قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الثامن و الثلاثون في معرفة من اطلع على المقام المحمدي و لم ينله

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
بين النبوة و الولاية فارق‏ لكن لها الشرف الأتم الأعظم‏
يعنو لها الفلك المحيط بسرهو كذلك القلم العلي الأفخم‏
إن النبوة و الرسالة كانتاو قد انتهت و لها السبيل الأقوم‏
و أقام بيتا للولاية محكمافي ذاته فله البقاء الأدوم‏
لا تطلبنه نهاية يسعى لهافيكون عند بلوغه يتهدم‏
صفة الدوام لذاته نفسيةفهو الولي فقهره متحكم‏
يأوي إليه نبيه و رسولهو العالم الأعلى و من هو أقدم‏

ثبت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إن الرسالة و النبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي و لا نبي‏ الحديث بكماله فهذا الحديث من أشد ما جرعت الأولياء مرارته فإنه قاطع للوصلة بين الإنسان و بين عبوديته و إذا انقطعت الوصلة بين الإنسان و بين عبوديته من أكمل الوجوه انقطعت الوصلة بين الإنسان و بين الله فإن العبد على قدر ما يخرج به عن عبوديته ينقصه من تقريبه من سيده لأنه يزاحمه في أسمائه و أقل المزاحمة الاسمية فأبقى علينا اسم الولي و هو من أسمائه سبحانه و كان هذا الاسم قد نزعه من رسوله و خلع عليه و سماه بالعبد و الرسول و لا يليق بالله أن يسمى بالرسول فهذا الاسم من خصائص العبودية التي لا تصح أن تكون للرب و سبب إطلاق هذا الاسم وجود الرسالة و الرسالة قد انقطعت فارتفع حكم هذا الاسم بارتفاعها من حيث نسبتها بها من الله‏ و لما علم رسول الله صلى الله عليه و سلم أن في أمته من يجرع مثل هذا الكأس و علم ما يطرأ عليهم في نفوسهم من الألم لذلك رحمهم فجعل لهم نصيبا ليكونوا بذلك عبيد العبيد فقال للصحابة ليبلغ الشاهد الغائب فأمرهم بالتبليغ كما أمره الله بالتبليغ لينطلق عليهم أسماء الرسل التي هي مخصوصة بالعبيد و قال صلى الله عليه و سلم رحم الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها يعني حرفا حرفا و هذا لا يكون إلا لمن بلغ الوحي من قرآن أو سنة بلفظه الذي جاء به و هذا لا يكون إلا لنقلة الوحي من المقرءين و المحدثين ليس للفقهاء و لا لمن نقل الحديث على المعنى كما يراه سفيان الثوري و غيره نصيب و لا حظ فيه فإن الناقل على المعنى إنما نقل إلينا فهمه في ذلك الحديث النبوي و من نقل إلينا فهمه فإنما هو رسول نفسه و لا يحشر يوم القيامة فيمن بلغ الوحي كما سمعه و أدى الرسالة كما يحشر المقرئ و المحدث الناقل لفظ الرسول عينه في صف الرسل عليهم السلام فالصحابة إذا نقلوا الوحي على لفظه فهم رسل رسول الله صلى الله عليه و سلم و التابعون رسل الصحابة و هكذا الأمر جيلا بعد جيل إلى يوم القيامة فإن شئنا قلنا في المبلغ إلينا أنه رسول الله و إن شئنا أضفناه لمن بلغ عنه و إنما جوزنا حذف الوسائط لأن رسول الله كان يخبره جبريل عليه السلام و ملك من الملائكة و لا نقول فيه رسول جبريل و إنما نقول فيه رسول الله كما قال الله تعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَ الَّذِينَ مَعَهُ و قال عز و جل ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ من رِجالِكُمْ وَ لكِنْ رَسُولَ الله مع قوله نَزَلَ به الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى‏ قَلْبِكَ و مع هذا فما أضافه الله إلا إلى نفسه‏ فهذا القدر بقي لهم من العبودية و هو خير عظيم امتن به عليهم و مهما لم ينقله الشخص بسنده متصلا غير منقطع فليس له هذا المقام و لا شم له رائحة و كان من الأولياء المزاحمين الحق في الاسم الولي فنقصه من عبوديته بقدر هذا الاسم فلهذا اسم المحدث بفتح الدال أولى به من