال فمجنون مأخوذ عنه بالكلية و لهذا ما أكل و ما شرب من حين أخذ إلى أن مات و ذلك في مدة أربع سنين بمكة فهو مجنون أي مستور مطلق عن عالم حسه و منهم من لا يدوم له حكم ذلك الوارد فيزول عنه الحال فيرجع إلى الناس بعقله فيدبر أمره و يعقل ما يقول و يقال له و يتصرف عن تدبير و روية مثل كل إنسان و ذلك هو النبي و أصحاب الأحوال من الأولياء و منهم من يكون وارده و تجليه مساويا لقوته فلا يرى عليه أثر من ذلك حاكم لكن يشعر عند ما يبصران ثم أمرا ما طرأ عليه‏‏شعورا خفيا فإنه لا بد لهذا أن يصغي إليه أي إلى ذلك الوارد حتى يأخذ عنه ما جاءه به من عند الحق فحاله كحال جليسك الذي يكون معك في حديث فيأتي شخص آخر في أمر من عند الملك إليه فيترك الحديث معك و يصغي إلى ما يقول له ذلك الشخص فإذا أوصل إليه ما عنده رجع إليك فحادثك فلو لم تبصره عينك و رأيته يصغي إلى أمر شعرت أن ثم أمرا شغله عنك في ذلك كرجل يحدثك فأخذته فكرة في أمر فصرف حسه إليه في خياله فجمدت عينه و نظره و أنت تحدثه فتنظر إليه غير قابل حديثك فتشعر أن باطنه متفكر في أمر آخر خلاف ما أنت عليه و منهم من تكون قوته أقوى من الوارد فإذا أتاه الوارد و هو معك في حديث لم تشعر به و هو يأخذ من الوارد ما يلقى إليه و يأخذ عنك ما تحدثه به أو يحدثك به و ما ثم أمر رابع في واردات الحق على قلوب أهل هذه الطريقة و هي مسألة غلط فيها بعض أهل الطريق في الفرق بين النبي و الولي فقالوا الأنبياء يصرفون الأحوال و الأولياء تصرفهم الأحوال فالأنبياء مالكون أحوالهم و الأولياء مملوكون لأحوالهم و الأمر إنما هو كما فصلناه لك و قد بينا لك لما ذا يرد الرسول و يحفظ عليه عقله مع كونه يؤخذ و لا بد عن حسه في وقت وارد الحق على قلبه بالوحي المنزل فافهم ذلك و تحققه‏ و قد لقينا جماعة منهم و عاشرناهم و اقتبسنا من فوائدهم و لقد كنت واقفا على واحد منهم و الناس قد اجتمعوا عليه و هو ينظر إليهم و هو يقول لهم أطيعوا الله يا مساكين فإنكم من طين خلقتم و أخاف عليكم أن تطبخ النار هذه الأواني فتردها فخارا فهل رأيتم قط آنية من طين تكون فخارا من غير أن تطبخها نار يا مساكين لا يغرنكم إبليس بكونه يدخل النار معكم و تقولون الله يقول لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَ مِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ إبليس خلقه الله من نار فهو يرجع إلى أصله و أنتم من طين تتحكم النار في مفاصلكم يا مساكين انظروا إلى إشارة الحق في خطابه لإبليس بقوله لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ و هنا قف و لا تقرأ ما بعدها فقال له جهنم منك و هو قوله خَلَقَ الْجَانَّ من مارِجٍ من نارٍ فمن دخل بيته و جاء إلى داره و اجتمع بأهله ما هو مثل الغريب الوارد عليه فهو رجع إلى ما به افتخر قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي من نارٍ فسروره رجوعه إلى أصله و أنتم يا مناحيس تتفخر بالنار طينتكم فلا تسمعوا من إبليس و لا تطيعوا و اهربوا إلى محل النور تسعدوا يا مساكين أنتم عمي ما تبصرون الذي أبصره أنا تقولون سقف هذا المسجد ما يمسكه إلا هذه الأسطوانات أنتم تبصرونها أسطوانات من رخام و أنا أبصرها رجالا يذكرون الله و يمجدونه بالرجال تقوم السموات فكيف هذا المسجد ما أدري إما أنا هو الأعمى لا أبصر الأسطوانات حجارة و إما أنتم هم العمي لا تبصرون هذه الأسطوانات رجالا و الله يا إخوتي ما أدري لا و الله أنتم هم العمي ثم استشهدني دون الجماعة فقال يا شاب أ لست أقول الحق قلت بلى ثم جلست إلى جانبه فجعل يضحك و قال يا ناس الأستاه المنتنة تصفر بعضها لبعض و هذا الشاب منتن مثلي هذه المناسبة جعلته يجلس إلى جانبي و يصدقني أنتم الساعة تحسبونه عاقلا و أنا مجنون هو أجن مني بكثير و إنما أنتم كما أعماكم الله عن رؤية هذه الأسطوانات رجالا أعماكم أيضا عن جنون هذا الشاب ثم أخذ بيدي و قال قم امش بنا عن