قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الثاني و الأربعون في معرفة الفتوة و الفتيان و منازلهم و طبقاتهم

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
و فتيان صدق لا ملالة عندهملهم قدم في كل فضل و مكرمة
مقسمة أحوالهم في جليسهمفهم بين توقير لقوم و مرحمه‏
و إن جاء كفؤ آثروه ببرهمو لا تلحق الفتيان في ذاك مندمة
لهم من خفايا العلم كل شعيرةو ما هو موسوم لديهم بسمسمه‏
كنجل قسي و الذي كان قبلهو من كان منهم ممن الله أعلمه
بذلك حاز و السبق في كل حلبةفليس يجيبون السفيه بلفظ مه‏
بميمنة خصوا تعالى مقامهاو ليس لها ضد يسمى بمشأمة
فكلتا يدي ربي يمين كريمةو إن كريم القوم من كان أكرمه‏
إذا خلع الولي على أهله ترىملابسهم بين الملابس معلمه‏

اعلم أن للفتوة مقام القوة و ما خلق الله من الطبيعة أقوى من الهواء و خلق الإنسان أقوى من الهواء إذا كان مؤمنا كذا ورد في الخبر النبوي عن الله تعالى مع الملائكة لما خلق الأرض و جعلت تميد الحديث بكماله و في آخره يا رب فهل خلقت شيئا أشد من الريح قال نعم المؤمن يتصدق بيمينه ما تعرف بذلك شماله‏ و قال تعالى إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ فنعت الرزاق بالقوة لوجود الكفران بالمنعم من المرزوقين فهو يرزقهم مع كفرهم به و لا يمنع عنهم الرزق و الإنعام و الإحسان بكفرهم مع أن الكفر بالنعم سبب مانع يمنع النعمة فلا يرزق الكافر مع وجود الكفر منه لما رزقه إلا من له القوة فلهذا نعته بذي القوة المتين فإن المتانة في القوة تضاعفها فما اكتفى سبحانه بالقوة حتى وصف نفسه بأنه المتين فيها إذ كانت لقوة لها طبقات في التمكن من القوي فوصف نفسه بالمتانة و هذه صفة أهل الفتوة فإن الفتوة ليس فيها شي‏ء من الضعف إذ هي حالة بين الطفولة و الكهولة و هو عمر الإنسان من زمان بلوغه إلى تمام الأربعين من ولادته يقول الله تعالى في هذا المقام الله الَّذِي خَلَقَكُمْ من ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ من بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً و ذلك حال الفتوة و فيها يسمى فتى و ما قرن معها شيئا من الضعف ثم قال سبحانه و تعالى ثُمَّ جَعَلَ من بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَةً يعني ضعف الكهولة إلى آخر العمر و شيبة يعني وقارا أي سكونا لضعفه عن الحركة فإن الوقار من الوقر و هو الثقل فقرن مع هذا الضعف الثاني الشيبة التي هي الوقار فإن الطفل و إن كان ضعيفا فإنه متحرك جدا و اختلف في حركته هل هي من الطبيعة أو من الروح‏ روى أن إبراهيم عليه السلام لما رأى الشيب قال يا رب ما هذا قال الوقار قال اللهم زدني وقارا فهذا حال الفتوة و مقامها و أصحابها يسمون الفتيان و هم الذين حازوا مكارم الأخلاق أجمعها و لا يتمكن لأحد أن يكون حاله مكارم الأخلاق ما لم يعلم المحال التي يصرفها فيها و يظهر بها فالفتيان أهل علم وافر و قد أفردنا لها بابا في داخل هذا الكتاب حين تكلمنا على المقامات و الأحوال فمن ادعى الفتوة و ليس عنده علم بما ذكرناه فدعواه كاذبة و هو سريع الفضيحة فلا ينبغي يسمى فتى إلا من علم مقادير الأكوان و مقدار الحضرة الإلهية فيعامل كل موجود على قدره من المعاملة و يقدم من ينبغي أن يقدم و يؤخر ما ينبغي أن يؤخر و تفاصيل هذا المقام و حكم الطائفة فيه استوفيناه في رسالة الأخلاق التي كتبنا بها للفخر محمد بن