اسم الولي فإن مقام الرسالة لا يناله أحد بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا بقدر ما بيناه فهو الذي أبقاه الحق تعالى علينا و من هنا تعرف مقام شرف العبودية و شرف المحدثين نقلة الوحي بالرواية و لهذا اشتد علينا غلق هذا الباب و علمنا إن الله قد طردنا من حال العبودية الاختصاصية التي كان ينبغي لنا أن نكون عليها و أما النبوة فقد بينا هالك فيما تقدم في باب معرفة الأفراد و هم أصحاب الركاب‏ ثم إنه تعالى من باب طردنا من العبودة و مقامها قال تعالى قسمت الصلاة بيني و بين عبدي نصفين‏ و من نحن حتى‏ تقع القسمة بيننا و بينه و هو السيد الفاعل المحرك الذي يقولنا في قولنا إِيَّاكَ نَعْبُدُ و أمثال ذلك مما أضافه إلينا و قد علمنا أن نواصينا بيده في قيامنا و ركوعنا و سجودنا و جلوسنا و في نطقنا يقول العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يقول الله حمدني عبدي تفضلا منه فإنه من قوله بهذه اللفظة و ما قدره حتى بقول السيد قال عبدي و قلت له هذا حجاب مسدل فينبغي للعبد أن يعرف أن لله مكرا خفيا في عباده و كل أحد يمكر به على قدر علمه بربه فيأخذ هذا التكريم الإلهي ابتداء من الله مدرجا في نعمة فإذا صلى و تلا قال الحمد لله يقولها حكاية من حيث ما هو مأمور بها لتصح عبوديته في صلاته و لا ينتظر الجواب و لا يقول ليجاب بل يشتغل بما كلفه سيده به من العمل حتى يكون ذلك الجواب و الإنعام من السيد لا من كونه قال فإن القائل على الحقيقة خالق القول فيه فنسلم من هذا المكر و إن كان منزلة رفيعة و لكن بالنظر إلى من هو في غير هذه المنزلة ممن نزل عنها فما ورثنا من رسول الله صلى الله عليه و سلم من هذا المقام الذي أغلق بابه دوننا إلا ما ذكرناه من عناية الحق بمن كشف له عن ذلك و رزقه علم نقل الوحي بالرواية من كتاب و سنة فما أشرف مقام أهل الرواية من المقرءين و المحدثين جعلنا الله ممن اختص بنقله من قرآن و سنة فإن أهل القرآن هم أهل الله و خاصته و الحديث مثل القرآن بالنص فإنه صلى الله عليه و سلم ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏ و ممن تحقق بهذا المقام معنا أبو يزيد البسطامي كشف له منه بعد السؤال و التضرع قدر خرق الإبرة فأراد أن بضع قدمه فيه فاحترق فعلم أنه لا ينال ذوقا و هو كمال العبودة و قد حصل لنا منه صلى الله عليه و سلم شعرة و هذا كثير لمن عرف فما عند الخلق منه إلا ظله و لما أطلعني الله عليه لم يكن عن سؤال و إنما كان عن عناية من الله ثم إنه أيدني فيه بالأدب رزقا من لدنه و عناية من الله بي فلم يصدر مني هناك ما صدر من أبي يزيد بل اطلعت عليه و جاء الأمر بالرقي في سلمة فعلمت إن ذلك خطاب ابتلاء و أمر ابتلاء لا خطاب تشريف على أنه قد يكون بعض الابتلاء تشريفا فتوقفت و سألت الحجاب فعلم ما أردت فوضع الحجاب بيني و بين المقام و شكر لي ذلك فمنحني منه الشعرة التي ذكرناها اختصاصا إلهيا فشكرت الله على الاختصاص بتلك الشعرة غير طالب بالشكر الزيادة و كيف أطلب الزيادة من ذلك و أنا أسأل الحجاب الذي هو من كمال العبودية فسرت في العبودة و ظهر سلطانها و حيل بيني و بين مرتبة السيادة لله الحمد على ذلك و كم طلبت إليها و ما أجبت و هكذا إن شاء الله أكون في الآخرة عبدا محضا خالصا و لو ملكني جميع العالم ما ملكت منه إلا عبوديته خاصة حتى يقوم بذاتي جميع عبودية العالم‏ و للناس في هذا مراتب فالذي ينبغي للعبد أن لا يزيد على هذا الاسم غيره فإن أطلق الله ألسنة الخلق عليه بأنه ولي الله و رأى أن الله قد أطلق عليه اسما أطلقه تعالى على نفسه فلا يسمعه ممن يسميه به إلا على أنه بمعنى المفعول لا بمعنى الفاعل حتى يشم فيه رائحة