الخواطر أربعة لا خامس لها خاطر رباني و خاطر ملكي و خاطر نفسي و خاطر شيطاني و لا خامس هناك و قد ذكرنا معرفة الخواطر في هذا الكتاب و في بعض كتبنا فلنذكر في هذا الباب الخاطر الشيطاني خاصة اعلم أن الشياطين قسمان قسم معنوي و قسم حسي ثم القسم الحسي من ذلك على قسمين شيطاني إنسي و شيطاني جني يقول الله عز و جل شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَ ما يَفْتَرُونَ فجعلهم أهل افتراء على الله و حدث فيما بينهما في الإنسان شيطان معنوي و ذلك أن شيطان الجن و الإنس إذا ألقى من ألقى منهم في قلب الإنسان أمرا ما يبعده عن الله به فقد يلقي أمرا خاصا و هو خصوص مسألة بعينها و قد يلقي أمرا عاما و يتركه فإن كان أمرا عاما فتح له في ذلك طريقا إلى أمور لا يفطن لها الجني و لا الإنسي تتفقه فيه النفس و تستنبط من تلك الشبه أمورا إذا تكلم بها تعلم إبليس الغواية فتلك الوجوه التي تنفتح له في ذلك الأسلوب العام الذي ألقاه إليه أو لا شيطان الإنس أو شيطان الجن تسمى الشياطين المعنوية لأن كل واحد من شياطين الإنس و الجن يجهلون ذلك و ما قصدوه على التعيين و إنما أرادوا بالقصد الأول فتح هذا الباب عليه لأنهم علموا إن في قوته و فطنته أن يدقق النظر فيه فينقدح له من المعاني المهلكة ما لا يقدر على ردها بعد ذلك و سبب ذلك الأصل الأول فإنه اتخذه أصلا صحيحا و عول عليه فلا يزل التفقه فيه يسرقه حتى خرج به عن ذلك الأصل و على هذا جرى أهل البدع و الأهواء فإن الشياطين ألقت إليهم أصلا صحيحا لا يشكون فيه ثم طرأت عليهم التلبيسات من عدم الفهم حتى ضلوا فينسب ذلك إلى الشيطان بحكم الأصل و لو علموا إن الشيطان في تلك المسائل تلميذ له يتعلم منه و أكثر ما ظهر ذلك في الشيعة و لا سيما في الإمامية منهم فدخلت عليهم شياطين الجن أولا بحب أهل البيت و استفراغ الحب فيهم و رأوا أن ذلك من أسنى القربات إلى الله و كذلك هو لو وقفوا و لا يزيدون عليه إلا أنهم تعدوا من حب أهل البيت إلى طريقين منهم من تعدى إلى بغض الصحابة و سبهم حيث لم يقدموهم و تخيلوا أن أهل البيت أولى بهذه المناصب الدنيوية فكان منهم ما قد عرف و استفاض و طائفة زادت إلى سب الصحابة القدح في رسول الله صلى الله عليه و سلم و في جبريل عليه السلام و في الله جل جلاله حيث لم ينصوا على رتبتهم و تقديمهم في الخلافة للناس حتى أنشد بعضهم ما كان من بعث الأمين أمينا و هذا كله واقع من أصل صحيح و هو حب أهل البيت أنتج في نظرهم فاسدا فضلوا و أضلوا فانظر ما أدى إليه الغلو في الدين أخرجهم عن الحد فانعكس أمرهم إلى الضد قال تعالى يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا من قَبْلُ وَ أَضَلُّوا كَثِيراً وَ ضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ و طائفة ألفت إليهم الشياطين أصلا صحيحا لا يشكون فيه إن النبي صلى الله عليه و سلم قال من سن سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها ثم تركتهم بعد ما حببت إليهم العمل على هذا فجعل بعض الناس لحرصه على الخير يتفقه لكونه يريد تحصيل أجور من عمل بها فإذا سن سنة حسنة يخاف إذا نسبها إلى نفسه لا تقبل منه فيضع لأجل قبولها حديثا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في ذلك و يتأول أن ذلك داخل في حكم قوله من سن سنة حسنة فأجاز الكذب على رسول الله صلى الله عليه و سلم و أن يقول عليه صلى الله عليه و سلم ما لم يقله و لا فاه به لسانه و يرى أن ذلك خير فإن الأصول تعضده فإذا أخطر له الملك قوله صلى الله عليه و سلم من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار و أخطر له أيضا قوله صلى الله عليه و سلم ليس كذب علي ككذب على أحد من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار يتأول ذلك كله بإلقاء الشيطان في خاطره فيقول له إنما ذلك إذا دعا إلى ضلالة و أنا ما سننت إلا خيرا فهو مأجور بالضرورة من كونه سن سنة حسنة و مأزور من كونه كذب على رسول الله صلى الله عليه و سلم و قال عنه إنه صرح بما لم يقله صلى الله عليه و سلم و كذلك إن كان من أهل الخلوات و الرياضات و استعجل الرئاسة من قبل أن يفتح الله عليه بابا من أبواب عبوديته فيلزم طريق الصدق و لا يقف مع