في معرفة منزل مجاور لعلم جزئي من علوم الكون و ترتيبه و غرائبه و أقطابه نظم يتضمن ما ترجمنا عليه
اعلم أيدك الله بروح القدس أن هذا المنزل منزل الكمال و هو مجاور منزل الجلال و الجمال هو من أجل المنازل و النازل فيه أتم نازل اعلم أن خرق العوائد على ثلاثة أقسام قسم منها يرجع إلى ما يدركه البصر أو بعض القوي على حسب ما يظهر لتلك القوة مما ارتبطت في العادة بإدراكه و هو في نفسه على غير ما أدركته تلك القوة مثل قوله تعالى يُخَيَّلُ إِلَيْهِ من سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى و هذا القسم داخل تحت قدرة البشر و هو على قسمين منه ما يرجع إلى قوة نفسية و منه ما يرجع إلى خواص أسماء إذا تلفظ بتلك الأسماء ظهرت تلك الصور في عين الرائي أو في سمعه خيالا و ما ثم في نفس الأمر أعني في المحسوس شيء من صورة مرئية و لا مسموعة و هو فعل الساحر و هو على علم أنه ما ثم شيء مما وقع في الأعين و الأسماع و القسم الآخر الذي هو قوة نفسية يكون عنها فيما تراه العين أو أي إدراك كان ما كان من الأمر الذي ظهر عن خواص الأسماء و الفرق بينهما إن الذي يفعله بطريق الأسماء و هو الساحر يعلم أنه ما ثم شيء من خارج و إنما لها سلطان على خيال الحاضرين فتخطف أبصار الناظرين فيرى صورا في خياله كما يرى النائم في نومه و ما ثم في الخارج شيء مما يدركه و هذا القسم الآخر الذي للقوة النفسية منهم من يعلم أنه ما ثم شيء في الخارج و منهم من لا يعلم ذلك فيعتقد إن الأمر كما رآه ذكر أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب مقامات الأولياء في باب الكرامات منه أن عليما الأسود و كان من أكابر أهل الطريق إن بعض الصالحين اجتمع به في قصة أدته إلى أن ضرب عليم الأسود إلى أسطوانة كانت قائمة في المسجد من رخام فإذا هي كلها ذهب فنظر إليها الرجل أسطوانة ذهب فتعجب فقال له يا هذا إن الأعيان لا تنقلب و لكن هكذا تراها لحقيقتك بربك و هي غير ذلك فخرج من كلامه فيما يظهر لمن لا علم له بالأشياء ببادي الرأي أو من أول نظر أن الأسطوانة حجر كما كانت و ليست ذهبا إلا في عين الرائي ثم إن الرجل أبصرها بعد ذلك حجرا كما كانت أول مرة قال تعالى في عصا موسى عليه السلام وَ ما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ ثم قال أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها من يده في الأرض فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى فلما خاف موسى عليه السلام منها على مجرى العادة في النفوس أنها تخاف من الحيات إذا فاجأتها لما قرن الله بها من الضرر لبني آدم و ما علم موسى مراد الله في ذلك و لو علمه ما خاف فقال الله تعالى له خُذْها وَ لا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى أي ترجع عصا كما كانت أو ترجع تراها عصا كما كانت فالآية محتملة فإن الضمير الذي في قوله عز و جل سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى إذا لم تكن عصا في حال كونها في نظر موسى حية لم يجد الضمير على من يعود كما إن الإنسان إذا عودك أمرا ما و هو أنه كان يحسن إليك ثم أساء إليك فتقول له قد تغيرت سيرتك معي ما أنت هو ذاك الذي كان يحسن إلي و معلوم أنه هو فيقال له سيعود معك إلى سيرته الأولى من الإحسان إليك و هو في صورته ما تغير و لكن تغير عليك فعله معك و قدم الله هذا لموسى عليه السلام توطئة لما سبق في علمه سبحانه أن السحرة تظهر لعينه مثل هذا فيكون عنده علم من ذلك حتى لا يذهل و لا يخاف إذا وقع منهم عند إلقائهم حبالهم و عصيهم و خيل