قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الحادي و الأربعون في معرفة أهل الليل و اختلاف طبقاتهم و تباينهم

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
ألا إن أهل الليل أهل تنزلو أهل معاريج و أهل تنقل‏
فمن صاعد نحو المقام بهمةو من نازل يبغي اللحوق بأسفل
بحكم التداني و التدلي هما و عنوجود الترقي و التلقي بمعزل‏
فإن قلت فيهم إنهم خير عصبةصدقت فقد حلوا بأكرم منزل‏
و إن قلت فيهم إنهم شر فتيةصدقت فليسوا بالنبي و لا الولي‏
فهم لا همو ليسوا بهم و بغيرهمو لكنهم في معقل متزلزل‏
عزيز الحمى بين المشاهد و النهيو بين جنوب في الهبوب و شمال‏
فما منهمو إلا إمام مسودإذا أصبحوا نالوا المنى بالتأمل
لهم نظرة لا يعرف الغير حكمهالهم سطوة في كل تاج مكلل‏

اعلم أيدك الله بروح منه أن الله جعل الليل لأهله مثل الغيب لنفسه فكما لا يشهد أحد فعل الله في خلقه لحجاب الغيب الذي أرسله دونهم كذلك لا يشهد أحد فعل أهل الليل مع الله في عبادتهم لحجاب ظلمة الليل التي أرسلها الله دونهم فهم خير عصبة في حق الله و هم شر فتية في حق أنفسهم ليسوا بأنبياء تشريع لما ورد من غلق باب النبوة و لا يقال في واحد منهم عندهم إنه ولي لما فيه من المشاركة مع اسم الله فيقال فيهم أولياء و لا يقولون ذلك عن أنفسهم و إن بشروا فجعل الليل لباسا لأهله يلبسونه فيسترهم هذا اللباس عن أعين الأغيار يتمتعون في خلواتهم الليلية بحبيبهم فيناجونه من غير رقيب لأنه جعل النوم في أعين الرقباء سباتا أي راحة لأهل الليل إلهية كما هو راحة للناس طبيعية فإذا نام الناس استراح هؤلاء مع ربهم و خلوا به حسا و معنى فيما يسألونه من قبول توبة و إجابة دعوة و مغفرة حوبة و غير ذلك فنوم الناس راحة لهم و إن الله تعالى ينزل إليهم بالليل إلى السماء الدنيا فلا يبقى بينه و بينهم حجاب فلكي و نزوله إليهم رحمة بهم و يتجلى من سماء الدنيا عليهم كما ورد في الخبر فيقول كذب من ادعى محبتي فإذا جنه الليل نام عني أ ليس كل محب يطلب الخلوة بحبيبه هو أنا ذا قد تجليت لعبادي هل من داع فاستجيب له هل من تائب فأتوب عليه هل من مستغفر فاغفر له حتى ينصدع‏ الفجر فأهل الليل هم الفائزون بهذه الحظوة في هذه الخلوة و هذه المسامرة في محاريبهم فهم قائمون يتلون كلامه و يفتحون أسماعهم لما يقول لهم في كلامه إذا قال يا أَيُّهَا النَّاسُ يصفون و يقولون نحن الناس ما تريد منا يا ربنا في ندائك هذا فيقول لهم عز و جل على لسانهم بتلاوتهم كلامه الذي أنزله اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْ‏ءٌ عَظِيمٌ يا أَيُّهَا النَّاسُ يقولون لبيك ربنا يقول لهم اتقوا ربكم الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَ السَّماءَ بِناءً وَ أَنْزَلَ من السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ به من الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ فيقولون يا ربنا خاطبتنا فسمعنا و فهمتنا ففهمنا فيا ربنا وفقنا و استعملنا فيما طلبته منا من عبادتك و تقواك إذ لا حول لنا و لا قوة إلا بك و من نحن حتى تنزل إلينا من علو جلالك و تنادينا و تسألنا و تطلب منا يا أَيُّهَا النَّاسُ يقولون لبيك إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فيقولون يا ربنا أسمعتنا فسمعنا و أعلمتنا فعلمنا فأعصمنا و تعطف علينا فالمنصور من نصرته و المؤيد من أيدته و المخذول من خذلته يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ فيقول الإنسان منهم لبيك يا رب ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ فيقول كرمك يا رب فيقول صدقت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فيقولون لبيك ربنا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقاتِهِ اتَّقُوا الله وَ قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يقولون و أي قول لنا إلا ما تقولنا و هل لمخلوق حول أو قوة إلا بك فاجعل نطقنا ذكرك و قولنا تلاوة كتابك يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فيقولون لبيك ربنا فيقول تعالى عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ من ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ فيقولون ربنا أغريتنا بأنفسنا لما جعلتها محلا لإيمانك فقلت وَ في أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ و قلت سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الْآفاقِ وَ في أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ و الآيات ليست مطلوبة إلا لما تدل عليه و أنت مدلولها فكأنك تقول في قولك عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ أي ألزمونا و ثابروا علينا و ألظوا بنا ثم قلت لا يَضُرُّكُمْ من ضَلَّ أي حار و تلف حين طلبنا بفكره فأراد أن يدخلنا تحت حكم نظره و عقله إِذَا اهْتَدَيْتُمْ بما عرفتكم به مني في كتابي و على لسان رسولي فعرفتموني بما وصفت لكم به نفسي فما عرفتموني إلا بي فلم تضلوا فكانت لكم هدايتي و تقريبي نورا تمشون به على صراطنا المستقيم فلا يزال دأب أهل الليل هكذا مع الله في كل آية يقرءونها في صلاتهم و في كل ذكر يذكرونه به حتى ينصدع الفجر قال محمد بن عبد الجبار النفري و كان من أهل الليل أوقفني الحق في موقف العلم و ذكر رضي الله عنه ما قال له الحق في موقفه ذلك فكان من جملة ما قال له في ذلك الموقف يا عبدي الليل لي لا للقرآن يتلى الليل لي لا للمحمدة و الثناء يقول الله تعالى إِنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا فاجعل الليل لي كما هو لي فإن في الليل نزولي فلا أراك في النهار في معاشك فإذا جاء الليل و طلبتك و نزلت إليك وجدتك نائما في راحتك و في عالم حياتك و ما ثم إلا ليل و نهار فلا في النهار وجدتك و قد جعلته لك و لم أنزل فيه إليك و سلمته لك و جعلت الليل لي فنزلت إليك فيه لأناجيك و أسامرك و أقضي حوائجك فوجدتك قد نمت عني و أسأت الأدب معي مع دعواك محبتي و إيثار جنابي فقم بين يدي و سلني حتى أعطيك مسألتك و ما طلبتك لتتلو القرآن فتقف مع معانيه فإن معانيه تفرقك عني فآية تمشي بك في جنتي و ما أعددت لأوليائي فيها فأين أنا إذا كنت أنت في جنتي مع الحور المقصورات في الخيام كأنهن الياقوت و المرجان متكئا عَلى‏ فُرُشٍ بَطائِنُها من إِسْتَبْرَقٍ وَ جَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ تسقى من رَحِيقٍ مَخْتُومٍ مِزاجُهُ من تَسْنِيمٍ و آية توقفك مع ملائكتي و هم يدخلون عليك من كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ و آية تستشرف بك على جهنم فتعاين ما أعددت فيها لمن عصاني و أشرك بي من سَمُومٍ وَ حَمِيمٍ وَ ظِلٍّ من يَحْمُومٍ لا بارِدٍ وَ لا كَرِيمٍ و ترى الحطمة وَ ما أَدْراكَ ما الْحُطَمَةُ نارُ الله الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ أي مسلطة في عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ أين أنا يا عبدي إذا تلوت هذه الآية و أنت بخاطرك و همتك في الجنة تارة و في جهنم تارة ثم تتلو آية فتمشي بك في القارعة وَ ما أَدْراكَ ما الْقارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ وَ تَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ يوم تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَ تَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَ تَرَى النَّاسَ سُكارى‏ وَ ما هُمْ بِسُكارى‏ وَ لكِنَّ عَذابَ الله شَدِيدٌ و ترى في ذلك اليوم من هذه الآية يَفِرُّ الْمَرْءُ من أَخِيهِ وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ وَ صاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ و ترى العرش في ذلك اليوم تحمله ثمانية أملاك و في ذلك اليوم تُعْرَضُونَ فأين أنا و الليل لي فها أنت يا عبدي في النهار في معاشك و في الليل فيما تعطيه تلاوتك من جنة و نار و عرض فأنت بين آخرةو دنيا و برزخ فما تركت لي وقتا تخلو بي فيه إلا جعلته لنفسك و الليل لي يا عبدي لا للمحمدة و الثناء ثم تتلو آية فَأُولئِكَ (مَعَ) الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ من النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ فتشاهدهم في تلاوتك و تفكر في مقاماتهم و أحوالهم و ما أعطيت الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ وَ الْقانِتِينَ وَ الْقانِتاتِ وَ الصَّادِقِينَ وَ الصَّادِقاتِ وَ الصَّابِرِينَ وَ الصَّابِراتِ وَ الْخاشِعِينَ وَ الْخاشِعاتِ وَ الْمُتَصَدِّقِينَ وَ الْمُتَصَدِّقاتِ وَ الصَّائِمِينَ وَ الصَّائِماتِ فوقفت بالثناء و المحمدة مع كل طائفة أثنيت عليهم في كتابي فأين أنا و أين خلوتك بي‏ ما عرفني و لا عرف مقدار قولي الليل لي و ما عرف لما ذا نزلت إليك بالليل إلا العارف المحقق الذي لقيه بعض إخوانه فقال له يا أخي اذكرني في خلوتك بربك فأجابه ذلك العبد فقال إذا ذكرتك فلست معه في خلوة فمثل ذلك عرف قدر نزولي إلى السماء الدنيا بالليل و لما ذا نزلت و لمن طلبت فأنا أتلو كتابي عليه بلسانه و هو يسمع فتلك مسامرتي و ذلك العبد هو الملتذ بكلامي فإذا وقف مع معانيه فقد خرج عني بفكره و تأمله فالذي ينبغي له أن يصغي إلي و يخلي سمعه لكلامي حتى أكون أنا في تلك التلاوة كما تلوت عليه و أسمعته أكون أنا الذي أشرح له كلامي و أترجم له عن معناه فتلك مسامرتي معه فيأخذ العلم مني لا من فكره و اعتباره فلا يبالي بذكر جنة و لا نار و لا حساب و لا عرض و لا دنيا و لا آخرة فإنه ما نظرها بعقله و لا بحث عن الآية بفكره و إنما ألقى السمع لما أقوله له و هو شهيد حاضر معي أتولي تعليمه بنفسي فأقول له يا عبدي أردت بهذه الآية كذا و كذا و بهذه الآية الأخرى كذا و كذا هكذا إلى أن ينصدع الفجر فيحصل من العلوم على يقين ما لم يكن عنده فإنه مني سمع القرآن و مني سمع شرحه و تفسير معانيه و ما أردت بذلك الكلام و بتلك الآية و السورة فيكون حسن الأدب معي في استماعه و إصاخته فإن طالبته بالمسامرة في ذلك فيجيبني بحضور و مشاهدة يعرض على جميع ما كلمته به و علمته إياه فإن كان أخذه على الاستيفاء و إلا فنجبر له ما نقصه من ذلك فيكون لي لا له و لا لمخلوق فمثل هذا العبد هو لي و الليل بيني و بينه فإذا انصدع الفجر استويت على عرشي أدبر الأمر أفصل الآيات و يمشي عبدي إلى معاشه و إلى محادثة إخوانه و قد فتحت بيني و بينه بابا في خلقي ينظر إلي منه و انظر إليه منه و الخلق لا يشعرون فأحدثه على ألسنتهم و هم لا يعرفون و يأخذ مني على بصيرة و هم لا يعلمون فيحسبون أنه يكلمهم و ما يكلم سواى و يظنون أنه يجيبهم و ما يجيب إلا إياي كما قال بعض أصحاب هذه الصفة

يا مؤنسي بالليل إن هجع الورى و محدثي من بينهم بنهاري‏