رسول الله صلى الله عليه و سلم مثل ما وقف الأول و أنه يجري إلى الافتراء على الله فينسب ذلك الذي سنه إلى الله تعالى و يتأول أنه لا فاعل إلا الله و أنه تعالى المنطق عباده و يصير من وقته لذلك أشعر يا مجبورا و يقول هذا كله خير فإني ما قصدت إلا أن أعضد تلك السنة الحسنة فلم أر أشد في تقويتها من أني أسندها إلى الله تعالى كما هي في نفس الأمر خلق الله تعالى أجراها الله على لساني هذا كله يحدث به نفسه لا يقول ذلك لأحد فإذا كان مع الناس يريهم أن ذلك جاءه من عند الله كما يجيء لأولياء الله على تلك الطريق فإذا أخطر له الملك قول الله تعالى وَ من أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى الله كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَ من قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ الله يتأول ذلك مع نفسه و يقول ما أنا مخاطب بهذه الآية و إنما خوطب بها أهل الدعوى الذين ينسبون الفعل إلى أنفسهم فإنه قال افترى فنسب فعل الافتراء إلى هذا القائل و أنا أقول إن الأفعال كلها لله تعالى لا إلي فهو الذي قال على لساني أ لا ترى النبي صلى الله عليه و سلم قال في الصلاة إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده فكذلك هذا ثم قال أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ فأضاف القول إليه و كذلك قوله إلي و من أنا حتى أقول إلي إذ الله هو المتكلم و هو السميع ثم قال سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ الله و ما أقول أنا ذلك بل الإنزال كله من الله فإذا تفقه في نفسه في هذا كله افْتَرى عَلَى الله كَذِباً و زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فهذا أصل صحيح لهاتين الطائفتين قد ألقاه الشيطان إليهما و تركه عندهما و بقي يتفقه في ذلك فقها نفسيا فإن لم يكن الإنسان على بصيرة و تمييز من خواطره حتى يفرق بين إلقاء الشيطان و إن كان خيرا و بين إلقاء الملك و النفس و يميز بينهما ميزا صحيحا و إلا فلا يفعل فإنه لا يفلح أبدا فإن الشيطان لا يأتي إلى كل طائفة إلا بما هو الغالب عليها و ليس غرضه من الصالحين إلا أن يجهلوه في الأخذ عنه فإذا جهلوه و نسبوا ذلك إلى الله و لم يعرفوا على أي طريق وصل إليهم كأنه قنع منهم بهذا القدر من الجهل و عرف أنهم تحت سلطانه فلا يزال يستدرجه في خيريته حتى يتمكن منه في تصديق خواطره و أنها من الله فيسلخه من دينه كما تنسلخ الحية من جلدها أ لا ترى صورة الجلد المسلوخ منها على صورة الحية كذلك هذا الأمر جاء إبليس إلى عيسى عليه السلام في صورة شخص شيخ في ظاهر الحس لأن الشيطان ليس له إلى باطن الأنبياء عليهم السلام من سبيل فخواطر الأنبياء عليهم السلام كلها إما ربانية أو ملكية أو نفسية لا حظ للشيطان في قلوبهم و من يحفظ من الأولياء في علم الله يكون بهذه المثابة في العصمة مما يلقى لا في العصمة من وصوله إليه فالولي المعتنى به على علامة من الله فيما يلقي إليه الشيطان و سبب ذلك أنه ليس بمشرع و الأنبياء مشرعون فلذلك عصمت بواطنهم فقال لعيسى عليه السلام يا عيسى قل لا إله إلا الله و رضي منه أن يطيع أمره في هذا القدر فقال عيسى عليه السلام أقولها لا لقولك لا إله إلا الله فرجع خاسئا و من هنا تعلم الفرق بين العلم بالشيء و بين الايمان به و أن السعادة في الايمان و هو أن تقول ما تعلمه و ما قلته لقول رسولك الأول الذي هو موسى عليه السلام لقول هذا الرسول الثاني الذي هو محمد صلى الله عليه و سلم لا لعلمك و لا للقول الأول فحينئذ لك يشهد بالإيمان و مالك السعادة و إذا قلت ذلك لا لقوله و أظهرت أنك قلت ذلك لقوله كنت منافقا قال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يريد أهل الكتاب حيث قالوا ما قالوه لأمر نبيهم عيسى أو موسى أو من كان من أهل الايمان بذلك من الكتب المتقدمة و لهذا قال لهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ثم قال لهم آمَنُوا بأنبيائي قولوا لا إله إلا الله لقول محمد صلى الله عليه و سلم لا لعلمكم بذلك و لا لإيمانكم بنبيكم الأول فتجمعوا بين الإيمانين فيكون لكم أجران فيقنع الشيطان من الإنسان أن يلبس عليه بهذا القدر فلا يفرق بين ما هو من عند الله