قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الثالث و الأربعون في معرفة جماعة من أقطاب الورعين و عامة ذلك ال

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
أنا ختم الولاية دون شك‏ لورث الهاشمي مع المسيح‏
كما أنى أبو بكر عتيقأجاهد كل ذي جسم و روح‏
بأرماح مثقفة طوالو ترجمة بقرآن فصيح‏
أشد على كتيبة كل عقلتنازعني على الوحي الصريح‏
لي الورع الذي يسمو اعتلاءعلى الأحوال بالنبإ الصحيح‏
و ساعدني عليه رجال صدقمن الورعين من أهل الفتوح‏
يوالون الوجوب و كل ندبو يستثنون سلطنة المبيح‏

الكلام على الورع و أهله و تركه يرد في داخل الكتاب في ذكر المقامات و الأحوال منه إن شاء الله تعالى و الذي يتعلق بهذا الباب الكلام على معرفة طائفة من أقطابه و عموم مقامه فاعلم إن أبا عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي كان من عامة هذا المقام و أبا يزيد البسطامي و شيخنا أبا مدين في زماننا كانا من خاصته فأعلى أقطاب الورعين اجتناب الاشتراك في‏ إطلاق اللفظ إذ كان الورع اجتناب المحرمات و كل ما فيه شبهة من جانب المحرم فيجتنب لذلك الشبه و هو المعبر عنه بالشبهات أي الشي‏ء الذي له شبه بما جاء النص الصريح بتحريمه من كتاب أو سنة أو إجماع بالحال الذي يوجب له هذا الاسم مثل أكل لحم الخنزير لمن ليس له حال الاضطرار فهو عليه حرام فلهذا قلنا بالحال الذي يوجب له هذا الاسم كما أن المضطر ليس بمخاطب بالتحريم فأكل لحم الخنزير في حق من حاله الاضطرار هو له حلال بلا خلاف‏ و لما كان التحريم معناه المنع من الالتباس به و رأوا أن لذلك أحوالا و أنه ما ثم في الوضع شي‏ء محرم لعينه لهذا قيده الشارع بالأحوال و قد انسحب عليه التحريم للحال فما هو محرم لعينه أولى بالاجتناب فلا بد من اجتنابه باطنا علما و قد يحل هذا المحرم لعينه في ظاهر الحال ما يلزمه و هذا هو التحريم الذي لا يحل أبدا من حيث معناه و لا يصح أن تجي‏ء آية شرعية تحله و هو الاتصاف بأوصاف الحق تعالى التي بها يكون إلها فواجب شرعا و عقلا اجتناب هذه الأسماء الإلهية معنى و إن أطلقت لفظا فينبغي أن لا تطلق لفظا على أحد إلا تلاوة فيكون الذي يطلقها تاليا حاكيا كما قال تعالى لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ من أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ فسماه عزيزا رءوفا رحيما فنسميه بتسمية الله إياه و نعتقد أنه صلى الله عليه و سلم في نفسه مع ربه عبد ذليل خاشع أواه منيب فإطلاق الألفاظ التي تطلق على الحق من الوجه الصحيح الذي يليق بالجناب الإلهي لا ينبغي أن تطلق على أحد من خلق الله إلا حيث أطلقها الحق لا غير و إن أباح ذلك فالورع ما هو مع المباح و لا سيما في هذه المسألة خاصة فلا يطلقها مع كون ذلك قد أبيح له فإذا أطلقها على من أطلقها عليه الحق أو الرسول صلى الله عليه و سلم فيكون هذا المطلق تاليا أو مترجما ناقلا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في ذلك الإطلاق‏ ثم من الورع عند هؤلاء الرجال أن ينزلوا إلى ما اختصت به الأنبياء و الرسل من الإطلاق فيتورعوا أن يطلقوا عليهم أو على أحد ممن ليس بنبي و لا رسول اللفظ الذي اختصوا به فيطلقون على الرسل الذين ليسوا برسل الله لفظ الورثة و المترجمين فيقولون وصل من السلطان الفلاني إلى السلطان الفلاني ترجمان يقول كذا و كذا فلم يطلقوا على المرسل و لا على المرسل إليه اسم الملك ورعا و أدبا مع الله و أطلقوا عليه