قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب التاسع و الثلاثون في معرفة المنزل الذي يحط إليه الولي إذا طرده

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
إذا حط الولي فليس إلا‏ عروج و ارتقاء في علو
فإن الحق لا تقييد فيهففي عين النوى عين الدنو
فحال المجتبى في كل حالسمو في سمو في سمو
فلا حكم عليه بكل وجهو لا تأثير فيه للعلو

اعلم أيدك الله بروح منه إن الله تعالى يقول لإبليس اسجد لآدم فظهر الأمر فيه و قال لآدم و حواء لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فظهر النهي فيهما و التكليف مقسم بين أمر و نهي و هما محمولان على الوجوب حتى تخرجهما عن مقام الوجوب قرينة حال و إن كان مذهبنا فيهما التوقيف فتعين امتثال الأمر و النهي و هذا أول أمر ظهر في العالم الطبيعي و أول نهي و قد أعلمناك أن الخاطر الأول و أن جميع الأوليات لا تكون إلا ربانية و لهذا تصدق و لا تخطئ أبدا و يقطع به صاحبه فسلطانه قوي و لما كان هذا أول أمر و نهي لذلك وقعت العقوبة عند المخالفة و لم يمهل فإذا جاءت الأوامر بالوسائط لم تقو قوة الأول و هي الأوامر الواردة إلينا على ألسنة الرسل و هي على قسمين إما ثوان و هو ما يلقي الله إلى نبيه في نفسه من غير واسطة الملك فيصل إلينا الأمر الإلهي و قد جاز على حضرة كونية فاكتسب منه حالة لم يكن عليها فإن الأسماء الإلهية تلقته في هذه الحضرة الكونية فشاركته بأحكامها في حكمه و إما أن ينزل عليه بذلك الأمر الملك فيكون الأمر الإلهي قد جاز على حضرتين من الكون جبريل و أي ملك كان و أي نبي كان فيكون فعله و أثره في القوة دون الأول و الثاني فلذلك لم تقع المؤاخذة معجلة فأما إمهال إلى الآخرة و إما غفران فلا يؤاخذ بذلك أبدا و فعل الله ذلك رحمة بعباده كما أنه تعالى خص النهي بآدم و حواء و النهي ليس بتكليف عملي فإنه يتضمن أمرا عدميا و هو لا تفعل و من حقيقة الممكن أنه لا يفعل فكأنه قيل له لا تفارق أصلك و الأمر ليس كذلك فإنه يتضمن أمرا وجوديا و هو أن يفعل فكأنه قيل له أخرج عن أصلك فالأمر أشق على النفس من النهي إذ كلف الخروج عن أصله فلو أن إبليس لما عصى و لم يسجد لم يقل ما قال من التكبر و الفضيلة التي نسبها إلى نفسه على غيره فخرج عن عبوديته بقدر ذلك فحلت به عقوبة الله و كانت العقوبة لآدم و حواء لما تكلفا الخروج عن أصلهما و هو الترك و هو أمر عدمي بالأكل و هو أمر وجودي فشرك الله بين إبليس و آدم و حواء في ضمير واحد و هو كان أشد العقوبة على آدم فقيل لهم اهبطوا بضمير الجماعة و لم يكن الهبوط عقوبة لآدم و حواء و إنما كان عقوبة لإبليس فإن آدم أهبط لصدق الوعد بأن يجعل في الأرض خليفة بعد ما تاب عليه و اجتباه و تلقى الكلمات من ربه بالاعتراف فاعترافه عليه‏ السلام في مقابلة كلام إبليس أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ فعرفنا الحق بمقام الاعتراف عند الله و ما ينتجه من السعادة لنتخذه طريقا في مخالفتنا و عرفنا بدعوى إبليس و مقالته لنحذر من مثلها عند مخالفتنا و أهبطت حواء للتناسل و أهبط إبليس للاغواء فكان هبوط آدم و حواء هبوط كرامة و هبوط إبليس هبوط خذلان و عقوية و اكتساب أو زار فإن معصيته كانت لا تقتضي تأبيد الشقاء فإنه لم يشرك بل افتخر بما خلقه الله عليه و كتبه شقيا و دار الشقاء مخصوصة بأهل الشرك فأنزله الله إلى الأرض ليسن الشرك بالوسوسة في قلوب العباد فإذا أشركوا و تبرأ إبليس من المشرك و من الشرك لم ينفعه تبريه منه فإنه هو الذي قال له اكفر كما أخبر الله تعالى فحار عليه وزر كل مشرك في العالم و إن كان موحدا فإنه من سن سنة سيئة فعليه وزرها و وزر من عمل بها فإن الشخص الطبيعي كإبليس و بنى آدم لا بد أن يتصور في نفسه مثال ما يريد أن يبرزه فما سن الشرك و وسوس به حتى تصوره في نفسه على الصورة التي إذا حصلت في نفس المشرك زالت عنه صورة التوحيد فإذا تصورها في نفسه بهذه الصورة فقد خرج التوحيد عن تصوره في نفسه ضرورة فإن الشريك متصور له في نفسه إلى جانب الحق الذي في نفسه متخيلا أعني