عمر بن خطيب الري رحمه الله فلنذكر منها في هذا الباب الأصل الذي ينبغي أن يعول عليه و ذلك أنه ليس في وسع الإنسان أن يسع العالم بمكارم أخلاقه إذ كان العالم كله واقفا مع غرضه أو إرادته لا مع ما ينبغي فلما اختلفت الأغراض و الإرادات و طلب كل صاحب غرض أو إرادة من الفتى أن يعامله بحسب غرضه و إرادته و الأغراض متضادة فيكون غرض زيد في عمر و أن يعادي خالدا و يكون غرض خالد في زيد أن يعادي عمرا أو غرضه أن يواليه و يحبه و يوده فإن تفتي مع عمر و عادى خالد أو ذمه خالد و أثنى عليه زيد بالفتوة و كريم الخلق و إن لم يعاد خالدا و والاه و أحبه أثنى عليه خالد و ذمه زيد فلما رأينا أن الأمر على هذا الحد و أنه لا يعم و لم يتمكن عقلا و لا عادة أن يقوم الإنسان في هذه الدنيا أو حيث كان في مقام يرضى المتضادين انبغي للفتى أن يترك هوى نفسه و يرجع إلى خالقه الذي هو مولاه و سيده و يقول أنا عبد و ينبغي للعبد أن يكون بحكم سيده لا بحكم نفسه و لا بحكم غير سيده يتبع مراضيه و يقف عند حدوده و مراسمه و لا يكن ممن جعل مع سيده شريكا في عموديته فيكون مع سيده بحسب ما يحد له و يتصرف فيما يرسم له و لا يبالي وافق أغراض العالم أو خالفهم فإن وافق ما وافق منها فذلك راجع إلى سيده فخرج له توقيع من ديوان سيده على يدي رسول قام الدليل له و العلم بأنه خرج إليه من عند سيده و أن ذلك التوقيع توقيع سيده فقام له إجلالا و أخذ توقيع سيده و مع التوقيع مشافهة فشافه العبيد بما أمره السيد أن يشافههم به و ذلك هو الشرع المقرر و التوقيع هو الكتاب المنزل المسمى قرآنا و الرسول هو جبريل عليه السلام و حاجب الباب الذي يصل إليه الرسول الملكي من عند الله بالتوقيع و المشافهة هو النبي المبشر محمد صلى الله عليه و سلم أو أي نبي كان من الأنبياء في زمان بعثتهم فلزم العبيد مراسم سيدهم التي ضمنها توقيعه و التي جاءت بها المشافهة فلم يكن لهم في نفوسهم ملك و لا تدبير فمن وقف عند حدود سيده و امتثل مراسيمه و لم يخالفه في شي‏ء مما جاءه به على حد ما رسم له من غير زيادة بقياس أو رأى و لا نقصان بتأويل فعامل جنسه من الناس بما أمر أن يعاملهم به من مؤمن و كافر و عاص و منافق و ما ثم إلا هؤلاء الأصناف الأربعة و كل صنف من هؤلاء على طبقات فالمؤمن منه طائع و عاص و ولي و نبي و رسول و ملك و حيوان و نبات و معدن و الكافر منه مشرك و غير مشرك و المنافق منه ينقص في الظاهر عن درك الكافر فإن المنافق له الدرك الأسفل من النار و الكافر له الأعلى و الأسفل و أما العاصي فينقص في الظاهر عن درجة المؤمن المطيع بقدر معصيته فهذا الواقف عند مراسم سيده هو الفتى فكل إنسان لا بد أن يكون جليسا لأكبر منه أو أصغر منه أو مكافئا له إما في السن و إما في الرتبة أو فيهما فالفتى من وقر الكبير في العلم أو في السن و الفتى من رحم الصغير في العلم أو في السن و الفتى من آثر المكافئ في السن أو في العلم و لست أعني بقولي في العلم إلا المرتبة خاصة فأتينا بالعلم لشرفه فإن الملك قد يكون صغيرا في السن صغيرا في العلم و يكون شخص من رعيته كبيرا في السن كبيرا في العلم فإن عرف الملك قدر ما رسم له الحق في شرعه من توقير الكبير و شرف العلم عامله الملك بذلك و إن لم يفعل فيكون الملك سيئ الملكة فينبغي للفتى أن يعرف شرف المرتبة التي هي السلطنة و أنه نائب الله في عباده و خليفته في بلاده فيعامل من أقامه الله فيها