إلى موسىأنها تسعى يقول له فلا تخف إذا رأيت ذلك منهم يقوى جأشه فلما وقع من السحرة ما وقع مما ذكر الله لنا في كتابه و امتلأ الوادي من حبالهم و عصيهم و رآها موسى فيما خيل له حيات تسعى فَأَوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى فلم يكن نسبة الخوف إليه في هذا الوقت نسبة الخوف الأول فإن الخوف الأول كان من الحية ف وَلَّى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّبْ حتى أخبره الله تعالى و كان هذا الخوف الآخر الذي ظهر منه للسحرة على الحاضرين لئلا تظهر عليه السحرة بالحجة فيلتبس الأمر على الناس و لهذا قال الله له لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى و لما ظهر للسحرة خوف موسى مما رآه و ما علموا متعلق هذا الخوف أي شيء هو علموا أنه ليس عند موسى من علم السحر شيء فإن الساحر لا يخاف مما يفعله لعلمه أنه لا حقيقة له من خارج و أنه ليس كما يظهر لا عين الناظرين فأمر الله موسى أن يلقي عصاه و أخبر أنها تَلْقَفْ ما صَنَعُوا فلما ألقى موسى عصاه فكانت حية علمت السحرة بأجمعها مما علمت من خوف موسى أنه لو كان ذلك منه و كان ساحرا ما خاف و رأوا عصاه حية حقيقة علموا عند ذلك أنه أمر غيب من الله الذي يدعوهم إلى الايمان به و ما عنده من علم السحر خبر فتلقفت تلك الحية جميع ما كان في الوادي من الحبال و العصي أي تلقفت صور الحيات منها فبدت حبالا و عصيا كما هي و أخذ الله بأبصارهم عن ذلك فإن الله يقول تَلْقَفْ ما صَنَعُوا و ما صنعوا الحبال و لا العصي و إنما صنعوا في أعين الناظرين صور الحيات و هي التي تلقفت عصا موسى فتنبه لما ذكرت لك فإن المفسرين ذهلوا عن هذا الإدراك في أخبار الله تعالى فإنه ما قال تلقف حبالهم و عصيهم فكانت الآية عند السحرة خوف موسى و أخذ صور الحيات من الحبال و العصي و علموا إن الذي جاء به موسى من عند الله فآمنوا بما جاء به موسى عن آخرهم و خروا سجدا عند هذه الآية و قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَ هارُونَ حتى يرتفع الالتباس فإنهم لو وقفوا على العالمين لقال فرعون أنا رب العالمين إياي عنوا فزادوا رب موسى و هارون أي الذي يدعو إليه موسى و هارون فارتفع الإشكال فتوعدهم فرعون بالعذاب فآثروا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة و كان من كلامهم ما قص الله علينا و أما العامة فنسبوا ما جاء به موسى إلى أنه من قبيل ما جاءت به السحرة إلا أنه أقوى منهم و أعلم بالسحر بالتلقف الذي ظهر من حية عصا موسى عليه السلام فقالوا هذا سحر عظيم و لم تكن آية موسى عند السحرة إلا خوفه و أخذ صور الحيات من الحبال و العصي خاصة فمثل هذا خارج عن قوة النفس و عن خواص الأسماء لوجود الخوف الذي ظهر من موسى في أول مرة فكان الفعل من الله و لما واقع السحرة اللبس على أعين الناظرين بتصيير الحبال و العصي حيات في نظرهم أراد الحق أن يأتيهم من بابهم الذي يعرفونه كما قال تعالى وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ فإن الله يراعي في الأمور المناسبات فجعل العصا حية كحيات عصيهم في عموم الناس و لبس على السحرة بما أظهر من خوف موسى فتخيلوا أنه خاف من الحيات و كان موسى في نفس الأمر غير خائف من الحيات لما تقدم له في ذلك من الله في الفعل الأول حين قال له خُذْها وَ لا تَخَفْ فنهاه عن الخوف منها و أعلمه أن ذلك آية له فكان خوفه الثاني على الناس لئلا يلتبس عليهم الدليل و الشبهة و السحرة تظن أنه خاف من الحيات فلبس الله عليهم خوفه كما لبسوا على الناس و هذا غاية