اسم السلطان فإن الملك من أسماء الله فاجتنبوا هذا اللفظ أدبا و حرمة و ورعا و قالوا السلطان إذ كان هذا اللفظ لم يرد في أسماء الله و أطلقوا على الرسول الذي جاء من عنده اسم الترجمان و لم يطلقوا عليه اسم الرسول لأنه قد أطلق على رسول الله صلى الله عليه و سلم فجعلوه من خصائص النبوة و الرسالة الإلهية أدبا مع رسل الله عليهم السلام و إن كان هذا اللفظ قد أبيح لهم و لم ينهوا عنه و لكن لم يوجب عليهم فكان لزوم الأدب أولى مع من عرفنا الله أنه أعظم منا منزلة عنده و هذا لا يعرفه إلا الأدباء الورعون‏ ثم إن لهؤلاء مرتبة أخرى في الورع و هي أنهم رضي الله عنهم يجتنبون كل أمر تقع فيه المزاحمة بين الأكوان و يطلبون طريقا لا يشاركهم فيها من ليس من جنسهم و لا من مقامهم فلا يزاحمون أحدا في شي‏ء مما يتحققون به في نفوسهم و يتصفون به و يحبون من الله أن يدعوا به في الدنيا و الآخرة و هو ما يكونون عليه من الأخلاق الإلهية فيكونون مع تحققهم بمعانيها و ظهور أحكامها على ظواهرهم من الرحمة بعباد الله و التلطف بهم و الإحسان إليهم و التوكل على الله و القيام بحدود الله و يظهرون في العالم أن جميع ما يرى عليهم إن ذلك فعل الله لا فعلهم و بيد الله لا بيدهم و أن المثنى عليه بذلك الفعل إنما ينبغي أن يتعلق ذلك الثناء بفاعله و فاعله هو الله جل جلاله لا نحن فيتبرءون من أفعالهم الحسنة غاية التبري و من الأوصاف المستحسنة كذلك و كل وصف مذموم شرعا و عرفا يضيفونه إلى أنفسهم أدبا مع الله تعالى و ورعا شافيا كما قال الخضر في العيب فَأَرَدْتُ و في الخير فَأَرادَ رَبُّكَ و كما قال الخليل عليه السلام وَ إِذا مَرِضْتُ و لم يقل أمرضني و كما قال تعالى في معرض التعليم لنا وَ ما أَصابَكَ من سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ هذا و إن كان الحق في هذا الخبر يحكى قولهم و لكن فيه تنبيه في التعليم و كما قال عليه السلام في دعائه و هو مما يؤيد ما ذهبنا إليه في التنبيه في هذه الآية فقال و الخير كله بيديك‏ فأكد بكل و هي كلمة تقتضي الإحاطة في اللسان و قال و الشر ليس إليك‏ و إن كان لم يؤكده و اكتفى بالألف و اللام و نفى أضافه الشر أدبا مع الله و حقيقة و هذه المسألة من أغمض المسائل الإلهية عند أهل الله خاصة و أما أهل النظر فقد اعتمدت كل طائفة منهم على ما اقتضاه دليلها في زعمها و هؤلاء الرجال الغالب عليهم‏ فهم مقاصد الشرع فجروا معه على مقصده و ذلك من بركة الورع و الاحترام الذي احترموا به الجناب الإلهي حقيقة لا مجازا فتح الله لهم بأدبهم عين الفهم في كتبه و فيما جاءت به رسله مما لا تستقل العقول بإدراكه و ما تستقل لكن أخذوه عن الله لا عن نظرهم ففهموا من ذلك كله بهذه العناية ما لم يفهم من لم يتصف بهذه لصفة و لم يكن له هذا المقام‏ و لما كان هذا حال الورعين سلكوا في أمورهم و حركاتهم مسالك العامة فلم يظهر عليهم ما يتميزون به عنهم و استتروا بالأسباب الموضوعة في العالم التي لا يقع الثناء بها على من تلبس بها فلم ينطق على هؤلاء الرجال في العموم اسم صلاح يخرجهم عن صلاح العامة و لا توكل و لا زهد و لا ورع و لا شي‏ء مما يقع عليه اسم ثناء خاص يخرجون به عن العامة و يشار إليهم فيه مع أنهم أهل ورع و توكل و زهد و خلق حسن و قناعة و سخاء و إيثار فأمثال هذا كله اجتنب رجال الله من هؤلاء الطبقة فسموا ورعين في اصطلاح أهل الله لأن الورع الاجتناب‏ و تدبر ما أحسن قول من أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه و سلم كيف قال في هذا المقام يعلم رجاله كيف يكونون فيه‏ دع ما يريبك إلى ما لا يريبك‏ و قال استفت قلبك و إن أفتاك المفتون‏ فأحالهم على قلوبهم لما علم ما فيها من سر الله الحاوية عليه في تحصيل هذا المقام ففي القلوب عصمة إلهية لا يشعر بها إلا أهل المراقبة و فيه ستر لهم فإن هؤلاء الرجال لو سألوا و عرف منهم البحث و التفتيش في مثل هذا عند الناس و عند العلماء الذين سألوا في ذلك بالضرورة كان يشار إليهم و يعتقد فيهم الذين الخالص كبشر الحافي و غيره و هو من أقطاب هذا المقام عرف به و سلم له حكي أن أخت بشر الحافي سألت أحد أئمة الدين في الغزل الذي تغزله في ضوء مشاغل الظاهرية إذا مروا بها ليلا و هي على سطحها فعرفت بهذا السؤال أنها من أهل الورع و لو عملت على حديث استفت قلبك لعلمت أنها ما سألت حتى رابها فكانت تدع ذلك الغزل أو لا تغزل بعد ذلك و تترك الغزل فأفتاها الإمام المسئول و هو أحمد بن حنبل و أثنى عليها بذلك حتى نقل إلينا و سطر في الكتب‏ فأعطانا صلى الله عليه و سلم الميزان في قلوبنا ليكون مقامنا مستورا عن الأغيار خالصا لله مخلصا لا يعلمه إلا الله ثم صاحبه و هو قوله أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ فكل دين وقع فيه ضرب من الاشتراك المحمود أو المذموم فما هو بالدين الخالص الذي لله إن كان الذي وقع به الاشتراك محمودا كمثلة أخت بشر الحافي و إن وقع الاشتراك بالمذموم فليس بدين أصلا فإنه ليس ثم دين إلهي يتعلق به لسان ذم فلما رأى رجال هذا المقام مراعاة النبي صلى الله عليه و سلم ما يحصل في قلب العبد مما قاله و ما أحال به لإنسان على نفسه باجتنابه طلبا للتستر تعملوا في تحصيل ذلك و سلكوا عليه و علموا إن النجاة المطلوبة من الشارع لنا إنما هي في ستر المقام فأعطاهم العمل على هذا و التحقق به الحقيقة الإلهية التي استندوا إليها في ذلك و هو اجتنابه التجلي منه سبحانه لعموم عباده في الدنيا فاقتدوا بربهم في احتجاجه عن خلقه فعلم هؤلاء الرجال أن هذه الدار دار ستر و أن الله ما اكتفى في التعريف بالدين حتى نعته بالخالص فطلبوا طريقا لا يشوبهم فيها شي‏ء من الاشتراك حتى يعاملوا الموطن بما يستحقه أدبا و حكمة و شرعا و اقتداء فاستتروا عن الخلق بحنن الورع الذي لا يشعر به و هو ظاهر الدين و العلم المعهود فإنهم لو سلكوا غير المعهود في الظاهر في العموم من الدين لتميزوا و جاء الأمر على خلاف ما قصدوه فكانت أسماؤهم أسماء العامة فهؤلاء الرجال يحمدهم الله و تحمدهم الأسماء الإلهية القدسية و يحمدهم الملائكة و يحمدهم الأنبياء و الرسل و يحمدهم الحيوان و النبات و الجماد و كل شي‏ء يسبح بحمد الله و أما الثقلان فيجهلونهم إلا أهل التعريف الإلهي فإنهم يحمدونهم و لا يظهرونهم و أما غير أهل التعريف الإلهي من الثقلين فهم فيهم مثل ما هم في حق العامة يذكرونهم بحسب أغراضهم فيهم لا غير فلهم المقام المجهول في العامة أما ثناء الله عليهم فلتعملهم استخلاصهم لله فخلصوا له دينه فأثنى عليهم حيث لم يملكهم كون و لا حكم على عبوديتهم رب غير الله و أما ثناء الأسماء الإلهية عليهم فكونهم تلقوها و علموا تأثيرها و ما أثروا بها في كون من الأكوان فيذكرون بذلك الأمر الذي هو لذلك الاسم الإلهي فيكون حجابا على ذلك الاسم فلما لم يفعلوا ذلك و أضافوا الأثر الصادر على أيديهم للاسم الإلهي الذي هو صاحب الأثر على الحقيقة حمدتهم الأسماء الإلهية بأجمعها