قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الرابع و الخمسون في معرفة الإشارات)

الفتوحات المكية — المجلد الأول — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

(بسم الله الرحمن الرحيم)

علم الإشارة تقريب و إبعاد‏ و سيرها فيك تأويب و إسئاد
فابحث عليه فإن الله صيرهلمن يقوم به إفك و إلحاد
تنبيه عصمة من قال الإله لهكن فاستوى كائنا و القوم إشهاد

اعلم أيدنا الله و إياك بروح منه أن الإشارة عند أهل طريق الله تؤذن بالبعد أو حضور الغير قال بعض الشيوخ في محاسن المجالس الإشارة نداء على رأس البعد و بوح بعين العلة يريد أن ذلك تصريح بحصول المرض فإن العلة مرض و هو قولنا أو حضور الغير و لا يريد بالعلة هنا السبب و لا العلة التي اصطلح عليها العقلاء من أهل النظر و صورة لمرض فيها إن المشير غاب عنه وجه الحق في ذلك الغير و من غاب عنه وجه الحق في الأشياء تمكنت منه الدعوى و الدعوى عين المرض و قد ثبت عند المحققين أنه ما في الوجود إلا الله و نحن و إن كنا موجودين فإنما كان وجودنا به و من كان وجوده بغيره فهو في حكم العدم و الإشارة قد ثبتت و ظهر حكمها فلا بد من بيان ما هو المراد بها فاعلم إن الله عز و جل لما خلق الخلق خلق الإنسان أطوارا فمنا العالم و الجاهل و منا المنصف و المعاند و منا القاهر و منا المقهور و منا الحاكم و منا المحكوم و منا المتحكم و منا المتحكم فيه و منا الرئيس و الرءوس و منا الأمير و المأمور و منا الملك و السوقة و منا الحاسد و المحسود و ما خلق الله أشق و لا أشد من علماء الرسوم على أهل الله المختصين بخدمته العارفين به من طريق الوهب الإلهي الذين منحهم أسراره في خلقه و فهمهم معاني كتابه و إشارات خطابه فهم لهذه الطائفة مثل الفراعنة للرسل عليهم السلام و لما كان الأمر في الوجود الواقع على ما سبق به العلم القديم كما ذكرناه عدل أصحابنا إلى الإشارات كما عدلت مريم عليها السلام من أجل أهل الإفك و الإلحاد إلى الإشارة فكلامهم رضي الله عنهم في شرح كتابه العزيز الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ من بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا من خَلْفِهِ إشارات و إن كان ذلك حقيقة و تفسيرا لمعانيه النافعة و رد ذلك كله إلى نفوسهم مع تقريرهم إياه في العموم و فيما نزل فيه كما يعلمه أهل اللسان الذين نزل ذلك الكتاب بلسانهم فعم به سبحانه عندهم الوجهين كما قال تعالى سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الْآفاقِ وَ في أَنْفُسِهِمْ يعني الآيات المنزلة في الآفاق و في أنفسهم‏ فكل آية منزلة لها وجهان وجه يرونه في نفوسهم و وجه آخر يرونه فيما خرج عنهم فيسمون ما يرونه في نفوسهم إشارة ليأنس الفقيه صاحب الرسوم إلى ذلك و لا يقولون في ذلك إنه تفسير وقاية لشرهم و تشنيعهم في ذلك بالكفر عليه و ذلك لجهلهم بمواقع خطاب الحق و اقتدوا في ذلك بسنن الهدى فإن الله كان قادرا على تنصيص ما تأوله أهل الله في كتابه و مع ذلك فما فعل بل أدرج في تلك الكلمات الإلهية التي نزلت بلسان العامة علوم معاني الاختصاص التي فهمها عباده حين فتح لهم فيها بعين الفهم الذي رزقهم و لو كان علماء الرسوم ينصفون لاعتبروا في نفوسهم إذا نظروا في الآية بالعين الظاهرة التي يسلمونها فيما بينهم فيرون أنهم يتفاضلون في ذلك و يعلو بعضهم على بعض في الكلام في معنى تلك الآية و يقر القاصر بفضل غير القاصر فيها و كلهم في مجرى واحد و مع هذا الفضل المشهود لهم فيما بينهم في ذلك ينكرون على أهل الله إذا جاءوا بشي‏ء مما يغمض عن إدراكهم و ذلك لأنهم يعتقدون فيهم أنهم ليسوا بعلماء و أن العلم لا يحصل إلا بالقلم المعتاد في العرف و صدقوا فإن أصحابنا ما حصل لهم