هؤلاء فخرجت معه فلما فارق الناس ترك يدي من يده و انصرف عني و هو من أكبر من لقيته من المعتوهين كنت إذا سألته ما الذي ذهب بعقلك يقول لي أنت هو المجنون حقا و لو كان لي عقل كنت تقول لي ما الذي ذهب بعقلك أين عقلي حتى يخاطبك قد أخذه معه ما أدري ما يفعل به و تركني هنا في جملة الدواب آكل و أشرب و هو يدبرني قلت له فمن يركبك إذا كنت دابة قال أنا دابة وحشية لا أركب ففهمت أنه يريد خروجه عن عالم الإنس و أنه في مفاوز المعرفة فلا حكم للانس عليه و كذلك كان محفوظا من أذى الصبيان و غيرهم كثير السكوت مبهوتا دائم الاعتبار يلازم المسجد و يصلي في أوقات فربما كنت أسأله عند ما أراه يصلي أقول له أراك تصلي يقول لي لا و الله إنما أراه يقيمني و يقعدني ما أدري ما يريد بي أقول له فهل تنوي في صلاتك هذه أداء ما افترض الله عليك فيقول لي أي شي‏ء تكون النية أقول له القصد بهذه الأعمال القربة إليه فيضحك و يقول أنا أقول له أراه يقيمني و يقعدني فكيف أنوي القربة إلى من هو معي و أنا أشهده و لا يغيب عني هذا كلام المجانين ما عندكم عقول‏ ثم لتعلم إن هؤلاء البهاليل كبهلول و سعدون من المتقدمين و أبي وهب الفاضل و أمثالهم منهم المسرور و منهم المحزون و هم في ذلك بحسب الوارد الأول الذي ذهب بعقولهم فإن كان وارد قهر قبضهم كيعقوب‏الكوراني كان بالجسر الأبيض رأيته و كان على هذا القدم و كذلك مسعود الحبشي رأيته بدمشق ممتزجا بين القبض و البسط الغالب عليه البهت و إن كان وارد لطف بسطهم رأيت من هذا الصنف جماعة كأبي الحجاج الغليري و أبي الحسن علي السلاوي و الناس لا يعرفون ما ذهب بعقولهم شغلهم ما تجلى لهم عن تدبير نفوسهم فسخر الله لهم الخلق فهم مشتغلون بمصالحهم عن طيب نفس فأشهى ما إلى الناس أن يأكل واحد من هؤلاء عنده أو يقبل منه ثوبا تسخيرا إلهيا فجمع الله لهم بين الراحتين حيث يأكلون ما يشتهون و لا يحاسبون و لا يسألون و جعل لهم القبول في قلوب الخلق و المحبة و العطف عليهم و استراحوا من التكليف و لهم عند الله أجر من أحسن عملا في مدة أعمارهم التي ذهبت بغير عمل لأنه سبحانه هو الذي أخذهم إليه فحفظ عليهم نتائج الأعمال التي لو لم يذهب بعقولهم لعملوها من الخير كمن بات نائما على وضوء و في نفسه أن يقوم من الليل يصلي فيأخذ الله بروحه فينام حتى يصبح فإن الله يكتب له أجر من قام ليلة لأنه الذي حبسه عنده في حال نومه فالمخاطب بالتكليف منهم و هو روحهم غائب في شهود الحق الذي ظهر سلطانه فيهم فما لهم أذن واعية لحفظ السماع من خارج و تعقل ما جاء به‏ و لقد ذقت هذا المقام و مر على وقت أؤدي فيه الصلوات الخمس إماما بالجماعة على ما قيل لي بإتمام الركوع و السجود و جميع أحوال الصلاة من أفعال و أقوال و أنا في هذا كله لا علم لي بذلك لا بالجماعة و لا بالمحل و لا بالحال و لا بشي‏ء من عالم الحس لشهود غلب على غبت فيه عني و عن غيري و أخبرت أني كنت إذا دخل وقت الصلاة أقيم الصلاة و أصلي بالناس فكان حالي كالحركات الواقعة من النائم و لا علم له بذلك فعلمت إن الله حفظ على وقتي و لم يجر على لساني ذنب كما فعل بالشبلي في ولهه لكنه كان الشبلي يرد في أوقات الصلوات على ما روى عنه فلا أدري هل كان يعقل رده أو كان مثل ما كنت فيه فإن الراوي ما فصل فلما قيل للجنيد عنه قال الحمد لله الذي لم يجر عليه لسان ذنب إلا أني كنت في أوقات في حال غيبتي أشاهد ذاتي في النور الأعم و التجلي الأعظم بالعرش العظيم يصلي بها و أنا عرى عن الحركة بمعزل عن نفسي و أشاهدها بين يديه راكعة و ساجدة و أنا أعلم أني أنا ذلك الراكع و الساجد كرؤية النائم و اليد في ناصيتي و كنت أتعجب من ذلك و اعلم أن ذلك ليس غيري و لا هو أنا و من هناك عرفت المكلف و التكليف و المكلف اسم فاعل و اسم مفعول فقد أبنت لك حالة المأخوذين عنهم من المجانين الإلهيين إبانة ذائق بشهود حاصل وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