قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب السابع و الثلاثون في معرفة الأقطاب العيسويين و أسرارهم)

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

فاعلم أيدك الله بروح القدس أن‏

القطب من ثبتت في الأمر أقدامه‏ و العيسوى الذي يبديه قدامه‏
و العيسوى الذي يوما له رفعتبين النبيين في الإشهاد أعلامه‏
و جاءه من أبيه كل رائحةكالمسك في شمها بالوحي أعلامه‏
له الحياة فيحيي من يشاء بهافلا يموت و لا تفنيه أيامه‏
فلو تراه و قد جاءته آيتهتسعى لتظهر في الأكوان أحكامه‏
مواجها بلسان أنت قلت لهمبأنك الله و هو الله علامة
جوابه قيل ما قد قيل فاعف و لاتنظر لجرم الذي أرداه إجرامه‏
صلى عليه إله الخلق من رجلأعطى و أعطى الذي أعطاه إكرامه‏

اعلم أيدك الله بروح القدس إنا قد عرفناك إن العيسوى من الأقطاب هو الذي جمع له الميراثان الميراث الروحاني الذي يقع به الانفعال و الميراث المحمدي و لكن من ذوق عيسى عليه السلام لا بد من ذلك و قد بينا مقاماتهم و أحوالهم فلنذكر في هذا الباب نبذا من أسرارهم‏ فمنها أنهم إذا أرادوا أن يعطوا حالا من الأحوال التي هم عليها و هي تحت سلطانهم لما يرون في ذلك الشخص من الاستعداد إما بالكشف و إما بالتعريف الإلهي فيلمسون ذلك الشخص أو يعانقونه أو يقبلونه أو يعطونه ثوبا من لباسهم أو يقولون له ابسط ثوبك ثم يغرفون له مما يريدون أن يعطوه و الحاضر ينظر أنهم يغرفون في الهواء و يجعلونه في ثوبه على قدر ما يحد لهم من الغرفات ثم يقولون له ضم ثوبك مجموع الأطراف إلى صدرك أو ألبسه على قدر الحال التي يحبون أن يهبوه إياها فأي شي‏ء فعلوا من ذلك سرى ذلك الحال في ذلك الشخص المأمور المراد به من وقته لا يتأخر و قد رأينا ذلك لبعض شيوخنا جاء لأقوام من العامة فيقول لي هذا شخص عنده استعداد فيقرب منه فإذا لمسه أو صربه بصدره في ظهره قاصدا أن يهبه ما أراد سرى فيه ذلك الحال من ساعته و خرج مما كان فيه و انقطع إلى ربه و كان أيضا له هذه الحال مكي الواسطي المدفون بمكة تلميذ أزدشير كان إذا أخذه الحال يقول لمن يكون حاضرا معه عانقني أو تعرف الحاضر أمره فإذا رآه متلبسا بحاله عانقة فيسري ذلك الحال في هذا الشخص و يتلبس به شكى جابر بن عبد الله لرسول الله صلى الله عليه و سلم أنه لا يثبت على ظهر الفرس فضرب في صدره بيده فما سقط عن ظهر فرس بعد و نخس رسول الله صلى الله عليه و سلم مركوبا كان تحت بعض أصحابه بطيئا يمشي به في آخر الناس فلما نخسه لم يقدر صاحبه على إمساكه و كان يتقدم على جميع الركاب و ركب رسول الله صلى الله عليه و سلم فرسا بطيئا لأبي طلحة يوم أغير على سرح رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم في حق ذلك الفرس إنا وجدناه لبحرا فما سبق بعد ذلك‏ و شكى لرسول الله صلى الله عليه و سلم أبو هريرة أنه ينسى ما يسمعه من رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال له يا أبا هريرة ابسط رداءك فبسط أبو هريرة رداءه فاغترف رسول الله صلى الله عليه و سلم غرفة من الهواء أو ثلاث غرفات و ألقاها في رداء أبي هريرة و قال له ضم رداءك إلى صدرك فضمه إلى صدره فما نسي بعد ذلك شيئا يسمعه‏ و هذا كله من