و إن لم يجر الحق على يده بما ينبغي للمرتبة من السمع و الطاعة في المنشط و المكره على حد ما رسم له سيده و ما هو عليه مما أقام الله ذلك السلطان فيه من الأخلاق المحمودة أو المذمومة في الجور و العدل فينبغي للفتى أن يوفي السلطان حقه الذي أوجبه الله له عليه و لا يطلب منه حقه الذي جعله الله له قبل السلطان مما له أن يسامحه فيه إن منعه منه فتوة عليه و رحمة به و تعظيما لمنزلته إذ كان له أن يطلبه به يوم القيامة فالفتى من لا خصم له لأنه فيما عليه يؤديه و فيما له يتركه فليس له خصم فالفتى من لا تصدر منه حركة عبثا جملة واحدة و معنى هذا أن الله سمعه يقول وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا و هذه الحركة الصادرة من الفتى مما بينهما و كذلك حركة كل متحرك خلقه الله بين السماء و الأرض فما هي عبث فإن الخالق حكيم فالفتى من يتحرك أو يسكن لحكمة في نفسه و من كان هذا حاله في حركاته فلا تكون حركته عبثا لا في يده و لا في رجله و لا شمه و لا أكله و لا لمسه و لا سمعه و لا بصره و لا باطنه فيعلم كل نفس فيه و ما ينبغي له و ما حكم سيده فيه و مثل هذا لا يكون عبثا و إذا كانت الحركة من غيره فلا ينظرها عبثا فإن الله خلقها أي قدرها و إذا قدرها فما تكون عبثا و لا باطلا فيكون حاضرا مع هذا عند وقوعها في العالم فإن فتح له بالعلم في الحكمة فيها فبخ على بخ و هو صاحب عناية و إن لم يفتح له في العلم بالحكمة فيها فيكفيه حضوره في نفسه إنها حركة مقدرة منسوبة إلى الله و أن الله فيها سرا يعلمه الله فيؤديه هذا القدر من العلم إلى الأدب الإلهي‏ و هذا لا يكون إلا للفتيان أصحاب القوة الحاكمين على طبائع النفوس و العادات و لا يكون في هذا المقام من هذه الطائفة إلا الملامية فإن الله قد ولاهم على نفوسهم و أيدهم بروح منه عليها فلهم التصريف التام و الكلمة الماضية و الحكم الغالب‏ فهم السلاطين في صور العبيد يعرفهم الملأ الأعلى فليس أحد مما سوى الإنس و الجان إلا و يقول بفضله إلا بعض الثقلين فإن الحسد يمنعهم من ذلك‏ فطبقات الفتيان هو ما ذكرناه من يعلم منهم علم الله في الحركات و من لا يعلم علم الله في ذلك على التعيين و إن علم إن ثم أمرا لم يطلعه الله عليه و أما منزلتهم فهو الذي قلنا في أول الباب في قوله ثُمَّ جَعَلَ من بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً و ينظر إلى هذا الإيجاد من الحقائق الإلهية الآية لأخرى و هي قوله إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ فهم يعاملون الخلق بالإحسان إليهم مع إساءتهم لهم كإعطاء الله الرزق للمرزوقين الكافرين بالله و نعمه فلهم القوة العظمى على نفوسهم حيث لم يغلبهم هواهم و لا ما جبلت النفس عليه من حب الثناء و الشكر و الاعتراف‏ قال تعالى حاكيا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ فأطلق الله على ألسنتهم فتوة إبراهيم بلسانهم لما كانت الفتوة بهذه المثابة لأنه قام في الله حق القيام و لما أحالهم على الكبير من الأصنام على نية طلب السلامة منهم فإنه قال لهم فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ يريد توبيخهم و لهذا رجعوا إلى أنفسهم و هو قوله تعالى وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى‏ قَوْمِهِ في كل حال و إنما سمي ذلك كذبا لإضافة الفعل في عالم الألفاظ إلى كبيرهم و الكبير الله على الحقيقة و الله