الاستقصاء الإلهي في المناسبات في هذا الموطن لأن السحرة لو علمت إن خوف موسى من الغلبة بالحجة لما سارعت إلى الايمان ثم إنه كان لحية موسى التلقف و لم يكن لحياتهم تلقف و لا أثر لأنها حبال و عصى في نفس الأمر فهذا المنزل الذي ذكرناه في هذا الباب أنه مجاور لعلم جزئي من علوم الكون هو هذا العلم الجزئي علم المعجزات لأنه ليس عن قوة نفسية و لا عن خواص أسماء فإن موسى عليه السلام لو كان انفعال العصا حية عن قوة وهمية أو عن أسماء أعطيها ما ولى مدبرا و لم يعقب خوفا فعلمنا أن ثم أمورا تختص بجانب الحق في علمه لا يعرفها من ظهرت على يده تلك الصورة فهذا المنزل مجاور لما جاءت به الأنبياء من كونه ليس عن حيلة و لم يكن مثل معجزات الأنبياء عليهم السلام لأن الأنبياء لا علم لهم بذلك و هؤلاء ظهر ذلك عنهم بهمتهم أو قوة نفسهم أو صدقهم قل كيف شئت فلهذا اختصت باسم الكرامات و لم تسم معجزات و لا سميت سحرا فإن المعجزة ما يعجز الخلق عن الإتيان بمثلها إما صرفا و إما أن تكون ليست من مقدورات البشر العدم قوة النفس و خواص الأسماء و تظهر على أيديهم و إن السحر هو الذي يظهر فيه وجه إلى الحق و هو في نفس الأمر ليس حقا مشتق من السحر الزمانيو هو اختلاط الضوء و الظلمة فما هو بليل لما خالطه من ضوء الصبح و هو ليس بنهار لعدم طلوع الشمس للابصار فكذلك هذا الذي يسمى سحرا ما هو باطل محقق فيكون عدما فإن العين أدركت أمرا ما لا تشك فيه و ما هو حق محض فيكون له وجود في عينه فإنه ليس في نفسه كما تشهده العين و يظنه الرائي و كرامات الأولياء ليست من قبيل السحر فإن لها حقيقة في نفسها وجودية و ليست بمعجزة فإنه على علم و عن قوة همة و أما قول عليم لحقيقتك بربك تراها ذهبا فإن الأعيان لا تنقلب و ذلك لما رآه قد عظم ذلك الأمر عند ما رآه فقال له العلم بك أشرف مما رأيت فاتصف بالعلم فإنه أعظم من كون الأسطوانة كانت ذهبا في نفس الأمر فأعلمه إن الأعيان لا تنقلب و هو صحيح في نفس الأمر أي أن الحجرية لم ترجع ذهبا فإن حقيقة الحجرية قبلها هذا الجوهر كما قبل الجسم الحرارة فقيل فيه إنه حار فإذا أراد الله أن يكسو هذا الجوهر صورة الذهب خلع عنه صورة الحجر و كساه صورة الذهب فظهر الجوهر أو الجسم الذي كان حجرا ذهبا كما خلع عن الجسم الحار الحرارة و كساه البرد فصار باردا فما انقلبت عين الحرارة برودة و الجسم البارد بعينه هو الذي كان حارا فما انقلبت الأعيان كذلك حكاية عليم الجوهر الذي قبل صورة الذهب عند الضرب هو الذي كان قد قبل صورة الحجر و الجوهر هو الجوهر بعينه فالحجر ما عاد ذهبا و لا الذهب عاد حجرا كما إن الجوهر الهيولاني قبل صورة الماء فقيل هو ماء بلا شك فإذا جعلته في القدر و أغليتها على النار إلى أن يصعد بخارا فتعلم قطعا إن صورة الماء زالت عنه و قبل صورة البخار فصار يطلب الصعود لعنصره الأعظم كما كان إذ قامت به صورة الماء يطلب عنصره الأعظم فيأخذ سفلا فهذا معنى قول عليم في هذا المنزل المختص بالأولياء و الهمة المجاورة لعلم المعجزة أن الأعيان لا تنقلب و قوله لحقيقتك بربك أي إذا اطلعت إلى حقيقتك وجدت نفسك عبدا محضا عاجزا ميتا ضعيفا عدما لا وجود لك كمثل هذا الجوهر ما لم يلبس الصور لم يظهر له عين في الوجود فهذا العبد يلبس صور الأسماء الإلهية فتظهر بها عينه فأول اسم يلبسه الوجود فيظهر موجودا لنفسه حتى يقبل جميع ما يمكن أن يقبله الموجود من حيث ما هو موجود فيقبل جميع ما يخلع عليه الحق من الأسماء الإلهية فيتصف عند ذلك بالحي و القادر و العليم و المريد و السميع و البصير و