من العلم بوجوده فما تركه في نفسه وحده فكان إبليس مشركا في نفسه بلا شك و لا ريب و لا بد أن يحفظ في نفسه بقاء صورة الشريك ليمد بها المشركين مع الأنفاس فإنه خائف منهم أن تزول عنهم صفة الشرك فيوحدوا الله فيسعدوا فلا يزال إبليس يحفظ صورة الشرك في نفسه و يراقب بها قلوب المشركين الكائنين في الوقت شرقا و غربا و جنوبا و شمالا و يرد بها الموحدين في المستقبل إلى الشرك ممن ليس بمشرك فلا ينفك إبليس دائما على الشرك فبذلك أشقاه الله لأنه لا يقدر أن يتصور التوحيد نفسا واحدا لملازمته هذه الصفة و حرصه على بقائها في نفس المشرك فإنها لو ذهبت من نفسه لم يجد المشرك من يحدثه في نفسه بالشرك فيذهب الشرك عنه و يكون إبليس لا يتصور الشريك لأنه قد زالت عن نفسه صورة الشريك فيكون لا يعلم أن ذلك المشرك قد زال عن إشراكه فدل إن الشريك يستصحب إبليس دائما فهو أول مشرك بالله و أول من سن الشرك و هو أشقى العالمين فلذلك يطمع في الرحمة من عين المنة و لهذا قلنا إن العقوبة في حق آدم إنما كانت في جمعه مع إبليس في الضمير حيث خاطبهم الحق بالهبوط بالكلام الذي يليق بجلاله و لكن لا بد أن يكون في الكلام الصفة التي يقتضيها لفظ الضمير فإن صورة اللفظ يطلب المعنى الخاص و هذه طريقة لم تجعل العلماء وبالها من ذلك‏ و إنما ذكرنا مسألة آدم تأنيسا لأهل الله تعالى إذا زالوا فحطوا عن مقامهم أن ذلك الانحطاط لا يقضي بشقائهم و لا بد بل يكون هبوطهم كهبوط آدم فإن الله لا يتحيز و لا يتقيد و إذا كان الأمر على هذا الحد و كان الله بهذه الصفة من عدم التقييد فيكون عين هبوط الولي عند الزلة و ما قام به من الذلة و الحياء و الانكسار فيها عين الترقي إلى أعلى مما كان فيه لأن علوه بالمعرفة و الحال و قد يزيد من العلم بالله ما لم يكن عنده و من الحال و هو الذلة و الانكسار ما لم يكن عليهما و هذا هو عين الترقي إلى مقام أشرف فإذا فقد الإنسان هذه الحالة في زلته و لم يندم و لا انكسر و لا ذل و لا خاف مقام ربه فليس من أهل هذه الطريقة بل ذلك جليس إبليس بل إبليس أحسن حالا منه لأنه يقول لمن يطيعه في الكفر إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ الله رَبَّ الْعالَمِينَ و نحن إنما نتكلم على زلات أهل الله إذا وقعت منهم قال تعالى وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلى‏ ما فَعَلُوا و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم الندم توبة و إنما الإنسان الولي إذا كان في المقام الذي كان و الحال التي كان عليها ملتذا بها فلذته إنما كانت بحاله فإن الله يتعالى أن يلتذ به فلما زل وعرته حالة الذلة و الانكسار زالت ضرورة الحالة التي كان يلتذ بوجودها و هي حالة الطاعة و الموافقة فلما فقدها نخيل أنه انحط من عين الله و إنما تلك الحالة لما زالت عنه انحط عنها إذ كانت حالة تقتضي الرفعة و هو الآن في معراج الذلة و الندم و الافتقار و الانكسار و الاعتراف و الأدب مع الله تعالى و الحياء منه فهو يترقى في هذا المعراج فيجد هذا العبد في غاية هذا المعراج حالة أشرف من الحالة التي كان عليها فعند ذلك يعلم أنه ما انحط و أته ترقي من حيث لا يشعر أنه في ترق و أخفى الله ذلك عن أوليائه لئلا يجترءوا عليه في المخالفات كما أخفى الاستدراج فيمن أشقاه الله فقال سَنَسْتَدْرِجُهُمْ من حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ فهم كما قال الله تعالى فيهم وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً كذلك أخفى سبحانه تقريبه و عنايته فيمن‏‏أسعده الله بما شغله الله به من البكاء على ذنبه و مشاهدته زلته و نظره إليها في كتابه و ذهل عن إن ذلك الندم يعطيه الترقي عند الله فإنه ما بشره بقبول التوبة فهو متحقق وقوع الزلة حاكم عليه الانكسار و الحياء مما وقع فيه و إن لم يؤاخذه الله بذلك الذنب فكان الاستدراج حاصلا في الخير و الشر و في السعداء و الأشقياء و لقيت بمدينة فاس رجلا عليه كآبة كأنه يخدم في الأتون فسألت أبا العباس الحصار و كان من كبار الشيوخ عنه فإني رأيته