هو الفاعل المكسر للأصنام بيد إبراهيم فإنه يده التي يبطش بها كذا أخبر عن نفسه فكسر هذه الأصنام التي زعموا أنها آلهة لهم أ لا ترى المشركين يقولون فيهم ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى‏ فاعترفوا إن ثم إلها كبيرا أكبر من هؤلاء كما هو أحسن الخالقين و أرحم الراحمين فهذا الذي قاله إبراهيم عليه السلام صحيح في عقد إبراهيم عليه السلام و إنما أخطأ المشركون حيث لم يفهموا عن إبراهيم ما أراد بقوله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ فكان قصد إبراهيم بكبيرهم الله تعالى و إقامة الحجة عليهم و هو موجود في الاعتقادين و كونهم آلهة ذلك على زعمهم و الوقف عليه حسن عندنا تام و ابتدأ إبراهيم بقوله هذا قولي فالخبر محذوف يدل عليه مساق القصة فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ فهم يخبرونكم و لو نطقت الأصنام في ذلك الوقت لنسبت الفعل إلى الله لا إلى إبراهيم فإنه مقرر عند أهل الكشف من أهل طريقنا إن الجماد و النبات و الحيوان قد فطرهم الله على معرفته و تسبيحه بحمده فلا يرون فاعلا إلا الله و من كان هذا في فطرته كيف ينسب الفعل لغير الله فكان إبراهيم على بينة من ربه في الأصنام أنهم لو نطقوا لأضافوا الفعل إلى الله لأنه ما قال لهم سلوهم إلا في معرض الدلالة سواء نطقوا أو سكتوا فإن لم ينطقوا يقول لهم لم تعبدون ما لا يسمع و لا يبصر و لا يغني عنكم من الله شيئا و لا عن نفسه و لو نطقوا لقالوا إن الله قطعنا قطعا لا يتمكن في الدلالة أن تقول الأصنام غير هذا فإنها لو قالت الصنم الكبير فعل ذلك بنا لكذبت و يكون تقريرا من الله بكفرهم وردا على إبراهيم عليه السلام فإن الكبير ما قطعهم جذاذا و لو قالوا في إبراهيم إنه قطعنا لصدقوا في الإضافة إلى إبراهيم و لم تلزم الدلالة بنطقهم على وحدانية الله ببقاء الكبير فيبطل كون إبراهيم قصد الدلالة فلم تقع و لم يصدق وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى‏ قَوْمِهِ فكانت له الدلالة في نطقهم لو نطقوا كما قررنا و في عدم نطقهم لو لم ينطقوا و مثل هذا ينبغي أن يكون قصد الأنبياء عليهم السلام فهم العلماء صلوات الله عليهم و لهذا رجعوا إلى أنفسهم فقالوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ثُمَّ نُكِسُوا عَلى‏ رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ فقال الله لمثل هؤلاء أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ فكان من فتوته إن باع نفسه في حق أحدية خالقه لا في حق خالقه لأن الشريك ما ينفي وجود الخالق و إنما يتوجه على نفي الأحدية فلا يقوم في هذا المقام إلا من له القطبية في الفتوة بحيث يدور عليه مقامها و من الفتوة قوله تعالى و إذ قال موسى لفتاه فأطلق عليه باللسان العبراني معنى يعبر عنه في اللسان العربي بالفتى و كان في خدمة موسى عليه السلام و كان موسى في ذلك الوقت حاجب الباب فإنه الشارع في تلك الأمة و رسولها و لكل أمة باب خاص إلهي شارعهم هو حاجب ذلك الباب الذي يدخلون منه على الله تعالى و محمد صلى الله عليه و سلم هو حاجب الحجاب لعموم رسالته دون سائر الأنبياء عليهم السلام فهم حجبته صلى الله عليه و سلم من آدم عليه السلام إلى آخر نبي و رسول‏ و إنما قلنا إنهم حجبته‏ لقوله صلى الله عليه و سلم آدم فمن دونه تحت لوائي‏ فهم نوابه في عالم الخلق و هو روح مجرد عارف بذلك قبل نشأة