المتكلم و الشكور و الرحيم و الخالق و المصور و جميع الأسماء كما اتصف هذا الجسم بالحجر و الذهب و الفضة و النحاس و الماء و الهواء و لم تزل حقيقة الجسمية عن كل واحد مع وجود هذه الصفات كذلك لا يزول عن الإنسان حقيقة كونه عبدا إنسانا مع وجود هذه الأسماء الإلهية فيه فهذا معنى قوله لحقيقتك بربك أي لارتباط حقيقتك بربك فلا تخلو عن صورة إلهية تظهر فيها كذلك هذا الجسم لا يخلو عن صورة يظهر فيها و كما تتنوع أنت بصور الأسماء الإلهية فينطلق عليك بحسب كل صورة اسم غير الاسم الآخر كذلك ينطلق على هذا الجوهر اسم الحجرية و الذهبية للوصف لا لعينه فقد تبينت فيما ذكرناه الثلاثة الأقسام في خرق العوائد و هي المعجزات و الكرامات و السحر و ما ثم خرق عادة أكثر من هذا و لست أعني بالكرامات إلا ما ظهر عن قوة الهمة لا إني أريد بهذا الاصطلاح في هذا الموضع التقريب الإلهي لهذا الشخص فإنه قد يكون ذلك استدراجا و مكرا و إنما أطلقت عليه اسم الكرامة لأنه الغالب و المكر فيه قليل جدا فهذا المنزل مجاور آيات الأنبياء عليهم السلام و هو العلم الجزئي من علوم الكون لا يجاور السحر فإن كرامة الولي و خرق العادة له إنما كانت باتباع الرسول و الجري على سنته فكأنها من آيات ذلك النبي إذ باتباعه ظهرت للمتحقق بالاتباع فلهذا جاورته فأقطاب هذا المنزل كل ولي ظهر عليه خرق عادة عن غير همته فيكون إلى النبوة أقرب ممن ظهر عنه خرق العادة بهمته و الأنبياء هم العبيد على أصلهم فكذلك أقطاب هذا المنزل فكلما قربت أحوالك من أحوال الأنبياء عليهم السلام كنت في العبودة أمكن و كانت لك الحجة و لم يكن للشيطان عليك سلطان كما قال تعالى إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ و قال يَسْلُكُ من بَيْنِ يَدَيْهِ وَ من خَلْفِهِ رَصَداً فلا أثر للشيطان فيهم فكذلك من قرب منهم و لما عاينت هذا المشهد قلت القصيدة التي أولها
القصيدة بكمالها و هي مذكورة في أول الباب الثلاثين و ثلاثمائة من هذا الكتاب و ترتيب هذا الباب هو ما ذكرناه من مراتب خرق العوائد و أما ما فيه من الغرائب فإلحاق البشر بالروحانيين في التمثل و إلحاق الروحانيين بالبشر في الصورة و ظهور صورة عنهم شبيه الصورة التي يتمثلون بها قال تعالى فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا يسمى روحا مثل ما هو جبريل روح فيحيي الموتى كما يحيي جبريل قال ابن عباس ما وطئ جبريل عليه السلام قط موضعا من الأرض إلا حيي ذلك الموضع و لهذا أخذ السامري قبضة من أثره حين عرفه لما جاء لموسى و قد علم إن وطأته يحيا بها ما وطئه من الأشياء فقبض قبضة من أثر الرسول فرمى بها في العجل الذي صنعه فحيي ذلك العجل و كان ذلك إلقاء من الشيطان في نفس السامري لأن الشيطان يعلم منزلة الأرواح فوجد السامري في نفسه هذه القوة و ما علم بأنها من إلقاء إبليس فقال وَ كَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي و فعل ذلك إبليس من حرصه على إضلاله بما يعتقده من الشريك لله تعالى فخرج عيسى على صورة جبريل في المعنى و الاسم و الصورة الممثلة فالتحقق البشر بالروحاني و التحق الروحاني بصورة البشر في نازلة واحدة و يكفي هذا القدر من هذا الباب فإنه باب واسع لمريم و آسية لحقائق الرسل عليهم السلام فيه مجال رحب فإنه منزل الكمال من حصله ساد على أبناء جنسه و ظهر حاكما على صاحب الجلال و الجمال و هو من مقامات أبي يزيد البسطامي و الأفراد وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى الجزء الحادي و العشرون
(بسم الله الرحمن الرحيم)