ذلك العلم إلا بالتعلم و هو الإعلام الرحماني الرباني قال تعالى اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ من عَلَقٍ اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ فإنه القائل أَخْرَجَكُمْ من بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ و قال تعالى خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ فهو سبحانه معلم الإنسان‏ فلا نشك أن أهل الله هم ورثة الرسل عليهم السلام و الله يقول في حق الرسول وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ و قال في حق عيسى وَ يُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ و قال في حق خضر صاحب موسى عليه السلام وَ عَلَّمْناهُ من لَدُنَّا عِلْماً فصدق علماء الرسوم عندنا فيما قالوا إن العلم لا يكون إلا بالتعلم و أخطئوا في اعتقادهم إن الله لا يعلم من ليس بنبي و لا رسول يقول الله يُؤْتِي الْحِكْمَةَ من يَشاءُ و هي العلم و جاء بمن و هي نكرة و لكن علماء الرسوم لما آثروا الدنيا على الآخرة و آثروا جانب الخلق على جانب الحق و تعودوا أخذ العلم من الكتب و من أفواه الرجال الذين من جنسهم و رأوا في زعمهم أنهم من أهل الله بما علموا و امتازوا به عن العامة حجبهم ذلك عن إن يعلموا أن لله عبادا تولى الله تعليمهم في سرائرهم بما أنزله في كتبه و على ألسنة رسله و هو العلم الصحيح عن العالم المعلم الذي لا يشك مؤمن في كمال علمه و لا غير مؤمن فإن الذين قالوا إن الله لا يعلم الجزئيات ما أرادوا نفي العلم عنه بها و إنما قصدوا بذلك أنه تعالى لا يتجدد له علم بشي‏ء بل علمها مندرجة في علمه‏ بالكليات فأثبتوا له العلم سبحانه مع كونهم غير مؤمنين و قصدوا تنزيهه سبحانه في ذلك و إن أخطئوا في التعبير عن ذلك فتولى الله بعنايته لبعض عباده تعليمهم بنفسه بإلهامه و إفهامه إياهم فألهمها فجورها و تقواها في أثر قوله وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها فبين لها الفجور من التقوى إلهاما من الله لها لتجتنب الفجور و تعمل بالتقوى‏ كما كان أصل تنزيل الكتاب من الله على أنبيائه كان تنزيل الفهم من الله على قلوب بعض المؤمنين به فالأنبياء عليهم السلام ما قالت على الله ما لم يقل لها و لا أخرجت ذلك من نفوسها و لا من أفكارها و لا تعملت فيه بل جاءت به من عند الله كما قال تعالى تَنْزِيلٌ من حَكِيمٍ حَمِيدٍ و قال فيه إنه لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ من بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا من خَلْفِهِ و إذا كان الأصل المتكلم فيه من عند الله لا من فكر الإنسان و رويته و علماء الرسوم يعلمون ذلك فينبغي إن يكون أهل الله العاملون به أحق بشرحه و بيان ما أنزل الله فيه من علماء الرسوم فيكون شرحه أيضا تنزيلا من عند الله على قلوب أهل الله كما كان الأصل و كذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في هذا الباب ما هو الا فهم يؤتيه الله من شاء من عباده في هذا القرآن‏ فجعل ذلك عطاء من الله يعبر عن ذلك العطاء بالفهم عن الله فأهل الله أولى به من غيرهم‏ فلما رأى أهل الله أن الله قد جعل الدولة في الحياة الدنيا لأهل الظاهر من علماء الرسوم و أعطاهم التحكم في الخلق بما يفتون به و ألحقهم بالذين يَعْلَمُونَ ظاهِراً من الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ وَ هُمْ في إنكارهم على أهل الله يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً سلم أهل الله لهم أحوالهم لأنهم علموا من أين تكلموا و صانوا عنهم أنفسهم بتسميتهم الحقائق إشارات فإن علماء الرسوم لا ينكرون الإشارات فإذا كان في غد يوم القيامة يكون الأمر في الكل كما قال القائل‏