يجالسه و يحن إليه فقال لي هذا رجل كان في مقام فانحط عنه فكان في هذا المقام و كان من الحياء و الانكسار بحالة وجبت عليه السكوت عن كلام الخلق فما زلت ألاطفه بمثل هذه الأدوية و أزيل عنه مرض تلك الزلة بمثل هذا العلاج و كان قد مكنني من نفسه فلم أزل به حتى سرى ذلك الدواء في أعضائه فأطلق محياه و فتح له في عين قلبه باب إلى قبوله و مع هذا فكان الحياء يستلزمه و كذلك ينبغي أن تكون زلات الأكابر غالبا نزولهم إلى المباحات لا غير و في حكم النادر تقع منهم الكبائر قيل لأبي يزيد البسطامي رضي الله عنه أ يعصي العارف فقال وَ كانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَقْدُوراً يريد أن معصيتهم بحكم القدر النافذ فيهم لا أنهم يقصدون انتهاك حرمات الله هم بحمد الله إذا كانوا أولياء عند الله تعالى و جل معصومون في هذا المقام فلا تصدر منهم معصية أصلا انتهاكا لحرمة الله كمعاصي الغير فإن الايمان المكتوب في القلوب يمنع من ذلك فمنهم من يعصي غفلة و منهم من يخالف على حضور عن كشف إلهي قد عرفه الله فيه ما قدره عليه قبل وقوعه فهو على بصيرة من أمره و بينة من ربه و هذه الحالة بمنزلة البشرى في قوله لِيَغْفِرَ لَكَ الله ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ فقد أعلمه بالذنوب الواقعة المغفورة فلا حكم لها و لا لسلطانها فيه فإنه إذا جاء وقت ظهورها يكون في صحبتها الاسم الغفار فتنزل بالعبد و يحجب الغفار حكمها فتكون بمنزلة من يلقي في النار و لا يحترق كإبراهيم عليه السلام فكان في النار و لا حكم لها فيه بالحجاب الذي هو المانع كذلك زلة العارف صاحب مقام الكشف للاقدار تحل به النازلة و حكمها بمعزل عنها فلا تؤثر في مقامه بخلاف من تحل فيه و هو على غير بينة و لا بصيرة بما قدر عليه فهذا يستلزمه الحياء و الندم و الذلة و ذلك ليس كذلك و هنا أسرار إلهية لا يسعنا التعبير عنها و بعد أن فهمناك مراتبهم في هذا المقام و فرقنا لك بين معصية العارفين و بين معاصي العامة من علماء الرسوم و مقلديهم فاعلم أنه حكي عن بعضهم أنه قال اقعد على البساط يريد بساط العبادة و إياك و الانبساط أي التزم ما تعطيه حقيقة العبودة من حيث إنها مكلفة بأمور حدها له سيدها فإنه لو لا تلك الأمور لاقتضي مقامها الإدلال و الفخر و الزهو من أجل مقام من هو عبد له و منزلته كما زها يوما عتبة الغلام و افتخر فقيل له ما هذا الزهو الذي نراه في شمائلك مما لم يكن يعرف قبل ذلك منك فقال و كيف لا أزهو و قد أصبح لي مولى و أصبحت له عبدا فما قبض العبيد من الإدلال و أن يكونوا في الدنيا مثل ما هم في الآخرة إلا التكليف فهم في شغل بأوامر سيدهم إلى أن يفرغوا منها فإذا لم يبق لهم شغل قاموا في مقام الإدلال الذي تقتضيه العبودية و ذلك لا يكون إلا في الدار الآخرة فإن التكليف لهم مع الأنفاس في الدار الدنيا فكل صاحب إدلال في هذه الدار فقد نقص من المعرفة بالله على قدر إدلاله و لا يبلغ درجة غيره ممن ليس له إدلال أبدا فإنه فاتته أنفاس كثيرة في حال إدلاله غاب عما يجب عليه فيها من التكليف الذي يناقض الاشتغال به الإدلال فليست الدنيا بدار إدلال أ لا ترى عبد القادر الجيلي مع إدلاله لما حضرته الوفاة و بقي عليه من أنفاسه في هذه الدار ذلك القدر الزماني وضع خده في الأرض و اعترف بأن الذي هو فيه الآن هو الحق الذي ينبغي أن يكون العبد عليه في هذه الدار و سبب ذلك أنه كان في أوقات صاحب إدلال لما كان الحق يعرفه به من حوادث الأكوان و عصم الله أبا السعود تلميذه من ذلك الإدلال فلازم العبودية المكلفة مع الأنفاس إلى حين موته فما حكي أنه تغير عليه الحال عند موته كما تغير على شيخه عبد القادر و حكى لنا الثقة عندنا قال سمعته يقول طريق عبد القادر في طرق الأولياء غريب و طريقنا في طرق عبد القادر غريب رضي الله عن جميعهم و نفعنا بهم و الله يعصمنا من المخالفات و إن كانت قدرت علينا فالله أسأل أن يجعلنا في ارتكابها على بصيرة حتى يكون لنا بها ارتقاء درجات وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