جسمه‏ قيل له متى كنت نبيا فقال كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين‏ أي لم يوجد آدم بعد إلى أن وصل زمان ظهور جسده المطهر صلى الله عليه و سلم فلم يبق حكم لنائب من نوابه من سائر الحجاب الإلهيين و هم الرسل‏ و الأنبياء عليهم السلام إلا عنت وجوههم لقيومية مقامه إذ كان حاجب الحجاب فقرر من شرعهم ما شاءه بإذن سيده و مرسله و رفع من شرعهم و أمر يرفعه و نسخه فربما قال من لا علم له بهذا الأمر إن موسى عليه السلام كان مستقلا مثل محمد بشرعه‏ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لو كان موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعني‏ و صدق صلى الله عليه و سلم‏ فالفتى أبدا في منزل التسخير كما قال عليه السلام خادم القوم سيدهم‏ فمن كانت خدمته سيادته كان عبدا محضا خالصا و تفضل الفتيان بعضهم على بعض بحسب المفتى عليه من المنزلة عند الله بوجه و من الضعف بوجه فأعلاهم من تفتي على الأضعف من ذلك الوجه و أعلاهم أيضا من تفتي على الأعلى عند الله من ذلك الوجه الآخر فالمتفتي على الأضعف كصاحب السفرة و هو الشخص الذي أمره شيخه أن يقرب السفرة إلى الأضياف فأبطأ عليهم من أجل النمل الذي كان فيها فلم ير من الفتوة أن ينفض النمل من السفرة فإن من الفتوة أن يصرفها في الحيوان فوقف إلى أن خرجت النمل من السفرة من ذاتها من غير أن يكون لهذا الشخص في إخراج النمل تعمل قهري فإن الفتيان لهم الفتوة و ليس لهم القهر إلا على نفوسهم خاصة و من لا قوة له لا فتوة له كما أنه من لا قدرة له لا حلم له فقال له الشيخ لقد دققت فهذه مراعاة الأضعف لكنه ما تفتي مع الأضياف حيث أبطأ عن المبادرة إلى كرامتهم فلهذا ربطنا في أول الباب أنه لا يتمكن لأحد إرسال المكارم في العموم لاختلاف لأغراض فينظر الفتى في حق الشخصين المختلفي الأغراض اللذين إذا أرضى الواحد منهما أسخط الآخر و صورة نظره في حق الشخصين أيهما أقرب إلى حكم الوقت و الحال في الشرع فالذي هو أقرب إلى حكم الوقت و الحال في الشرع صرف الفتوة معه فإن اتسع الوقت إلى أن يتفتى مع الآخر بوجه يرضى الله فعل أيضا و إن لم يتسع فقد و في المقام حقه و كان من الفتيان بلا شك و إن كان في رتبة الفعل بالهمة و الفعل بالحس فعل الفتوة مع الواحد حسا و مع الآخر بالهمة دخل رجل على شيخنا أبي العباس العريبي و أنا عنده فتفاوضا في إيصال معروف فقال الرجل يا سيدنا الأقربون أولى بالمعروف فقال الشيخ من غير توقف إلى الله و أخبرني أبو عبد الله محمد بن القاسم ابن عبد الكريم التميمي الفاسى قال مخبرا عن أبي عبد الله الدقاق كان بمدينة فاس و تذاكروا الفعل بالهمة فقال أبو عبد الله الدقاق فزت بواحدة مالي فيها شريك ما اغتبت أحدا قط و لا اغتبت أحد بحضرتي قط فهذا من الفعل بالهمة حيث تفتي على من عادته أن يغتاب فيكتسب الأوزار أن لا يقدر على الغيبة في مجلسه بحضوره من غير أن يكون من الشيخ نهي له عن ذلك و تفتي أيضا على الذي يذكر بما يكره بحضوره بأنه لا يذكر في فيه بما يكره و كان سيد وقته في هذا الباب خرج مناقبه شيخنا أبو عبد الله بن عبد الكريم المذكور آنفا في كتاب المستفاد في ذكر الصالحين و العباد بمدينة فاس و ما يليها من البلاد فقد علمت على الحقيقة أن الفتى من بذلك وسعه و استطاعته في معاملة الخلق على الوجه الذي يرضي الحق وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