و أما ثناء الملائكة فلأنهم ما زاحموهم فيما نسبوه إلى أنفسهم بالنسبة لا بالفعل في قولهم نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ فقال هؤلاء الرجال لا حول و لا قوة إلا بك فلم يدعوا في شي‏ء مما هم علمه من‏ تعظيم الله و نسبوا ذلك إلى الله فأثنت عليهم الملائكة فإنها مع هذه الحال لم تجرح الملائكة و تأدبت معها حيث لم تتعرض للطعن عليها بما صدر منها في حق أبيها آدم عليه السلام و اعتذرت عن الملائكة لإيثارهم جناب الحق و إصابتهم العلم فإنه وقع ما قالوه في بنى آدم لا شك من الفساد و سفك الدماء و لهذا سر معلوم و أما ثناء الأنبياء و الرسل عليهم السلام فلكونهم سلموا لهم ما ادعوه أنه لهم من النبوة و الرسالة و آمنوا بهم و ما توقفوا مع كونهم على أحوالهم من أجزاء النبوة قد اتصفوا بها و لكن مع هذا لم يتسموا بأنبياء و لا برسل و أخلصوا في اتباع آثارهم قدما بقدم كما روى عن الإمام أحمد بن حنبل المتبع المقتدى سيد وقته في تركه أكل لبطيخ لأنه ما ثبت عنده كيف كان يأكله رسول الله صلى الله عليه و سلم فدل ذلك على قوة تباعه كيفيات أحوال الرسول صلى الله عليه و سلم في حركاته و سكناته و جميع أفعاله و أحواله و إنما عرف هذا منه لأنه كان في مقام الوراثة في التبليغ و الإرشاد بالقول و العمل و الحال لأن ذلك أمكن في نفس السامع فهو و أمثاله حفاظ الشريعة على هذه الأمة و أما ثناء الحيوان و النبات و الجماد عليهم فإن هؤلاء الأصناف عرفوا الحركات التي تسمى عبثا من التي لا تسمى عبثا فكل من تحرك فيهم بحركة تكون عبثا عند المتحرك بها لا عند المحرك يعلم الناظر منهم المشاهد لتلك الحركة البعثية أنه صاحب غفلة عن الله و رأت هذه الطائفة أنها لا تتحرك في حيوان و لا نبات و لا جماد بحركة تكون عبثا و يلحق بهذا الباب صيد الملوك و من لا حاجة له بذلك إلا للفرجة و اللهو و اللعب فأثنى من ذكرناه من هؤلاء الأصناف على هذه الطائفة فالله يقول وَ إِنْ من شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً بإمهالكم حيث لم يؤاخذكم سريعا بما رددتم من ذلك غَفُوراً حيث ستر عنكم تسبيح هؤلاء فلم تفقهوه و قال تعالى في حال من مات ممقوتا عند الله فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ فوصف السماء و الأرض بالبكاء على أهل الله و لا يشك مؤمن في كل شي‏ء أنه مسبح و كل مسبح حي عقلا و ورد أن العصفور يأتي يوم القيامة فيقول يا رب سل هذا لم قتلني عبثاو كذلك من يقطع شجرة لغير منفعة أو ينقل حجرا لغير فائدة تعود على أحد من خلق الله فلما أعطى الله هذه المعارف لهؤلاء الأصناف لذلك وصفتها بالثناء على هؤلاء الرجال و عرفت ذلك منهم كشفا حسيا مثل ما كان للصحابة سماع تسبيح الحصى و تسبيح الطعام لأنهم ليس بينهم و بين الحركة العبثية دخول بل يجتنبون ذلك جملة واحدة و لما جهل أكثر الثقلين هذه العلوم لذلك لا يعرفون مراتب هؤلاء الرجال فلا يمدحونهم و لا يتعرضون إليهم و لهذا أخبر تعالى أن كل شي‏ء في العالم يسجد لله تعالى من غير تبعيض إلا الناس فقال أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ من في السَّماواتِ وَ من في الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ و لم يبعض وَ كَثِيرٌ من النَّاسِ فبعض فإن فهمت ما ذكرناه لك من صفة أصحاب هذا المقام و سلكت طريقهم كنت من المفلحين الفائزين وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى الجزء الثالث و العشرون‏