و إذ قد أبنت لك عن أهل الليل كيف ينبغي أن يكونوا في ليلهم فإن كنت منهم فقد علمتك الأدب الخاص بأهل الله و كيف ينبغي لهم أن يكونوا مع الله و اعلم أنه تختلف طبقاتهم في ذلك فالزاهد حاله مع الله في ليله من مقام زهده و المتوكل حاله مع الله من مقام توكله و كذلك صاحب كل مقام و لكل مقام لسان هو الترجمان الإلهي فهم متباينون في المراتب بحسب الأحوال و المقامات و أقطاب أهل الليل هم أصحاب المعاني المجردة عن المواد المحسوسة و الخيالية فهم واقفون مع الحق بالحق على الحق من غير حد و لا نهاية و وجود ضد و من أهل الليل من يكون صاحب عروج و ارتقاء و دنو فيتلقاه الحق في الطريق و هو نازل إلى السماء الدنيا فيتدلى إليه فيضع كنفه عليه و كل همة من كل صاحب معراج يتلقاها الحق في ذلك النزول حيث وجدها فمن الهمم من يلقاها الحق في السماء الدنيا و منها من يلقاها في الثانية و فيما بينهما و في الثالثة و فيما بينهما و في الرابعة و فيما بينهما و في الخامسة و فيما بينهما و في السادسة و فيما بينهما و في السابعة و فيما بينهما و في الكرسي و فيما بينهما و في العرش في أول النزول و فيما بينهما و هو مستوي الرحمن فيعطي لتلك الهمة من المعاني و المعارف و الأسرار بحسب المنزل الذي لقيته فيه ثم تنزل معه إلى السماء الدنيا فتقف الهمم بين يديه و يستشرف الحق على من بقي من الهمم من أهل الليل في محاريبهم و ما عرجت فيلقي إليهم الحق تعالى بحسب ما يسألونه في صلاتهم و دعائهم و هم في بيوتهم و في محاريبهم فتسمع تلك الهمم التي لقيته في طريقها ما يكون منه جل جلاله إلى أولئك العبيد فيستفيدون علوما لم تكن عندهم فإنه قد يخطر لهؤلائك الذين ما صعدت هممهم من السؤال للحق في المعارف و الأسرار ما لم يكن في قوة هذه الهمم أن تسألها لقصورها عنها فإذا سمعوا الجواب من الحق الذي يجيب به أولئك القوم الذين في محاريبهم و ما اخترقت هممهم سماء و لا فلكا فيحصل لهم من العلم بالله بقدر ما سأل عنه أولئك الأقوام و ثم همم أخر ارتقت فوق العرش إلى مرتبة النفس فقد تجد الحق هناك وجود تنزيه ما هو وجودها له مثل وجودها له في عالم المساحة و المقدار فيشاهدون مقاما أنزه و منزلا أقدس و بينية لا يحدها التقدير و لا يأخذها التصوير فبينيتها بينية تمييز علوم و مراتب فهوم و من الهمم من يلقاه في العقل الأول و من الهمم ما تلقاه في المقربين من الأرواح المهيمة و من الهمم ما تلقاه في العماء و من الهمم من تلقاه في الأرض المخلوقة من بقية طينة آدم عليه السلام فإذا لقيته هذه الهمم في هذه المراتب أعطاها على قدر تعطشها من المقام الذي بعثها على الترقي إلى هذه المراتب و ينزلون معه إلى السماء الدنيا و على الحقيقة هو ينزلهم إلى السماء الدنيا و ينزل معهم فيستفيدون من العلوم التي يهبها الحق لتلك الهمم التي ما تعدت العرش هكذا كل ليلة ثم تنزل هذه الهمم و قد عرفت ما أكرمها به الحق فاجتمعت بالهمم التي ما برحت من مكانها فوجدتها على طبقات فمنهم من وجد عندهم من العلوم التي لم تتقيد بترق و كان الحق أقرب إليها من حَبْلِ الْوَرِيدِ حين كان مع أولئك في العماء و في السماء الدنيا و ما بينهما قال تعالى وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ فهو مع كل همة حيث كانت و يجدون همما أرضية قد تقدست عن الأينية و عن مراتب العقول فلم تتقيد بحضرة فتنال من العلوم التي تليق بهذه الصفة التي وهبهم الحق منها ما حصلوا عليه من المعارف ما يبهت أولئك الهمم و هي من علوم الإطلاق الخارجة عن الحصر الأيني الفلكي و عن الحصر الروحاني العقلي فهم مع كونهم في ظلمة