العبودية فإن بنية فعيل قد تكون بمعنى الفاعل و إنما قلنا هذا من أجل ما أمرنا أن نتخذه سبحانه وكيلا فيما هو له مما نحن مستخلفون فيه فإن في مثل هذا مكرا خفيا فتحفظ منه و يكفي من التنبيه الإلهي العاصم من المكر كونك مأمورا بذلك فامتثل أمره و اتخذه وكيلا لا تدعى الملك فإن الله تولاك فإنه قال وَ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ و اسم الصالح من خصائص العبودية و لهذا وصف محمد صلى الله عليه و سلم نفسه بالصلاح فإنه ادعى حالة لا تكون إلا للعبيد الكمل فمنهم من شهد له بها الحق عز و جل بشرى من الله فقال في عبده يحيى عليه السلام نَبِيًّا من الصَّالِحِينَ و قال في نبيه عيسى عليه السلام وَ كَهْلًا وَ من الصَّالِحِينَ و قال في إبراهيم عليه السلام وَ إِنَّهُ في الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ من أجل الثلاثة الأمور التي صدرت منه في الدنيا و هي قوله عن زوجته سارة إنها أخته بتأويل و قوله إِنِّي سَقِيمٌ اعتذارا و قوله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ إقامة حجة فبهذه الثلاثة يعتذر يوم القيامة للناس إذا سألوه أن يسأل ربه فتح باب الشفاعة فلهذا ذكر صلاحه في الآخرة إذ لم يؤاخذه بذلك كما قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه و سلم لِيَغْفِرَ لَكَ الله ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ و قال عَفَا الله عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ فقدم البشرى قبل العتاب و هذه الآية عندنا بشرى خاصة ما فيها عتاب بل هو استفهام لمن أنصف و أعطى أهل العلم حقهم و أما سليمان و أمثاله عليهم السلام فأخبرنا الحق أنه قال وَ أَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصَّالِحِينَ و إن كانوا صالحين في نفس الأمر عند الله فهم بين سائل في الصلاح و مشهود له به مع كونه نعتا عبوديا لا يليق بالله فما ظنك بالاسم الولي الذي قد تسمى الله به بمعنى الفاعل فينبغي أن لا ينطلق ذلك‏ الاسم على العبد و إن أطلقه الحق عليه فذلك إليه تعالى و يلزم الإنسان عبوديته و ما يختص به من الأسماء التي لم تنطلق قط على الحق لفظا فيما أنزله على نبيه صلى الله عليه و سلم فلما أنزل الله تعالى على عبده محمد صلى الله عليه و سلم هذه الآية ليعرف الناس بها فكان الله حكى عن نبيه صلى الله عليه و سلم ما لا بد له أن يقوله و يتلفظ به فجعله تعالى قرآنا يتلى إذ كان ذلك من خصائص العبيد في نفس الأمر فقال تعالى إِنَّ وَلِيِّيَ الله الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ فشهد له بالصلاح إذا كان الحق حاكيا في هذه الآية و إن كان آمرا فيكون من المشهودين لهم بالصلاح فعرفنا إن الله تولاه و أخبرنا أن الله يتولى الصالحين فشهد لنفسه بالصلاح بالوجه الذي ذكرناه و لم ينقل ذلك عن غيره بل نقل ما يقاربه من قول عيسى عليه السلام إِنِّي عَبْدُ الله آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا وَ بَرًّا بِوالِدَتِي وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا وَ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا يقول الله تعالى تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ أي فكذلك أنت فكان من فضله نيل مثل هذا المقام فاحفظ يا ولي نفسك في التخلق بأسماء الله الحسنى فإن العلماء لم يختلفوا في التخلق بها فإذا وفقت للتخلق بها فلا تغب في ذلك عن شهود آثارها فيك و لتكن فيها و معها بحكم النيابة عنها فتكون مثل اسم الرسول لا تشارك الحق في إطلاق اسم عليك من أسمائه بذلك المعنى و ألزم الأدب وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