هذا المقام‏ فانظر في سر هذا الأمر أنه ما ظهر شي‏ء من ذلك إلا بحركة محسوسة لإثبات الأسباب التي وضعها الله ليعلم أن الأمر الإلهي لا ينخرم و أنه في نفسه على هذا الحد فيعرف العارف من ذلك نسب الأسماء الإلهية و ما ارتبط بها من وجود الكائنات و أن ذلك تقتضيه الحضرة الإلهية لذاتها فنصرف العالم المحقق بهذه الأمور و التنبيهات الإلهية على إن الحكمة فيما ظهر و أن ذلك لا يتبدل و أن الأسباب لا ترفع أبدا و كل من زعم أنه رفع سببا بغير سبب فما عنده علم لا بما رفع به و لا بما رفع فلم يمنح عبد شيئا أفضل من العلم و العمل به و هذه أحوال الأدباء من عباد الله تعالى‏ و من أسرارهم أيضا أنهم يتكلمون في فصول البلاغة في النطق و يعلمون إعجاز القرآن و لم يعلم منهم و لا حصل لهم من العلم بلسان العرب و التحقق به على الطريقة المعهودة من قراءة كتب الأدب ما يعلم أنهم حصل لهم ذلك من هذه الجهة بل كان ذلك لهم من الهبات الإلهية بطريق خاص يعرفونه من نفوسهم إذا أعطوا العبارة عن الذي يرد عليهم في بواطنهم من الحقائق و هم أميون و إن أحسنوا الكتابة من طريق النقش و لكن هم عوام الناس فينطقون بما هو خارج في المعتاد عن قوتهم إذ لم يكونوا من العرب و إن كانوا من العرب فلم يكونوا إلا بالنسب لا باللسان فيعرف الإعجاز فيه منه فمن هنالك يعرف إعجاز القرآن و ذلك قول الحق قيل لي في بعض الوقائع أ تعرف ما هو إعجاز القرآن قلت لا قال كونه إخبارا عن حق التزم الحق يكن كلامك معجزا فإن المعارض للقرآن أول ما يكذب فيه أنه يجعله من الله و ليس من الله فيقول على الله ما لا يعلم فلا يثمر و لا يثبت فإن الباطل زهوق لا ثبات له ثم يخبر في كلامه عن‏ أمور مناسبة للسورة التي يريد معارضتها بأمور تناسبها في الألفاظ مما لم يقع و لا كانت فهي باطل و الباطل عدم و العدم لا يقاوم الوجود و القرآن إخبار عن أمر وجودي حق في نفس الأمر فلا بد أن يعجز المعارض عن الإتيان بمثله فمن التزم الحق في أفعاله و أقواله و أحواله فقد امتاز عن أهل زمانه و عن كل من لم يسلك مسلكه فأعجز من أراد التصور على مقامه من غير حق‏ و من أسرارهم أيضا علم الطبائع و تأليفها و تحليلها و منافع العقاقير يعلم ذلك منها كشفا خرج شيخنا أبو عبد الله الغزال كان بالمرية رحمه الله في حال سلوكه من مجلس شيخه أبي العباس بن العريف و كان ابن العريف أديب زمانه فهو بالأحرش بطريق الصماد حية إذ رأى أعشاب ذلك المرج كلها تخاطبه بمنافعها فتقول له الشجرة أو النجم خذني فإني أنفع لكذا و أدفع من المضار كذا حتى ذهل و بقي حائرا من نداء كل شجرة منها تحببا له و تقربا منه فرجع إلى الشيخ و عرفه بذلك فقال له الشيخ ما لهذا خدمتنا أين كان منك الضار النافع حين قالت لك الأشجار إنها نافعة ضارة فقال يا سيدي التوبة قال له الشيخ إن الله فتنك و اختبرك فإني ما دللتك إلا على الله لا على غيره فمن صدق توبتك أن ترجع إلى ذلك الموضع فلا تكلمك تلك الأشجار التي كلمتك إن كنت صادقا في توبتك فرجع أبو عبد الله الغزال إلى الموضع فما سمع شيئا مما كان قد سمعه فسجد لله شكرا و رجع إلى الشيخ فعرفه فقال الشيخ الحمد لله الذي اختارك لنفسه و لم يدفعك إلى كون مثلك من