الطبيعة على نور أضاءت به تلك الظلمة لوجود المشاهدة و هؤلاء هم الذين يعرفون أن إدراك الأشياء المرئية إنما هو من اجتماع نور البصر مع نور الجسم المستنير شمسا كان أو سراجا أو ما كان فتظهر المبصرات فلو فقد الجسم المستنير ما ظهر شي‏ء و لو فقد البصر ما أضاء شي‏ء مما يدركه البصر مع النور الخارج أصلا أ لا ترى صاحب الكشف إذا أظلم الليل و انغلق عليه باب بيته و يكون معه في تلك الظلمة شخص آخر و قد تساويا في عدم الكشف للمبصرات فيكون أحدهم ممن يكشف له في أوقات فيتجلى له نور يجتمع ذلك النور مع نور البصر فيدرك ما في ذلك البيت المظلم مما أراد الله أن يكشف له منه كله أو بعضه يراه مثل ما يراه بالنهار أو بالسراج و رفيقه الذي هو معه لا يرى إلا الظلمة غير ذلك لا يراه فإن ذلك النور ما تجلى له حتى يجتمع بنور بصره فينفر حجاب الظلمة فلو لم يكن الأمر كما ذكرناه لكان صاحب هذا الكشف مثل صاحبه لا يدرك شيئا أو يكون رفيقه مثله يدرك الأشياء فيكون إما من أهل الكشف مثله أو يدركه بنور العلم فإن المكاشف يدركه بنور الخيال كما يدركه النائم و رفيقه إلى جانبه مستيقظ لا يرى شيئا كذلك صاحب الكشف و لو سألت صاحب الكشف هل ترى ظلمة في حال كشفك لقال لا بل يقول أنارت البقعة حتى قلت إن الشمس ما غابت فأدركت المبصرات كما أدركها نهارا و هذه المسألة ما رأيت أحدا نبه عليها إلا أن كان و ما وصل إلي فالكون كله في أصله مظلم فلا يرى إلا بالنورين فإنه يحدث هذا الأمر و نظيره الذي يؤيده إيجاد العالم فإنه من حيث ذاته عدم و لا يكتسب الوجود إلا من كونه قابلا و ذلك لإمكانه و اقتدار الحق المخصص المرجح وجوده على عدمه فلو زال القبول من الممكن لكان كالمحال لا يقبل الإيجاد و قد اشترك المحال و الممكن قبل الترجيح بالوجود في العدم كما أنه مع قبوله لو لم يكن اقتدار الحق ما وجد عين هذا المعدوم الذي هو الممكن فلم تظهر الأعيان المعدومة للوجود إلا بكونها قابلة و هو مثل نور البصر و كون الحق قادرا و هو مثل نور الجسم النير فظهرت الأعيان كما ظهرت المبصرات بالنورين فكما إن الممكن لا يزال قابلا و الحق مقتدرا و مريدا فينحفظ على الممكن إبقاء الوجود إذ له من ذاته العدم كذلك الباصر لا يزال نور بصره في بصره و الشمس متجلية في نورها فتحفظ الأبصار المتعلق بالمبصرات و هي من ذاتها أعني المبصرات غير منورة بل هي مظلمة فاعقل إن كنت تعقل فهذا الأمر أصل ضلال العقلاء و هم لا يشعرون لما لم يعقلوه و هو سر من أسرار الله تعالى جهله أهل النظر و من هذه المسألة يتبين لك قدم الحق و حدوث الخلق لكن على غير الوجه الذي يعقله أهل الكلام و على غير الوجه الذي تعقله الحكماء باللقب لا بالحقيقة فإن الحكماء على الحقيقة هم أهل الله الرسل و الأنبياء و الأولياء إلا أن الحكماء باللقب أقرب إلى العلم من غيرهم حيث لم يعقلوا الله إلا إلها و أهل الكلام من النظار ليس كذلك‏ فأقطاب أهل الليل من يكون الليل في حقهم كالنهار كشفا و شغلا قال تعالى وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَ بِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ أي تعلمون منهم في الصباح ما تعلمون منهم في الليل إذ كان ليلا عند غيرهم ممن ليس له مقام‏الكشف بالليل كما لصاحب النور فالليل و الصباح عنده سواء فهذا معنى قوله أَ فَلا تَعْقِلُونَ فإن ادعت لك نفسك أنك من أهل الليل فانظر هل لها قدم و كشف فيما ذكرت لك فهو المحك و المعيار و لكل ليل في القرآن أمور و علوم لا يعرفها إلا أهل الليل خاصة وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