سوف ترى إذا انجلى الغبار أ فرس تحتك أم حمار

كما يتميز المحقق من أهل الله من المدعي في الأهلية غدا يوم القيامة قال بعضهم‏

إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى‏

أين عالم الرسوم من‏ قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين أخبر عن نفسه أنه لو تكلم في الفاتحة من القرآن لحمل منها سبعين وقرا

هل هذا إلا من الفهم الذي أعطاه الله في القرآن فاسم الفقيه أولى بهذه الطائفة من صاحب علم الرسوم فإن الله يقول فيهم لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ فأقامهم مقام الرسول في التفقه في الدين و الإنذار و هو الذي يدعو إِلَى الله عَلى‏ بَصِيرَةٍ كما يدعو رسول الله صلى الله عليه و سلم على بصيرة لا على غلبة ظن كما يحكم عالم الرسوم فشتان بين من هو فيما يفتي به و يقوله على بصيرة منه في دعائه إلى الله و هو عَلى‏ بَيِّنَةٍ من رَبِّهِ و بين من يفتي في دين الله بغلبة ظنه‏ ثم إن من شأن عالم الرسوم في الذب عن نفسه إنه يجهل من يقول فهمني ربي و يرى أنه أفضل منه و أنه صاحب العلم إذ يقول من هو من أهل الله إن الله ألقى في سرى مراده بهذا الحكم في هذه الآية أو يقول رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم في واقعتي فأعلمني بصحة هذا الخبر المروي عنه و بحكمه عنده قال أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه في هذا المقام و صحته يخاطب علماء الرسوم أخذتم علمكم ميتا عن ميت و أخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت يقول أمثالنا حدثني قلبي عن ربي و أنتم تقولون حدثني فلان و أين هو قالوا مات عن فلان و أين هو قالوا مات و كان الشيخ أبو مدين رحمه الله إذا قيل له قال فلان عن فلان عن فلان يقول ما نريد نأكل قديدا هاتوا ائتوني بلحم طري يرفع همم أصحابه هذا قول فلان أي شي‏ء قلت أنت ما خصك الله به من عطاياه من علمه اللدني أي حدثوا عن ربكم و اتركوا فلانا و فلانا فإن أولئك أكلوه لحما طريا و الواهب لم يمت و هو أقرب إليكم من حَبْلِ الْوَرِيدِ و الفيض الإلهي و المبشرات ما سد بابها و هي من أجزاء النبوة و الطريق واضحة و الباب مفتوح و العمل مشروع و الله يهرول لتلقى من أتى إليه يسعى و ما يَكُونُ من نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ و هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا فمن كان معك بهذه المثابة من القرب مع دعواك العلم بذلك و الايمان به لم تترك الأخذ عنه و الحديث معه و تأخذ عن غيره و لا تأخذ عنه فتكون حديث عهد بربك يكون المطر فوق رتبتك‏ حيث برز إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم بنفسه حين نزل و حسر عن رأسه حتى أصابه الماء فقيل له في ذلك فقال إنه حديث عهد بربه‏ تعليما لنا و تنبيها ثم لتعلم إن أصحابنا ما اصطلحوا على ما جاءوا به في شرح كتاب الله‏ بالإشارة دون غيرها من الألفاظ إلا بتعليم إلهي جهله علماء الرسوم و ذلك أن الإشارة لا تكون إلا بقصد المشير بذلك أنه يشير لا من جهة المشار إليه و إذا سألتهم عن شرح مرادهم بالإشارة أجروها عند السائل من علماء الرسوم مجرى الغالب مثال ذلك الإنسان يكون في أمر ضاق به صدره و هو مفكر فيه فينادي رجل رجلا آخر اسمه فرج فيقول يا فرج فيسمعه هذا الشخص الذي ضاق صدره فيستبشر و يقول جاء فرج الله إن شاء الله يعني من هذا الضيق الذي هو فيه و ينشرح صدره كما فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم في مصالحة المشركين لما صدوه عن البيت فجاء رجل من المشركين اسمه سهيل فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم سهل الأمر أخذه فالا فكان كما تفاءل به رسول الله صلى الله عليه و سلم فانتظم الأمر على يد سهيل‏ و ما كان أبوه قصد ذلك حين سماه به و إنما جعله له اسما علما يعرف به من غيره و إن كان ما قصد أبوه تحسين اسم ابنه إلا لخير و لما رأى أهل الله أنه قد اعتبر الإشارة استعملوها فيما بينهم و لكنهم بينوا معناها و محلها و وقتها فلا يستعملونها فيما بينهم و لا في أنفسهم إلا عند مجالسة من ليس من جنسهم أو لأمر يقوم في نفوسهم و اصطلح أهل الله على ألفاظ لا يعرفها سواهم إلا منهم و سلكوا طريقة فيها لا يعرفها غيرهم كما سلكت العرب في كلامها من التشبيهات و الاستعارات ليفهم بعضهم عن بعض فإذا خلوا بأبناء جنسهم تكلموا بما هو الأمر عليه بالنص الصريح و إذا حضر معهم من ليس منهم تكلموا بينهم بالألفاظ التي اصطلحوا عليها فلا يعرف الجليس الأجنبي ما هم فيه و لا ما يقولون و من أعجب الأشياء في هذه الطريقة و لا يوجد إلا فيها إنه ما من طائفة تحمل علما من المنطقيين و النجاة و أهل الهندسة و الحساب و التعليم و المتكلمين و الفلاسفة إلا و لهم اصطلاح لا يعلمه الدخيل فيهم إلا بتوقيف من الشيخ أو من أهله لا بد من ذلك إلا أهل هذه الطريقة خاصة إذا دخلها المريد الصادق و بهذا يعرف صدقه عندهم و ما عنده خبر بما اصطلحوا عليه فإذا فتح الله له عين فهمه و أخذ عن ربه في أول ذوقه و ما يكون عنده خبر بما اصطلحوا عليه و لم يعلم أن قوما من أهل الله اصطلحوا على ألفاظ مخصوصة فإذا قعد معهم و تكلموا باصطلاحهم على تلك الألفاظ التي لا يعرفها سواهم أو من أخذها عنهم فهم هذا المريد الصادق جميع ما يتكلمون به حتى كأنه الواضع لذلك الاصطلاح و يشاركهم في الكلام بها معهم و لا يستغرب ذلك من نفسه بل يجد علم ذلك ضروريا لا يقدر على دفعه و كأنه ما زال يعلمه و لا يدري كيف حصل له و الدخيل من غير هذه الطائفة لا يجد ذلك إلا بموقف فهذا معنى الإشارة عند القوم و لا يتكلمون بها إلا عند حضور الغير أو في تأليفهم و مصنفاتهم لا غير وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