أكوانه تشرف به و هو على الحقيقة يشرف بك فانظر همته رضي الله عنه‏ و إذا علم أسرار الطبائع و وقف على حقائقها علم من الأسماء الإلهية التي علمها الله آدم عليه السلام نصفها و هي علوم عجيبة لما أطلعنا الله عليها من هذه الطريقة رأينا أمرا هائلا و علمنا من سر الله في خلقه و كيف سر الاقتدار الإلهي في كل شي‏ء فلا شي‏ء ينفع إلا به و لا يضر إلا به و لا ينطق إلا به و لا يتحرك إلا به و حجب العالم بالصور فنسبوا كل ذلك إلى أنفسهم و إلى الأشياء و الله يقول يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله و كلامه حق و هو خبر و مثل هذه الأخبار لا يدخلها النسخ فلا فقر إلا إلى الله ففي هذه الآية تسمى الله بكل شي‏ء يفتقر إليه و من هذا الباب يكون الفقير من يفتقر إلى كل شي‏ء و لا يفتقر إليه شي‏ء فيتناول الأسباب على أوضاعها الحكمية لا يخل بشي‏ء منها و هذا الذوق عزيز ما رأينا أحدا عليه فيمن رأيناه و لا نقل إلينا سماعا لا في المتقدم و لا في المتأخر لكن رأينا و نقل إلينا عن جماعة إثبات الأسباب و ليس من هذا الباب فإن الذي نذكره و نطلبه سريان الألوهية في الأسباب أو تجليات الحق خلف حجاب الأسباب في أعيان الأسباب أو سريان الأسباب في الألوهية هذا هو الذي لم نجد له ذائقا إلا قول الله تعالى فهي الآية اليتيمة في القرآن لا يعرف قدرها إذ لا قيمة لها و كل ما لا قيمة له ثبت بالضرورة أنه مجهول القدر و لو اعتقدت فيه النفاسة و من أسرارهم أيضا معرفة النشأتين في الدنيا و هي النشأة الطبيعية و النشأة الروحانية و ما أصلهما و معرفة النشأتين في الدار الآخرة الطبيعية و الروحانية و ما أصلهما و معرفة النشأتين نشأة الدنيا و نشأة الآخرة فهي ستة علوم لا بد من معرفتها و من أسرارهم أنه ما منهم شخص كمل له هذا المقام إلا و يوهب ستمائة قوة إلهية ورثها من جده الأقرب لأبيه فيفعل بها بحسب ما تعطيه فإن شاء أخفاها و إن شاء أظهرها و الإخفاء أعلى فإن العبودة إنما تأخذ من القوي ما تستعين بها على أداء حق أوامر سيدها لثبوت حكم عبوديتها و كل قوة تخرجه عن هذا الباب بالقصد فليس هو مطلوبا لرجال الله فإنهم لا يزاحمون ذا القوة المتين فإن الله ما طلب منهم أن يطلبوا العون منه إلا في عبادته لا أن يظهروا بها ملوكا أربابا كما زعمت طائفة من أهل الكتاب ممن اتخذوا عيسى ربا قالوا إن محمدا يطلب منا أن نعبده كما عبدنا عيسى فأنزل الله تعالى قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى‏ كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا الله وَ لا نُشْرِكَ به شَيْئاً وَ لا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً من دُونِ الله‏ و من أسرارهم أيضا أنهم لا يتعدون في معارجهم من حيث أبيهم السماء الثانية إلا أن يتوجهوا إلى الجد الأقرب فربما ينتهي بعضهم إلى السدرة المنتهى و هي المرتبة التي تنتهي إليها أعمال العباد لا تتعداها و من هناك يقبلها الحق و هي برزخها إلى يوم القيامة الذي يموت فيه صاحب ذلك العمل و يكفي هذا القدر من علم أسرار هذه الجماعة وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى الجزء العشرون‏

(بسم الله الرحمن الرحيم)