من حيث ما هو من عند الله و لا بين طريق الملك و النفس و الشيطان فالله يجعل لك علامة تعرف بها مراتب خواطرك و مما تعرف به الخواطر الشيطانية و إن كانت في لطاعة بعدم الثبوت على الأمر الواحد و سرعة الاستبدال من خاطر بأمر ما إلى خاطر بأمر آخر فإنه حريص و هو مخلوق من لهب النار و لهب النار سريع الحركة فأصل إبليس عدم البقاء على حالة واحدة في أصل نشأته فهو بحكم أصله و الإنسان له الثبوت فإنه من التراب فله البرد و اليبس فهو ثابت في شغله و كذلك الخواطر النفسية ثابتة ما لم يزلزلها الملك أو الشيطان و متعلق أصل الخواطر الشيطانية إنما هو المحظور فعلا كان أو تركا ثم يليه المكروه فعلا كان أو تركا فالأول في العامة و الثاني في العباد من العامة و قد يتعلق بالمباح في حق المبتدي من أهل طريق الله و يأتي بالمندوب في حق المتوسطين من أهل الله أصحاب السماع فإنه يستدرج كل طائفة من حيث ما هو الغالب عليها فإنه عالم بمواقع المكر و الاستدراج و يأتي العارفين بالواجبات فلا يزال بهم حتى نووا مع الله فعل أمر ما من الطاعات و هو في نفس الأمر عهد يعهده مع الله فإذا استوثق منه في ذلك و عزم و ما بقي إلا الفعل أقام له عبادة أخرى أفضل منها شرعا فيرى العارف أن يقطع زمانه بالأولى فيترك الأول و يشرع في الثاني فيفرح إبليس حيث جعله ينقض عهد الله من بعد ميثاقه و العارف لا خبر له بذلك فلو عرف من أول أن ذلك من الشيطان عرف كيف يرده و كيف يأخذه كما فعل عيسى عليه السلام و كل متمكن من أهل الله من ورثة الأنبياء فيراها مع كونها حسنة هي خواطر شيطانية و كذا جاء للمنافق من أهل الكتاب قال له أ لم تعلم أن نبيك قد بشر بهذا الرجل و قد علمت أنه هو و النبوة تجمعهما فقل له أنك رسول الله لقول نبيك لا لقوله و لا فرق بينهما فيقول المنافق عند ذلك أنك رسول الله فأكذبهم الله فقال تعالى إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله على ما قررهم الشيطان فقال الله وَ الله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ الله يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ في أنهم قالوا ذلك لقولك لا في قولهم أنك رسول الله و لو أراد ذلك كان نفيا لرسالته صلى الله عليه و سلم فقد أعلمتك بمداخل الشيطان إلى نفوس العالم لتحذره و تسأل الله أن يعطيك علامة تعرفه بها و قد أعطاك الله في العامة ميزان الشريعة و ميز لك بين فرائضه و مندوباته و مباحة و محظوره و مكروهه و نص على ذلك في كتابه و على لسان رسوله فإذا خطر لك خاطر في محظور أو مكروه فتعلم أنه من الشيطان بلا شك و إذا خطر لك خاطر في مباح فتعلم أنه من النفس بلا شك فخاطر الشيطان بالمحظور و المكروه اجتنبه فعلا كان أو تركا و المباح أنت مخير فيه فإن غلب عليك طلب الأرباح فاجتنب المباح و اشتغل بالواجب أو المندوب غير أنك إذا تصرفت في المباح فتصرف فيه على حضور أنه مباح و أن الشارع لو لا ما أباحه لك ما تصرفت فيه فتكون مأجورا في مباحك لا من حيث كونه مباحا إلا من حيث إيمانك به أنه شرع من عند الله فإن الحكم لا ينتقل بعد موت رسول الله صلى الله عليه و سلم فإن الحكم هو عين الشرع و قد سد ذلك الباب فالمباح مباح لا يكون واجبا و لا محظورا أبدا و كذلك كل واحد من الأحكام و إن خطر لك خاطر في فرض فقم إليه بلا شك فإنه من الملك و إذا خطر لك خاطر في مندوب فاحفظ أول الخاطر فإنه قد يكون من إبليس فأثبت عليه فإذا خطر لك أن تتركه لمندوب آخر هو أعلى منه و أولى فلا تعدل عن الأول و أثبت عليه و احفظ الثاني و افعل الأول و لا بد فإذا فرغت منه اشرع في الثاني فافعله أيضا فإن الشيطان يرجع خاسئا بلا شك حيث لم يتفق له مقصوده و بهذا الدواء يذهب مرض الشيطان من نفسك و تكون عمري المقام ما يلقاك الشيطان في فج إلا سلك فجا غير فجك إذا عاملته بمثل هذا فحافظ على ما نبهتك عليه فإن الله قد أثنى على الذين يُسارِعُونَ في الْخَيْراتِ وَ هُمْ لَها سابِقُونَ و يكفي هذا القدر وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
(الباب الخامس و الخمسون في معرفة الخواطر الشيطانية)
لو أن الله يفهمنا الذي فيها من الحكم
رأيت الأمر يعلو عنمجال الفكر و الهمم
يدق فليس تظهرهإليك جوامع الكلم